المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فصول في التاريخ والعمران بالغرب الإسلامي


نور الإسلام
05-10-2012, 06:59 PM
الدكتور محمد الأمين بلغيث
[جامعة الجزائر]






فصـــــــول في التاريخ
والعمران بالغرب الإسلامي






أنتير سينيي
الجزائر
1428هـ/2007م.










الطبعة الأولى


ردمك
9789961.9728.0.9
الإيداع القانوني
2007.2317
حقوق الطبع محفوظة
Editions InterSignes
أنتر سينيي
الجزائر1428هـ/2007م.












الإهداء:




إلى الوليين الصالحين سيدي أحمد الكبير رمز مدينة الورود، والعالم الزاهد سيدي عبد الرحمن الثعالبي،رمز مدينة الجزائر وفحص المتيجة أهدي هذه الشذرات والنفحات المسكية عربون وفاء لسلوكهما في التأسيس للعمل الخيري الصالح.


المؤلف.














































بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الكتابة التاريخية تعبير عن التراث، والتراث ليس جامدًا، لأن التاريخ بداية ونهاية.فمن التاريخ نتعلم وننقل التجارب إلى الأجيال، ومن لم يستفد من التاريخ فلا واعظ له، لأن التاريخ يرمز إلى الحياة المستمرة وخلود البشر فالرواية الإسلامية تقول: أن آدم عليه السلام يوم أكرمه ربه بعد خروجه من الجنة رزقه الذرية التي خلدت آثاره إلى يوم يبعثون، وهذا رجمُُ للشيطان رمز الغواية والمفاسد والفتن.إننا نقف أمام التاريخ وقفة تأمل ونستخلص منه العبرة والفكرة حتى لا نكرر بغباء ما وقع فيه أسلافنا من أخطاء ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
استوقفتني بعض الهوامش والظلال الخادعة للمدرسة الاستشراقية وعلى رأسها كتابات ليون فيليكس غوتييه خاصة كتابه "القرون المظلمة لإفريقيا الشمالية"، وحدد بشئ من العنجهية والتعالي- التي تتسم به المدرسة الاستعمارية الفرنسية خصوصًا- أن القرون التي سبقت الوجود والغزو الاستعماري الفرنسي كانت مظلمة، لهذا آثرت على نفسي أن أقرأ أخبار الفاتحين الأوائل لمغربنا الكبير، منذ أن كان مشروعًا في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلى الفتح الشامل للمنطقة على يدي حسان بن النعمان وموسى بن نصير وحلفائهم من السكان المغاربة الذين دخلوا في الإسلام في مرحلة مبكرة منذ عصر عقبة وفتح طرابلس الغرب.
يشتمل كتابنا"فصول في التاريخ والعمران بالغرب الإسلامي"- دراسات وأبحاثًا متنوعة.فالدراسة الأولى تتعلق بتكوين ولاية المغرب وتطور حواضر الغرب الإسلامي" وهي عبارة عن مداخلات كنت قد قدمتها إلى طلابي بقسم التاريخ بجامعة الجزائر في حلقة معروفة هي:"الحياة الثقافية بالمغرب الإسلامي" واسترسلت في دراسة التحضر وبناء المدن بالغرب الإسلامي عامة. كما حاولت قراءة ودراسة النظريات التي تتحدث عن المدينة تكوينًا وتأسيسًا، وانهيارًا كما درسها وانتبه إليها الماوردي وابن خلدون، والمؤرخ الفرنسي الشهير فرنان برودويل صاحب الموسوعة الفخمة:"المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فليب الثاني".
وأهم ما يلفت الانتباه في هذا الموضوع، مشاركة الباحث الجزائري مصطفى أحمد بن حموش في التأسيس للعمران الإسلامي من خلال دراسات أرشيفية متعلقة بالعصر العثماني، رغم أنني كنت قد نوهت في عمل سابق بأعمال مجموعة من الباحثين الآخرين في الانتقال من التاريخ المدوي السياسي والعسكري، إلى التاريخ المحلي، وتاريخ المدن خاصة تاريخ الحواضر مثل حاضرة قسنطينة، تلمسان، وهران، مليانة، الجزائر، البليدة وادي سوف، بجاية، وغيرها من الأعمال الهامة؛ إضافة إلى الدراسات النظرية التي تصب في الفكر العمراني أو نشأة المدينة في الإسلام.
تعالج الدراسة الثانية: "إشكالية المدينة والتمدن في الفكر الإسلامي"، واستخدمت في هذا المجال المصطلحات التي توصلت إليها الدراسات المتخصصة، وهي المدينة معسكر الجيش، المدينة التي تأسست حول رباط أو زاوية والمدينة والولي الصالح، أي المدينة التي ارتبطت بصالح من الصلحاء، أو التحالف بين المرابط والحاكم أو السلطان،وهي اللازمة التي يستخدمها الباحث الجزائري مصطفى أحمد بن حموش، الإسلام السلطان، والعمران.وأنهيت هذا الجانب النظري إلى ضرب الأمثلة من خلال تعمير سهل المتيجة وفحص مدينة الجزائر، وفحوص المنطقة من خلال دور الجالية الأندلسية التي استقرت بالمتيجة والبليدة والقليعة، وكيف تحالفت هذه الجالية المهجرة من أرضها -بلاد الأندلس- مع السلطان القائم خلال هذا العصر. ثم المأساة التاريخية التي تعرضت لها، ومع ذلك ساهمت هذه الجالية مساهمة كبيرة في تحضر وتنوير وتحديث مدن الغرب الإسلامي، وأشرت إلى أزمة مدن أسبانيا بعد هجرة الأندلسيين وإحياء المدن والأرياف المغربية ولو بإشارات عابرة. وتتعلق الدراسة الثالثة:بـ"الأندلسيين وآثارهم بفحص الجزائر والمتيجة.
تنبه الدارسون إلى مأساة هذه الفئة من جهة ومن جهة أخرى أشاروا إلى المكانة التي وصلت إليها في بلاطات دول المغارب، قبل قيام العصر العثماني في الجزائر.ولا يمكن أن نمر دون أن نشير إلى أن هذا الموضوع كان إلى عهد قريب من الموضوعات المغيبة في تاريخنا الحديث، حتى انتبه بعض المختصين في تاريخ الجزائر في العصر الحديث ونبهوا إلى أهمية دراسة أدوار الأندلسيين في مجتمعاتنا المغاربية ومنهم الدكتور ناصر الدين سعيدوني الذي أثرى المكتبة العربية بأطروحة دكتوراه تعالج تطور مدينة الجزائر وفحص المتيجة وعمران المنطقة الساحلية بصورة متميزة.
أما الأشقاء في المغرب فقد كتبوا الكثير عن هذا الموضوع ومن أوثق الدراسات المغربية في هذا المجال العمل العلمي الذي قام به الدكتور محمد رزوق.ولم يصبح هذا الموضوع من اهتمامات واحتكار الدراسات الأوروبية فقط، فقد ظهرت في المدة الأخيرة أعمال جادة يقوم على نشرها الدكتور عبد الجليل التميمي من تونس من خلال مؤسسة متطورة في الدراسات العثمانية والموريسكية، وهو ما يستحق التنبيه والتنويه.
وأخيرًا عالجت في القسم الأخير من هذا الكتاب
"دور المرابطين والمتصوفة بفحص المتيجة"في حفظ الأمن بالمنطقة وهذا في قرن التأسيس لنظام عثماني في الجزائر في العصر الحديث، فقد قام المرابطون والمتصوفة بمتيجة بأدوار محورية من خلال تحالفهم مع السلطة الجديدة، وساهموا مساهمة كبيرة في تأطير المجتمع.




والله ولي التوفيق
الدكتور محمد الأمين بلغيث
الجزائر في 2محرم 1428هـ/21يناير 2007م.














أولا:
تكوين ولاية المغرب، وتطور
حواضر الغرب الإسلامي
























































مدخل عام:
تكونت ولاية المغرب، كما هو معروف في الأدبيات التاريخية عقب فتح المنطقة، على مراحل كما يحدثنا جلة من كبار المؤرخين المشارقة والمغاربة، القدماء والمحدثين، أمثال ابن عبد الحكم المصري(257هـ/871م) والرقيق القيرواني(ق5هـ)،وابن عذارى المراكشي(كان حيا سنة 712هـ/) أنه عندما تم فتح العرب المسلمين الديار المصرية ما بين سنتي(18-21هـ/639-642).فرضت الضرورة العسكرية وألحت الاستراتيجية السياسية والدينية على المسلمين أن يوجهوا أنظارهم إلى بلاد المغرب للجهاد ورفع الراية الإسلامية ونشر الدعوة المحمدية في الديار المغربية وحماية دار الإسلام من غزو الروم وضرباته من الغرب والشمال الغربي وتأمين حدود الدولة الإسلامية الفتية وعتق أهل المغرب وتخليصهم من الاحتلال البيزنطي وتحريرهم من الاضطهاد الديني والاقتصادي الذي تسلط عليهم منذ قرون عديدة من الزمن، وإخراجهم من الذهنية الوثنية ودعوتهم إلى اعتناق العقيدة الجديدة والتحلي بمبادئها وأخلاقها النبيلة.
مراحل الفتح الإسلامي لبلاد المغرب


مرحلة الاستكشاف

عرف العرب طريقهم إلى مصر الباب الرئيسي إلى ساحل الشمال الإفريقي عندما فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فيما تؤكده المصادر ويشير ابن خلدون" من أن عمرو بن العاص استأذن عمر في فتح مصر فأغزاه، ثم تبعه الزبير بن العوام فساروا سنة عشرين للهجرة(640م) أو سنة إحدى وعشرين، أو اثنين وعشرين، فاقتحموا باب أليون، ثم ساروا في قرى الريف إلى مصر ولقيهم الجاثليق أبو مريم، والأسقف، وقد بعثه المقوقس." ومن الثابت في تاريخ الفتوح الإسلامية أن الاستيلاء على مصر كان إبان الحملات النظامية، ولم يكن من باب مجرد الغارة، أو الغزو، وكان أول موضع حصين صادم العرب فيه الروم هو الفرماء (بلوسيوم) مدخل مصر الشرقية حيث اشتبك الفريقان في قتال شديد قرابة شهر وذلك في السنة نفسها من دخول القوات الفاتحة إلى مصر... أما فيما يتعلق بفتح ما يلي أطرابلس من البلاد الواقعة غرب مصر، فمن الثابت أن عمرو بن العاص الذي كان يتهيب لخوض معارك جديدة على طول الساحل والتوغل في البلاد، لم يكن يعلم بنتائج هذه الحروب، وإن كانت دلائل الانتصارات في برقة وأطرابلس(22هـ/642م) تؤكد أن النصر سوف يكون بجانب القوى الإسلامية، فاستشار الخليفة عمر بن الخطاب فيما تقول الروايات التاريخية واستأذنه في ذلك مؤكدًا له أن الله عز وجل فتح عليه أطرابلس وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها ويفتحها الله على يديه فَعَلَ، " إلا أن الخليفة كتب إليه ينهاه عن ذلك"، ولما عزله الخليفة الراشدي عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن مصر وأمَّر عليها
عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يبعث المسلمين في جرائد الخيل، كما كانوا يفعلون أيام عمر فيصيبون من أطراف إفريقية ويغنمون، فكتب الوالي الجديد في ذلك إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأخبره بقربها من حرز المسلمين واستأذنه في غزوها، فأرسل إليه الخليفة عثمان، الحرث بن الحكممع نفر من الرجال وطلب إليه أن يكون الأمر في مصرلعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
عند قدوم هذه القوات الإسلامية الجديدة إلى مصر بقيادة
الحرث بن الحكم خرج عامل بلاد إفريقية وكان مستقر سلطانها يومئذ في مدينة قرطاجة، وكان عليها ملك(عامل بيزنطي) يقال له جرجير استخلفه هرقل ملك الروم، غير أنه خلع هرقل وضرب الدنانير على وجه، وكان سلطانه من أطرابلس إلى طنجة. فعند قدوم هذه القوات أرسلها عبد الله بن سعد عام 27 هـ/647م إلى سبيطلة في حملة العبادلة الشهيرة وقاد الحملة بنفسه في روايات أخرى، وكانت حملة العبادلة قادها عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، ومن الثابت حسب تحقيق المؤرخين أن هذه الحملات تدخل فيما يعرف بالحملات الاستكشافية إلى غاية(62هـ/681م).ومرحلة الاستكشاف والاستطلاع دامت فترة طويلة وتوقفت في أحيان كثيرة لظروف قاهرة إلى غاية عصر يزيد بن معاوية.
وتبدأ هذه المرحلة منذ أيام عمرو بن العاص إلى غاية ولاية معاوية بن حديج واضع أسس قاعدة القيروان الثابتة، وتميزت هذه المرحلة بأنها فترة الكشف والتعرف على هوامش الإقليم ومسالكه، دون التوغل في أراضيه، ثم العودة السريعة، بعد انتهاء عمليات الاستطلاع، إلى برقة أو إلى الفسطاط، أو الشام، واكتفى الفاتحون بما حصلوا عليه من معلومات، ومغانم وأسلاب.
2-مرحلة الفتح المنظم: تأسيس قاعدة القيروان، عاصمة ولاية المغرب.
يعتبر قيام قاعدة القيروان حدث له مكانة هامة في تاريخ إفريقية الإسلامية "لأنها أصبحت نواة لولاية جديدة وهي ولاية المغرب"؛ ولأن كل المراحل السابقة كانت للتعرف على المنطقة وكان اختيار مكان القيروان الحالي مجال معارضة من طرف أصحاب عقبة " فقد كان الذين معه يرون أن مركز القيادة ينبغي أن يكون قريبا من البحر ليجمعوا بين الجهاد والمرابطة، ولكن عقبة بن نافع قال لهم:إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية ويهلكها ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركها معه صاحب البحر ولا تقصر معه الصلاة فيكون لكم أجر المرابطة والجهاد".ومن هذا يمكن أن تكون قصور طرابلس الغرب وقاعدة المغرب الإسلامي"القيروان"هي فجر حركة الرباط والمرابطة في هذه المنطقة " إذ كان على هذه العاصمة الإسلامية الأولى في المغرب الإسلامي"أن تقوم بدور رئيسي فعال في نشر الإسلام وامتداد نفوذه في القارة الإفريقية وأوروبا الغربية والجنوبية وجزر البحر الأبيض المتوسط وحوضه الغربيومنذ ظهور القيروان على يد عقبة بن نافع الفهري سنة51هـ/671م أصبح للمسلمين مركز "ثابت للانطلاق نحو عالم المغرب وبدأت تبرز نشاطات ولاية إفريقية في ممتلكات المسلمين ثم حراسة السواحل والثغور الإسلامية في البدء ثم الانطلاق منها للفتح البري والبحري"وبذلك خدمت الولاية "الرابطة الإسلامية والمجتمع الجديد في منطقة كانت حتى هذا الوقت خليطا دينيا عجيبا ".
يصف الرقيق القيرواني هذه الحاضرة الجديدة وما قال فيها عقبة بن نافع؛فقال:"وركب في وجوه العسكر من التابعين والعباد، فدار بهم حول مدينة القيروان وهو يدعو لها ويقول:"يا رب أملأها عزًّا لدينك وذلا لمن كفر بك.وأعز بها الإسلام وأصلح بها المغرب وأمنها من جبابرة الأرض".
وإذا تتبعنا سير الفتوحات الإسلامية منذ اتخاذ القيروان نقطة ارتكاز وانطلاق سارت الفتوحات نحو الغرب سالكة طريق البر، فشمل الفتح المغرب الأوسط والمغرب الأقصى والأندلس وجنوب فرنسا،واتجاه آخر حصن سواحل المنطقة الشمالية واتجه في ما بعد إلى جزر الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط وبهذا أصبحت القيروان رباط المسلمين، ومجال ذكريات طيبة مع الصحابة والتابعين حتى كتب عنهم أصحاب الطبقات وجعلوهم ضمن طبقات النساك والعباد والمرابطين وهم الجيل الذي أعطى للمغرب الإسلامي ثقافة ودينا جديدًا، هذا الجيل هو الذي أدخل المنطقة الغربية كلها ضمن دائرة العالم الإسلامي وقبل ظهور نظام الرباط والمثاغرة والأساطيل الإسلامية تطلبت إستراتيجية الفتح إقامة سياسة دفاعية ضد الأساطيل البيزنطية التي تحاول إعادة ممتلكاتها المفقودة في المشرق عن طريق العودة إلى قاعدتها قرطاجفي إفريقية، ثم الوصول للإسكندرية.
تأثر البيزنطيون بسقوطها بين أيدي المسلمين، فأرسلوا في تلك الأثناء أسطولا قويا.فلم يلاق أية صعوبة في استرجاع المدينة إذ أن حسَّانًا كان قد تراجع بجيشه إلى برقة بعد هزيمته في وادي مسكيانة، فلم يجد الروم بقرطاج إلا حامية لا طاقة لها بمدافعتهم، فاحتلوا المدينة وعاملوا من كان بها من المسلمين معاملة قاسية 76هـ/695موبهذا أدرك المسلمون أن فتح المغرب لايتم إلا بالقضاء على المقاومة التي تتزعمها بيزنطة متحالفة مع بعض القوى المحلية المشكلة من الأفارقة والروم بقايا الدولة البيزنطية الذين شوشوا على المسلمين وغالطوا سكان إفريقية بسوء نية الفاتحين.لهذا أدرك حسان بن النعمان أن المرابطة بقصور برقة أطول قد يساعد التحالفات البيزنطية والمحلية للوقوف في وجه الفاتحين، لذلك ما أن سمح له الخليفة بالسير حتى عرف أبعاد سياسة الكاهنة التي أذنت لقومها بإتباع ما يسمى"بسياسة الأرض المخربة"،لأن في تصورها أن حسَّانًا وصحبه من المسلمين كما قالت لقومها إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة والشجر ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها "فخرب المغاربة بيوتهم بأيديهم فحطموا الحصون وخربوا المدن وقطعوا الأشجار لييأس المسلمون فينصرفوا عن التفكير في العودة إلى إفريقية(وكانت إفريقية ظلا واحدًا من طرابلس إلى طنجة، قرى متصلة فخربت ذلك كله، فخرج عليها قومها واستغاثوا بحسَّان فيما نزل بهم من الكاهنة من خراب الحصون وقطع الشجر". وكان قد وجه إليه عبد الملك بن مروان يأمره بالنهوض إلى إفريقية قبل أن تخربها".
يمكن اعتبار سياسة حسَّان بن النعمان في فتح المغرب بداية"العمران الجديد"بعد انتصاره على الكاهنة هذه السياسة الحضارية شملت تجديد القيروان ومسجد عقبة وتأمين الطرقات وإكمال سياسة المؤاخاة التي بدأها أبو المهاجر دينار، فحسن إسلام المغاربة ودانت له إفريقية ودوَّن الدواوين وأشرك السكان المحليين في خطط المدينة وأدخلهم في جنده وأجزل العطاء لقوادهم من أبناء الكاهنة، وعمر المدن الخربة ومسح الأراضي ووزعها على أبناء الصحابة وقادة الجند وبنى المساجد من برقة إلى كل المدن التي وصلت إليها جيوش الفتح ثم ختم هذه السياسة العمرانية ببناء قاعدة الأسطول الإسلامي في تونس(ترشيش) بعد العدوان التي تعرضت له رادس التي أقام بها مرابطا " فكتب علماء المشرق في إفريقية،من رابط عنا برادس يوما حججنا عنه حجة وعظم قدر رادس عند العلماء وفضلها "لهذا أرسل والي مصر وإفريقية عبد العزيز بن مروان ألف(1000) أسرة قبطية من مصر للقيام على دار الصناعة بها.ومن ذلك الحين أصبح للأسطول الإسلامي مكانة في هذه البلاد (وأبرز نشاطات ولاية إفريقية وقاعدتها البحرية – في نظري – تمثلت في حماية السواحل والثغور الإسلامية في البدء ثم في الانطلاق منها للتوسع البحري)وعمل حسَّان بن النعمان بنصيحة الخليفة الذي (نصحه اثنان من الصحابة وهما أنس بن مالك وزيد بن ثابت بإمداد هذه البلاد ونصرة أهلها وبينا له فضل المرابطة فيها…وقدر لهذه المدينة أن تصبح أعظم ثغور إفريقية بعد ذلك بثلاثين عاما على يدي عبيد الله بن الحبحاب(116 هـ/122هـ/334-740م)وثغرا للجهاد البحري والغزو). وبمجيء موسى بن نصير إلى بلاد المغرب استكمل الفاتحون عصر الفتوح وقضوا على تمرد القبائل المغربية.
نجح موسى بن نصير في تطوير تيار الرباط والمرابطة ونَشَّطَ الأعمال الثغرية بحملاته على أطراف الأندلسثم ختمها بفتح هذه المنطقة من أوروبا الجنوبية الغربية كخطوة أولى لفتح القسطنطينية."وباتساع حركة الفتح في عصر موسى بن نصير أصبحت طنجة رباطا وآخر قواعد الإسلام الثابتة في ولاية إفريقية وتحولت مدن إشبيلية والجزيرة الخضراء وقرطبة وطليطلة إلى رباطات إسلامية ثابتة في عدوة الأندلس".
وعرفت حركة الدعوة الإسلامية نشاطات معتبرة في عهد الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز وواليه على إفريقية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي وكثرت المساجد وأشهرها جامع الزيتونة هذا الوالي سار في أهل إفريقية سيرة حسنة فأسلم على يديه عامة سكان المغرب وبهذا انتشر الإسلام والثقافة العربية وقد ساهم بهذه الرسالة الدينية والثقافية في بلاد المغرب جملة من المساجد والرباطات والقصور والمحارس على طول ساحل الولاية من الإسكندرية إلى طنجة وإلى حدود الأندلس ودور الإرساليات العلمية والهجرات العربية وبذلك صبغ الإسلام بلاد المغرب بصبغة إسلامية بفضل هذه المؤسسات المذكورة وكانت الرباطات إحدى هذه المؤسسات الدينية والحربية التي أعطت هذه الولاية مكانة زهدية خاصة، التي تمد الجند الإسلامي بالمؤن والأساطيل وسّجلت اسمها إلى جانب سائر الولايات الإسلامية الأخرى الداخلة في حظيرة الدولة الأموية والمشتركة في حرب البيزنطيين).
وخلاصة القول:إن ولاية المغرب قد ظهرت ضمن الإدارة الخاصة للجناح الغربي للعالم الإسلامي، وتميزت المنطقة بمرحلة من الهدوء الذي ساد إلى غاية ثورات الخوارج كما يؤكد المؤرخ ابن الأثير.والنظم الإدارية والتربوية التي ظهرت كما ظهر في هذه الحوصلة التاريخية هي ولاية المغرب وعاصمتها القيروان.ثم ظهرت الكتاتيب القرآنية منذ قدوم جند الفاتحين وتم تعريب اللسان منذ الحملات الاستكشافية حيث يحدثنا أبو العرب تميم عن سكان الجبل الأخضر في ليبيا، كما سيأتي عند حديثنا عن الكتاتيب والتربية والتعليم.كما توج العمل الثقافي والدعوي ظهور مسجد الزيتونة أو الجامع الأعظم، وتبقى القيروان قاعدة المغرب الأولى التي شكلت دار عمل بالنسبة للمغاربة لمدة طويلة تزيد عن خمسة قرون هجرية، وكان تأثيرها في كل حواضر الغرب الإسلامي(مراكش، فاس، تلمسان، قرطبة واشبيلية وغرناطة).
تمثلت المراكز الثقافية في هذه الفترة المبكرة في الكتاتيب كما أسلفنا، وكانت في البدء خياما، ثم أصبحت بعد حركة الاستقرار دورًا. أول إشارة إلى الكتاتيب في إفريقية، ترجع إلى نهاية القرن الأول الهجري ذكرها الدباغ في معالم الإيمان في ترجمته لسفيان بن وهب الخولاني، كما تمثلت في المساجد الجامعة وأهما جامع القيروان، الذي كان إلى ذلك الحين معسكرًا، ومعبدًا، وجامع تلمسان الذي بناه موسى بن نصريقوم في المغرب الأوسط، بنفس الدور الذي اضطلع به مسجد القيروان في إفريقية التونسية، وكان من آثار الحركة الثقافية، التي رعاها رجال الدعوة والفتح أن غدت القيروان مرجلا يغلي بالدراسات، والنقاش المذهبي فتنوعت مساجلات مساجد القيروان، ما بين واصلية(معتزلة) وخارجية، وسنية وشيعية، وتعايشت فيها مذاهب العراقيين، والشافعية، والمالكية، والأوزاعية والظاهرية، حتى كتب الظفر نهائيا، وعلى يد أسد بن الفرات فاتح صقلية ثم على يد سحنون بن حبيب التنوخي(240هـ) للمذهب المالكي وللتيارات المدنية(نسبة لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم)، ومحيت المذاهب الأخرى خاصة منها مذهب أبي حنيفة النعمان.
التربية والتعليم بالمغرب الإسلامي
كانت المؤسسات التعليمية من العوامل الهامة التي أثرت في الحياة العلمية في الغرب الإسلامي، ولكن دور هذه المؤسسات اختلف من فترة إلى أخرى ويمكن تقسيم المؤسسات التعليمية إلى أربعة أنواع:


مؤسسات تعبدية...واستخدمت للتعليم، وتتمثل في المساجد، وهي أقدم أماكن التعلم بالغرب الإسلامي.



مؤسسات أوقفت على التعليم وحده متصلة بالمسجد حينًا، ومنفصلة عنه حينًا آخر(وهي الكتاتيب).



مؤسسات تعبدية جهادية...مثل الأربطة أو الرباطات، ولكنها استخدمت للتعليم.



التعلم في المنازل...وهو إما خاص أو عام...فالأول في منازل المؤدبين والثاني في منازل العلماء.

ولا يهمنا كثيرا الحديث عن هذه المؤسسات فقد تكلف بها المؤرخون في دراسات تفصيلية لمن أراد أن يراجعها في مظانها، بقدر ما نهتم بطرق التربية والتعليم السائدة في غرب العالم الإسلامي انطلاقًا من المنهج المتبع في التربية التعليم.
مناهج التعليم بالغرب الإسلامي:
ينحى أبو بكر محمد بن العربي باللائمة على الطريقة التقليدية التي اتبعها المغاربة في التعليم فيقول:"..ويا غفلة بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لا يفهم، وينصب في أمر غير أهم"وقد نوه ابن خلدون بطريقة ابن العربي ولخصها فيما يلي:..ولقد ذهب أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته، إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وأبدأ، وقدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم-كما هو مذهب أهل الأندلس، قال: لأن الشعر ديوان العرب، ويدعو إلى تقديمه وتقديم العربية في التعليم-ضرورة لفساد اللغة، ثم ينتقل منه إلى الحساب، فيتمرن فيه حتى يرى القوانين، ثم ينتقل إلى درس القرآن، فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة، ثم ينظر في أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الجدل، ثم الحديث وعلومه، ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان، إلا أن يكون قابلا لذلك، بجودة الفهم والنشاط).
وكانت عوائد أهل المغرب في تقديم تعليم القرآن على غيره إيثارًا للتبرك والثواب، وخشية أن ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات القواطع عن العلم، فيفوته القرآن.
ومناهج المغاربة في التدريس تعتمد على التلقين والإملاء، وهذا بعد أن يكون قد تدرب -بحسب الظروف والمربي- على الأبجدية وبعض النحو والقواعد بحسب طلب أهل الصبي المتعلم.
كبار المربين بالغرب الإسلامي
لم تستتب أمور إفريقية للمسلمين إلا في زمن الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز الذي ولى المغرب إسماعيل بن أبي المهاجر، فسار أحسن سيرة، ودعا البربر إلى الإسلام، حتى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه، وفي ولاية إسماعيل وخلافة عمر تعلم سكان المغرب الحلال والحرام، وبعث لخليفة عمر رضي الله عنه بعثة علمية شهيرة من فقهاء التابعين، أهل علم وفضل، ومنهم عبد الرحمن بن نافع، وسعيد بن مسعود التجيبي وغيرهما وكان هؤلاء الصحابة والتابعون هم أول المعلمين في القيروان الذين نشروا القرآن والسنة، ومبادئ اللغة العربية بين أبناء المغرب، وبذلك أسلموا وتعلموا لغة الإسلام، وأصبحت لغتهم كما حدث للفرس وغيرهم من الشعوب، وعلى هذه الحلقة تخرجت فئة أولى من علماء الدين في القيروان والمغرب كله، أمثال البهلول بن راشد، ورباح بن يزيد وعبد الله بن فروخ وابن غانم الرعيني، وأسد بن الفرات، ومن العلماء الذين قدموا على إفريقية وتخرج على أيديهم عدد من القيروانيين، أبو معمر عباد بن عبد الصمد التميمي من أهل البصرة، وهو من درس على أنس بن مالك والحسن البصري، ولما انقضى قرن على استقرار الإسلام بإفريقية والمغرب وتم فتح المغرب كله، منذ الفتح حتى إسلام المغاربة، وانقضى نحو قرن آخر، تفقه أهل المغرب، حتى برز منهم علماء يشار إليهم ويعتد بهم في المدرسة المالكية نذكر منهم عبد الله بن غانم قاضي أفريقية الشهير، وعبد الله بن فروخ
وابن رشيد، ومحمد بن عبدوس، وعبد الله بن طالب، وغيرهم ممن ترجم لهم
أبو العرب تميم، والخشني، وكتب الطبقات.
الرحلة في طلب العلم
على الرغم من تطور العلوم الشرعية وآداب لغة القرآن الكريم، وانتشار التعليم وتكاثر طلاب العلم وتواجد العلماء، إلا أنه لم يكن بالمغرب من أئمة العلم ما يكفي لحاجة الأجيال الجديدة إلى المبرزين في كل علم، ولم تكن حلقات العلم كثيرة في مساجد القيروان مما يشبع نهم طلاب العلم بالمغرب الراغبين في التبحر في العلوم والتوسع في مجالاته ولقاء العلماء أصحاب المذاهب في الرواية وعلوم الإسلام عامة، ولهذا وصف العلامة
ابن خلدون هذه الرغبة فقال:"وإنما كان سبيل طلاب العلم أن يرحلوا إلى موطنه الأول يتثقفون أنفسهم، ويشبعون نهمهم، ويروون غلتهم والطريق الطبيعي، الذي لابد لأهل المغرب أن يسلكوه إذا أرادوا طلب العلم، هو الرحلة إلى مصر، ومنها إلى البلاد الشرقية، خصوصًا الحجاز، فقد كانت مصر والفسطاط مركزًا من مراكز العلم، ظهر فيها الشافعي وهو أحد الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب الذين يأتم بهم المسلمون، ويعتمدون عليهم في الفقه، وتفسير العقائد والعبادات، وانتشر أيضًا مذهب مالك، وكان له في مصر تلاميذ كثيرون، نذكر منهم أشهب، وابن القاسم، وأصبغ بن الفرج.
وكان أسد بن الفرات هو أول من نشر المذهب المالكي في عاصمة الأغالبة معتمدًا في ذلك على موطأ مالك كما رواه عنه، ويعتبر أول من وضع قواعد المدرسة المالكية: إن كتابه الأسدية كان مرجع الدارسين لمذهب مالك في المغرب إلى أن وضع الإمام سحنون كتابه الشهير "بالعمدة" وفرضه على فقهاء إفريقية ولاسيما في القيروان.
أولا: المربي الأول محمد بن سحنون(ت.256هـ).
وسار على منوال والده الولد الفقيه المربي محمد بن سحنون صاحب "كتاب آداب المتعلمين" الذي هو موضوع حديثنا ضمن كبار المربين وعلماء التربية والتعليم بالغرب الإسلامي.
ولم يتخلف العرب والمسلمون عن غيرهم في ميدان التربية والتعليم من البحث والتدقيق وصقل التجارب العملية، فقد ألفوا في التربية والتعليم كتبًا كثيرة منذ عهد مبكر، واهتموا بأحوال المعلمين والمتعلمين، وخاصة طرائق تربية الأطفال، وتعليمهم والبحث عن أنجح المناهج لذلك، إن أقدم كتب التربية فيما نعلم هو :كتاب آداب المعلمين مما دونه المربي محمد بن سحنون(202-256هـ) عن أبيه سحنون بن سعيد بن حبيب بن ربيعة التنوخي(160-240هـ) الفقيه المشهور صاحب المدونة التي عليها الاعتماد في المذهب المالكي.
ولا نزاع في أن العرب والمسلمين في المشرق والمغرب، قد بلغوا في القرون الأولى الإسلامية، درجة عظيمة من الحضارة، انتشرت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولا حضارة بغير علم، ولا علم بغير تعلم، ولا تعلم بغير نظام معين يرتب الصلة بين المعلمين والتلاميذ، ويفصّل المناهج وطرق التربية وسائر ما يتصل بالتعليم من أدوات.
محمد بن سحنون من مواليد القيروان عاصمة الغرب الإسلامي سنة 202هـ/ وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين(256هـ).
كان إمامًا ثقة عالمًا بالمذهب(مذهب أهل المدينة)، عالمًا بالأثر، لم أر أجمع لفنون العلم منه، ألف في جميع العلوم وفي المغازي والتاريخ، وكان والده سحنون قد تفرس فيه الإمامة، إذْ يقول:" ما أشبهه إلا بأشهب، وكان والده يقول لمعلمه، لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، ليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف، فإني أرجو أن يكون نسيج وحده، وفريد أهل زمانه،واتركه على نحلتي، وأخاف أن يكون عمره قصيرًا".
وبعد أن حفظ القرآن الكريم والعلوم الضرورية، انتقل عند ذلك إلى الدراسة العالية فسمع من أبيه وتفقه على يديه، وكان يناظره في شتى المسائل العلمية، كما أخذ العلم عن ابن موسى بن معاوية الصمادحي، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وعبد الله بن أبي حسان اليحصبي، وغيرهم كثير من العلماء حتى أصبح الناس يحلقون عليه بعد حلقة أبيه وكان يؤلف في حياة والده الذي كان يقول له" يا محمد، احذر أهل العراق فإن لهم ألسنة حدادًا، وإياك أن يغلط قلمك فتعتذر فلا يقبل عذرك".، له رحلة إلى الشرق لأداء فريضة الحج، وطلب العلم كعادة رجال التعليم والشريعة المغاربة في كل زمان.وكانت رحلته إلى الشرق قد أظهرته عالمًا بين الأعلام كالمزني تلميذ الشافعي وغيره من الفقهاء الصالحين ولم يبلغ محمد حينها خمسًا وثلاثين سنة مما يدل على نجاح عاصمة الغرب الإسلامي القيروان في تنشئة الناس على العلوم في مطلع القرن حيث كانت تناهز كبريات الحواضر في الرواية والعلوم الأخرى.
جمع محمد بن سحنون بين خصال كثيرة في جيله؛ الخير مع العلم الورع مع معرفة الأثر وكثرة الإيثار والتفقد للإخوان، قال عنه عيسى بن مسكين القاضي العالم الزاهد" ما رأيت بعد سحنون مثل أبيه"؟.أما أحمد بن الجزار الطبيب المربي قال ": كان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، جامعًا لخلال قل ما اجتمعت في غيره من الفقه البارع والعلم بالأثر، والجدل، والحديث والذب عن مذهب أهل الحجاز، سمحًا ماله، كريمًا في معاشرته، نفاعًا للناس، مطاعًا، جوادًا بماله وجاهه، وجيهًا عند الملوك، والعامة، جيد النظر في الملمات".
كان التعليم مهنة وصناعة لتربية الناشئة على العلم منذ عهد الصحابة، كان المعلم يقوم على أطفال المسلمين غنيهم وفقيرهم.وتقتصر العملية التربوية عند محمد بن سحنون على مجموعة من القواعد" هي:


التسوية بين صبيان المسلمين في تعليمهم وتربيتهم.



قال ابن سحنون ناصحًا المربي:" أن يقوم على تعليمهم الطهارة والصلاة إذا كانوا بني سبع سنين ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر، وكذلك كان ينصح الإمام مالك بن أنس.وكتب أحمد بن أبي جمعة المغراوي الفقيه العالم الوهراني، بل يأمرهم بالصلاة لسبع ويضربهم عليها لعشر، ويعلمهم مبادئ عقائد الإيمان، وفروع الشريعة، ويستخبرهم كيف وضوءهم وصلاتهم، فمن وفى بذلك أقرَّه عليه، وإلا علمه ما بقي عليه.
ومما جرت العادة به تعليمهم أسماء الشهور العربية والعجمية وتلقينهم القنوت والتشهد، وإقراءهم تلقينًا من سبح اسم ربك، إلى آخر القرآن من الجنة والناس، ولا ينبغي للمربي أن يتشاغل بشيء آخر عن تعليمهم(مثل حضور الجنائز والولائم، وحفظ الأمانات، وغيرها).



يرجح العلماء والمربون أن سن التعليم عند المسلمين كان قبل سن السابعة أي الرابعة أو الخامسة والراجح المعمول به سن السادسة بإجماع المربين وهو السن القانونية المعمول بها في معظم أنحاء العالم.



خصص محمد بن سحنون ما جاء في تعليم الصبيان كتاب الله العزيز، من أجرة وختمة، وكتابة على اللوح وحفظ، و ما جاء في العدل بين الصبيان.

ثانيًّا: ابن الجزار القيرواني(369هـ/980م).
ولد ابن الجزار بالقيروان في نهاية الحكم الأغلبي، أواخر القرن الثالث الهجري(التاسع الميلادي)فهذا المربي والطبيب الكبير هوأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن خالد المعروف بابن الجزار والمسمى عند الأوروبيين القدماء(Algizar) وهو من عائلة وطيدة الصلة بالثقافة والطب، إذ كان أبوه إبراهيم مثقفًا لقي محمد بن سحنون وأحمد بن يزيد ومحمد بن يحيى بن سلام ابن المفسر الكبير، وجماعة من العلماء وتوفي أحمد سنة 369هـ/980م.
لابن الجزار مؤلفات كثيرة في الطب وبعضها في التاريخ والأدب والفلسفة.
وأهم كتاب في التربية والتعليم وصحة الأطفال كتابه:" سياسة الصبيان وتدبيرهم".
قال عنه مؤلفه في ديباجته": قال أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد: إنَّ معرفة سياسة الصبيان وتدبيرهم باب عظيم الخطر، جليل القدر. ولم أر لأحد من الأوائل المتقدمين المرضيين في ذلك كتابًا كاملا شافيا، بل رأيت ما يُحتاج من علمه ومعرفته من ذلك متفرقًا في كتب شتَّى وأماكن مختلفة مما لعل بعض الناس قد عرف بعضه وجهل بعضه، ولعل بعضهم قد عرف ذلك كله ولم يعرفه من أسهل طرقه، وأَقْصَدُ سبُله، وأقرب مآخذه فلما كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، رأيت أن أجمع المتفرق، من ذلك في الكتب الكثيرة، وألفت بعضه إلى بعض في هذا الكتاب".




العملية التربوية عند ابن الجزار:
تقوم العملية التربوية عند ابن الجزار على نظريات وممارسة طبيب مجرب ومسلم حاذق عارف بقواعد العملية سالكًا في ذلك معرفة المربي المسلم الذي نشأ على علوم الشرع، وعلوم الأبدان من تجارب طبية يونانية وتجارب شخصية عملية.
لهذا يقوم واجب الأب منذ اختيار شريكة الحياة، أي منذ المحضن والوعاء الشريف والظهر الطاهر، والنسب الصحيح والتربية السليمة.فأول مسؤولية تقع على الوالد هو اختيار من تكون أما لأولاده، ومن الأخوال الذين سينتسب إليهم الولد أو البنت، ثم يحدد ابن الجزار أهمية تدبير الأطفال عند خروجهم من الرحم، من تحنيك، وتحنيط(التحنيط، هو القيام على جسد الوليد الرضيع بالزيت وغيرها من مستلزمات صحة البدن والحلق والأذن والرقبة وقطع السرة وتمليحه وغيرها).
ثم يهتم الطبيب المربي بفراش وغذاء الطفل ورضاعته وغسله، وعد التربية الصحية الأولى والتعليم في البيت.ثم يخصص الطبيب ابن الجزار الباب الثاني والعشرين "في الأمر بتأديب الأطفال".
إن الصغير أسلس قيادة وأحسن مواتاة وقبولا، فإن قال لنا قائل: نجد من الصبيان من يقبل الأدب قبولا سهلا، ونجد منهم من لا يقبل ذلك وكذلك قد نجد من الصبيان من لا يستحي، ونجد منهم من هو كثير الحياء ونجد منهم من يعنًى بما يُعلمه ويتعلمه بحرص واجتهاد، ونجد من هو يمل التعليم ويبغضه، وقد نجد أيضا في ذوي العناية منهم وذوي العلم من إذا مُدح تعلم علمًا كثيرًا، ومنهم من يتعلم إذا عاتبته أو عاتبه المعلم ووبَّخه ومنهم من لا يتعلم إلا للفرق من الضرب، وكذلك نجد من الصبيان محبًّا للكذب ونرى منهم مُحبًّا للصدق، ويرى فيهم اختلاف في الأخلاق ومضادة كثيرة بالطبع.
لخص ابن الجزار حالة الصبيان واختلاف أمزجتهم وسجاياهم، ووسطهم التربوي، فوضع أمامنا صورة واضحة لأنواع الفروق الفردية ، والفروق في الطباع، وهي كلها من أعظم النتائج التي وصل إليها الأطباء والمربون بالغرب الإسلامي، مما سهل مهمة التعليم على كبار المربين في بلادنا، ونجد من المتأخرين من تحدث على مسائل تربوية وفكرية هي من الأسس التي اعتمدتها الدول الحديثة في إصلاح تعليمها وتربية ناشئتها تربية وتعليما موفقًا.
أصاب ابن الجزار حينما قال أن تأديب الصبي صاحب الطبيعة السوية، من حياء وأدب وأخلاق وهذا مما يسهل عمل المربي، لأنه من الصبيان من يكون محبا للكرامة والألفة، أريب خلوق فيسهل تعليمه، ومن كان أميل إلى طبائع المستخف بالكرامة قليل الألفة محبا للكذب، عسُر تأديبًا ولا بد لمن كان كذلك من إرغاب وتخويف عن الإساءة ثم يحقق ذلك بالضرب إذا لم ينجح التخويف، وينبغي أن يتفقد الصبي في كلامه وقعوده بين الناس وحركته وقيامه ومطعمه ومشربه، ويلزم في جميع ذلك ما ألزمه العقلاء أنفسهم حتى صاروا وأفعالهم طبيعة من طبائعهم.
إن هذه النظرة المتبصرة تدل على وعي بالأخلاق والتكوين النفسي للأطفال مما يسهل العملية التربوية، ونجاح المربي في آداء وظيفته ورسالته.
ثالثًا" أبو الحسن القابسي(324هـ/403هـ)
ولد أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي القيرواني سنة 324هـ935م بالقيروان على الأرجح، ومن ثمة جاءت نسبته القيرواني وينسب إلى قرية مندثرة نسب إليها المعافريين من ضواحي قابس، تعلم القابسي على جلة من الفقهاء والعلماء الكبار، منهم أبو العباس الأبياني التميمي، وهو فقيه شافعي من مدينة تونس وهو من ألمع الشيوخ المغاربة والمشارقة الذين تعلم على أيديهم أبي علي القابسي المربي والمعلم الناجح ومنهم(شيوخ القابسي) أبو عبد الله بن مسرور العسَّال وهو وجه بارز من وجوه المالكية بالقيروان وكان شيخ أبي محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة. ومنهم ابن سرور الدباغ وغيرهم من الرجال الأعلام من رجال عصر القابسي،ومن المشارقة حمزة بن محمد الكناني العالم المصري، وأبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني من رواة صحيح البخاري، وترك القابسي مدرسة قام عليها تلاميذ كبار أمثال الأجدابي المؤرخ، واللُّبيدي المالكي صاحب الشرح والتفصيل لمسائل المدونة، والأنصاري المعروف بالخواص الفقيه الزاهد، ومكي ابن أبي طالب المقرئ القيسي صاحب كتاب التبصرة في القراءات، وعاتق بن خلف التجيبي مؤلف كتاب الافتخار في مناقب فقهاء القيروان، وأبي عمران الفاسي الفقيه الفاسي الشهير الذي نقل آثار مدرسة القيروان إلى مراكش أيام المرابطين من خلال تلاميذه وجاج اللمطي والإمام المرادي الحضرمي.ومن تلاميذه الأندلسيين ابن الفري وأحمد بن محمد القرشي المعروف بابن الصقلي، وتخرج على يدي القابسي تلميذان صقليان هما ابن الحصائري وابن يونس.وترك القابسي آثارًا منها" كتاب الملخص لمسند موطأ مالك بن أنس" وكتاب الممهد في الفقه، وكتاب مناسك الحج و"كتاب رتب العلم وأحوال أهله"، وأجل هذه الكتب الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين.
ونلاحظ أن الرسالة استحضرت العملية التربوية عند القابسي وأولوياتها ترسيخ مبادئ الإسلام في قلوب وأذهان الناشئة، ثم تحدث المؤلف في باب رسالته الثاني في ما أخذه المعلمون من أجرة، وسن المتعلم وما يصلح أن يعلم للصبيان مع القرآن، وما على المعلم أن يعلمهم إياه من سائر مصالحهم، وما لا ينبغي له أن يأخذ عليه أجرًا إن هو علمهم إياه على الإنفراد. مثل الحساب وغيره، فلئن نصح القابسي بتلقين الحساب للصبيان لأهميته دون شك في صقل عقولهم، فإنه ما اعتبره إجباريا في برامجهم إلا إذا اشترطه الأولياءُ، فهذا بالتقريب برنامج التعليم التقليدي الشعبي الإجباري الذي يقترحه القابسي في رسالته وينتقده ابن خلدون في مقدمته، فأبو الحسن القابسي ينصح المعلمين بتعليم القرآن قبل كل شيء أما العلامة
ابن خلدون العبقري المنساق إلى اعتبارات ثمينة وطرائق التعليم في إطار تصور واسع لعمله الجديد، علم العمران البشري الذي يبحث في شؤون البشر من حيث الملك والكسب والصنائع والعلوم، فإنه يرى وجوب إتباع روح نظام التعليم كما يقترحه القاضي المالكي أبو بكر محمد بن العربي المتوفى سنة 543هـ/1148م. في كتاب ترتيب الرحلة في الحث على الملة.ولئن سطر القابسي برنامجًا مفصلا للتعليم الابتدائي في الكتاتيب فقد أعار أهمية أساسية لتدريس القرآن ورأى وجوب ترجيح كفته على كفة أي مادة أخرى من مواد التعليم، وفي إمكان الطفل في نظره أن يكتفي باستظهار القرآن من الذاكرة من غير أن يكون قادرًا على قراءة نصه. ومما يثير الدهشة أن ابن خلدون الذي نشأ نشأة تونسية تولى خطة القضاء ومناصب خطيرة يرى وجوب تقديم تعليم مبادئ العربية على تعلم القرآن وسائر العلوم، فيجانس رأيه في هذا رأي أبي بكر بن العربي المعافري وهو لسان حال أهل الأندلس في قصة رحلته كما أفادنا ذلك ابن خلدون في مقدمته.


















المراجع
1-أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم القيرواني، تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق عبد الله العلي الزيدان، عز الدين عمر موسى، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1990م.
2-المغراوي(أحمد بن أبي جمعة ت.920هـ/) جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما يعرض للمعلمين وآباء الصبيان، تحقيق وتعليق أحمد جلول البدوي، ورابح بونار، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1975م. (سلسلة ذخائر المغرب العربي).
3- ابن الجزار القيرواني(أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد (ت369هـ/980م).
كتاب سياسة الصبيان وتدبيرهم، تحقيق وتقديم الدكتور محمد الحبيب الهيلة بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1404هـ/1984م.ط. 2.
4- محمد بن سحنون(ت.256هـ/).
كتاب آداب المعلمين، تحقيق وتقديم الدكتور محمد عبد المولى، الجزائر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981م.ط. 2.(ذخائر المغرب العربي).
5-أبو الحسن علي القابسي(مربي قيرواني من القرن الرابع الهجري).
الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين، دراسة وتحقيق وتعليق وفهارس وترجمة فرنسية أحمد خالد، تونس، الشركة التونسية للتوزيع، جانفي 1986م.
6-د.موسى لقبال، المغرب الإسلامي منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورات الخوارج)سياسة ونظم)، قسنطينة، الجزائر، مطبعة البعث، 1969م.
7-عبد الله عبد الدائم، دور التربية والثقافة في بناء حضارة إنسانية جديدة(الثقافة العربية الإسلامية بين صدام الثقافات وتفاعلها)، بيروت، دار الطليعة، 1998م.
8-سالم حميش، الخلدونية في ضوء التاريخ(فلسفة التاريخ)، بيروت، دار الطليعة، 1998م.
9- محمد الأمين بلغيث، الحياة الفكرية بالأندلس في عصر المرابطين أطروحة دكتوراه الدولة،(مجلدان)، قسم التاريخ 2003م.(المجلد الأول).
10-محمد الأمين بلغيث، الرُّبٌطُ بالمغرب الإسلامي ودورُها في عصري المرابطين والموحدين، رسالة ماجستير، سبتمبر 1987م.
11-بوبة مجاني، أثر العرب اليمنية في تاريخ بلاد المغرب في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، قسنطينة، منشورات جامعة منتوري، 2003م.










































ثانيا
إشكالية المدينــة
والتمدن في الفكر الإسلامي


























































مدخل عام
إن أهم ما يعترض مؤرخ الحضارة، هو تناقض المفاهيم حول المدينة والمدن، حيث تشير مصادر التراث الإسلامي، أن تعريف المدينة يعود إلى كلمة"دين" وأن هذه الكلمة بهذا المعنى تعود أصلا في الآرامية والعربية إلى أصلها السامي والذي عرف عند الأكديين والأشوريين مرتبطة بالدين أي القانون والمقصود بالديان، القضاء أو القاضي(1)، وتفريعات علماء اللغة والاصطلاح متنوعة، كلها تؤدي إلى معنى التجمع والجماعة، بل والأمة في بعض الأحيان والمجتمع المدني أو المديني، معناه الاستقرار وتبادل الخبرة والمنفعة، وميز علماء الاجتماع ورائدهم العلامة ابن خلدون بين مجتمع الحضر والاستقرار ونظام الوازع، أي السلطة، وبين أهل الريف والبدو الذين كان معاشهم على أسنة رماحهم.وبهذا المنظور المادي والاجتماعي برز الفكر الإسلامي في إدراكه المقاييس والمعايير التي تميز المدينة عن غيرها من التجمعات. وكان الماوردي رائدًا في هذا الشأن، وعرف أنواع المدن كما سبق أن أشرنا إلى هذا في دراسة سابقة عن الفقيه الإمام الحضرمي، منظر دولة المرابطين بعد وفاة
عبد الله بن ياسين(2).
____________
(1)-محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، سلسلة عالم المعرفة، رقم"128 الكويت، ذو الحجة 1408هـ/آب 1988م.ص:17 وما بعدها.
(2)- محمد الأمين بلغيث، النظرية السياسية عند المرادي وأثرها في المغرب والأندلس، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1989م.ص:31.
والمدينة وتعميرها بالغرب الإسلامي مسألة من أخطر المسائل في الفكر التاريخي، فلقدكانت المدن الإسلامية تخطط في أعقاب الفتح، لتصبح مواقع عسكرية وإدارية تدعى دور الهجرة، فكانت القبائل تقطن الدروب الخاصة بها.وبتطور الزمن توافدت على هذه المدن الجديدة عناصر تمتهن العديد من الصنائع والأعمال التجارية. فنمت هذه المراكز، وتعددت أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فتحولت إلى أمصار.
والمدن المغربية لم تخرج أو تبتعد عن تخطيط بقية الأمصار الإسلامية التي تبنى حول المسجد ودار الإمارة تحيط بها أرض خلاء، ومنها تتفرع الطرقات والدروب.وقد نجم عن هذه الوضعية وجود أحياء خاصة باليهود تدعى الحارة أو حارة اليهود أو حارة خيبر كما هو الحال بالنسبة لمدينة القيروان.وعلى ما يبدو أن هذه التسمية، هي التي انطلق منها البعض للقول بوجود يهود خيبر في منطقة المغرب.
و في أكثر المدن المغربية يتجمع اليهود في أحياء خاصة بهم في أغلب الأحيان، يطلق عليها اسم الحارة، التي ترادف كلمة الحومة وتعني الحي.والتسمية تختلف أحيانا من عصر إلى آخر، فهم يتجمعون في الملاح في المغرب الأقصى،وقاعة اليهود أو المسبتة نسبة ليوم السبت في اليمن،وفي حارة اليهود في مصر، و"الشيتتل" في شرق أوروبـا الـتي تـعني بـاللغة اليديشية المدينة الصغيرة، و"القاهال" التي تعني جماعــة كبيرة من الناس في مكان واحد.
وفي أوروبا تدعى أيضا أحياء اليهود بالغيتو(Ghetto)(3).ومن العوامل المؤثرة في نشأة المدينة بالغرب الإسلامي نذكر:
أولا:المعسكر أو الرباط:أسس ومفاهيم أولية
ويهدف هذا المدخل من الكتاب، تقديم توطئة نظرية يقوم عليها الكتاب بمجمله، تفترض على الطريقة الخلدونية وجود ارتباط تبعي واطرادي بين شكل العمران وطبيعة السلطة في الإسلام، وذلك من منظور تاريخي وفقهي، وذلك حسبما يرى ابن خلدون الذي عنون الفصل الثالث والأربعين من كتابه المقدمة بأن "الظلم مؤذن بخراب العمران"، أي أن العدل أساس لازدهار العمران والظلم بسوء استعمال السلطة مؤذن بخرابه(4).لهذا ارتبط العمران الإسلامي بنشأة الريف والمدينة رمز السلطة والقضاء والنظام الضابط لشؤون سكان الحاضرة.وقد أخضع الباحث مصطفى أحمد بن حموشالدراسة للثنائيات الناتجة عن العناصر الثلاثة العمران والسلطان والإسلام، انطلاقا من أن العمران وظيفة بشرية لا تخص مجتمعا دون آخر، وأن المسلمين سكنوا مدنا تأسست في عهود سابقة على دخولهم إليها، ولم يأمروا بهدمها غير أنهم حرصوا علىإيجاد مكان للصلوات ــــــــــ
(3)- مسعود كواتي، اليهود في المغرب الإسلامي من الفتح إلى سقوط دولة الموحدين، الجزائر، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع،2000م.ص:122.
(4)-ابن خلدون، المقدمة، نسخة محققة، بيروت، دار الفكر 1422هـ/2002م.ص:272.
الجامعة وإقامة العدل وإزالة مظاهر الشرك فيها(5).
ورباط سوسة يعبّر عن صورة كتاب مفتوح في الهندسة الحربية الإسلامية ببلاد المغرب(6)ومن خلال تصميم رباط سوسة تتوفر شروط الحياة بشكل يعبر عن عبقرية في تحكم العقلية الإسلامية في الفن المعماري، فهناك غرفة النّوم الخاصة بالمنقطعين والمرابطين، والإنارة تكون عن طريق مصابيح زيتية وأما الماء الخاص بالشّرب والطّهي والوضوء، فمصدره تحت السلم المؤدي إلى الرّباط فبمائه تنظف وتطهر حاجات سكانه ومنه تورد الخيول المعدّة للجهاد، وأما المؤن والأسلحة الخاصة بالاحتياط فإنها توجد بالغرف الموجودة بجنوب الرّباط، وأما اتّساع الرّباط فحسب الباحث (لوزين Lezine) فإنه لا يتجاوز استيعابه لخمسين مرابطا باستطاعتهم صد الهجومات المفاجئة وهو ما يعطينا فكرة عن الرباط في نهاية القرن الثامن الميلادي(7).
_____________
(5)- مصطفى أحمد بن حموش، المدينة والسلطة في الإسلام، نموذج الجزائر في العهد العثماني، دبي، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، 1999م. (320صفحة).عرض/ شفيق شقير المصدر:الجزيرة نت. إبراهيم بن يوسف، إشكالية العمران والمشروع الإسلامي، الجزائر، مطبعة أبو داود، 1992م.ص:66.
(6)- أنظر : A Lezine, Le Ribat de Sousse suivi de notes sur le ribat de Manastir, imprimerie la rapide ,Tunis.1956.P.26.
(7)– أنظر : Ibid, P: 24.
ورغم فقدان الرباط الأهمية الحربية بعد إقامة أسوار سوسة فإنه عرف تطورات عمرانية جديدة خاصة بعد تأسيس المسجد، كما تعرض للحريق أثناء ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد؛ وفي القرن الخامس الهجري، بقي شامخا أمام تخريب الأعراب لمدينة سوسة، ويبدو أن الرباط في صورته المعمارية الحالية لا يعبر عن صورة الرباط الأغلبي البسيط لأنه في القرن الماضي أجريت عليه إصلاحات كثيرة(8)وهذا بعد أن كان مدرسة في القرن الثامن عشر الميلادي بحيث أن الإصلاحات والتعديلات المعمارية التي أدخلت عليه أعطته صورة فنية رائعة حتى أصبح لوحة معمارية تجمع بين صفات كل خصائص العمارة الحربية في العصور الوسطى(9).وبلا شك أن هذا الرباط المزود ببرج للإشارات الضوئية يعمل على تحقيق أمن سوسة.ومن ناحية التصميم المعماري بإفريقية أيضا رباط المنستير الذي هو الأثر الوحيد الذي بقي على هيئته الأصلية وهو أقدم المعالم المؤرخة في إفريقية(المغرب الأدنى) وهو يمثل النموذج الأول المدروس لدور إقامة المرابطين التي خططت أيام الرشيد وأٌحْضِرَ مثاله إلى إفريقية وأقيمت الرباطات الأغلبية طيلة القرن الثالث للهجرة على نسقه إذْ أن أصوله المعمارية وتأثيره على عمارة الرباطات في العصر الأغلبي واضحة في الساحل الإفريقي.(و يتكون مخطط______
(8)– أنظر : Ibid P: 22.
(9)–عن مواد بناء رباط سوسة بالتفصيل راجع لوزين :
A Lezine, Le Ribat de Sousse.P.26.
هذا الرباط (المرقب) من حصن صغير مربع تقريبا(10) أضلاعه 80،32م× 40،32م، تقوم في زواياه أبراج دائرية فيمستوى سطح القصر منارة أسطوانية….وقد قسم سطحها الخارجي بثلاث أفاريز بارزة بسيطة ويصعد إليها من مدخل يفتح على سطح مسجد القصر يؤدي إلى سلم دائري يشتمل 89مرقاة وتتسرب إليه الإضاءة من كوى صغيرة موزعة على ارتفاعات متباعدة)(11)وبدوره الأرضي غرف صغيرة مقببة تصطف على أسواره الأربعة يتقدمها رواق يفتح على الحصن عدا مجموعة جدار المدخل القبلية فإنه يتقدمها رواقان وعلى هذا الجانب من الدور الأرضي مسجد يقع محرابه فوق المدخل ويبدو أن زيادة قد ظهرت على هذا الدور مما أدى إلى إزالة بعض أقسامه بعد الزيادات التي أضيفت للقصر في مختلف العصور وبقي الجزء القبلي وحده بكامل عناصره(12) وهذا الرباط ومنارته أصبح من خصائص مدرسة العمارة في الغرب الإسلامي(13).
ـــــــــــ
(10)– إبراهيم شبوح، حول منارة قصر الرباط بالمنستير وأصولها المعمارية، المكتبة الوطنية بتونس رقم:95/ع4(فصلة من دراسة طويلة)،ص: 6.
(11)-أنظر :مُخططات قصر المنستير:
A. Lezine, Le Ribat de Sousse,P.LXXIV
(12)- إبراهيم شبوح، حول منارة قصر الرباط بالمنستير وأصولها المعمارية، ص: 6.
(13)– نفسه، ص: 7.
والعمارة التي قام عليها قصر الرباط في المنستير وملحقة رباط النساء يوضح الفن المعماري الإسلامي في صورته المغربية.
وهناك نماذج للرباطات في تازا ورباط الفتح إلا أنها تفتقد لبعض خصائص الرباطات الإفريقية فرباط تيط على ساحل الأطلسي وعلى بعد حوالي 12كلم من مزغان وهذا في مولاي عبد الله اليوم وهو من القرن 12م به ثلاث أبواب وله ست قلاع عظيمة من الحجر الصلد(14)ورغم مرور الزمن فقد صمد في وجه الدمار، ومع ذلك فإننا لا نملك له صورة كاملة حتى نتعرف على شكل من أشكال رباطات المغرب الأقصى.
يلاحظ الأستاذ جورج مارسيه (Marçais) أن هناك اتصالا وثيقا بين الفن الإفريقي التونسي والهندسة الحربية المرابطية وخير مثال على ذلك قلعة تزغيموت(Tasghimout) فهي تمثل الهندسة العسكرية التي تربط بين صنهاجة الشرق وصنهاجة الغرب(15)هذه القلعة العتيدة عبارة عن قلعة أو رباط أسسها المرابطون لمدافعة الموحدين كانت تقيم بها حامية مرابطية تتكون من مائتي فارس وخمسمائة من المشاة لحراسة بلاد هرغة وهي تقع إلى الجنوب الشرقي من مراكش وعلى بعد ثلاثة كيلومترات وعلى بعد نحو عشرة كيلومترات شرقي أغمات(16)ولذلك برز في عهد المرابطين ــــــــــ
(14)– إبراهيم شبوح، حول منارة قصر الرباط بالمنستير،ص : 6.
(15)– Marçais, l’architecture musulmane P :219.
(16)- Ibid P: 220.
والموحدين الفرق بين الفن الديني في بناء المساجد والزوايا وبين الفن العسكري في اتخاذ القلاع والحصون والرباطات وهو ما أعطى ثروة فنية إسلامية تجمع كل خصائص الإبداع المعماري الإسلامي(17)ومن خلال دراسة الرباطات بالمغرب الأقصى حيث تبدو حسب شهادة المؤرخ إبراهيم حركات أنها لا تختلف عن الرباطات الإفريقية فهي عبارة عن حصون مربعة يتكون الواحد منها من طابقين يرقى إلى الثاني منها بسلم و يحتوي كل منها على غرف تطل على صحن تحيط به أقواس وفي كل من زوايا الحصن برج لمراقبة العدو(18).
ولايخفى أيضا ما قامت به الرُّبُط في الجانب الثقافي في القرنين السادس والسابع الهجريين خاصة رباطات أولاد أمغار الصنهاجيين في تيط ومولاي بوشعيب في آزمور وأبي محمد صالح المصمودي في آسفي وأصحاب رباط شاكر ورباط تينمل دار الموحدين وأهل مدينة العباد قرب تلمسان حيث مدفن أبي مدين الغوث وفي ميدان تثقيف الجماهير المغربية ونشر تعاليم الدينالقويم ولغة العرب في مجاهل الأطلس والصحراء(19)وبذلك نقول أنرباطات طرابلس الغرب البحرية التي أسست لحماية الثغور من هجمات ــــــــــــ
(17)– عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ص: 766.أنور الرفاعي، تاريخ الفن عند العرب والمسلمين، دمشق، دار الفكر،1977م.ط.2.ص: 5.
(18)– إبراهيم حركات، تاريخ المغرب عبر العصور جـ1/175.
(19)-عبد العزيز بن عبد الله، مظاهر الحضارة المغربية،ص: 64.
الأساطيل البيزنطية والرباطات الصحراوية لحماية الثغور البرية من هجمات السودانيين لم تكن حصونا دفاعية أو هجومية فحسب ولم تكن منطقة أمان وسياج حراسة ليس إلاّ ؛بل كانت نبراس إشعاع للعلوم العربية والإسلامية ومراكز بث شديد للثقافة العربية الإسلامية(20)كما ساعدتها المحطات التجارية والعواصم الصحراوية الثقافية في آداء هذه الرّسالة التي هي غدامس وغات وجنّات وتنمبكو وشنقيط وقاو وغيرها بالجنوب من خليج السّرت الكبير إلى خليج غانة عبر الصحراء الكبرى(21)وهذه المدن كما ذهب إلى ذلك المؤرخ عثمان الكعَّاك هي في الأصل مجرد أربطة صحراوية تولدت من الأربطة الكبرى وعلى مسافات متوالية حتى صارت مشابك من مدائن العلم تشكل مراكز ثقافية بالصحراء على غرار رقعة الشطرنج(22)فالحركة العلمية(الرباطية) بدأت بطرابلس الغرب حتى اخترقت الصحراء إلى غانة وهذه الأربطة أصبحت المعالم الثقافية والروائية مما أعطى للمغرب الإسلامي ثقافته العربية الإسلامية (23).
ــــــــــــ
(20)- عثمان الكعّاك، المراكز الثقافية في المغرب، ص: 119.
(21)– نفسه، ص: 119.
(22)– يشبه المؤرخ التوّنسي عثمان الكعّاك الأربطة في بلاد المغرب الإسلامي برقعة الشطرنج فهي متكاملة متشابكة .مراكز الثقافة في المغرب،ص: 120.
(23)– بل نذهب أبعد من هذا إلى أن الرُّبُط والإسلام أيام المرابطين هو الذي وحد بلاد السودان الغربي وأصبحت اللغة العربية لغة التعليم في معاهد المدن= والرباط مدرسة ثانوية والتّعليم به هو شرح لأصول التعليم بالكتاب فهناك تفسير القرآن الكريم والحديث الشّريف وكتب الفقه وشعر المواعظ التي تسمى (الرقائق) والتي تعقد لها مجالس خاصة في يومي السبت والخميس من كل أسبوع(24) ولا يخلو الرّباط من أناشيد دينية تسمّى العادة والعمل فأما العادة، فهي أناشيد متّحدة بين جميع الأربطة أصلها بيزنطي كما يقول عثمان الكعّاك(25)وهي التي تولدت منها أناشيد الصوفية وأمّا العمل فأناشيد خاصة بكل رباط أو بمجموعة من الأربطة(26).
ويتضح الدور العمراني للرباطات أيضا في مدينة سوسة، فرغم أنها مدينة فينيقية كانت تعرف باسم حضرموت فإن سوسة في العهد الإسلامي يعود الفضل في ازدهارها العمراني، الحيوي إلى مكانتها الحربية كثغر من ثغور الدولة الأغلبية فمنذ إنشاء أبي هارون موسى من قبل إبراهيم بن الأغلب حصن سوسة مكان قصر الرباط الحالي بقصد الدفاع عن هذا الجانب من ــــــــــــ
=السودانية كتمبكتو وجنِّي ،ولغة التأليف في المواضيع الفقهية والتاريخية.أمين توفيق الطيبّي، الحضارة العربية الإسلامية وأثرها الإيجابي في السودان الغربي(دراسات وبحوث في تاريخ المغرب والأندلس) المرجع السابق ص: 302-303.
(24)– عثمان الكعّاك، المراكز الثقافية في المغرب، ص: 18.
(25)– نفسه، ص: 18.
(26)– نفسه، ص: 18.
الساحل، من ذلك الحين تواصلت جهود أمراء دولة الأغالبة بدون انقطاع طيلة مائة عام لتمصير سوسة وتعميرها بالمعالم والمسالح الحربية والدينية(27)و(لم يمض على تأسيس قصر الرباط أكثر من ثلاثين سنة حتى تكاثرت المنشآت بسوسة.وقد اتسعت رقعة المدينة بتزايد عدد سكانها من المرابطين ومن الجنود الحربيين الأسطوليين فضاقت حينئذ بمن يقطنها وتوفرت ضرورياتهم وتنوعت)(28).وكان سكان سوسة أهل ديانة وورع وقوة إيمان، فعمد الأمير أبو العباس محمد بن الأغلب نظرا لتلك الحال إلى إنشاء مسجد كبير يكون جامعا للخطبة وهذا سنة 236هـ/850م كما أنشأ هذا الأمير في أعلى ركن من المدينة القصبة وهي المعقل الكبير للبلاد للاجتماع بأهل الثغر من جنود الدولة (ووضعت البناية على هيئة مدينة صغيرة ذات أقسام متسعة وأجنحة فسيحة متصلة ببعضها أو منفصلة ويحيط بالجميع جدار متين يلتحق بالسور الخارجي)(29)لذلك ظهرت متانة سوسة الأغلبية كمدينة حربية لها قوتها البحرية بفضل الأسطول الأغلبي الذي نجح في فتح صقلية،واستقر بها الفضلاء والعلماء الذين قصدوها من جميع أنحاء العالم الإسلامي من المشرق والمغرب والسودان الغربي(30)لأن المدينة من _____
(27)- حسن حسني عبد الوهاب ،ورقات جـ 2/ص:33.
(28)-نفسه، ص:33.
(29)- نفسه،ص:51.
(30)-نفسه، ص:53.
أعظم المعاقل الإسلامية التي كانت في الإفريقي لاسيما وقد اشتملت دائرتها على محارس دفاعية لا تعد إذا ما عرفنا الأعداد الكثيرة من المرابطين الذين عمروها ولم يمض على سوسة الأغلبية أكثر من نصف قرن حتى أصبحت في صف المدائن الثغرية الإفريقية الكبرى وفي عداد المشهور من المرافئ البحرية والأماكن الدينية الهامة بفضل محارسها وربطها .
وبفضل هذا المجتمع بالإضافة إلى عناصر مسيحية(31)وعدد من اليهود(32)فإنها كانت تمثل صورة العالم الإسلامي من حيث تعدد أجناسه وأعقب هذا الجيل سلالة جديدة عدت من أبناء المدينة الأصليين اشتغلوا بالجهاد والعلم وفلاحة الأرض وبناء الأساطيل وتجهيزها حتى غدت سوسة قبلة الغرب الإسلامي لما لربطها وعبادها من مكانة دينية عند المسلمين.
ومن الأمثلة الحية على الدور المعماري والعمراني للرباطات في إفريقية دائما نذكر مدينة المرسى التي تقع في الشمال الشرقي لمدينة تونس، حيث يمتد رأس ينتهي إلى البحر على مسافة خمسة عشر كيلو مترا في فضاء مدينة قرطاجة القديمة حيث انتشرت الرُّبُط والمحارس ففي خليج تونس وعلىنقطة
هذا الرأس انتشرت هذه المحارس ولاسيما في جبل المنار وقد كانت المنطقة من قبل مدافن مشهورة للصالحين ومقصودة للتبرك بالدفن فيها مثل سوسةـــــــــــ
(31)-الفاضل بن عاشور،ومضات فكر،الدار العربية للكتاب تونس 1982،ص:270.
(32)- مسعود كواتي، اليهود في المغرب الإسلامي، ص:123وما بعدها.
والمنستير(33)كما ورد في المناقب أن الشيخ محرز بن خلف(34) كان يقيم حول الحنايا الواصلة إلى قرطاجة ويعتبر بالأطلال اعتبارًا يفيض أشعارا بليغة في وصف هذه المعالم(35)(وعلى هذه السنن درج رجال التصوف بعد الشيخ محرز؛ ففي القرن السادس جاء تلاميذ الشيخ أبي مدين شعيب بن الحسن الأندلسي )(36) فاتخذوا الجبل الذي كان رأس قرطاجة مقاما لهم ومنقطعا،واستمر المرابطون على هذه الحالة يعمرون محارس المرسي ويتبركون بالتبعد فيها والدفن بتربتها والنزول بروابطها الكثيرة إلى أن عدتقرية جميلة ذات مكانة دينية هامة عند سكان تونس العاصمة لشهرة زوارهامن العلماء ولأضرحتهم ومزاراتهم الكثيرة(37)ولا تزال المنارة القديمة شاهدة ـــــــــــ
(33)-هو محرز بن خلف دفين تونس توفي سنة 413هـ من الصلحاء.انظر مناقبه وأخباره زين العابدين بن السنوسي ، محرز بن خلف زعيم الثورة ضد الشيعة، تقديم ومراجعة أحمد الطويلي، تونس،الدار التونسية للنشر، 1981م.ص:178. مسعود كواتي، اليهود في المغرب الإسلامي، ص:123.
Al farisi ( Abul Tahir), Manaqib de sidi halef-Introduction par Hadi Idris, Publication Universitaire de France 1959.
(34)-ابن عاشور ،ومضات فكر ؛ص:270.
(35)-نفسه ،ص:271.
(36)-ابن عاشور، ومضات فكر، ص:272.
(37)-يحيى بوعزيز، تلمسان عاصمة المغرب الأوسط، سلسلة (مدن تاريخية) الجزائر 1985ص:20.
وقدكانت خاصة بالمحرس والرباط وقد نَوَّهَ العلماء بالمرسى ومحارسه وكيف تطورت في العهد الحفصي من الناحية العمرانية بفضل الدور الكبير الذي قام به الرباط والمحرس في جلب العباد والمنقطعين إلى هذه المنطقة ويظهر من خلال موقع المرسى المكان الهام الذي تربعت عليه؛ فهي في جوف عميق بين الصخور الحمراء لجبل المنار ورمال جبل قمرت، تمتد إلى الغرب وراء المشارف العليا لقرطاجة وجبل المنار بساتين وآبار متصلة بضاحية أريانة حتى وادي مجردة، ولم تعرف قيمة المنطقة إلا بعد الإنزال الصليبي بقرطاجة الذي عرفته المنطقة أيام لويس التاسع الصليبي الفرنسي المشهور، يوم الخميس 26ذي القعدة668هـ/17يوليو 1270م(38).
أما في المغرب الأوسط(الجزائر)فإن المدن التي أحاطت بها المساكن لا تكاد تذكر مع العلم أن بونة(عنابة ورباط أبي مروان العابد الشهير)ومرسى الخزر وشرشال وهنين ووهران بها رباطات واضحة المعالم أما المدينة التي يتضحفيها دور الرباط العمراني فهي مدينة تلمسان حاضرة المغرب الأوسط في عهد الزيانيين. والجدير بالذكر أن نواة المدينة القديمة قرية صغيرة هي أغادير أختطها بنو يفرن الزناتيون وخلال حكم المرابطين ظهرت قرية تاقرارت ـــــــــــ
(38)- عبد الناصر جبَّار، بنو حفص والقوى الصليبية في غرب البحر المتوسط في القرنين الثامن والتاسع للهجرة، 14-15للميلاد(رسالة ماجستير مخطوطة) إشراف، أ.د.حامد زيان غانم، كلية الآداب، قسم التاريخ، جامعة القاهرة 1411هـ/1990م.ص:19.
وهي المحلة أو المعسكر وضمت تاقرارت إلى أغادير فتكونت مدينة واحدة هي تلمسان(39)ولا يمكن أن تظهر بمعالمها الكاملة إلا بحي العباد أو قرية العباد وهي مدفن الأولياء والصالحين ومنهم أبي مدين الغوث وهناك نص يدل على الدور العمراني للعباد حيث يقول فيه صاحب الرحلة المغربية وبظاهرها(تلمسان في سند الجبل موضع يعرف بالعباد وهو مدفن الصالحين وأهل الخير وبه مزارات كثيرة ومن أعظمها وأشهرها قبر الصالح القدوة فرد زمانه أبي مدين رحمه الله)(40)وعليه رباط مليح مخدوم مقصود الدائرة بالبلد كله المغروس بالكروم وأنواع الثمار وسوره من أوثق الأسوار وأصحها وبه حمامات نظيفة ومن أحسنها وأوسعها حمام العالية(41).
يمثل حي العباد الأثري اليوم مع المدرسة التي شيدت عام 775هـ/1373مالمسجد صورة رائعة للعمران العربي الإسلامي في صورته المغربية الأندلسية،وعرفت المدينة على عهد الموحدين تحصينات ومعاقل حتى أصبحت من أعز معاقل المغرب وأحصن أمصاره ووفد عليه الناس من كل ــــــــــ
(39)-العبدري البلنسي، الرحلة المغربية، تحقيق أحمد بن جدو، نشركلية الأداب الجزائر دون تاريخ،ص:9.
(40)-نفسه، ص: 10.
(41)-انظر وصف يحيى بن خلدون لتلمسان. ابن خلدون، بغية الرواد، جـ1/ص91وما بعدها. عبد الأحد السبتي، حليمة فرحات، المدينة في العصر الوسيط، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1994م.ص:71.
أنحاء الغرب الإسلامي فأضحت تلمسان وارثة لحواضر الساحل والداخل كأرشقول وتيهرت بعد تخريب ابن غانية -وكيل المرابطين على جزر البليار(الجزائر الشرقية ميورقة ومنورقة ويابسة)-من المعالم المعمارية وكان لقرية العباد(42)وأثارها المكانة الهامة في جذب العلماء والصالحين فسكنوها وعمروها، فرغم قدم المدينة إلا أن مدفن العباد يعتبر مركز جذب هام في تخطيط عمران تلمسان، ويعمره من البشر ناس أخيار أولو حياء ووقار ووفاء للعهد وعفاف ودين واقتصاد في المعاش واللباس والسكنى على عهد السلف الصالح، غالب تكسبهم الفلاحة وحياكة الصوف وأهلها معدن العلماء الأعلام والأولياء المشاهير(43)مساجدها عامرة مشاركة في الحياة الدينية والثقافية بقسط كبير فأنجبت الأخيار فكان لهم بالبلاد شأن عظيم(44).
أما المغرب الأقصى فالدور العمراني للرباطات يظهر في كل من رباط الفتح ورباط تازا.
وأول مدينة أنشأها عبد المؤمن هي مدينة تازا وهذا لما أدرك أهمية الموضع الحربي، فعمد إلى إنشاء رباط الجيش على أرضها ثم شيد مسجدها وأقام عليها سورًا في سنة 529هـ/1135م وكان رباط تازا حامي حمى المغرب ــــــــــ
(42)-يحيى بن خلدون ، بغية الرواد جـ 1 / ص:92.
(43)-نفسه، ص:100.
(44)-عبد الله علام، الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن، ص: 379.
الأقصى من الناحية الشرقية(45)ولتازا طابعها الخاص نظرا لوظيفتها الحربية وذلك لأهمية موقعها فهي تقع في الممر الطبيعي الذي يتم بواسطته التحكم في المغرب الأقصى وبقية بلاد المغرب القابع بين جبال الريف وجبال الأطلس جنوبا (46)(وبهذا احتلت مدينة تازا مكانة تينمل حربيا، إذْ أضحت مهمتها الحربية مقصورة على حماية جنوب المغرب،فلما فتح عبد المؤمن مدينة مراكش وأصبحت حاضرة المملكة الموحدية ومستقر قيادة الجيش العامة انكمشت تينمل وأمست مزارًا)(47)يتبرك به الموحدون لاشتمالها على ضريح المهدي بن تومرت ولكونها مهد الدعوة الموحدية(48).
وظلت تازا محتفظة بأهميتها الحربية وأخذت بأسباب الرّقي والازدهار حتى أضحت بفضل رباطها العسكري من أهم المدن المغربية، غنية بدورها وقصورها ومساجدها ومعاهدها العلمية وبساتينها وميادينها العامة(49).
ورباط الفتح خير شاهد على الدور العمراني للرباطات في المغرب الأقصى في عهد الموحدين؛ فالمدينة تتكون من عدة مناطق فقد كانت أيام ابن حوقل عبارة عن قصبة الأودية وهي رباط يجتمع فيه المسلمون بقصد الجهاد ـــــــــــــ
(45)-حسان عوض، جغرافية المدن المغربية، ص: 86 – 87.
(46)-علام، الدولة الموحدية بالمغرب في عهد عبد المؤمن، ص: 379.
(47)-نفسه، ص: 379.
(48)-نفسه، ص: 379.
(49)-ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص: 82.
ومقاتلة البرغواطيين كان يجتمع فيها من المرابطين مائة ألف إنسان يزيدون وينقصون(50)ويبدو أن عبد المؤمن هو أول من اتخذها دارا فأدار أسوارها وبنى مسجدها ومدرستها وأجرى إليها الماء من نحو عشرين ميلا وهذا بعد عودته من فتح فاس عام 540هـ/1146م وقد سماها المهدية ومما عثر عليه آثار بالمحل الذي بنيت فيه الرباط شاهد على أن مدينة شالة كانت بنايتها متصلة بالأودية ومصب الوادي(51)ويبدو أن آثار شالة القديمة على ضفة الوادي والتي لا تمتد حتى المحيط يرجح أن آثارها تمثل مكان مدينة أو معسكر روماني قديم، على أن أقدم أحياء الرباط حاليا هو حي الأودية(52)غير أن رباط الفتح كمدينة بأسوارها الحالية أسَّسَه يعقوب المنصور ثالث خلفاء الموحدّين، والرباط وسلام توأمتان تقعان على مصب أبي الرقراق فإذا كان المعسكر الروماني(مدينة سلام نصيب الضفة اليسرى فإن الرباط يقع فيالضفة اليمنى(53)وقد قامت سلام بتحصين رباط الفتح إذ استقر بها المتطوعة
والمرابطون.واستمر رباط الفتح في النمو أيام أبي يعقوب يوسف الذي رصد ـــــــــــ
(50)- محمد الأمين بلغيث، الرُّبُط بالمغرب الإسلامي ودورها في عصري المرابطين والموحدين، ص:145.حسان عوض، جغرافية المدن المغربية ،ص:105.
(51)-عبد العزيز بن عبد الله ، مظاهر الحضارة المغربية،ص: 28.
(52)- انظر الاختلافات الموجودة بين الباحثين حول موقع شالة ، سلا، رباط الفتح ليفي بروفنسال ، . Georges Marçais , l'Architecture Musulmane P:30.
(53)-نفسه، ص: 26.
له الأموال اللازمة وهو الذي أطلق عليه اسم رباط الفتح تخليدا للانتصار الذي أحرزه الموحدون في الأرك على ألفونسو الثامن ملك قشتالة وكان يحيط بالمعسكر سور من اللبن تكتنفه أبراج مربعة الشكل تحصر بين البحر والنهر مساحة قدرها 450هكتارا(54). وكان المنصور الموحدي يقصد ببناء رباط الفتح محاكاة الإسكندرية بمصر سواء من حيث ضخامة البناء أو جمالها.ثم شهدت ازدهارًا عظيمًا بعد المنصور حتى تخرب أكثرها خلال الحروب الموحدية المرينية (55)وأهم معالم الموحدين بالرباط منارة مسجد حسَّان الذي كان من المنتظر أن يكون أعظم مساجد المغرب لو كمل بناؤه وأما المنارة التي اشتهرت باسم حسَّان فقد تكون أعظم منارة إسلامية لو تمت هي أيضا والظاهر أن رباط الفتح كمعسكر قد أعطى الصفة الحربية للمدينة لأنها منطقة جواز الجيوش الموحدية للأندلس،ولهذا كثرت الدور غير أنها سرعان ما تحطم كثير منهاأيام المنصور نفسه إذْ لم يكن بناء المنازل من طرف الأسرى الأسبانوثيقا(56).
ــــــــــ
(54)-إبراهيم حركات،المغرب عبر التاريخ( الطبعة الأولى) جـ1/ص: 362.
(55)-نفسه، جـ1/ص:361.
(56)-حدد هذا التطور بشيء من التحليل والتفصيل المستشرق ليفي بروفنسال في مادة رباط الفتح، بدائرة المعارف الإسلامية و هو الذي أطلق على رباط الفتح بعد هجرة الأندلسيين إليه بالجمهورية، جمهورية سلا ورباط الفتح. انظر ليفي بروفنسال رباط الفتح ص: 28.
والرباط المغربي في أصله نواة قبل استقطاب الناس حوله لأنه عبارة عن معسكر ضخم به أهل الرباط وحماة الثغور وكان للرباط من الرجال والمؤونة والخيل ما يحقق الاكتفاء الذاتي فهو أشبه بالكومونة الصينية اليوم التي بها من الصناعة والزراعة ما يكفي أكثر من مليون من البشر ولهم وسائل الدفاع والهجوم مما جعلهم فعلاً أشبه بجمهورية صغيرة.وقد وصل المدد إلى هذه الجمهورية (رباط الفتح) في مرحلة متأخرة، أيام سقوط غرناطة وطرد بقايا المسلمين من الأندلس ما جعلها جمهورية أو مملكة للأندلسيين المجاهدين الذين قاوموا الحملات الصليبية الأسبانية(57) .وبهذا تظهر المكانة العمرانية التي لعبتها رباطات الغرب الإسلامي في الواجهة الغربية والأندلس.
لهذا نحب أن نشير إلى أهمية تأسيس مدن الغرب الإسلامي حول نواة الرباط اللبنة العمرانية الأولى، ونحن إذْ نتمسك بهذا الرأي والشواهد فإننا نميل إلى أن المدن بالغرب الإسلامي، تطرح مسألة ثانية، تتمثل في علاقة الولي الصالح بالسلطة القائمة في قيام وظهور المدن بالغرب الإسلامي عامة والجزائر خاصة في العصر الحديث.




ـــــــــــ
(57)-بروفنسال ، رباط الفتح، دائرة المعارف الإسلامية.




ثانيّا: نظرية الولي والسلطان
المشهور عند أهل المغرب ربط تأسيس الحواضر بالأولياء والصالحين، لهذا نجد الربط الثنائي بين الولي والمدينة(58)، فنقول مثلا، تبسة
أو مدينة سيدي بن سعيد، البليدة أو مدينة سيدي أحمد الكبير، أو مدينة الورود، الجزائر، مدينة سيدي عبد الرحمن الثعالبي، ثم مليانة مدينة سيدي أحمد بن يوسف، وهران مدينة سيدي الهواري، تلمسان مدينة العباد
أو مدينة سيدي بومدين شعيب، مدينة بلعباس أو سيدي بلعباس البوزيدي، تونس مدينة سيدي محرز. "أحرز محرز يا تونس"، كما يقول إخواننا في تونس. وارتباط الولي بالمدينة يعود إلى ظروف تاريخية تدخل في العلاقة بين الشيخ الصالح والقبيلة المغربية، أو الشيخ والسلطان القائم(59).
والمثل الواضح والعميق الذي كان مجالا لدراسة معمقة حول ارتباط المدن بالأولياء ما كتبه المهندس المعماري والباحث المتميز مصطفى أحمد بن حموش في عمله الخاص بمدينة الجزائر في العصر العثماني(60)، حيث يذكر ـــــــــــ
(58)محمد مكاحلي، ارتباط المدن بالأولياء(مجلة الآداب والعلوم الإنسانية) سيدي بلعباس جامعة جيلالي اليابس، العدد الأول، 2001-2002م. ص:259.
(59)-محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية الطبعة الثانية، ص:50.
(60)-مصطفى أحمد بن حموش، المرجع السابق.
بتفصيل أكبر ظروف نشأة مدينة البليدة بمبادرة أقرب إلى الفردية، وكيف تعرضت للزلزال المدمر وأعيد بناؤها بشروط مختلفة. أما عن نشوئها فقد كانت البليدة ثمرة تحالف بين السلطة الروحية والسلطة العسكرية، فالأولى يمثلها الشيخ الولي سيدي أحمد الكبير الذي تعاطف مع المهاجرين الأندلسيين وسعى لإعانتهم فأنشأ لهم مستوطنة على قطعة أرض ما لبثت أن تحولت إلى مدينة. أما السلطة العسكرية فقد أخذت دورها بزيارة خير الدين باشا للشيخ أحمد الذي سأل الباشا مساعدة المدينة، فكان أن استجاب الباشا من فوره فبني مسجدًا وحمَّامًا وفرنا. وجمعت المدينة بعد ذلك بين وظيفة العسكر بقيام الثكنات فيها والاستجمام حيث كثرت فيها بساتين البرتقال.
وفي عام 1824أتى زلزال على المدينة كليا، فأعاد يحيى آغا المكلف بشؤون المدينة المنكوبة بناءها في موقع أسفل الموقع القديم بما يضمن وصول الماء إليها، وتذكر الوثائق أنه لم يؤخذ برأي أهلها في هذا المشروع مما أدى إلى نهاية مأساوية له، حيث أفسدت الأمطار ما بدأ به من البناء مما اضطر الأغا لإيقاف العمل ولم يتمه.
إن الهدف الرئيسي للدراسة -إدراك الترابط بين المدينة والسلطة- استدعى الباحث المذكور حشد معلومات مكثفة أسهمت في إبراز الآليات التي تربط بين المدينة والسلطة، فنجد الحضور الفقهي العميق في الدراسة ولكن كآلية ومحفز عمراني واجتماعي، وكنص منشئ لواقع ومتفاعل معه. ونجد الفن المعماري ركنا أساسيا أيضا، ولكن بصورة حية تنفعل بالاجتماع البشري وتمارس فعلها عليه. ووراء ذلك كله نرى المجتمع أفرادا وجماعات يكيف العمران بما يتلاءم مع عاداته ومعتقداته وحاجاته، وتنتصب السلطة في الدراسة كمهندس، قد يكون ناجحا إذا عدل، أو فاشلا إذا ظلم وتعسف.
إن دراسة العلاقة بين المدينة ومعسكر الجيش نموذج البصرة والكوفة، وبين الرباط وتأسيس المدن المنستير وسفاقص، وارتباط الولي بالمدينة من النظريات القائمة عند علماء العمارة، وعند مؤرخي نشأة المدن في الإسلام، لهذا حرصًا منا على هذا الطرح، فإننا ندعو بحرارة إلى قراءة هذه الإشكاليات المتميزة في تاريخ تأسيس المدن في الإسلام التي ارتبطت بالعلم والمعرفة في اختيار المكان المناسب، كما فسرها الماوردي في كتبه وأعماله، أو العلامة ابن خلدون، الذي استفاد من هذه النظريات ونظريات غيره في بناء معالم نظرية في العمران والتحضر والعلاقة بين البادية والحاضرة.
وهذه نظرية خلدونية بحتة اعتمدها المؤلف والباحث مصطفى أحمد بن حموش في أطروحته للدكتوراه التي لم نطلع على نسختها الأصلية بالفرنسية أو نسختها المترجمة أو المعدلة باللغة العربية، ولم نملك في هذه الظروف إلا بعض العروض الخاصة بعمله في الشبكة العنكبوتية، وهذا للتنويه، وإرجاع حق الابتكار إلى صاحبه(61).
ــــــ
(61)-مصطفى أحمد بن حموش، المرجع السابق.








ثالثًا
الأندلسيون وآثارهم
بفحص الجزائر والمتيجة




















































مدخل عام:
أعالج في هذه البحث دور الهجرة الأندلسية إلى فحص الجزائر والمتيجة، حيث تبدو نصوص ووثائق استقرار الأندلسيين في سواحل المغرب الأوسط بجناحيه الشرقي وحاضرته بجاية والغربي وحاضرته وهران ووسطه جزائر الثعالبة شحيحة، كما تظهر خطوط المواصلات البرية والبحرية هي التي هيأت مرافئ استقرار الجاليات الأندلسية بالمغرب الأوسط وبهذا الصدد يذكر العلاَّمة ابن خلدون"...وأما أهل الأندلس، فافترقوا في الأقطار، عند تلاشي ملك العرب بها ومن خلفهم من البربر، وتغلبت عليهم أمم النصرانية، فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية، من لدن الدولة اللَّمتونية إلى هذا العهد، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع، وتعلقوا بأذيال الدولة."(1).وأثرى هؤلاء بلاد المغرب بما يملكون من مناهج تعليمية وقدرة في الزراعة والصناعة، والجهاد البحري.كما ساهموا في تطوير ميناء بجاية وأسطول الدولة الحفصية أيام السلطان أبي العباس أحمد وتطوير فعاليته في مواجهة الأساطيل البحرية بغرب المتوسط، وكان أمير البحر آنذاك محمد بن أبي مهدي، فجعل من مدينة بجاية أكبر قاعدة لانطلاق الغارات على السواحل الأوروبية(2).
_____________________
(1)-ابنخلدون، المقدمة، ص:401.
(2)- عبد الناصر جبَّار، بنو حفص والقوى الصليبية في غرب البحر المتوسط ص:131.
لقد كان الأندلسيون أركان دولة المستنصر الحفصي منذ منتصف القرن السابع الهجري، يتبوءون معظم المراكز الهامة فيها(3). كان اتجاه الباحثين العرب لفترة طويلة موجهًا بشكل مكثف إلى دراسة تاريخ الأندلسيين خلال قيام دولة الإسلام بالأندلس نتيجة توافرهم على عدد من المصادر الأندلسية المتعاقبة بتلك الفترة في حين اتجه عدد كبير من الباحثين الأوروبيين إلى دراسة تاريخ الموريسكيين بأسبانيا بعد سقوط غرناطة، فدرسوا تاريخهم من خلال وثائق محاكم التفتيش، ومن خلال المصادر المعاصرة واعتبروا موضوع الموريسكيين موضوعًا مسيحيًّا قبل أن يكون موضوعًا إسلاميًّا، وكان نتيجة ذلك أن تنوعت الدراسات الموريسكية(الأوروبية) إلى درجة أصبحنا نجد معها تخصصات جزئية داخل التخصص العام.وفي الجانب المقابل نجد الباحث العربي-في أغلب الحالات- لا تسمو المواضيع التي يتطرق إليها عن الإثارة العاطفية على اعتبار أنها "مأساة" (4)لحقت بالتاريخ العربي الإسلامي دون أبعاد هذه المأساة حضاريًّا وسياسيا، سواء على صعيد المجتمع الأسباني نفسه، أو على صعيد المناطق التي استقر بها الموريسكيون، خاصة _____________________
(3)-ممدوح حسين، الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري، ص:303.
(4)- وثيقة أندلسية عن سقوط غرناطة مع دراسة تحليلية للمستشرق جيميس.ت.مونرو، ترجمها وعلق عليها الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي، القاهرة، دار الهداية،دون تاريخ)، ص:17.
منطقة المغرب العربي.هذه المداخلة المتواضعة لطرح الإشكالية الخاصة بمناطق استقرار الموريسكيين والصعوبات التي عاشها الأندلسيون في مناطق"الشتات"ولو تجاوزا لأنهم بين أظهر إخوانهم وبدار الإسلام. ثم أشير إلى جهودهم وآثارهم في فحص"جزائر الثعالبة" والمتيجة عامة.
الهجرات الأندلسية إلى الجزائر عامة والمتيجة خاصة
تشير الوثائق القليلة إلى هجرات أندلسية مبكرة قبل سقوط غرناطة عام 1492م، وقبل الطرد النهائي لبقايا المدجنين من كان بحي البيازين وثوار جبال البشارات عام 1610م، وتبدو أول هجرة أندلسية واضحة نحو الجزائر"جزائر الثعالبة" على إثر سقوط سرقسطة البيضاء عام 512هـ/1120-1121م واستقرارهم في أعالي الجزائر وموطن استقرارهم بحي أو حومة الثغريين ولا تزال الهضبة التي استوطنوها تحمل اسمهم إلى اليوم، ويعود لهم الفضل الأكبر في إحياء المنطقة والقضاء على أحراش بوزريعة واستصلاح غابات المنطقة كما سيأتي ذكره لاحقًا. لقد كان خط سير الثغريين من سرقسطة البيضاء أيام حكم أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين(537هـ/1143م)، فقد حملهم الأسطول المرابطي العامل في السواحل والجزر المرابطية من ميناء ألمرية إلى جزائر الثعالبة رأسًا وقد كانت الحاضرة المرابطية الشهيرة بالمغرب الأوسط.
أما الهجرة الأندلسية الثانية في هذه المرحلة المبكرة في منتصف القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي حيث تمت أيام سقوط ألمرية نفسها على يد الصليبيين الفرنسيين من بروفانس وإمارة لانغدوك(Langue d’oc) جنوب ووسط فرنسا، وكانت محطة استقرارهم الأولى بجاية الناصرية ثم تحولوا في ظروف لا نعلم دواعيها إلى فحص الجزائر، وكان استقرارهم ببساتين ثامنتفوست لقرب سهول المنطقة من المرافئ البحرية للجزائر الشرقية(5). وصد الحملات الأسبانية التي تسعى للسيطرة على ضفتي المتوسط في إطار الإمبراطورية الجديدة(6).
_______________
(5)-تقع ثامنتفوست أو روسقونيا القديمة، على بعد 24 كلم شرق جزائر الثعالبة، وتحتل الجزء الشرقي من جوف الجزائر، ويقصد بثامنتفوست الجانب الأيمن، واسمها قديمًا روسقونيا المتكون من كلمة روس البونية الأصل وتعني قمة أو رأس، ومعناها: قمة أو رأس الأدغال:عمرها الرومان، وآثارهم الباقية إلى اليوم، لا تزال شاهدة على تعميرهم لها، وكانوا قد أزالوا الآثار الفينيقية، حيث كانت تمثل مرفأ السفن ومنطقة تخزين السلع الفينيقية، ثم عمرها الأندلسيون وكونوا منها حصنًا وقلعة في عهد الجزائر العثمانية، وكانت من ثامنتفوست تنطلق السفن لحماية الساحل الشرقي، وقاموا بتعمير المنطقة الفلاحية، وهذا بما جلبوه من خبرات في الري، ومد القنوات لسقي البساتين.انظر:تامنتفوست (روسقونيا القديمة)،الجزائر، الوكالة الوطنية للآثار وحماية المعالم والنصب التاريخية، 1998م.ص:3 .
(6)- فرنان برودويل، المتوسط والعالم المتوسطي، تعريب وإنجاز مروان أبي سمرا، بيروت، دار المنتخب، 1993م. ص:47.
الهجرة الأندلسية الثانية:
هجرة أهل بلنسية الشهيرة، هجرة كثيفة نحو تونس الحفصية وبجاية كما خرجت عائلات كثيرة من تونس واستقرت أولا: بمدينة القل وتادلس "دلس" حاليا ومنها إلى فحص الجزائر المتيجة أيام اشتداد الحملات الصليبية الأسبانية على بجاية وبونة والقالة ودلس. هذه الهجرات كانت بطريقة
أو بأخرى تتم نحو جزائر الثعالبة منذ أيام المرابطين والموحدين ثم أسسوا مدينةالقليعة فيما بعد.
ومن الأسباب الموضوعية التي أدت إلى استقرار هذه الجاليات الأندلسية من سرقسطة البيضاء وألمرية وبلنسية خاصة إلى رغبة الثعالبة وهم فرع من عرب المعاقيل الذين ملكوا المتيجة وضواحي مدينة الجزائر العاصمة والفحص بصورة خاصة لحاجتهم إلى خبرة هؤلاء الأندلسيين الزراعية خاصة والحرفية عامة.
تتميز الهجرات الأندلسية الأولى كما ذهب إلى ذلك جل المؤرخين الجزائريين بأنها هجرات أسر وجيهة وأعلام أندلسية بارزة كان لها الأثر الكبير في جميع الميادين العلمية والاقتصادية وقد استقطبتهم بجاية الناصرية والحفصية بصورة بارزة(7).
____________________
(7)- محمد الشريف سيدي موسى، مدينة بجاية الناصرية(دراسة في الحياة الاجتماعية والفكرية)، تقديم الدكتور محمد الأمين بلغيث.الجزائر، دار هومة للنشر والتوزيع.2007م.
واستقرت حوالي ثلاثمائة أسرة أندلسية هاجرت من قشتالة والأندلس ومن أهل الثغور من مملكة بلنسية، واستوطنوا مدينة القل مدينة المهاجرين الأندلسيين كما يقول مارمول كربخال(8).
لذا تطورت هذه المدينة العتيقة التي استوطنها الأندلسيون من شرق الأندلس وحواضره الشهيرة بلنسية ومثاغري جزيرة شقر، والقل بلد غني بالفواكه ومنها أشجار الليمون والبرتقال، كما كسبت المنطقة من خلال خبرة الأندلسيين درجة عالية في تربية دودة القز، لهذا كانت من أطماع بيدرو الثالث الأراغوني، الذي سعى للسيطرة عليها ثم الزحف على مدينة قسنطينة في مغامرة غير محمودة بتواطئ مع ابن الوزير الطامح في عرش تونس الحفصية بمساعدة مملكة أراغون الصليبية(9).
_____________________
(8)- مارمول كربخال، إفريقيا، الجزء الثاني، ص:362.
(9)- ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر(المجلة العربية للثقافة)، السنة الرابعة عشرة، العدد السابع والعشرون، عدد خاص بالتاريخ العربي في الأندلس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1994م. ص:232. أفوقاي(أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي)، ناصر الدين على القوم الكافرين(مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب)، تحقيق محمد رزوق،الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة،1407هـ/1987م.ص:5.ممدوح حسين، الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري.ص:472.


المرحلة الثالثة للهجرة الأندلسية نحو الجزائر
ارتبطت نهاية الحكم الإسلامي بالأندلس بسقوط آخر معاقل الإسلام المحاصر بأقصى جنوب غرب أوروبا-غرناطة بني الأحمر(897هـ/1492م) وبانتهاج الأسبان سياسة متابعة حركة الاسترداد ببلاد المغرب وتعقب المهاجرين الأندلسيين بها، وذلك للحيلولة دون قيامهم بالجهاد البحري انتقامًا لما تعرضوا له، وقد أسفرت هذه السياسة عن استيلاء الأسبان على العديد من المراكز الساحلية بالسواحل الجزائرية، فقد فرضوا سيطرتهم على المرسى الكبير(1505) ووهران (1509م) ومستغانم (1511) وتلمسان(1512).
تطلبت تصفية الوجود الإسلامي بأسبانيا ذاتها انتهاج سياسة التنصير الإجباري(10) للمسلمين التي أشرفت عليها الكنيسة الكاثوليكية وتبنَّاها الكاردينال خيمينيس (CinserosXiménés) ونفذها البغيض الأسباني فنقض فردناند وإيزابيلا العهد الذي أعطي للمسلمين مقابل تسليم غرناطة وحرمت الشعائر الإسلامية وأحرقت الكتب العربية وأغلقت المساجد (905هـ/1499م) واعتبر الدين الإسلامي خطرًا على أسبانيا ومنع وجود المسلمين بها(907هـ/1501م) وهذا ما أدى إلى انتفاضة المسلمين____________________
(10)- وثيقة أندلسية: عن سقوط غرناطة مع دراسة تحليلية للمستشرق جيميس.ت.مونرو،ص:19. الفيكونت شاتوبريان، الإسلام في الأندلس آخر بني سراج(ملحق أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر آخر بني سراج)، ترجمة الأمير شكيب أرسلان، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1985م.ص:129.
وقيامهم بثورة جبال البشارات(976هـ/1568-1570م) وبعد سنتين فشلت الثورة فأرغموا على التهجير إلى السواحل المغربية، وأعقبت هذه الانتكاسة زيادة الضغط على المسلمين، فاتخذت في حقهم إجراءات قمعية رادعة مهدت إلى قرارات الطرد الجماعي التي أصدر قوانينها ومراسيمها فيليب الثالث ما بين 1607-1614م بإيعاز من الكنيسة وتشجيع من الإقطاعيين فخصصت لهم السفن لنقلهم إلى السواحل المغربية، وقد تضمنت الوثائق الأسبانية قوائم السفن التي حملت الأندلسيين المهجرين إلى وهران والمرسى الكبير باعتبارهما مركزين أسبانيين يوجه إليهما المهجرون.فقد تم نقل ما بين شهري أكتوبر ونوفمبر من عام(1016هـ/1609م) 116022 مسلمًا من مناطق شرق الأندلس، وتعرض المهجرون الأندلسيون إلى مأساة ثانية بالجزائر وفاس حيث أغارت عليهم قبائل المنطقة، قال المقري التلمساني:"فخرجت ألوف بفاس وألوف بتلمسان من وهران...فسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات ونهبوا أموالهم وهذا ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل من هذه المعَرَّة"(11).ونتج عن هذا الوضع تجند المرابطين وشيوخ الزوايا بالمغرب الأوسط(الجزائر)لحمايتهم والدعوة إلى الجهاد، وطلب الفقهاء والوجهاءإلحاق البلاد الجزائرية بالدولة العثمانيةحاملة راية الإسلامــــــــــــــ
(11)-المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار الثقافة.ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسيةإلى الجزائر، ص:213.
(918-924هـ/1512-1518م) وتحولت الجزائر بذلك إلى جبهة متقدمة في صد الدولة العثمانية للنفوذ الأسباني، وارتبط هذا العصر في الجزائر بتحول أعداد كثيرة من الأندلسيين من أسبانيا للاستقرار بالمدن والأقاليم الجزائرية الساحلية خاصة، فكانت أهم مراكز الاستقرار بالغرب الجزائري، وهران ونواحيها ومستغانم وآرزيو وجهاتها وتلمسان وقلعة بني راشد ومازونة وندرومة، وبالشرق الجزائري استقرت جاليات أندلسية ببجاية وجيجل والقل وقسنطينة وبونة(عنابة) والقالة، أما الوسط فاختارته بعض الجاليات الثغرية القادمة من وشقة وسرقسطة البيضاء وبطليوس بالغرب(البرتغال).وتجمع الأندلسيون في مدن الجزائر والبليدة والقليعة وشرشال وتادلس ومليانة والمدية ومازونة وفي إقليمي المتيجة والساحل القريب منها(12).
لقد تم نقل ما بين 1543-1569م حوالي 7700أندلسي من أهالي بلنسية وأليكانت وهذا أيام البحارة المشهورين صالح رايس، إيدن رايس درغوث رايس، حسن فينيزيانو،مراد رايس، كما شارك مئات المتطوعين الإنكشاريين ثوار جبال البشارات وهذا بإنزال بحري على شواطئ نواحي ألمرية ومربلة ما بين سنتي 1568-1569م، وأشار كتاب غزوات عروج____________________
(12)- ناصر الدين سعيدوني، الجالية الأندلسية بالجزائر، مساهمتها العمرانية ونشاطها الاقتصادي ووضعها الاجتماعي( مجلة أوراق) مدريد، العدد الرابع، المعهد الأسباني العربي للثقافة،1984م.ص ص:111-118.
وخير الدين"أنه قد أنقذ ما لا يقل عن سبعين ألف أندلسي وحملهم خير الدين إلى الجزائر، وما يلاحظ أن أغلب هؤلاء المرحلين الأندلسيين يشكلون المرحلة الثانية للهجرة الأندلسية نحو الجزائر، كانوا من الطبقات المتوسطة والفقيرة فجلهم من الفلاحين وأصحاب المهن والصنائع والتجار والقليل منهم كان له حظ في العلم أو نصيب في الثقافة وهذا عكس المرحلة الأولى للهجرة الأندلسية للجزائر التي سبقت الإشارة إليها(13).
_____________________
(13)-جاء في كتاب غزوات خير الدين وعروج، فكتب أهل الأندلس كتابًا إلى خير الدين يعلمونه بما وقع من النصارى من هذه المحن ويتضرعون إليه في إنقاذهم بما هم فيه فوصل إليه كتابهم فامتعض من أجلهم ودخلته حمية الإسلام، والغيرة للدين المحمدي، فعند ذلك، حضر ستة وثلاثين جفنًا، فلما رآهم الأندلسيون خرجوا إلى ذلك الجبل المتقدم، فتجرد في طلبهم النصارى فلما وصلوا إلى الجبل نزل إليهم أهل الأجفان من المسلمين وأتوهم من ورائهم ووقع بينهم قتال عظيم،قيض الله المسلمين عليهم فأخذ الكفار في الفرار وتبعهم المسلمون في الأثر حتى أبعدوا عن مكانهم، ثم إنهم رجعوا.لما رأى أهل الجبل من الأندلسيين ما منح الله عسكر خير الدين من النصر نزلوا إليهم من الجبل وسلموا عليهم واستبشروا بقدومهم... ، فرفعوا نساءهم وأبناءهم وما قدروا عليه من أموالهم وأبناءهم فأتوا بها إلى الأجفان ووسعوها بذلك، وركب فيها عدد كثير منهم ورجعوا إلى الجزائر بعد ما خلفوا ألف مقاتل من العسكر يحرسون جماعة المسلمين الباقية منالأندلس خوفًا عليهم من غائلة النصارى لعنة الله عليهم، فلما وصلت الأجفان=
أثار الأندلسيين بالجزائر العثمانية
أدَّت الهجرات الأندلسية المتتابعة نحو مدينة الجزائر إلى ارتفاع عدد السكان من 25 ألف(1518م) إلى 70 ألف (1580) ليرتفع إلى ما بين 100 ألف و120 ألف نسمة عام 1634م حسبما يستنتج من المصادر المعاصرة، بحيث أصبح الأندلسيون يشكلون ربع سكان مدينة الجزائر في بداية القرن الحادي عشر الهجري، مستهل القرن السابع عشر الميلادي، فقد قدرالراهب الأسباني هايدو(Haèdo) عددهم عام 1609م بما لا يقل عن 25000 نسمة وهذا ما اضطر حكام الجزائر إلى تحويل قسم منهم إلى الأرياف المجاورة كما حدث عام 1512م الذي عانى فيه السكان المجاعة ونقص الأقوات فحمل متولي الشرطة بالمدينة مسؤولية ذلك الموريسكيين وأمر بطردهم من المدينة في ظرف ثلاثة أيام، ولم يتردد في قتل الأشخاص العاجزين على مغادرة المدينة في الوقت المحدد(14)،كما انجرَّ عن تكاثر ــــــــــــ
= إلى الجزائر خلفوا ما حملوه من الأندلس... فكان جملة ما حملوه سبعين ألفًا انظر:مجهول، تاريخ خير الدين، مخطوط رقم:5754.نقلا عن جمال قنان، نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر الحديث(1500-1830م)، الجزائر، منشورات المؤسسة الوطنية للطباعة، 1987م.ص:41.
(14)- ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر،ص:232.محمد رزوق، الأندلسيون وهجرتهم إلى المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، الدار البيضاء،1989م.ص:132.
الأندلسيين بمدينة الجزائر تخصيص أماكن أخرى لاستقرارهم غير بعيد عن الجزائر، فقد أقامت أسر أندلسية بزعامة سيدي أحمد الكبير في مدينة البليدة(942هـ/1535م) وأنشأت جماعات المدجنين القادمين من قشتالة وثغور بلنسية مدينة القليعة(957هـ/1550م)، وطوروا كما سلف مدينة القل، وساحل الجزائر الشرقي، وجعلوا من مرفأ ثامنتفوست حصنًا وقلعة لحماية الجزائر البيضاء المحروسة، انتقامًا من الأسبان الذين أذاقوهم الأمرين.
لم يمانع حكام الجزائر تشجيع بعض الأندلسيين للعودة إلى وطنهم بهدف الجوسسة أو إثارة إخوانهم المدجنين ضد الحكم الأسباني، وفي هذا الإطار من النشاط السرِّي سارع موريسكيو بلنسية إلى إخبار إخوانهم بالجزائر بالاستعداد الأسباني للقيام بحملة بحرية ضد الجزائر سنة 1601م فأرسلوا لهذا الغرض زورقًا على جناح السرعة وعندما نجحت مساعيهموفشل الهجوم الأسباني لم يترددوا حسب الوثائق الأسبانية التي أوردت الخبر من إقامة حفلات بهيجة جماعية تعبيرًا عن تضامنهم مع إخوانهم بالجزائر(15).
أولا: الدعم العسكري:
ساعد الأندلسيون في تدعيم الحكم العثماني بالجزائر،وقدموا يد المساعدة والعون للأخوين عرُّوج وخير الدين بربروسة في صراعهم مع_____________________
(15)- ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر، ص:234.أحمد توفيق المدني، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وأسبانيا(1492-1792م).الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1977م.
الأسبان حيث كان الأخوان سببًا بعد الله في خلاص كثير من المسلمين من أيدي الكفرة المتمردين ونقلهم إلى أرض الإسلام.
اتخذ حكام الجزائر منذ عهد خير الدين من الأندلسيين جنودًا لحراسة أبراج مدينة الجزائر وألَّفوا منهم فرقًا عسكرية شاركت في توطيد الحكم العثماني في الأقاليم الداخلية للجزائر، فقد شارك 500 أندلسي من أهالي غرناطة وأراغون وبلنسية في الحملة التي شنها خير الدين للقضاء على حميدالعيد حليف الأسبان المستبد بمدينة تنسونواحيها عام 1517م كما كلفت جماعات الأندلسيين بحراسة مدينة المدية بعد أن تمكن خير الدين من تنحية محمد بن العابد وإلحاقها بالسلطة المركزية بالجزائر، كما قضت فرقة من الرماة(500) على حاكم مليانة المدعو حسن أيام حسن بن خير الدين.
تزايد عدد المدجنين الأندلسيين المدافعين عن الجزائر المحروسة وبلغ شهداؤهم أيام حملة الصليبي شارل كانت حوالي 5000شهيدًا وبلغ عدد الأندلسيين المجندين 6000 فرد من مجموع 15000 رجل المقدرين للجيش والقوة العسكرية الجزائرية(16).ولا يمكن لعاقل إلا الاعتراف لهؤلاء الأندلسيين بالفضل الكبير في تحديث الجيش الإسلامي بالجزائر في العهد العثماني نظرًا لخبرتهم الطويلة في الجهاد وصد حملات القوات العسكرية الأسبانية التي أضاقتهم الأمرين.
___________
(16)- انظر رسالة فيليب الثاني ملك أسبانيا إلى فورك فو(Fourque Youls) سفير فرنسا بتاريخ 6 جويلية 1566م.ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر،ص:236.
ثانيًّا: النشاط الاقتصادي
اشتغل أندلسيو فحص الجزائر في الأعمال الزراعية والتجارية والحرفية وتفوقوا في ضروب الصناعات التقليدية، وكان أغلبهم بباب الواد وباب عزُّون من صناع أهل الأندلس، وأهم الصناعات التي عرف بها الأندلسيون صناعة النسيج بمختلف أصنافها" أقمشة الكتان والقطن والحرير والمحمل (القطيفة)"،وقد كانت معامل الأقمشة في الربع الأول من القرن السادس عشر تضم ما لا يقل عن 3000 عامل كما لا تقل هذه الصناعة أهمية عن بقية الصناعات والحرف الأخرى التي أتقن صناعتها الأندلسيون وهي التطريز(الشبيكة) والقلانس(الشاشية) وصناعة الحلي وتجهيز السفن وصناعة الأسلحة.
لم يقتصر النشاط الاقتصادي الخاص بالهجرة الأندلسية في المتيجة وفحص الجزائر وبقية مدن وحواضر استقرارهم على الجانب الحرفي، فقدنشطوا العمل الزراعي في الساحل الشرقي والغربي لمدينة الجزائر، حيث استصلحوا الأراضي وأخرجوا الماء ونظموا الرعي بفحص باب الوادي بواسطة مياه المعامل وفحوص باب عزون باستغلال مياه الحامة وواد خنيس ووادي الجر فبنوا الأحواض والصهاريج والسواقي والقنوات والحنايا والنوريات(الناعورات) وحفروا آبار الماء، وأنشأوا العيون، وكانت من أهمها عيون الحامة التي بناها أوسطى موسى، أحد الصناع الأندلسيين عـلى عهد قوصة مصطفى حاكم الجزائر(1610-1613م).
على أن أهم آثار الأندلسيين في مدينة الجزائر والبليدة والقليعة والمدية يتمثل في تلك التقنيات الزراعية المتطورة التي أدخلوها إلى هذه المدن من حيث آلات العمل الفلاحي وطرق التشذيب والتلقيح والغراسة واختيار التربة ونوعية المياه(17)، مما أدَّى إلى تحسين أنواع عديدة من الأشجار المثمرة كالعنب، والبرتقال والزيتون والتفاح والجوز واللوز والمشمش،وإدخال أنواع جديدة من الخضر والفواكه لم يألفها السكان قبلهم مثل:حب الملوك(الكرز) والنارنج والقرنون والكراث والجلبان والملفوف والباذنجان والطماطم والبطاطس والفلفل وأنواع الزهور والقرمز.
شكل الأندلسيون أساس اقتصاد مدينة الجزائر بمثل الأعمال الحرفية والتجارية والزراعية التي جلبوها معهم من موطنهم الأصلي الأندلس بمختلف أقاليمه. وكان الأندلسيون المهجرون نحو الجزائر نواة تطور مدينة البليدة حيث قاموا باستصلاح فحص المتيجة وأقاموا البساتين الغناء وأحواض الماء لسقي البساتين والحقول، فعرف سكان المنطقة سعة الرزق ورخاء المعيشة أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر وهذا ما جعل سيور دي لا كروى(Sieur de lacroix) يؤكد على أن 2000 موريسكي هم سبب في جعل مدينة الجزائر مدينة غنية بمشاغل الحرير والقطيفة وغيرها ـــــــ
(17)-لمزيد من الإطلاع على مسائل الماء والتقنيات الفلاحية التي برع فيها الأندلسيون منذ عهد قديم انظر: محمد الأمين بلغيث، الحياة الفكرية بالأندلس في عصر المرابطين، المجلد الثاني،ص:529 وما بعدها.
من الصناعات اليدوية المتطورة الدقيقة(18).
التأثير على البنية الاجتماعية لفحص الجزائر والمتيجة
ظل الأندلسيون شريحة اجتماعية متماسكة، يحتكر أفرادها أغلب المناصب الإدارية والوظائف الاجتماعية المهمة التي لم يشغلها الأتراك بمدينة الجزائر، وقد كانت لهذه الجماعة حظوة ومكانة لدى الحكام وتعامل خاص مع التجار الأوروبيين والمتعاملين اليهود الذين قدموا من الأندلس أو المدنالإيطالية وقد اشتهرت من هذه الطبقة الميسورة عدة أسر توارثت الثروة والنفوذ، واشتغل أفرادها بالتجارة والصناعة مثل ابن رامول، وابن هنِّي وابن النيقرو، وبرحال، وبوناتيرو، وبن تشيكو وبن الكبابطي، وبوضربة،
وابن الشاهد، وابن الأمين، وابن عمار، وخوجة، والزهار، والآبلي وشلاسة، والعنجدون وغيرها(19).
ازدهار الحياة الفكرية والفنية بمدينة الجزائر
ساهم الأندلسيون بقسط وافر في التعليم بالمدارس المشهورة منها مدرسة الأندلس، مدرسة القشاش، كما كان لهم نصيب في فنون الأدب والثقافة لم يصل إلى مستوى أسلافهم من علماء بجاية وتونس وفاس ولكنه_____________________
(18)- سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر،ص:237.أحمد توفيق المدني، حرب الثلاثمائة سنة، ص:420.
(19)- سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر،ص:236.
مكَّن من المحافظة على التقاليد التربوية والتعليمية الأندلسية كما ضمن استمرار التقاليد العلمية والفقهية والأدبية، فأصبح للفتح بن خاقان ولسان الدين بن الخطيب مثالا يحتذى به في فن الترسيل والنثر الفني، كما تؤكده أعمال ابن عمار وابن حمادوش وابن ميمون،كما تولَّى الأندلسيون الوظائف الشرعية كالقضاء والإمامة والخطابة والنظر في الأحباس والأوقاف واشتهر منهم في مجال القضاء: ابن النيقرو وابن الأمين وابن عمار وابن الكبابطي، أما في ميدان الفن فكان اهتمامهم كبيرًا كادوا ينفردون بتنشيطالحياة الفنية، فقد نقلوا إلى فحص الجزائر ومدنه الشهيرة الموشحات والأزجال الأندلسية المعروفة عندنا(بالمالوف) وأدخلوا آلات موسيقية أندلسية، وحافظوا عليها مثل العود والرباب، والكامنجة، والصنوج والطبيلة والطارو والدربوكة، وأحيوا المواليد والإخوانيات وقصائد المديحوالغزل والتشبيب ووصف الطبيعة والرثاء، وشعر الحرب، ومن أشهر منظمي الموشحات أبو العباس أحمد بن عمار الأندلسي الجزائري متولي إفتاء المالكية سنة 1180هـ/1766م(20) وصاحب الرحلة الشهيرة "نحلة اللبيب فيالرحلة إلى الحبيب"(21) و"لواء النصر".
_____________________
(20)- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الأول، بيروت، دار الغرب الإسلامي،1981م.ص:282.(21)-هذه الأعمال من اهتمامات المؤرخ سعد الله ونشر نصوصها الهامة، كما نشر رسالة الغريب إلى الحبيب تأليف أحمد أبو عصيدة البجائي، بدار الغرب الإسلامي عام 1993م.
ومحمد بن الشاهد الأندلسي الجزائري (ت.1207هـ/1793م).وعمر بن سيدي علي الأندلسي، متولي قضاء الحنفية سنة 1163هـ/1750م، وغيرهم من العلماء(22).
وفي الختام نقول إن الهجرة الأندلسية الأولى قبل سقوط غرناطة والهجرة الثانية بعد ثورة البشارات أعطت للجزائر عامة ومدنها الساحلية والداخلية خاصة بُعْدًا أندلسيا واضحًا، وأصبحت الجزائر وطنهم فدافعوا عنه بالغالي والنفيس طوال صراعها لمدة ثلاثة قرون مع أسبانيا النصرانية الكاثوليكية.
وخير ما نختم به هذه الحوصلة بتلخيص لما جاء في كتاب الدكتور مصطفى أحمد بن حموش حيث يلتفت المؤلف إلى إنشاء المدن كإحدى صور تحقيقالمصلحة العامة وفق ضوابط الشريعة، فيذكر إنشاء مدينة القليعة مدينة المهاجرين الأندلسيين، ويفسر اسمها بأنه تصغير كلمة (قلعة)، في دلالة على وظيفتها العسكرية التي أرادها منها مؤسسها الباشا حسن، فقد كانت ركيزة في المنطقة لمواجهة القبائل البربرية بجبال شنوة.
كما يستعرض نظرية في غاية الفطنة والانتباه إلى ما حدث في الضفة الشمالية يوم تهجير الأندلسيين أو القضاءعليهم في المنافي ومحاكم التفتيش فيستخلص بأنه مقابل اختفاء المدن والقرى الأندلسية في أسبانياكانت تنشأ مدن وقرى في الضفة الأخرى من البحر حتى أن أغلب المدنـــــــــــــ
(22)- سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر، ص:239.
في المغرب يعود الفضل في إنشائها إلى أهل الأندلس، فقد كان سكان المغرب الأصليون آنذاك يفضلون الخيمة والريف على المدينة، ولعب العثمانيون دورًا حاسما في توطين اللاجئين الأندلسيين وإعانتهم على الاندماج في الإقليم الجديد، من منطلق ديني وإعمالا للمصلحة العامة في أعلى مستوياتها وهي حفظ الدين ورعاية الأمة.
يقترب الجزء الثالث -من كتاب الباحث المذكور أعلاه- أكثر من مدينة الجزائر ونموها، ويلاحظ بعض تفاصيل هذه المدينة التي كانت صغيرة إلى حد أن الرحالة لم يذكروها إلا نادرًا، وأصبحت في ما بعد في العهد العثماني إحدى المدن العربية الكبرى، حيث ازداد عدد سكانها وكبرت مساحتها وتحولت إلى نموذج يمكن قراءة السياسة العمرانية العثمانية فيها ولهذا كانت هذه المدينة إحدى المحاور الأساسية في الكتاب بمجمله(23).
يقول المؤلف مصطفى أحمد بن حموش: إن أغلب المشاريع التي اطلع عليها عبر الوثائق كانت عسكرية. ويضيف أنه في بعض الحالات تكون المشاريع أشبه بالإعلان عن مناقصة، ومن أمثلة ذلك "مشروع جلب الماء من عين الحامة حيث طلب علي باشا من أهل الخبرة إجراء دراسات على كيفية إيصالها للمدينة".
________________
(23)- مصطفى أحمد بن حموش، المدينة والسلطة في الإسلام، نموذج الجزائر في العهد العثماني، دبي، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، 1999م.(320صفحة).
عرض/ شفيق شقير المصدر:الجزيرة نت.
وأثر على نوعية الطراز المعماري المهاجرون الأندلسيون الذين تدفقوا على شمال أفريقيا بعد النكبة وكذلك الأسرى المسيحيون الذين استخدموا في المشاريع العامة، فضلا عن الطراز المشرقي العثماني الذي فرضه حضورهم في أجهزة السلطة.
وينتهي الباحث إلى خاتمة تؤكد على تكفل السلطة بالمسائل الإستراتيجية الكبرى التي ترتبط بالمدينة ككل، وأن المركزية في الإدارة ساعدت على التنسيق بين مختلف الخدمات، كما أن حضور أهل الخبرة بجانب السلطة كان له أثر في تحديد المشاريع الضرورية لاحتياجات السكان.
واندمج الأندلسيون مع "البلدية" من السكان "الحضر" والكراغلة وطبقة الأتراك، وشكلوا طبقة ميسورة. فتأثرت هذه الطبقة بلباس الأندلسيين ولهجاتهم، كما تأثر "البرانية" من البدو بسلوك هذه الفئة المتحضرة في المعاملة والمظهر الأنيق. فطبع الأندلسيون المدينة بطبائعهم الاجتماعية وأثروا على حرف مدينة الجزائر، كما أشار إلى ذلك أكثر من باحث في هذا العصر الذي كون مجتمعًا متماسكًا لمدة قرون حتى غزاهم الاستعمار، فدمروا العمران الموريسكي، وحطموا المساجد ومعاهد العلم وغيروا الشوارع بدعاوى توسيع المدينة، وهيمنوا على العقار، وأرجعوا سكان المدينة إلى عصر ما قبل تحضر المدينة في القرن السادس عشر والقرون التي جاءت بعده.




مراجع الدراسة
(*)-المجلس الشعبي البلدي لمدينة البليدة، تخليدًا لمؤسس المدينة سيدي أحمد الكبير، أسبوع تاريخ متيجة عبر العصور، من:4إلى غاية 9ماي 2002م.
(1)- عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة،نسخة محققة، بيروت، دار الفكر،1422هـ/2002م.
(2)- وثيقة أندلسية عن سقوط غرناطة مع دراسة تحليلية للمستشرق جيميس.ت.مونرو، ترجمها وعلق عليها الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي، القاهرة، دار الهداية،دون تاريخ).
(3)- الفيكونت شاتوبريان، الإسلام في الأندلس آخر بني سراج(ملحق أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر آخر بني سراج) ، ترجمة الأمير شكيب أرسلان، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1985م.
(4)- ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر(المجلة العربية للثقافة)، السنة الرابعة عشرة، العدد السابع والعشرون، عدد خاص بالتاريخ العربي في الأندلس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1994م.
(5)- ناصر الدين سعيدوني، الجالية الأندلسية بالجزائر، مساهمتها العمرانية ونشاطها الاقتصادي ووضعها الاجتماعي(مجلة أوراق) مدريد، العدد الرابع، المعهد الأسباني العربي للثقافة.1984م.
(6)- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء الأول، بيروت، دار الغرب الإسلامي،1981م.
(7)- محمد الأمين بلغيث، الحياة الفكرية بالأندلس في عصر المرابطين، المجلد الثاني، أطروحة دكتوراه الدولة مخطوطة، إشراف أ.د.عبد الحميد حاجيات، قسم التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الجزائر 1423-1424هـ/2002-2003م.نوقشت يوم 15ماي 2003م.
(8)- محمد رزوق، الأندلسيون وهجرتهم إلى المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، الدار البيضاء،1989م.
(9)- أفوقاي(أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي)، ناصر الدين على القوم الكافرين(مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب)، تحقيق محمد رزوق الدارالبيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 1407هـ/1987م.
(10)- مصطفى أحمد بن حموش، المدينة والسلطة في الإسلام، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، 1999م.(320صفحة). عرض/ شفيق شقير المصدر الجزيرة نت.
(11)- فرنان برودويل، المتوسط والعالم المتوسطي، تعريب وإنجاز مروان أبي سمرا، بيروت، دار المنتخب، 1993م.


















رابعًا
المرابطــون والمتصوفــة بفحص المتيجة


































































مدخل عام
تتميز الهجرات الأندلسية الأولى كما ذهب إلى ذلك جل المؤرخين الجزائريين بأنها هجرات أسر وجيهة وأعلام أندلسية بارزة كان لها الأثر الكبير في جميع الميادين العلمية والاقتصادية وقد استقطبتهم بجاية الناصرية والحفصية بصورة بارزة، وقد عرفت هجرات مبكرة منذ سقوط طليطلة عام 478هـ/1085محيث أعادها ألفونسو السادس عاصمة للنصرانية كما كانت قبل فتحها على يد المجاهدين المسلمين أيام طارق بن زياد وموسى بن نصير(1).
_____________________
(1)- محمد الأمين بلغيث، الحياة الفكرية بالأندلس في عصر المرابطين، المجلد الأول، أطروحة دكتوراه الدولة مخطوطة، إشراف أ.د.عبد الحميد حاجيات، قسم التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الجزائر، 1423-1424هـ/2002-2003م.ص:122.ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر(المجلة العربية للثقافة)، السنة الرابعة عشرة، العدد السابع والعشرون، عدد خاص بالتاريخ العربي في الأندلس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1994م. ص:232. أفوقاي (مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب)، تحقيق د.محمد رزوق، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 1407هـ/1987م.ص:5. وثيقة أندلسية: عن سقوط غرناطة مع دراسة تحليلية للمستشرق جيميس.ت.مونرو، ص:19.الفيكونت شاتوبريان، الإسلام في الأندلس آخر بني سراج(ملحق أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر آخر بني سراج)، ترجمة شكيب أرسلان، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1985م.ص:129.
المرحلة الحاسمة (المرحلة الثالثة)للهجرة الأندلسية نحو الجزائر
لقد تم نقل ما بين شهري أكتوبر ونوفمبر من عام(1016هـ/1609م) 116022 مسلمًا من مناطق شرق الأندلس، وتعرض المهجرون الأندلسيون إلى مأساة ثانية بالجزائر وفاس حيث أغارت عليهم قبائل المنطقة، قال المقري التلمساني:" فخرجت ألوف بفاس وألوف بتلمسان من وهران...فسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات ونهبوا أموالهم وهذا ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل من هذه المعَرَّة".وقد سبق الإشارة إلى هذا أعلاه(2). ونتج عن هذا الوضع تجند المرابطين وشيوخ الزوايا بالمغرب الأوسط لحمايتهم والدعوة إلى الجهاد، وطلب الفقهاء والوجهاء إلحاق البلاد الجزائرية بالدولة العثمانية حاملة راية الإسلام(918-924هـ/1512-1518م)(3)
لقد فضل فريق كبير من المدجنين الرفض المطلق البقاء تحت سلطة نصرانية بغيضة كافرة سلطت عليهم الضرائب العالية الظالمة، وأكرهت إخوانهم على التنصير القصري، فتركوا البلاد وهاجروا إلى مصر وبلاد الشام وبلاد عدوة المغرب، وقسم منهم ذهب مع الرحلات الاستكشافية إلىـــــــــــــ
(2)-المقري التلمساني، نفح الطيب.ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسيةإلى الجزائر، ص:213.
(3)-محمد بن رقية التلمساني، الزهرة النائرة فيما جرى في الجزائر حين أغارت عليها جنود الكفرة، مخطوط رقم 1626.نقلا عن جمال قنان، نصوص ووثائق، ص:42.
أمريكا الوسطى والجنوبية(4).
المتصوفة والمرابطون وشيوخ القبائل ودورهم في المتيجة
لم تسعفنا الوثائق والأخبار المنقبية والدفاتر الأرشيفية عن علاقة هذا المجتمع بغيره من الأحداث التي تعرفها الضفة الشمالية، وحتى وإن عرفت السلطة السياسية، ما يقع في الدول الأوروبية الصاعدة كالبرتغال وأسبانيا وأثناء التحولات الاقتصادية والعلمية التي استخدمت ضد مصالحنا، رغم ما هو معروف عن تفوق البحرية في ليبيا، تونس، الجزائر والمغرب، في الحوض الغربي للمتوسط، حيث كان العصر، عصر المصاعب والمتاعب والتحولاتالكبرى، خاصة بعد اكتشاف الأوروبيين المسيحيين لتقنيات السفن البخارية____________________
(4)- ناصر الدين سعيدوني، الجالية الأندلسية بالجزائر، مساهمتها العمرانية ونشاطها الاقتصادي ووضعها الاجتماعي( مجلة أوراق) مدريد العدد الرابع،ص ص:111-118.خليل إبراهيم السامرائي، المسلمون بعد سقوط غرناطة(الموريسكيون)، الفصل الخامس من كتاب تاريخ العرب وحضارتهم فيالأندلس، بالاشتراك، بيروت، دار الكتاب الجديد،2000م.ص:310.محمد رزوق، الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17م،ص: 156.
لوي كاردياك، الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون(المجابهة الجدلية 1492-1940) مع ملحق بدراسة عن الموريسكيين بأمريكا)تعريب وتقديم د.عبد الجليل التميمي، منشورات المجلة التاريخية المغربية، وديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، تونس 1983م.ص:150.
في مطلع القرن التاسع عشر(5).
ومما نملك من معلومات في عصرنا أن الغرب وفرنسا بالذات حامية الكنيسة الكاثوليكية، هي مدبرة الحملات الصليبية على الغرب الإسلامي من منطقةكولونيا(6)، وخلال القرن السابع عشر كانت نظرة فرنسا واضحة المعالم ____________________
(5)- عن تفوق البحرية الجزائرية في هذا العصر انظر:
محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني، مؤرخ سوف والطريقة الشابية، الجزائر، كريستال برنت، مارس 2002م.ص:47.
(6)- انظر تفاصيل هذا الموضوع عند فانسان مايزي" تونس والجزائر في كتب الرحالة الأوروبيين خلال القرنين السابع والثامن عشر حالة العقلية الغربية.وهي دبلوم الدراسات المعمقة التي أشرفت عليه السيدة جوزيت بونت(Josette Pontet) من جامعة ميشيل مونتين بوردو الثالثة
(Université Michel Montaigne Bordeaux III)عام 1998م.ولم نتمكن سوى من ملخص بمجلة مراسلات انظر:
Vincent Meyzie, Tunis et Alger dans les récits de voyage Français des XVIIème et XVIIIème siècles: un révélateur des mentalités Européennes, (مراسلات)(Correspondances )(Institut de Recherche sur le Maghreb Contemporain N° 57 juillet -août septembre Tunis 1999. .PP:11-17.
محمد الأمين بلغيث، الطريقة الشابية في تونس والجزائر "محاولة لرسم مسار الحركة" خلال القرنين16و17(المجلة التاريخية المغاربية، العدد:114) تونس 2004م.ص ص:37-48.
من خلال رجال الدين المبشرين والجواسيس الذين نازعوا ملك فرنسا لويس الثالث عشر في علاقة المودة التي ربطته بسلاطين آل عثمان، وأهم عمل عرف عن مدننا الساحلية خاصة "الجزائر البيضاء" "الجزائر المحروسة" وتونس، قد جاء من عملين ورحلتين معروفتين وهي شاهد على العقليات لأوروبية عامة والفرنسية خاصة في القرن السابع عشر والثامن عشر وهو العصر المفترض لتاريخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقةالشابية هما: الرحلة والنظرة الأولى يقدمها الأب المهندس ورجل الدين دان(Dan) والثانية وجهة نظر الراهب كوبان(Coppin) وهي انطباعات ومواقف إيديولوجية راسخة في الجدل المسيحيالإسلامي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقام الراهبان دان وكوبان للحيلولة دون دوام السلم القائم بين الدولة العثمانية وفرنسا التي من المفروض بحسب نظرة الراهبين هي رأس الحربة لحرب صليبية، في هذه المرحلة والقضاء على الجزائر المحمية أو المحروسة كما يسميها الراهبان أكثر من ضرورة من أجل الكنيسة والكرسي البابوي، ونفس الجدل وإن كان بصورة محتشمة نجده عند الشيخ محمد بن عمر العدواني الذي يتحدث من مجاهل الصحراء عن إنزال مسيحي وسيطرة مسيحية على المنطقة، إلا أن المنطقة الشمالية القريبة من الحملات المباشرة للمستعمرين الأسبان والبرتغاليين والفرنسيين كانت أكثر المناطق حساسية من التطورات التاريخية خلال العصر العثماني بالجزائر.
ظهرت أهمية شخصيات دينية وروحية وزعامات شريفة لعبت الدور المحوري في تاريخ المتيجة خاصة والجزائر عامة، ونذكر من بين هذه الشخصيات العالمة سيدي عبد الرحمن الثعالبي(875هـ/)، زعيم قبيلة الثعالبة العتيدة، سيدي أحمد الكبير مولى البلاد مؤسس مدينة الورود البليدة التي حملت اسمه ورسمه ومكانته منذ زمن بعيد، سيدي يعقوب الشريف، صاحب القبة والضريح الشهير، سيدي موسى بن ناصر دفين سفوح جبال الأطلس البليدي بمنطقة بني ميسرة، سيدي يخلف، سيدي المداني، سيدي قويدر العروسي، سيدي بن بورقعة(دفين حمام ريغة عام 1845م).وهي السنة التي طالب فيها المعمرون شذاذ الآفاق من السفاح بيجو بناء مستقرًا لهم في أولاد يعيش، كما تثبته وثائق أرشيف ما وراء البحر.
ساهمت هذه الأسماء اللامعة مساهمة كبيرة في تاريخ المتيجة العلمي والسياسي والروحي مساهمة كبيرة، بل غطى تاريخ وكرامات وأعمال هذه الأسماء لرجال متصوفة وأشراف ومرابطين على تاريخ شخصيات سياسية كبيرة محلية أو وطنية.
نزل ذات عام 925هـ/1519مسيدي أحمد الكبير العالم المتصوف الورع القطب بمنطقة البليدة بعد هجرة ورحلة حجية إلى مكة والمدينة شرفهما الله سبحانه وتعالى فأعاد الحياة بفضل الله تعالى إلى بساتين أولاد سلطان وجلب الماء بفضل ما يملك من تقنيات عالية في هندسة المياه التي


لا تزال تحمل اسمه الخالد إلى اليوم(7).
تعامل سيدي أحمد الكبير-كما بينا أعلاه- مع السلطة السياسية العليا العثمانية بمقدرة وتعقل فكسب ود الدولة الجديدة وأطلقت يده في توجيه وتدعيم حالة المدينة اقتصاديا وسياسيا مما يدل على حكمة وسلطة روحية كبيرة، لم تسمح له مواجهة الأتراك وسلطتهم الجديدة بالثورة عليهم، فتعامل معهم بصورة سلمية أعانت المدينة على البروز والحصول على امتيازات لم تكن تحلم بها رغم مكانة البليدة عامة والمتيجة خاصة بقوة اقتصادها الزراعي وملكياتها الزراعية والعقارية الكبيرة.
لقد ساهم كثير من الباحثين مساهمة معتبرة في نفض الغبار عن شخصية سيدي أحمد الكبير مولى البلاد، مما يجعل الحديث عنه دون الحصول على معلومات ووثائق جديدة من العبث بمكان.
أما الشخصية الثانية التي ارتبطت بها المتيجة والجزائر العاصمة خاصة فهو المفسر الكبير والصوفي القدير سيدي عبد الرحمن الثعالبي رحمة الله عليه، الذي كان شخصية محورية في عصره حيث كان يزور أتباعه بنفسه يحثهم على العمل والتقوى والابتعاد عن المناكر والرذائل متبعًا في ذلك سنة من قبله من الصالحين والعلماء العاملين، وظهرت مكانته كصوفي قدير وصاحب مكانة عالية بين أتباعه حينما أرسل إلى أهل بجاية يحثهم على____________________
(7)-Blida entre Réalités et Légendes(1519-1540)Présentation Par
Djamel Melouh et autres,Imp.A.Mauguin,Blida Algérie, 2001.P:6.
مجاهدة الأسبان المحتلين، بل كان يبين لهم أساليب القتال وطرق جمع الدروع وتصفيف الصفوف وضرب الرماح.
أما سيدي يعقوب، وسيدي بن ناصر وسيدي قويدر وسيدي المداني وسيدي الحبشي وسيدي أحمد بن علي مبارك بالقليعة فنحن
لا نملك إلا بعض الأخبار الشفوية التي تتحدث عن كراماتهم ودورهم في شفاء المرضى بإذن الله، وتعلق المريدين بهم في المنطقة وأختم كلامي المختصر بمكانة الورع المرابط سيدي أحمد بن بورقعة الذي ارتبطت به المتيجة ارتباطًا كبيرًا خاصة في رجب 1240هـ02 مارس عام 1825م وهو عام الزلزلة الكبيرة وكانت البليدة تحت سلطة حاكمها العثماني حسن الطويل، حيث تنبه إلى خطورة انحراف المجتمع سلوكًا وعقيدة فحذرهم من غضب الله فلم يستجب له العامة والخاصة من الناس، فهددهم بالزلزلة الكبيرة، وصعد فوق مئذنة مسجد ابن سعدون وقال لهم سوف تزلزل الأرض من تحت أرجلكم فاستهزأ به الضالون وضربه الأطفال بالحجارة واتهموه بالدروشة والجنون فمسكه الحاكم وسجنه وبعد يومين انقلبت المدينة إلى قاع صفصاف، وندم الناس على ذنوبهم وطلبوا المغفرة من الولي الصالح وبقي حسب روايات المستعمرين الفرنسيين في بساتين المتيجة يرسم خطًّا مستقيمًا ويقول لهم ها هو الخط المستقيم فاتبعوه، وذهب الاحتلال بما بقي من عقول الناس. وأصبح قبره وقبته مزارًا.
هل التأسيس لأهل الولاية والكرامة من المتصوفة والمرابطين في هذا العصر، كان شاملاً خلال العصر العثماني كما رأينا على الأقل مع الكتابات المنقبية والدراسات العلمية الجادة التي عالجت العصر بشكل متميز، من خلال نور الأرماش للمنتصر بن أبي لحية القفصي في تونس، وتاريخ الشيخ محمد بن عمر العدواني في شرق الجزائر، هل هو نفس التأسيس ولنفس المظهر الصوفي خلال القرن السادس عشر بالمغرب الأقصى، هل يعبر عن الأزمة، كما عالجتها المدرسة المغربية في أكثر من عمل جاد؟ هذه أسئلة وجيهة تبقى مفتوحة في غياب أرشيف متكامل عن العصر، لعل الجيل الشاب من الباحثين المتمرسين في قراءة كتب الفقه، والمناقب والنوازل المتوفرة بالغرب الإسلامي، يمكن أن تفتح سبيلا للتنوير، لإعادة النظر في كثير من قضايا التاريخ.
وخلاصة القول: إن المتصوفة والمرابطين والعلماء النبهاء الصالحين بالمتيجة كانوا سدَّاد أمان للمجتمع يحذرونه من الظلم وارتكاب المناكر وقاموا بإعلان الجهاد على فرنسا الاستعمارية طيلة توسعها في سهل المتيجة الذي أسال لعاب شذاذ الأفاق من المجرمين الذين استقدمتهم فرنسا الاستعمارية من مالطا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وغيرها وأعطت -لمن لم يكن له موضع قدم في بلاده إلا في السجون- البساتين والبنادق لقتل الجزائريين.
لقد تدخلت القوات الغازية واستولت على القصور الأندلسية بالعاصمة ومحيطها، وقامت بتهجير العائلات الوجيهة الأندلسية والعائلات "البلدية"التي كانت تقوم على خدمة الأرض، ورعاية مصالح الناس،خاصة الأراضي الوقفية التي تعرف بأرض السبيل والأوقاف، ولهذا كانت الجريمة الكبرى التي نفذتها فرنسا الاستعمارية هي تشويه المدينة من جميع النواحي بحجة تجديد غشاء المدينة المعماري، وتسهيل نقل العربات والأجهزة الطبية وبناء المسوصفات، فدمرت المساجد واستولت على القصور لتكون مستقرات آمنة لجنرالاتها وضباطها الذين نهبوا أموال الخزينة واستولوا على أرزاق الناس.
إن أكبر شاهد على جرائم فرنسا مأساة آل عاشور(8)وغيرهم من العائلات المسلمة التي وقفت في وجه المحتل، كما مثل دور المرابطين والأشراف في هذه المرحلة سيدي السعدي أحد المجاهدين الكبار الذي دوخ المحتل الغاصب طيلة سنوات جهاده بفحص المتيجة.
لقد أشارت الحوليات أن العصر الذي عالجنا أخباره، وسيرة بعض أعلامه سادته فترة صعبة من الاضطرابات التي صاحبت عصر التأسيس لمرحلة تاريخية جديدة، وما صاحب القرن السادس عشر من أحوال سبق لنا وصفها ومعالجتها في غير هذا الكتاب(9).
____________________
(8)-خلدت الكاتبة العالمية إزابيل إبيرهاردت، مأساة عاشور وأسرته بالمتيجة في قصة خالدة مترجمة إلى العربية لمن أراد الاطلاع عليها لمعرفة أعمال مغول القرن التاسع عشر والعشرين.انظر.محمد الأمين بلغيث، تاريخ الجزائر المعاصر(دراسات ووثائق،وثائق حديدة وصور نادرة تنشر لأول مرة)الجزائر، دار البلاغ ،بيروت،دار ابن كثير 2001م.ص:73 هامش رقم:1.
(9)-محمد الأمين بلغيث، الشيخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية، المرجع السابق، ص:57.
مراجع الدراسة


أفوقاي (أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي)، ناصر الدين علىالقوم الكافرين(مختصر رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب)، تحقيق د.محمد رزوق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية(1) بالدار البيضاء ، مطبعة النجاح الجديدة، 1407هـ/1987م.
وثيقة أندلسية:عن سـقـوط غرناطة مع دراسة تحليلية للمستشرق جيميس. ت.مونرو، ترجمها وعلق عليها الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي، القاهرة، دار الهداية، دون تاريخ).
الفيكونت شاتوبريان، الإسلام في الأندلس آخر بني سراج(ملحق أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر آخر بني سراج)، ترجمة الأمير شكيب أرسلان، بيروت، دار مكتبة الحياة، 1985م.
محمد الأمين بلغيث، محمد بن عمر العدواني، مؤرخ سوف والطريقة الشابية، الجزائر، كريستال برنت، مارس 2002م.
محمد الأمين بلغيث، تاريخ الجزائر المعاصر(دراسات ووثائق)(وثائق جديدة وصور نادرة تنشر لأول مرة)بيروت،دار ابن كثير، الجزائر، دار البلاغ للنشر والتوزيع، 1422هـ/2001م.
محمد الأمين بلغيث، الطريقة الشابية في تونس والجزائر "محاولة لرسم مسار الحركة" خلال القرنين 16 و17(المجلة التاريخية المغاربية)،العدد:114) تونس،2004م.
د.ناصر الدين سعيدوني، الجالية الأندلسية بالجزائر، مساهمتها العمرانية ونشاطها الاقتصادي ووضعها الاجتماعي( مجلة أوراق) مدريد العدد الرابع، المعهد الأسباني العربي للثقافة،1984م.
د.ناصر الدين سعيدوني، صور من الهجرة الأندلسية إلى الجزائر (المجلة العربية للثقافة)، السنة الرابعة عشرة، العدد السابع والعشرون، عدد خاص بالتاريخ العربي في الأندلس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1994م.
د.خليل إبراهيم السامرائي، المسلمون بعد سقوط غرناطة(الموريسكيون)، الفصل الخامس من كتاب تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، بالاشتراك، بيروت، دار الكتاب الجديد،2000م.
د.لوي كاردياك، الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون(المجابهة الجدلية 1492-1940) مع ملحق بدراسة عن الموريسكيين بأمريكا)تعريب وتقديم د.عبد الجليل التميمي، منشورات المجلة التاريخية المغربية، وديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر، تونس 1983م.
Blida entre Réalités et Légendes(1519-1540)Présentation Par, Djamel Melouh et autres,Imp.A.Mauguin,Blida Algérie, 2001.
Vincent Meyzie, Tunis et Alger dans les récits de voyage Français des XVIIème et XVIIIème siècles: un révélateur des mentalités Européennes, (مراسلات)(Correspondances  )(Institut de Recherche sur le Maghreb Contemporain N° 57 juillet -août septembre Tunis 1999.







خاتمة
ختامًا، لابد من الإشارة إلى أن كل عصر وسيطرته السياسية والعسكرية أو الاقتصادية، لا بد أن يمر بالدائرة االشهيرة في علم العمران: التأسيس، أو البداية،، الأوج والتفوق، ثم السقوط والانحطاط، وهذه دورة الحياة كما رسمها العلامة ابن خلدون، وترجمها فرنان برودويل في كتابه الكبير، المتوسط والعالم المتوسطي بحذافيرها.
إن إعادة قراءة عصر الفتوحات بالمغرب الإسلامي، وتأسيس الحواضر، ودور الهجرات في البناء أو التخريب مسألة هامة أشار إليها أكثر من باحث ومن أوثقهم بهذا الهم المفكر إسماعيل راجي الفاروقي في موسوعته "تاريخ الحضارة الإسلامية". إن الشروط الأولى لتكوََن الحضارات يساعدنا على إدراك الشروط الأساسية لبقائها، ومن هنا نكتشف أنفسنا والحلول الحقيقية لأزماتنا المتعددة.
لقد كان طرد الموريسكيين يمثل خسارة اقتصادية-بل وحضارية- لأسبانيا، فقد كانوا صنَّاعًا مهرة، وعارفين بفن الزراعة.بل يعود فشل الانطلاق الاقتصادي الحديث لأسبانيا-رغم توفرها على الثروة الأمريكية التي كان من شأنها أن تكوِّن الرأسمال الأولي- يعود إلى الخراب الذي أصاب الاقتصاد الأسباني بعد الطرد النهائي للموريسكيين، رغم الاختلافات في دراسة هذا الأمر من قبل المؤرخين، وهو ما يشير له المفكر المغربي علي أومليل في أبحاثه المتعلقة بشرعية الاختلاف في الحضارة الإنسانية.
الفهرس العام للكتاب
الإهداء:.......................................... ...........
المقدمة:.......................................... ...........
أولاً: تكوين ولاية المغرب، وتطور حواضر الغرب الإسلامي:...
ثانيا:إشكالية المدينة والتمدن في الفكر الإسلامي:...............
ثالثًا:الأندلسيون وآثارهم بفحص الجزائر والمتيجة:..............
رابعًا المرابطون والمتصوفة بفحص المتيجة:....................
خاتمة:............................................ ...........
الفهرس العام للكتاب.......................................


273

عبدالناصر محمود
28-05-2013, 02:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
-----------------------

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاكم الله خيرا