المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيهما خلق أولاً، السماوات أم الأرض؟


نور الإسلام
10-01-2012, 05:46 PM
قالــوا: تناقض القرآن حين تحدث عن ترتيب وجود المخلوقات، فتارة يجعل الأرض مخلوقة قبل السماء (( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) (البقرة: 29)، وأكد هذا في سورة فصلت: (( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ` وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ` ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ` فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )) (فصلت: 9-12)، فهذه الآيات تجعل خلق الأرض قبل خلق السماوات، بدليل قوله ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ) في الموضعين.
وتارة يجعل القرآن خلق السماء قبل خلق الأرض (( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ` رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ` وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ` وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ` أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ` وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ` مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ )) (النازعات: 27-33)([1]).



أيهما خلق أولاً، السماوات أم الأرض؟

وفي الجـواب : عن هذه الشبهة وجوه ثلاثة:
الأول: وهو الذي مال إليه جمهور المفسرين في القديم، ويقوم على أن مادة الأرض خلقت في اليومين الأولين، ثم خلقت السماوات في اليومين الثالث والرابع، ثم دحيت الأرض وجهزت لتصلح لاستقرار حياة الإنسان في اليومين الأخيرين.
وهذا الوجه أخرجه البخاري معلقاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أن رجلاً استشكل مسألة ترتيب الخلق بين السماوات والأرض ، فسأله عنها ؛ فأجابه ابن عباس: (وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض ، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين).([2]) وشهرة هذا الوجه عند المفسرين تغني عن تفصيله.


الثاني: وهو الذي ذكره بعض المتأخرين من أهل العلم، وهو ما يترجح لي، وأجمله بالقول أن السماوات والأرض خلقتا معاً في اليومين الأولين، ثم تكامل خلق الأرض وإعدادها للإنسان في الأربعة الأخيرة من الأيام الستة.
وتفصيله : أن الله خلق السموات والأرض معاً مجتمعين ((أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا )) (الأنبياء: 30)، والرتق ضد الفتق ، أي كانتا منضمتين ، بعضهما إلى بعض، ثم فتقهما الله، فحدث ما يسمى عند علماء الجيولوجيا والفلك بالانفجار الكبير ( فيديو ).
وقد وضحت هذا المعنى الآيات القرآنية كما في قوله تعالى عن يوم القيامة: (( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ )) (الأنبياء: 104)، فالخلق يعود إلى حالته الأولى، فيطوى من جديد ((وَجُمِعَ الْشَمْسُ وَالقَمَرُ)) (القيامة: 9).
وأما كون الخلق للسماوات والأرض في يومين فهو لقول الله عن السماوات:((فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ))، وعن الأرض:( خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ، فهذان هما اليومان الأولان، ثم دحيت الأرض واكتمل إعدادها لصلاح معيشة الإنسان عليها في أربعة أيام أخرى ((وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ )).
وقد يشكل على البعض - ممن قلَّ علمه بلغة العرب ودلالات الألفاظ فيها- أن آيات سورة فصلت تحدثت عن خلق الأرض في يومين، ثم تحدثت عما خلق الله فيها في أربعة أيام ، ثم قال الله بعد ذكر هذا وذا: (( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ))، فاعتقدوا أن ثُمَّ ? تفيد التأخر والتراخي، ومثله فهموه من قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ )) (البقرة: 29).
وهكذا ينحصر الإشكال في دلالة كلمة (ثم) على التراخي والترتيب.
لكن أهل البلاغة يعرفون أن (ثم) لا تفيد بالضـرورة الترتيب الوجودي الذي نعرفه في المتبادر إلى الذهن، بل لـها دلالة أخرى، وهو ما تسميه العرب (الترتيب الذكري).
ولبيان هذا النوع من الدلالة لـ (ثم) نقرأ قول الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده([3])
والمعنى: اذكروا خبر من ساد، ثم اذكروا خبر من ساد أبوه، ثم اذكروا خبر من ساد جده. وليس المعنى أن المرء يسود ثم يسود أبوه ثم يسود جده، بل العكس هو الصحيح، فالمرء يسود بعد سؤدد جده وأبيه.
ويشهد لصحة هذا الفهم قول الشاعر: (ثم ساد قبل ذلك)، فـ (ثم) للترتيب الذكري ، لا الوجودي.
ومثله قول طرفة بن العبد وهو يصف راحلته :
جَنُوح دِفاق عَنْدَلٌ ثم أُفرِعَت لَهَا كَتِفَاها في مُعَالىً مُصَعَّد
فإنه ذكر جملة من محاسنها، ثم نبه على وصف آخر أهم في صفات عنقها، وهو طول قامتها (ثم أُفرعت)، ولا يقصد أن قامتها طالت بعد اتصافها بهذه الصفات([4]).
وهذه الدلالة لـ (ثم) موجودة في القرآن الكريم في مواضع، منها قوله تعالى: (( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ` ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ` ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ )) (السجدة: 7-9)، ومن المعلوم أن التسوية تكون قبل إنجاب النسل، فهذا لا يخفى، ومع ذلك قال القرآن: (( جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ` ثُمَّ سَوَّاهُ )) فـ (ثم) هنا للترتيب الذكري؛ لا الوجودي، والمعنى: ثم اذكر كيف سواه الله.
ونحو هذا ما جاء في سياق وصايا الله لنبيه محمد ?: (( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ )) وفي آخرها يقول: (( ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ` ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ )) (الأنعام: 153-154)، ومن المعلوم أن موسى كان قبل وصية الله لنبينا r، لكن الترتيب الوجودي غير مراد في قوله:((ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى )).
ومثله أمره تبارك وتعالى للمؤمنين بالإفاضة من عرفات بعد حديثه عن المشعر الحرام (( فَاذْكُرُواْ للهَ عِندَ لْمَشْعَرِلْحَرَامِ وَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ لضَّالّينَ )) (البقرة: 198)، ثم عادت الآية التي بعدها للحديث عن مسألة الإفاضة من عرفات ووجوب مخالفة المـشركين فيها، وصدرت الآية بـ(ثم)، فقال الله:(( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) (البقرة: 199)، ومن المعلوم أن الوقوف بعرفات سابق على الوقوف بالمشعر الحرام (مزدلفة).
ومثله قول الله تعالى: (( ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ` ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ )) (التكاثر: 7-8)، والسؤال يكون يوم القيامة قبل رؤية الجحيم، وأمثال هذا الاستخدام لـ(ثم) كثير في القرآن ([5]).
وإذا تبين ما تفيده (ثم) عند العرب ، فلنقرأ الآيات مع أبي حيان الأندلسي وفق هذا المفهوم: "(ثم) لترتيب الأخبار لا لترتيب الزمان والمهلة، كأنه قال: فالذي أخبركم أنه خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ، ثم أخبركم أنه استوى إلى السماء ، فلا تعرض في الآية لترتيب .. فصار كقوله : (( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا )) (البلد: 17) بعد قوله : (( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ )) (البلد: 11)، ومن ترتيب الإخبار (( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ )) (الأنعام: 154) بعد قوله :(( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ )) (الأنعام: 151) .
ويدل على أنه المقصود ؛ الإخبار بوقوع هذه الأشياء من غير ترتيب زماني قوله في الرعد : (( الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا )) (الرعد: 2) الآية، ثم قال بعد :(( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً)) (الرعد: 3) الآية . وظاهر الآية التي نحن فيها جعل الرواسي، وتقدير الأقوات قبل الاستواء إلى السماء وخلقها ، ولكن المقصود في الآيتين الإخبار بصدور ذلك منه تعالى من غير تعرض لترتيب زماني" ([6]).
وهكذا يستبين معنى آيات سورة فصلت التي قد ورد فيها الإشكال، فقد بدأ القرآن بالحديث عن خلق الأرض، لأنها القريب المباشر للإنسان، ثم انتقل للحديث عن البعيد ، وهو السموات ، من غير أن يكون ذلك مقتضياً خلق الأرض قبل السماء.
وهكذا، فهذان الوجهان مذكوران عند العلماء في القديم والجديد، قد أشار ابن جزيء في تفسيره إلى صحتهما بقوله: " الجواب من وجهين‏:‏ أحدهما: أن الأرض خلقت قبل السماء‏,‏ ودحيت بعد ذلك‏,‏ فلا تعارض‏,‏ والآخر: تكون (ثم) لترتيب الأخبار"‏ ([7]).


الوجه الثالث: أن الخلق على نوعين: خلق إيجاد، وخلق تقدير، فأما خلق الإيجاد فهو الخلق المعلوم، وأما خلق التقدير فكما في قول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض القوم يخلق ثم لا يفري
وضرب الرازي لهذه الخلقة مثلاً بقول الله: (( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ )) (آل عمران: 59)، إذ "لا يقال للشـيء الذي وجد: كن ، بل الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حقه تعالى ؛ حكمه أن سيوجد ، وقضاؤه بذلك بمعنى خلق الأرض في يومين ، وقضاؤه بحدوث كذا ، أي مدة كذا ، لا يقتضي حدوثه ذلك في الحال ، فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء"([8]).
فهذه أوجه ثلاثة من تدبرها استبان له المعنى، وعلم براءة القرآن من الاختلاف والتناقض، وعلم سعة لغة العرب وجهل أعاجم العرب المتحدثين بالسوء عن القرآن العظيم.

كتبه / الدكتور منقذ السقار

الهوامش

([1]) قبل المضي في جواب هذه الشبهة أود الهمس في آذان مثيري هذه الأُبطولة وأضرابهم، وأقول بأن لغة العرب أوسع بكثير من فهومهم الكليلة، فقول العرب (بعد هذا) أو (بعد ذلك) لا يفيد بالضرورة التراخي والترتيب الزماني، بل قد تأتي بمعنى (إضافة إلى ذلك)، وهو تأويل ذكره بعض المفسرين لقوله تعالى: ? وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ? (النازعات: 30)، أي إضافة إلى خلقه السماوات فإنه دحى الأرض.
وهذا المعنى لـ (بعد) مشهور عند العرب، وقد تكرر في القرآن في مواضع ، منها قوله : ?هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ` مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ `عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ? (القلم: 13)، أي هو ملحق في قومه وليس منهم؛ إضافة إلى اتصافه بتلك الصفات الذميمة، ومن المعلوم أن كونه دعياً في قومه متقدم في التاريخ على اتصافه بهذه الصفات، فهو كذلك من قبل.
ومثله قوله: ? فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ? (التحريم: 4)، أي أن الله يتولى النبي ? وجبريل والمؤمنون، وينضاف إليهم تأييد الملائكة.
([2]) انظر: باب تفسير القرآن في صحيح البخاري.
([3])انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (1/102)، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، ص (159)، وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك (1/211).
([4]) انظر: التحرير والتنوير ، ابن عاشور (1/376-377).
([5]) انظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، محمد عبد الخالق عضيمة (2/116-118).
([6]) البحر المحيط، أبو حيان (5/354).
([7]) ‏التسهيل في علوم التنزيل، ابن جزيء (1/‏43‏)، وانظر الجواهر الحسان، الثعالبي (1/42)، والمحرر الوجيز، ابن عطية (1/223).
([8]) التفسير الكبير، الرازي (28/107).