المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأب بابياس وشهادته


نور الإسلام
09-01-2012, 11:33 AM
على الرغم من الأدلة التي تنفي أن يكون أحد من التلاميذ قد ألف إنجيلا، فإننا نحتاج إلى أن نتعامل مع التقليد الكنسي المبكر الذي يشير إلى أن بعض التلاميذ قد فعل هذا. فكيف على المرء أن يتعامل مع هذا التقليد؟
أقدم مصدر لهذا التقليد، وهو أب من آباء الكنيسة الأوائل ويدعى بابياس، يتناول بالبحث إنجيلين مسيحيين قديمين وهما إنجيل مرقس وإنجيل متَّى. بابياس هو شخصية مبهمة ألف كتابا من خمسة مجلدات يدعى «شروحات أقوال الرب» أو «Expositions of the Sayings of the Lord». وقد حدد العلماء على نحو مقبول كتاريخ لتأليف هذا العمل لحظة ما بين العامين 110 و 140 ميلاديا، أي بعد 70 عاما من تاريخ كتابة الإنجيل الأول.[1] لم يعد لكتاب بابياس وجود: لقد نظر عدد من المراجع المسيحية في العصور التالية إلى آراء بابياس باعتبارها إما أنها تحوي هجوما على المسيحية أو أنها ليست راقية بالقدر الكافي ولهذا لم ينسخ كتابه نسخا واسعة لمصلحة الأجيال التالية.[2] أما جل معلوماتنا عن هذا العمل فمصدرها اقتباسات آباء الكنيسة المتأخرين لها.




ومع ذلك فقد جرى تصوير بابياس كثيرا باعتباره مصدر صالح لتعيين التقليد المبكر للكنيسة، وذلك إلى حد ما من أجل الطريقة التي أشار بها إلى كيفية تلقيه ما لديه من معلومات. في بعض الاقتباسات التي نجت من الضياع من كتابه«الشروحات»، يصرح بأنه شخصيا قد تحدث إلى مسيحيين كانوا قد عرفوا مجموعة من الناس يسميهم هو «الكبار» الذين كان لهم سابق بمعرفة ببعض التلاميذ، وبأنه نقل معلومات تلقاها منهم. ولما سبق فنحن بقراءتنا لما كتبه بابياس نكون قد وضعنا أيدينا على معلومات مستقاة من الجيل الثالث أو الرابع الذي يمثل أناسا كانوا على علاقة برفاق التلاميذ.
أحد الفقرات التي كثيرا ما يقتبسها بابياس(والتي نقلها عنه يوسابيوس القيصري) تصف هذا النوع من المعلومات التي ينقلها الجيل الثالث أو الرابع، فيما يتعلق بمرقس ومتى باعتبارهما من مؤلفي الأناجيل:
هذا ما اعتاد الشيوخ على قوله:«حينما كان مرقس شارحا (وربما مترجما؟) لبطرس، فقد دون بدقة كل شئ تذكره من أقوال الرب وأعماله- لكن هذا لم يقع على الترتيب. لأنه لم يسمع من الرب مباشرة ولم يقابله؛ لكنه فيما بعد، كما قد أشرت، رافق بطرس الذي دأب على تنظيم تعاليمه بما يتناسب مع احتياجاته الحاضرة، فلم يرتب، إذا جاز التعبير، مؤلفا منظما يضم كلمات الرب. ولهذا لم يقترف مرقس إثمًا حينما كتب بعض الأمور كما تذكرها. وذلك لأنه كان مصمما على إتمام غرض واحد لا غير: ألا يترك أي شئ سمعه وألا يضم إلى كلامه شيئا مفترى.»
ثم يواصل كلامه، متحدثا عن متَّى:
وهكذا رتب متَّى كلمات المسيح باللسان العبراني وكل إنسان فسرها(هل يقصد ترجمها؟)بأفضل ما يستطيع من قدرات.(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 3 . 39 )
أليس في هذا الكلام دليل على أن متَّى هو بالفعل من ألف إنجيل متَّى وأن مرقس هو حقا من كتب إنجيل مرقس؟
هناك بعض المشكلات بالغة الخطورة تقابل من يحاول أن يثمِّن القيمة التاريخية لملاحظات بابياس. دعونا نبدأ بمتَّى. أولا، فيما يتعلق بمتَّى- بخلاف الحال مع مرقس- لا يعلمنا بابياس بمصدر لمعلوماته، أو ما إذا كان يملك أساسا مصدرا لها. هل مصدرها شخص من الجيل الثالث؟ أم من الرابع؟ أم من الجيل الخامس؟ إذا كان بابياس يكتب هذه الكلمات، فلنقل، في عام 120 م أو 130 م، فهذا يتوقيت قريب من 40 أو 50 عاما بعد الفترة التي كتب فيهاكاتب مجهول إنجيل متى. وقد جرى تداول هذا الإنجيل تداولا سريا لعشرات السنين. أليس من الممكن أن يكون التقليد الذي ينقله بابياس قد جرى اختلاقه في غضون هذا الوقت؟
في هذا الصدد، من الجدير بالملاحظة أن هاتين الفقرتين من المعلومات الجامدة التي يعطينا إياها بابياس ليست صحيحة فيما يتعلق بـ«صاحبنا» متَّى. فصاحبنا متَّى ليس مجرد جامع لأقوال يسوع، وإنجيله يقينا لم يكتب بالعبرانية، بل باليونانية. [3] فهل حصل بابياس ببساطة على معلومات غير صحيحة؟ أم هو يتكلم عن كتاب ما آخر كتبه متَّى ولم يعد بحوذتنا - مجموعة من أقوال يسوع على سبيل المثال؟
لو أن بابياس غير موثوق به فيما يتعلق بمتَّى، فهل هو أهل للثقة فيما ينقله عن مرقس؟ في حالة مرقس يصرح ببياس بأننا نتحصل على معلومات سلمها لنا الجيل الثالث أو الرابع.[4] ولكن مرة أخرى، معلومة واحدة من الاثنتين اللتين يخبرنا بهما على وجه تأكيدي هي يقينا معلومة خاطئة.: فهو يزعم أن غرضا من الغرضين الأساسين الذين كانا يهدف إليهما مرقس هو أن يخبرنا بكل شئ ما سمعه من بطرس فيما يتعلق بيسوع. ببساطة ليس هناك احتمال واحد لأن تكون هذه المعلومة صحيحة. فإنجيل مرقس لا تستغرق تلاوته بصوت عال سوى ساعتين اثنتين. أفبعد أن قضى بطرس كل هذه الشهور أو السنوات مع يسوع، وبعد أن استمع مرقس لبطرس وهو يبشر بيسوع ليلا ونهارا، يمكننا تخيل أن كل ما سمعه مرقس هو مقدار ساعتين اثنتين من المعلومات؟
على أية حال، لا يمدنا بابياس فيما يبدو بنوع من المعلومات التي يمكننا وضع قدر كبير من ثقتنا بها. وفي هذا الصدد، ينبغي أن أوضح أن العلماء رفضوا تقريبا أجمعين كل شئ آخر ذُكِرَ أن بابياس قاله في الاقتباسات المحفوظة من كتابه.
فنتأمل فقرة أخرى نقلها الجيل الرابع:
الشيوخ الذين رأوا يوحنا، تلميذ الرب، ذكروا أنهم سمعوه يقول كيف كان الرب معتادا على أن يعلمهم بشأن هذه الأوقات، قائلا:
«ستأتي أيام تظهر فيها أشجار الكرم، كل واحدة منها لها عشرة آلاف فرع؛ وعلى فرع واحد سيكون عشرة آلاف برعم وعلى كل برعم عشرة آلاف عنقود؛ وفي كل عنقود ستنبت عشرة آلاف عنبة، وكل عنبة، حينما تعصر، ستثمر خمسة وعشرين مكيالا من الخمر. وحينما يمسك واحد من القديسين عنقودا منها، سيصرخ العنقود الآخر قائلا:«أنا أفضل منه، خذني أنا، مجد الرب بي.» (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 3 . 39 . 1 )
لا أحد يعتقد أن يسوع بالفعل قد قال هذه الكلمات، أو أن يوحنا تلميذ يسوع قد قال إن يسوع قال هذا. فهل قال الشيوخ الذين عرفوا يوحنا هذه الكلمات حقا؟[5]
إن كان العلماء يشعرون بميل إلى عدم الاعتداد بما يقوله بابياس في كل قضية أخرى تقريبا، فلماذا يلجأون في بعض الأحيان لشهادته إظهارا لكوننا نملك تقليدا مبكرا يربط متى بأحد أناجيلنا ، ومرقس بإنجيل آخر؟ لماذا يقبل العلماء بعضا مما قاله بابياس ويكفرون بالبعض الآخر؟ أظن أنهم يريدون دعما لوجهات نظرهم(التي تقول إن متى بالفعل هو مؤلف إنجيله) وقد قرروا أن يثقوا ببابياس حينما يؤكد وجهات نظرهم، وأن لا يثقوا به إذا لم يفعل.
إن نتيجة هذا التقييم السريع لبابياس فيما أعتقد هو أنه نقل قصصا كان قد سمعها وهو ينسبهم إلى أناس يعرفون أناسا آخرين قالوا هذا الذي نقلوه. لكنه في المواضع التي يمكن فيها معرفة مصادره يبدو مخطئا. فهل يمكن أن نثق به في المواضع التي لا يمكن فيها معرفة مصادر معلوماته؟ إذا كنت تعرف صديقا دائما ما يرشدك خطئا إلى عناوين أنت تعرفها جيدا، فهل تثق به حينما يرشدك إلى مكان أنت لم تزره من قبل مطلقا؟
لم ينقل عن بابياس أنه قال أي شئ بخصوص لوقا يوحنا كليهما. لست على يقين من سبب هذا. لكن المحصلة النهائية لهذا الأمر هي كالتالي: ليس بين أيدينا مرجع قوي يمكننا الوثوق به فيما يتعلق بمؤلفي أناجيلنا الأربعة (أعني أن يكون المؤلف يشير بالفعل لمتى ومرقس الذين نعرفهما) حتى وقت قريب من نهاية القرن الثاني- وهي الفترة الزمنية التي تبعد تقريبا عن لحظة ذيوع هذه الأناجيل منسوبة إلى مؤلفين مجهولين بمائة عام كاملة.



الدكتور بارت إيرمان Bart D.Ehrmam

من كتاب صوت يسوع المحجوب

ترجمة الأستاذ كرم شومان


--------------------------------------------------------------------------------

[1] سبقت الأناجيلُ مؤلف بابياس بسنين كثيرة: فمرقس كتب إنجيله ربما في عام 70 م، أما متى ولوقا، فقد كتبا بين العامين 80 و 85 تقريبا؛ وأخيرا يوحنا الذي كتب بين العامين 90 و 95 .
[2] رأى يوسابيوس مؤرخ الكنيسة في بابياس «رجلا محدود الذكاء جدا»(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 3 . 39 ).

[3] تعد هذه الرؤية محلا لإجماع علماء العصر الحالي. فقد استعمل متَّى، من ناحية، إنجيل مرقس باعتباره مصدرا له لكثير من رواياته التي قصها ناسخا كلماتها اليونانية كلمة كلمة في بعض الفقرات. ولو كان صاحبنا متَّى مترجما إلى اليونانية عن أصل عبري، فلن يكون ممكنا تفسير التوافق الحرفي بين متَّى وبين مرقس في الصياغة اليونانية ذاتها.

[4] اعتمادا على ما إذا كانت هذه معلومات سمعها مباشرة من «الشيخ» أو من «رفيق» واحد من الشيوخ.