المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تتبدل كلمات الله؟


نور الإسلام
10-01-2012, 05:48 PM
قالــوا: اختلف القرآن في مسألة تبديل كلام الله، فحين يكون المقصود فيه التوراة والإنجيل فإن المسلمين يقولون بوقوع التبديل والتحريف محتجين بقول القرآن: (( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون )) (البقرة: 79)، في حين أن آيات أخرى تذكر أن كلمات الله لا تتبدل (( لا تبديل لكلمات الله)) (يونس: 64)، وكذا قوله: (( ولا مبدل لكلمات الله)) (الأنعام: 34)، وكذا قوله: (( لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم))(الأنعام: 115)؛ إذ لا يقوى البشر على ذلك (( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته )) (الكهف: 27).






والجـواب: أن اللبس إنما وقع لاجتزاء النصوص وإخراجها من مساقها، وتحويرها وتحريف معناها لتدل على غير ما تحدثت عنه، فإن القرآن ذكر تحريف أهل الكتاب لكتاب الله، وتلاعبهم به زيادة ونقصاً، وليس هذا موضع بسطه.
وفي مقابله ذكر القرآن نوعين من كلمات الله لا تتبدل:
الأول : القرآن، وهو وإن كان من جنس ما نزل على أهل الكتاب؛ إلا أن الله خصه بالحفظ دون سائر كتبه (( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته )) (الكهف: 27)، فالكلام الذي لا يبدل هو ( ما أوحي إليك ) أي القرآن الذي قال الله عنه: (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ` لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )) (فصلت: 41-42) [1]
وأما قول الله تعالى: ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماتهِ وهو السميع العليم)) (الأنعام: 114-115)، فقد اختلف العلماء في المراد بـ ( لا مبدل لكلماته ) فقال بعضهم: هو القرآن، وقال بعضهم: المقصود نواميسه الكونية، والسياق محتمل للمعنيين، وكلا الأمرين لا يبدله أحد ، ولا يقدر على تبديله.


وقد جمع بين المعنيين أبو جعفر الطبري بقوله: "يقول تعالى ذكره: ( وكملت كلمة ربك ))، يعني القرآن ..(( لا مبدل لكلماته )) يقول: لا مغير لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقع فيه ، وذلك نظير قوله جل ثناؤه: (( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ الله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ )) (الفتح: 15)، فكانت إرادتُهم تبديلَ كلام الله، مسألتَهم نبيَّ الله أن يتركهم يحضرون الحرب معه" [2] .
الثانـي : موعود الله وقضاؤه، فالله لا يخلف الميعاد، ولا يقوى أحد على تغيير قضائه وموعوده تبارك وتعالى، وذلك قوله تعالى: (( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين)) (الأنعام: 34)، فما لا يتبدل هو موعود الله لأنبيائه بالنصر، ومثله في موعود الله للمؤمنين بالجنة (( الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم)) (يونس : 63-64)، فالحديث في الآيات المانعة من تبديل كلام الله يتعلق بالقرآن أو بموعود الله لعباده، ولا يتحدث عن الكتاب المقدس الذي توعد الله محرفيه ومبدليه بالويل والثبور: ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)) (البقرة: 79).



كتبه / الدكتور منقذ السقار

الهوامش

[1] كثيراً ما يستنكر أهل الكتاب معتقد المسلمين بسلامة القرآن من التحريف، ونسبته ذلك إلى كتبهم، فيتساءلون : أما كان الله قادراً على حفظ هذه الكتب من التبديل والضياع، فكيف قدر البشـر على تحريفها؟!
والحق أن الله على كل شيء قدير، ولو تعلقت مشيئته بحفظ كتبه لحفظها؛ ولما استطاع تحريفها إنس ولا جان، وأيضاً لو أراد عز وجل حفظ أنبيائه من القتل والاضطهاد؛ لفعل، لكنه لم يشأ ذلك، فتعرض لهم السفهاء بالقتل والتنكيل.
ومسألة تحريف كتب الله لا تختلف عن مسألة قتل الأنبياء، فكما أقدر الله عتاة بني إسرائيل على قتل أنبيائه؛ فإنه أقدرهم على تحريف كتبه، من غير ضعف منه تبارك وتعالى، فهو فعال لما يريد.
[2] جامع البيان، الطبري (12/62).