المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول قوله تعالى عبس وتولى


مزون الطيب
05-02-2012, 12:28 PM
الشيخ عماد الشربيني


3- وأما قوله تعالى: { عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى } (1).
أولاً: هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم الأعمى(2) أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدنى، وعند رسول اللهصلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول: بأساً؟ فيقول: لا، ففى هذا أنزلت "عبس وتولى"(3).
فهذا أصح ما روى فى سبب نزول الآيات، والزعم بأن هذا السبب لا يصح، والقصة مفتعلة، لأن عائشة الراوية لها لم تدركها(4)، قول مردود بما يلى :




أ-أن مرسل الصحابى مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، حكمه على المذهب الصحيح، الوصل المقتضى للاحتجاج به، لأن غالب رواية الصغار من الصحابة عن صحابة مثلهم، وكلهم عدول، ورواية صغار الصحابة عن غيرهم نادرة، فإذا رووها بينوها، وحيث أطلقوا فالظاهر أنها عن الصحابة وأكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات، والقول بأنه لا يحتج بمرسل الصحابى قول ضعيف.

ب-اتفاق أهل الحديث على أن الصحابى الذى شاهد الوحي والتنزيل إذا فسر شيئاً من آى القرآن، أو أخبر عن آية نزلت فى كذا، كان له حكم المرفوع المسند، وقيده بعضهم بما إذا كان التفسير مما لا مجال فيه للاجتهاد، ولا يقال من قبل الرأى(5).
جـ- اتفاق السلف، وجمهور المفسرين على أن فاعل "عبس وتولى" هو رسول الله صلى الله عليه وسلم(6) كما أجمعوا على أن هذه الآيات نزلت فى ابن أم مكتوم(7).
ثانياً : مع صحة سبب نزول الآيات، فليس فيها إثبات ذنب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الآيات إعلام من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأن ذلك المتصدى له ممن لا يتزكى، وأن الصواب والأولى، كان لو كشف له حال الرجلين، لاختار الإقبال على الأعمى لأنه { جاءك يسعى. وهو يخشى } والإعراض عن الكافر، وتوهين أمره لأنه استغنى عن الإسلام بكفره، { وما عليك ألا يزكى } أى ليس عليك بأس فى أن لا يتزكى بالإسلام، والمراد : لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم، بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.
...
... وفعل النبى صلى الله عليه وسلم لما فعل من العبوس والإعراض، وتصديه لذلك الكافر، كان طاعة لله عزوجل، وتبليغاً عنه، واستمالة للكافر، رجاء إسلامه، كما شرعه الله له بالتبليغ، ومن لين الجانب لمن يدعوه، وبالتالى لا معصية ولا مخالفة لله عز وجل(8).

... وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه وإن فقد بصره، كان يسمع مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه صلى الله عليه وسلم بعد سماعه، إيذاء له صلى الله عليه وسلم وذلك معصية عظيمة.
... فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنباً ومعصية، وأن الذى فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الواجب المتعين، سواء كان ابن أم مكتوم مسلماً فى ذلك الوقت، كما هو رأى الجمهور، أو لم يكن أسلم بعد، على ما ذهب إليه السهيلى(9) فى الروض الأنف ورجحه قائلاً : "مع أنه – أى الأعمى – لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول : { وما يدريك لعله يزكى } (عبس:3) ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى، دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل فى الإيمان من قبل – والله أعلم – وإنما دخل فى الإسلام بعد نزول الآية ويدل على ذلك قوله للنبى صلى الله عليه وسلم : "يا محمد استدننى"(10)

، ولم يقل "يا رسول الله استدننى" مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء فى لعله يزكى، عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، و(لعل) تعطى الترجى والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجى والانتظار للتزكى والله أعلم"(11).
... أما قوله تعالى : { أو يذكر فتنفعه الذكرى } (عبس:4) فهو معطوف على قوله "يزكى" الواقع خبراً لحرف الرجاء "لعل" فهو من مدخول الرجاء معه على معنى : أن قوله : "لعله يزكى" يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان(12) ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلى فى اختياره عدم إيمانه حين مجيئه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

... قلت : فى كلا الحالتين إسلامه وعدمه وقتئذ، فليس فى الآيات إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم، وإنما الذنب والمعصية ما فعله ابن أم مكتوم على ما سبق شرحه. وإن كان ثمَّ عتاب موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو بسبب عمى ابن أم مكتوم حيث استحق مزيداً من الرفق به، ولذا ذكره الله فى كتابه بوصفه المشتق من العمى، بيان لعذره فيما واجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكرير القول عليه، وسبب فى أحقية التلطف به والعطف عليه، وأنه جاءه يسعى، أى يمشى مع عجزه، إشارة لذلك، وللصفح عنه(13) وبيان أن عجزه هذا مما له مدخل فى العتاب، الذى جاء بأحسن ما يكون بعدم التصريح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين (عبس وتولى) تلطفاً برسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفاجأة بهذا الخطاب المشعر بالشدة.
... وذهب البعض إلى أن المقصود بالآيات شخص آخر غير النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا يرده ما فى الآيات من قوله تعالى : { فأنت له تصدى } (عبس:6) وقوله : { فأنت عنه تلهى } (عبس:10) فإن ظاهره أن هذا التصدى والتلهى من قبل من يهمه هذا الدين، فيتصدى لهذا، ويتلهى عن ذلك!

... والقول بأن التصدى كان لأهداف أخرى دنيوية، أو أن التصدى للدعوة كان من غيره صلى الله عليه وسلم(14) قول ضعيف يرده ما فى الآيات من كاف الخطاب التى للتعظيم فى قوله تعالى : { وما يدريك لعله يزكى } (عبس:3) وقوله سبحانه : { وما عليك ألا يزكى } (عبس :7) وقوله عز وجل : { وأما من جاءك يسعى } (عبس:8) فهل جاء مثل هذا الخطاب لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
... وهل فيمن يتصدى للدعوة أو غيرها أيام النبوة من يسعى إليه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
وقالا شارحا الشفا، الشهاب الخفاجى، وعلى القارى فى شرحيهما رداً على من قال، إن فاعل "عبس" هو الكافر. قال الخفاجى : "وهو قول فى غاية الضعف، بعيد عن السياق الذى عليه المفسرون أنه النبى صلى الله عليه وسلم"(15) وقال على القارى : "وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل، بل كاد فى مقام النزاع أن يكون مخالفاً للإجماع"(16).

... وبالجملة : ففى هذه القصة ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان، رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه، كان غير متمش مع طبيعة. الهداية الإلهية، التى عليه صلى الله عليه وسلم أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصاً على إيمانهم فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذن يرثون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبليغ رسالته ونهجه فى إيصالها إلى جميع الناس، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبتصحيح هذا الاجتهاد، يعود حكم اجتهاده صلى الله عليه وسلم إلى وحى الله تعالى، وإن كان ثمَّ عتاب فهو على أمر اجتهادى وقع على خلاف الأولى، لا على ذنب، كما أن المعاتب محبور كما سبق(17) أهـ. والله أعلم.

الشيخ عماد الشربيني



الرجوع الي الرد علي شبهات النصارى حول السنة



(1) الآيات1-10 عبس.
(2) هو: عمرو بن قيس بن زائدة، صحابى جليل له ترجمة فى أسد الغابة4/251 رقم 4011، والاستيعاب3/1198 رقم1946 .
(3) أخرجه الحاكم فى المستدرك2/558 رقم3896 وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، والترمذى فى سننه كتاب التفسير، باب سورة عبس5/402 رقم3331 وقال: حديث غريب، من حديث عائشة رضى الله عنها.
(4) ينظر: الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى3/157، والخطوط الطويلة أو الدفاع عن السنة لمحمد بن على الهاشمى ص13 .
(5) ينظر: فتح المغيث للسخاوى1/170،171، والتبصرة والتذكرة للعراقى1/156، وتدريب الراوى1/207، والأحكام للآمدى2/112-118، وإرشاد الفحول للشوكانى1/258-264 .
(6) ينظر : روح المعانى للألوسى 30/ 39، وفتح البارى لابن حجر 8/560 رقم 4937 .
(7) ينظر : فتح القدير للشوكانى 5/382، وجامع الأحكام للقرطبى 19/211 .
(8) الشفا 2/161 بتصرف.
(9) هو : عبد الرحمن بن عبد الله بن أصبغ، أبو القاسم، السهيلى، الأندلسى، المالكى، حافظ، كان عالماً بالعربية، واللغة، والقراءات، بارعاً فى ذلك، جامعاً بين الرواية والدراسة، عالماً بالتفسير، وصناعة الحديث، حافظاً للتاريخ، من مصنفاته : الروض الأنف فى شرح السيرة، ومسألة السرفى عور الدجال، وغير ذلك ما سنة 581هـ له ترجمة فى : طبقات المفسرين للداودى 1/272، رقم 257 وتذكرة الحفاظ للذهبى 4/1348رقم 1099،والديباج المذهب لابن فرحون ص246 رقم 318 .
(10) بياء بين نونين أى : أشر لى إلى موضع قريب منك أجلس فيه. شرح الزرقانى على الموطأ 2/19 رقم 477، والحديث أخرجه مالك عن عروة بن الزبير مرسلاً فى كتاب القرآن، باب ما جاء فى القرآن 1/180 رقم8 .
(11) الروض الأنف للسهيلى 2/151، 152 .
(12) ينظر : جامع البيان للطبرى 30/52 .
(13) المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحها للزرقانى 9/39، 40، وقال بنحو قولهما ذلك من الشيعة الإمامية السيد الأمين فى كتابه الأعيان، وقال بقوله : هاشم معروف الحسينى فى كتابه سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ص193 قائلاً : "والذى أراه أن ما ذكره السيد الأمين مقبول ومعقول، ولا يتنافى مع مقام النبى صلى الله عليه وسلم ولا مع عصمته كما ذكره السيد رحمه الله" أهـ. قلت : وكفى بهذا رداً على من أنكر سبب نزول هذه الآيات ممن هو على مذهبهم. يراجع ص159 .
(14) ينظر : الصحيح من سيرة النبى الأعظم لجعفر مرتضى العاملى 3/161، 162 .
(15) نسيم الرياض فى شرح شفاء القاضى عياض 4/187 .
(16) شرح الشفا لعلى القارى 2/290، ويراجع ما سبق ص179 تأكيداً لذلك.
(17) يراجع :ص147، وينظر : آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى ضوء العصمة والاجتهاد ص286، 287 .