المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمريكا ليست شركة


نور الإسلام
17-01-2012, 06:57 AM
الشرق الأوسط
«الطمع فضيلة».. هكذا أنهى غوردن غيكو، الشخصية الخيالية، كلمته في فيلم «وول ستريت» عام 1987. وفي الفيلم، نال غيكو عقوبته. لكن في الحياة الواقعية، انتصر مذهب غيكو؛ حيث تعتبر السياسة المعتمدة على فكرة أن الطمع فضيلة سببا رئيسيا وراء نمو الدخل بشكل ضخم وبسرعة بالنسبة لنسبة الـ1% الأكثر ثراء في أميركا.
وعلى الرغم من ذلك، فدعونا نركز اليوم على بقية تلك العبارة، التي تشبه أميركا بشركة؛ حيث إنها فكرة تم قبولها على نطاق واسع وتعتبر القاعدة الأساسية في اعتقاد ميت رومني، الذي يرى أنه يجب أن يكون رئيسا فعليا ويؤكد أن ما نحتاجه لإنقاذ اقتصادنا المتداعي هو شخص يحقق نجاحا في عمله.
ومن خلال قيامه بذلك، دعا بالطبع إلى فحص دقيق لمساره الوظيفي. ويبدو أن هناك على الأقل نفحة من غوردن غيكو في الفترة التي قضاها رومني في شركة «باين كابيتال»، إحدى شركات الأسهم الخاصة؛ حيث كان يعمل في شراء وبيع الشركات، وعادة ما كان ذلك يلحق الضرر بموظفيه.
لكن ثمة مشكلة أعمق في الفكرة الشاملة التي مفادها أن ما تحتاجه هذه الأمة هو رجل أعمال ناجح لتولي منصب الرئيس: أميركا، في واقع الأمر، أميركا ليست شركة. ووضع سياسة اقتصادية سديدة لا يماثل مطلقا زيادة أرباح شركة إلى أقصى قدر ممكن. ورجال الأعمال – حتى أعظمهم – لا يمتلكون في العموم أي رؤى مميزة بشأن ما يتطلبه تحقيق انتعاش اقتصادي.
لماذا لا يكون الاقتصاد الوطني مثل اقتصاد شركة؟ أحد الأسباب هو أنه لا توجد محصلة نهائية بسيطة. أما السبب الثاني فهو أن الاقتصاد أكثر تعقيدا بدرجة كبيرة حتى من أضخم شركة قطاع خاص. وعلى الرغم من ذلك، فإن النقطة الأكثر ارتباطا بموقفنا الحالي هي أنه حتى الشركات الضخمة تبيع الكم الضخم مما تنتجه لأفراد آخرين، لا لموظفيها – في حين أنه حتى الشركات الصغيرة تبيع معظم ما تنتجه لنفسها، وتمثل شركات كبرى مثل أميركا عملاءها الرئيسيين.
بالفعل هناك اقتصاد عالمي، لكن ستة من سبعة عمال أميركيين يعملون في صناعات خدمية، والتي تعتبر بعيدة بدرجة كبيرة عن المنافسة الدولية، وحتى شركاتنا الصناعية تبيع الكم الأكبر من إنتاجها للسوق المحلية. وتشكل حقيقة أننا نبيع في الأغلب لأنفسنا فارقا كبيرا عندما نفكر في السياسة.
عليك أن تفكر في ما يحدث عندما تدخل شركة في عمليات خفض تكاليف قاسية. ومن وجهة نظر أصحاب الشركة (لا موظفيها)، كلما زاد تقليل النفقات، تحققت نتائج أفضل. وتضاف الدولارات التي تقتطع من جانب النفقات في الميزانية إلى المحصلة النهائية.
لكن القصة تختلف تماما عندما تخفض حكومة ما نفقاتها في مواجهة اقتصاد راكد. انظروا إلى اليونان وإسبانيا وآيرلندا، التي تبنت جميعها سياسات تقشف قاسية. في كل منها، ارتفع معدل البطالة؛ نظرا لأن التخفيضات في الإنفاق الحكومي تضر بالأساس بالمنتجين المحليين. وفي كل منها أيضا، كان الخفض في عجز الموازنة أقل بكثير من المتوقع؛ نظرا لأن الإقرارات الضريبية تقل مع انهيار الإنتاج وارتفاع معدل البطالة.
والآن، كي نكون صادقين، فإن كون الشخص سياسيا صاحب سيرة مهنية ناجحة لا يعني بالضرورة أنه مؤهل بشكل أفضل لإدارة سياسة اقتصادية من رجل أعمال عادي. لكن رومني يزعم أن سيرته المهنية تجعله ملائما على وجه الخصوص لتولي منصب الرئاسة. هل ذكرت أن آخر رجل أعمال يعيش في البيت الأبيض كان رجلا يدعى هربرت هوفر؟ (ما لم تحسب الرئيس السابق جورج بوش الابن).
وهناك أيضا السؤال المتعلق بما إذا كان رومني يدرك الاختلاف بين إدارة شركة أو مؤسسة وإدارة اقتصاد.
ككثير من المراقبين، أدهشني نوعا ما دفاعه الأخير عن سجله في شركة «باين» بالأساس، وعن أنه اتبع الإجراء نفسه الذي انتهجته إدارة أوباما عندما سعت لإنقاذ صناعة السيارات، بتسريح عاملين خلال هذه العملية. ربما يعتقد المرء أن رومني من الأفضل ألا يتحدث عن سياسة حققت نجاحا كبيرا، التي استنكرها كل عضو في الحزب الجمهوري، من بينهم هو، حينما جرت المناقشات حول إجازتها. لكن ما أدهشني بالفعل هو كيفية تصوير رومني إجراءات الرئيس أوباما: «لقد اتخذ هذه الإجراءات في محاولة لإنقاذ قطاع الأعمال». لا لم يفعل ذلك؛ لقد قام بهذا لإنقاذ الصناعة، ومن ثم، إنقاذ الوظائف التي كانت ستفقد، ومن ثم زيادة الركود الاقتصادي لأميركا. هل يدرك رومني الاختلاف؟
تحتاج أميركا بالطبع إلى سياسات اقتصادية أفضل مما لديها الآن، وفي الوقت الذي يرجع فيه معظم اللوم على السياسات الرديئة إلى الجمهوريين ومعارضتهم لأي إجراء بنّاء، وقع الرئيس أوباما في بعض الأخطاء المؤثرة. لكننا لن نحصل على سياسات أفضل إذا نظر الرجل الذي يجلس في المكتب البيضاوي العام المقبل إلى وظيفته على أنها تتعلق بتدبير عملية لشراء شركة أميركا عن طريق الاقتراض.
* خدمة: نيويورك تايمز»