المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شبهة حول الإلتفات في القرآن


مزون الطيب
30-01-2012, 04:40 PM
ردا على عباس عبد النور [1]

فى ص 152 يستمر عباس عبد النور فى تخطئة أسلوب القرآن الكريم فيزعم أن باب الالتفات (أى تغيُّر الضمير للشخص الواحد فى نفس الجملة من الخطاب للغيبة مثلا، أو من الغيبة إلى التكلم... إلخ) قد اخْتُرِع لتغطية العيب الموجود فى آية "يونس" وأمثالها، إذ تَسْتَعْمِل تلك الآيةُ أولا ضميرَ المخاطبين فى خطابه عزّ وجلّ إلى البشر: "يُسَيِّركم، كنتم"، ثم يتغيّر الضمير من الخطاب إلى الغَيْبة فيقول سبحانه عنهم هم أنفسهم: "بهم، فرحوا، جاءهم، دَعَوْا". ونص الآية: "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)". إن عِبْس يعيب الآية الكريمة ويتهمها بالركاكة والضعف والخطإ لاستعمالها هذا التركيب، مع أنه موجود فى الشعر العربى الجاهلى من قَبْل القرآن، وكذلك فى اللغات الأخرى.




وعلى كل حال فقد وجه السيوطى مثلا فى "الإتقان" الآية على النحو التالى، إذ قال عن الالتفات فى كتاب الله المجيد: "ومثاله من الخطاب إلى الغيبة: "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم‏"،‏ والأصل: "بِكُمْ". ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم التعجب من كفرهم وفعلهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة. وقيل: لأن الخطاب أولا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل "هو الذي يسيركم في البر والبحر‏". فلو كان "وجرين بكم" لَلَزِمَ الذَّمُّ للجميع فالتفتت عن الأول للإشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنُهم ما ذكره عنهم في آخر الآية عُدُولاً من الخطاب العام إلى الخاص‏. ‏قلت‏:‏ ورأيت عن بعض السلف في توجيهه عكس ذلك، وهو أن الخطاب أوله خاصّ، وآخره عامّ. فأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله: "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم‏"‏، قال‏:‏ ذَكَرَ الحديثَ عنهم، ثم حدَّث عن غيرهم، ولم يقل: "وجرين بكم" لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم: "وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق". هذه عبارته. فلله دَرُّ السَّلَف! ما كان أوقَفَهم على المعاني اللطيفة التي يدأب المتأخرون فيها زمانًا طويلاً ويُفْنُون فيها أعمارهم، ثم غايتهم أن يحوموا حول الحِمَى‏!‏‏".
وفى "الإيضاح فى علوم البلاغة" للقزوينى: "التكلم والخطاب والغيبة مطلقا يُنْقَل كل واحد منهما إلى الآخر، ويسمى هذا النقل: "التفاتا" عند علماء المعاني، كقول ربيعة بن مقروم:
بانت سعادُ فأمسى القلب معمودا * وأخلفتك ابنةُ الحُرِّ المواعيدا
فالتفت كما ترى حيث لم يقل: "وأخلفتْني"، وقوله:
تذكرتَ، والذكرى تهيجك، زينبا * وأصبح باقي وصلها قد تقضَّبا
وحَلَّ بفلجٍ فالأباتر أهلُنا * وشطَّتْ فحَلَّتْ غمرةً فمثقّبا
فالتفتَ في البيتين...
مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: "وما ليَ لا أعبد الذي فَطَرني وإليه تُرْجَعون". ومن التكلم إلى الغيبة قوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر* فَصَلِّ لربك وانْحَرْ". ومن الخطاب إلى التكلم قول علقمة بن عبدة:
طحا بك قلبٌ في الحسان طَرُوبُ * بُعَيْدَ الشباب عَصْرَ حانَ مَشِيبُ
يكلِّفني ليلى، وقد شط وَلْيُها * وعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ
ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: "والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه". ومن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: "مالك يوم الدين* إياك نعبد"، وقول عبد الله بن عنمة:
ما إن ترى السيد زيدا في نفوسهمو * كما يراه بنو كوز ومرهوبُ
إن تسألوا الحق نُعْطِ الحقَّ سائلَه * والدرعُ مُحْقَبَةٌ، والسيف مقروبُ
وأما قول امرئ القيس:
تطاول ليلك بالإثمدِ * ونام الخليُّ ولم ترقدِ
وبات، وباتت له ليلةٌ * كليلة ذي العاثر الأرمدِ
وذلك من نبأٍ جاءني * وخُبِّرْتُه عن أبي الأسودِ
فقال الزمخشري فيه ثلاث التفاتات...
واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام. ووجه حسنه، على ما ذكر الزمخشري، هو أن الكلام إذا نُقِل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد...".
وكثيرا ما يستعمل المتكلم لنفسه ضمير الغائب فيقول مثلا: "العبد لله هو صاحب هذا الإنجاز، ولا فخر"، أو "محسوبك (ويقابلها فى الإنجليزية: "your (humble) servant") يرجوك أن تفعل الأمر الفلانى"، أو "كاتب هذه السطور (ويقابلها فى الإنجليزية: "the present writer") يعتقد أن الصواب هو كذا وكذا"... إلخ. وقد انتشرت هذه الأيام فى رسائل الماجستير والدكتوراه قول الطالب عن نفسه: "ويرى الباحث أن..."، مستعملا هو أيضا ضمير الغائب رغم أنه إنما يتحدث عن نفسه، فكان المتوقع أن يستخدم ضمير المتكلم. كذلك يستعمل طه حسين لنفسه فى كتاب "الأيام" كلمة "صاحبنا" أو "صبيّنا" "أو "شيخنا الصبى" أو "الصبى" أو ضمير الغائب مباشرة، ولم يحدث أن لجأ فى الحديث عن ذاته إلى ضمير المتكلم قط. وفى "دروس من القرآن الكريم" للشيخ محمد عبده نجده يقول مثلا فى بداية فصل "العلم والتعليم": "إن بعض إخواننا الذين عرفناهم فى تونس قد طلبوا من الفقير مسامرة أو محاورة... ثم قالوا: درسا، فسألنى بعضهم عن ذلك، فقلت: نعم هو درس، ولكن لا تظنوا أنه درس فى تحقيق مسألة علمية، فإن عندكم من جِلَّة العلماء من نعترف بفضلهم... أما هذا الفقير فرجل سائح قصدتُ هذه الديار للتعرف ببعض المسلمين والنظر فى أحوالهم وأمور دينهم...". ففى هذه السطور تحدث الشيخ عن نفسه مرة بضمير جماعة المتكلمين، ومرة بضمير المفرد الغائب، وثالثة بضمير المتكلم المفرد، وكل ذلك فى سطور معدودات، وعلى نحو متعاقب لا يفصل بين المرة والمرة زمن على الإطلاق.
وفى قصة "قاسم" من مجموعة "المعذبون فى الأرض" يكتب طه حسين: "وفى القارئ حب للاستطلاع أقل ما يوصف به أنه يضايق الكاتب ويأخذ عليه الطريق، ويضطره إلى الوقوف حين كان يؤثر المضى فى كتابته أو يضطره إلى الاستطراد حين كان يفضل ألا يتجاوز الموضوع الذى يعرضه أو يقول فيه. والقارئ لا يكفيه ما أنبأتُه به من أن هذه الفتاة قد تغفلت أمها وانتهزت غيبة أبيها وانسلت من بيتها فى ظلمة الليل... القارئ لا يكتفى بهذا، وإنما يجب أن يعرف كيف نشأت هذه الصلة المبكرة بين فتاة فى السابعة عشرة ورجل قد جاوز الشباب، وهو زوج عمتها. ولولا أنى أرفق بالقارئ ولا أحب أن أَشُقّ عليه... لمضيتُ فى الحديث كما بدأته و لأبيتُ الانحراف إلى هذه الصلة البغيضة لأن الحديث عنها بغيض. ولكن لا بد مما ليس منه بد، فمن حق الكاتب أن يذهب ما شاء من المذاهب فى كتابته، ولكن من حق القارئ أيضا أن يفهم فى وضوح وجلاء ما يقدم إليه الكاتب من المقالات والفصول"، مراوحا بين استعمال ضمير الغائب (أو كلمة "الكاتب") وبين ضمير المتكلم فى الحديث عن نفسه، منتقلا بين هذه إلى تلك، أو من تلك إلى هذه، بغتة وعلى غير انتظار منا أو توقع.
وفى قصة "المعتزلة" من نفس المجموعة بينما نراه يتحدث عن القراء أو القارئ بصيغة الغائب إذا به فجأة يتجه إلى قارئه بالحديث المباشر مستخدما كلمة "يا سيدى". وفى قصة "رفيق" من ذات المجموعة نجده يتحدث عن بطل القصة بضمير الغائب أو مستعملا له كلمة "الصبى"، لنفاجأ فى منتصف القصة بانحراف الضمير فى الحديث عن الصبى إلى صيغة المفرد المتكلم دفعة واحدة دون أى تمهيد.
أم ترى عِبْس يقول بأننا، نحن والأوربيين، وطه حسين بالذات (وما أدراك ماطه حسين وموقفه من كتاب الله؟) نفعل كل هذا من أجل تغطية العيب الذى فى القرآن؟ إنه لأحمق عريق فى الحماقة! ترى أكان كفار العرب ومنافقوهم ويهودهم ونصاراهم يسكتون فلا يشنعوا على القرآن لو كان هذا خطأ فى الأسلوب؟ ثم ما الذى أوقع النبى فى هذا الخطإ لو كان هو مؤلف القرآن على ما يريد عِبْس أن يزرع فى النفوس؟ ترى هل يمكن أن يقع الإنسان فى لغته فى خطإ من هذا النوع ويتكرر منه كثيرا؟ ومع هذا كله نراه (ص154) يزعم أن من أهم أسباب نشأة علم البلاغة (علم البلاغة كله هذه المرة لا باب "الالتفات" فقط) فى لغة العرب الدفاع عن أخطاء القرآن، مع أن شواهد هذا العلم مستقاة من الشعر أولاً وقبل كل شىء، علاوة على أن هذا العلم موجود فى كل اللغات، ومنها اليونانية القديمة والسنسكريتية مثلا. وانظر فى ذلك ما كتبه الجاحظ فى "البيان والتبيين" لدن شرحه لمعنى البلاغة عند عدد من الأمم المختلفة.
وفى الإنجليزية مثلا يوجد الـ"Apostrophe"، الذى يعرّفه Percival Vivian فى معجمه المسمى: "A Dictionary of Literary Terms" بأنه "The rhetorical figure which consists of breaking off from some previous method of address to address some person or thing in the second person, as De Quincey : 'Dismissing her — not to any Thessalian vales of Tempe, but— O ye powers of moral anachronism—to the Chester Post Office". كما يعرّفه Thomas O. Sloane محرر "Encyclopedia of Rhetoric" (ط2001م) قائلا: "Apostroph?: Traditionally, the Greek term apostroph? (Lat. aversio) has designated the rhetorical device that indicates the momentary interruption of discourse, in order to address—often in a vehement tone—a real or imaginary, present or absent, human or nonhuman, living or dead addressee, different from theoriginal addressee of that discourse. This interruption is characterized linguistically by a change from one discursive type to another—as when, for example, one inserts in an expositive–narrative modality, modalities associated with the expressive and appellative functions of language".


ثم هَبِ القرآنَ قد اخترع هذا الأسلوب على غير مثال سابق فى العربية أو فى سواها من اللغات، فما وجه العيب فى هذا البِدْع الكريم إلا فى نظر مَنْ فى بصائرهم عَمًى، وفى أذواقهم فساد؟ إن هناك كتبا همها رصد الأوائل فى هذا المجال أو ذاك من مجالات الحياة، ومنها كتاب "الأوائل" لأبى هلال العسكرى، وكتاب "الأوائل" للطبرانى، وكتاب "الأوائل" للشيبانى، وكتاب "الأوائل" للجراعى، و"المصنَّف" لابن أبى شيبة، و"معجم الأوائل فى تاريخ العرب والمسلمين" لفؤاد صالح السيد، و"موسوعة جينيس"، إذ الريادة والإبداع ليسا بالأمر الهين، بل يجلبان لصاحبهما المجد والحمد. وفى "الشعر والشعراء" لابن قتيبة مثلا ثناء على امرئ القيس، وامرؤ القيس هنا مجرد مثال، لأنه أول من استوقف صاحبه وبكى الديار، وأول من وصف الحصان بأنه قَيْد الأوابد. أفيظن العِلْج الفَدْم أنه مما يعيب القرآن أن يكون أول من ابتدع أسلوب الالتفات؟ ألا إنه لمطموس العقل والمنطق إذن، عديم الحس والشعور!

الدكتور إبراهيم عوض

[1] عباس عبد النور شخصية وهمية ينسب اليه كتاب محنتي مع القرآن غير ان الكاتب الحقيقي للكتاب نصراني جاهل جهول والغرض من اتخاذه اسم عياس هو ايهمام القارئ بان الكاتب مسلم