المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظريات التعليم


نور الإسلام
12-01-2012, 06:37 PM
رؤيــــة إســـــلامية




د . عبد الحميد عبد المجيد عبد الحميد حكيم

رئيس قسم التربية وعلم النفس

وأمين مجلس كلية المعلمين بمكة المكرمة




ربيع الأول 1422هـ








الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ،،، وبعد .
تتطرق الدراسة لموضوع له صلة وثيقة بالإنسان ، ذلك المخلوق الذي اختلفت نظرة المذاهب والعقائد له من حيث ما حقيقته ؟ ويندرج تحت هذا السؤال أمور عديدة منها مما يتكون ؟ هل هو خير أو شرير ؟ وغير ذلك من تساؤلات تعددت الإجابات عنها .
ذلك العلم هو علم النفس والذي تحاول الدراسة الحالية التطرق لأحد فروعه ، ألا وهو علم النفس التربوي ، لما له من صلة وثيقة بالعملية التربوية ، ودراسة الموضوعات التي يتناولها كتاب من كتب علم النفس التربوي يدرس لطلاب الإعداد التربوي ، من وجهة نظر إسلامية ، في محاولة لتأصيل ذلك الفرع من فروع علم النفس تمهيداً لأسلمة بقية الفروع الأخرى لعلم النفس ، وتعود كما كانت في أساسها وجميع العلوم إسلامية المصدر والتوجه ، تساعد الفرد على القيام بمهمته في هذه الأرض وفق منهج الله تعالى ، ويحقق الغاية من خلقه لينعم بالسعادة في الدارين .
والله أسال التوفيق والسداد ، فنعم المولى ونعم النصير .

أهمية الدراسة :
تنبع أهمية الدراسة من أهم موضوع الدراسة والذي يتناول أحد فروع علم النفس ألا وهو علم النفس التربوي ، وهو علم يدرس لطلاب الجامعات في البرنامج التربوي من خلال مادة تحمل الاسم نفسه ، ويدرس لطلاب كليات المعلمين ، فهو علم لابد أن يلم به كل مربي وكل معلم على وجه الخصوص ليتمكن من القيام برسالة التربية والتعليم على خير حال حيث يتطرق هذا العلم لنظريات التعلم التي تعين على التعلم بحول الله تعالى ، ومن هنا تنبع أهمية الدراسة .
الهدف من الدراسة :
تهدف الدراسة إلى التعرف على مفهوم ونشأة علم النفس وخاصة علم النفس التربوي ، وما هي فروع علم النفس ، ثم التعرف على أبرز نظريات التعلم وروادها ، وما أوجه القصور في تلك النظريات وكيف يمكن أسلمة علم النفس ، وما الصعوبات التي تواجه الأسلمة ، للتوصل في النهاية إلى توصيات تعين بحول الله تعالى على أسلمة علم النفس .
مشكلة الدراسة :
تنحصر مشكلة الدراسة في الإجابة عن السؤال التالي :
س / ما أوجه القصور في نظريات التعلم ؟
ويتفرع عن هذا السؤال الأسئلة التالية :
س1 / ما مفهوم علم النفس ، وما هي أهدافه ، وما فروعه ؟
س2 / متى ظهر علم النفس التربوي ؟ وما مفهومه ؟ وما موضوعه ؟
س3 / ما أبرز نظريات التعلم ؟ وما أوجه القصور فيها ؟
س4 / ما هي الصعوبات التي تواجه الأسلمة وكيف يمكن أسلمة علم النفس ؟
منهج الدراسة :
استخدم الباحث المنهج الوصفي للتعرف على علم النفس ، وأبرز نظريات التعلم ، مع الاستعانة بالمنهج التاريخي للتعرف على نشأة علم النفس وعلم النفس التربوي ، والاستشهاد بعدد من الآيات والأحاديث لتدعيم الدراسة .
الدراسات السابقة :
هناك العديد من المصنفات التي تناولت موضوع الأسلمة عامة أو أسلمة علم النفس،وقد استفاد منها الباحث وأشار إليها في قائمة المراجع ، ولم يعثر الباحث على دراسة تناولت أوجه القصور في نظريات – نماذج – التعلم ، وهو موضوع الدراسة الحالية .

الفصل الأول

مفهوم علم النفس وأهدافه وفروعه

أولاً : مفهوم علم النفس :
إن تعريف علم النفس يعد إشكالية في حد ذاته ، فله تعاريف كثيرة يحاول كل واحد منها أن يعرفه بحسب تصوره لذلك العالم ، ومن خلال تلك التعاريف يمكن التعرف على المراحل التي مر بها علم النفس .
وأقدم تعريف له هو أنه علم يبحث عن الروح ، بينما عرفه الفلاسفة بأنه علم العقل إلى أن جاء رينيه ديكارت وأصبح علم النفس هو علم الشعور وذلك في القرن 17م .
وفي القرن العشرين أصبح علم النفس هو علم دراسة السلوك في دوافعه ومظاهره وأهدافه ، ويلخص وود ورث هذه المرحل بقوله : إن علم النفس قد زهقت روحه أولاً ثم أنه فقد عقله ثم أنه زال شعوره ولم يبق فيه اليوم إلا السلوك الظاهري للإنسان ( 1) .
ومن تعاريف علم النفس :
1) هو : " الدراسة العلمية لسلوك الإنسان ولتوافقه مع البيئة " ( 2 ) .
2) هو : " العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن حي له نشاطاته الداخلية والخارجية المتفاعلة مع مختلف ظواهر حياته الإنسانية " ( 3 ) .
3) هو : " العلم الذي يدرس سلوك الكائن الحي ، وما وراءه من عمليات عقلية دوافعية ودينامياته وآثاره ، دراسة علمية يمكن على أساسها فهم وضبط السلوك والتنبؤ به والتخطيط له " ( 4 ) .
4) هو : " علم الخبرة والسلوك " ( 5 ) .
5) هو : " العلم الذي يبحث دوافع السلوك ومظاهر الحياة العقلية الشعورية منها واللاشعورية دراسة إيجابية موضوعية ، تساعد إلى إفساح المجال للقوى والمواهب النفسية كي تنمو وتستغل فيما يساعد على حسن التكيف مع البيئة وما يؤدي إلى تحسين الصحة النفسية للأفراد والجماعات " ( 6 ) .
6) هو : " الدراسة العلمية لسلوك الإنسان ولتوافقه مع البيئة "( 7) .
ومن خلال تلك التعاريف لا نجد إشارة للدين أو القيم الخلقية ، مع إغفال لجانب الروح ، ولذا يعرف الباحث علم النفس بأنه : ذلك العلم الذي يختص بدراسة السلوك الإنساني بشتى مناهج البحث ليحقق الاتزان النفسي للإنسان ليتمكن من القيام بمهام الخلافة وتحقيق العبودية لله تعالى بمعناها الشامل .
ويلاحظ أن علم النفس يهتم بدراسة السلوك ، بل إن من تعاريف علم النفس ، أنه ذلك العلم الذي يدرس سلوك الإنسان ، فما هو المقصود بالسلوك ؟
إن السلوك هو كل ما يصدر عن الفرد من استجابات مختلفة تجاه موقف يواجه والاستجابة هي كل نشاط يثيره فيه أو مثير .
وللاستجابة أنواع متعددة ، فقد تكون حركية أو لفظية أو فسيولوجية – أرتفاع ضغط الدم مثلاً - أو انفعالية أو معرفية – أي يراد بها كسب معرفة كالنظر والتفكير – أو الكف عن النشاط – كالتوقف عن الأكل عند سماع صوت معين - .
أما المنبه أو المثير فهو : " أي عامل داخلي أو خارجي ، يثير نشاط الكائن الحي أو نشاط عضو من أعضائه أو يغير هذا النشاط أو يكفه أو يعطله " ( 8 ) .
وينقسم السلوك إلى :
1) سلوك ظاهري : كالأكل والشرب .
2) سلوك باطني : كالتفكير والتخيل وينقسم إلى :
أ - سلوك باطني عقلي : كالتفكير والتخيل .
ب – سلوك باطني وجداني : الانفعالات والعواطف .
3) سلوك فطري : وهو الذي يولد مع الإنسان .
4) سلوك مكتسب :وهو ما يتعلمه الإنسان أثناء حياته .
5) سلوك سوي : وهو ما يتفق وقيم وعادات المجتمع ، وبالنسبة لنا ينبغي أن يتفق مع عقيدتنا الإسلامية .
6) السلوك الشاذ وهو عكس السلوك السوي ( 9 )

ثانياً : أهداف علم النفس :
لعلم النفس ثلاثة أهداف هي :
1 – فهم السلوك وتفسيره . 2 – التنبؤ بما سيكون عليه السلوك .
3 – ضبط السلوك والتحكم فيه بتعديله أو توجيهه أو تحسينه أو إزالته .
وبلورة هذه الأهداف استغرق عمر علم النفس منذ نشوئه وحتى عصرنا الحاضر فقد كانت البداية دراسة نفسية قائمة على التأمل النظري بهدف المعرفة البحتة ، أي المعرفة للمعرفة ، من خلال وصف الظاهرة وتقديم تفسير لها ، بعد ذلك ونتيجة لتشعب المعلومات والأفكار عن النفس الإنسانية تبلور الهدف الثاني وهو محاولة التنبؤ بما سيكون عليه السلوك في ضوء معرفة الظروف النفسية المعلومة في الوقت الحاضر ، ومع إزدياد المعلومات عن النفس الإنسانية واستخدام علماء النفس بعض المبادئ النفسية في ميدان الحياة التطبيقية لأعمال الإنسان اليومية برز الهدف الثالث وهو هدف تطبيقي ( 10 ) .
ويلاحظ أن قصور علم النفس الغربي يعود لقصور الأهداف ، فهي تنصب على السلوك المتعلق بالجانب الجسمي وتهمل الجانب الروحي رغم تأثيره الكبير في نفس الإنسان بالإضافة إلى أن ضبط السلوك يحتاج لمعيار قيمي خلقي لتتمكن من ضبط السلوك في ضوء تلك المعايير .
وقصور أهداف علم النفس يعود بدوره لقصور النظرة لحقيقة الإنسان والتي تهتم بجانب وتغفل أو تنكر جانب آخر .
والجدير بالذكر أن علم النفس علم وصفي تقريري كغيره من العلوم الوصفية يدرس ما هو كائن لا ما ينبغي أن يكون ، أي ما هو واقع لا ما هو واجب ( 11 ) .
ثالثاً : فروع علم النفس :
تعددت فروع علم النفس وأقسامه نتيجة لازدياد التخصص الدقيق ، وظهور أهمية فهم النفس ليتسير الأعمال في كافة الاتجاهات .
أ - الفروع النظرية ( 12 ) :
هي الفروع التي تهدف إلى العلم المجرد ، أي الكشف عن مبادئ وقوانين تسيطر على السلوك ولا تهدف إلى نفع مباشر أو حل مشكلة عملية ، ومن تلك الفروع .
1) علم النفس العام : ويهدف الكشف عن المبادئ والقوانين التي تفسر سلوك الإنسان الراشد السوي ، وهو أساس جميع الفروع الأخرى .
2) علم النفس الفارق : يهدف لدراسة الفوارق وأسبابها بين الأفراد أو الجماعات أو السلالات في الذكاء أو الخلق أو الشخصية .
3) علم النفس الارتقائي : يدرس مراحل النمو المختلفة ، وله عدة مسميات منها علم النفس التطوري ، علم نفس النمو ، ومن فروعه سيكولوجية الطفولة ، سيكولوجية المراهقة ، سيكولوجية الشيخوخة .
4) علم النفس الاجتماعي : يدرس سلوك الأفراد والجماعات تحت تأثير العلاقات الاجتماعية المختلفة ، وطرق حل وإصلاح المشكلات الاجتماعية .
5) علم نفس الشواذ : يهدف إلى البحث عن نشأة الأمراض النفسية والأمراض العقلية وأسبابها ، كما يدرس العبقرية والتفوق العقلي .
6) علم نفس الحيوان : يبحث في سلوك الحيوانات المختلفة ، ومحاولة الإجابة عن أسئلة حول قدراتها العقلية وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين الإنسان .
7) علم النفس المقارن : يقارن سلوك الإنسان بالحيوان ، وسلوك الراشد بالطفل وسلوك الإنسان البدائي بسلوك المتحضر ، وسلوك السوي بالشاذ .
وهناك فرع آخر هو علم النفس الفسيولوجي والذي يدرس الأسس الفسيولوجية لسلوك الإنسان ( 13 ) .
ب – الفروع التطبيقية :
وهي التي تهدف تحقيق أغراض عملية وحل مشكلات عملية ، مع الاستعانة بمبادئ وقوانين فروع علم النفس النظرية ، ومن أبرزها :
1) علم النفس التربوي : يهتم بتطبيق مبادئ علم النفس وقوانينه على ميدان التربية والتعليم في محاولة لحل مشكلاته ، ويهتم كذلك بدراسة الشروط الأساسية لعملية التعلم .
2) علم النفس الصناعي : يهتم بتطبيق مبادئ علم النفس في ميدان الصناعة لرفع مستوى الكفاية الإنتاجية للعمال ( 14 ) .
3 ) علم النفس التجاري .
6 ) علم النفس الجنائي .
4 ) علم النفس الإداري .
7 ) علم النفس الحربي .
5 ) علم النفس القضائي.

8 ) علم النفس الاكلينكي ( العيادي ) والذي يهدف إلى تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية .
9 ) علم النفس الإرشادي : ويهدف إلى مساعدة الأسوياء من الناس على حل مشاكلهم بأنفسهم ، سواء في مجال التعليم المهني أم الأسري أم الجنسي من خلال إسداء النصح إليهم أو تزويدهم بمعلومات تفيدهم أو تشجيعهم على الإفصاح عن متاعبهم وانفعالاتهم وأحياناً يتدخل في العلاج النفسي لغير الأسوياء ( 15 ) .
10) علم نفس الدعوة : وهو يدرس الاتجاهات النفسية للجماعات المطلوب الدعوة داخلها وأساليب تغيير تلك الاتجاهات إن كانت فاسدة ، وطرق توصيل المعلومات إليها وكيفية إعداد الداعية الناجح ، وهذا النوع يفيد مع علم النفس التربوي في مجال نشر الدعوة الإسلامية على المستوى العالمي ( 16 ) .
الفصل الثاني

نشأة علم النفس التربوي ومفهومه

أولاً : نشأة علم النفس التبربوي :
لعلم النفس التربوي تاريخ قصير حيث أنه ظهر بعد ظهور علم النفس ، أواخر القرن التاسع عشر كعلم تجريبي ، وكانت تتنازع واقعه نظرية الملكات من جانب والفلسفة الارتباطية من جانب آخر ، ولقد تأثرت المحاولات الأولى للاستفادة من مبادئ علم النفس في ميدان التربية بأحد الاتجاهين ، وإن كان لنظرية الملكات السيطرة على بدايات علم النفس التربوي ، وهي ترى أن العقل الإنساني يتألف من قوى مستقلة كالذاكرة والإرادة تؤدي إلى حدوث الأنشطة العقلية المختلفة .
ومع قرب نهاية القرن التاسع عشر بدأ الاهتمام بتطبيق مبادئ علم النفس في المجال التربوي ، بعد أن تقرر اعتبار علم النفس التربوي مادة ضرورية لإعداد المعلم في عام 1888م ، عندما عقدت الجمعية التربوية القومية بالولايات المتحدة الأمريكية وقررت ذلك مما مهد لدخول علم النفس التربوي الجامعات كتخصص رئيسي ، وأنشئت لذلك ثلاث وظائف أستاذية جامعية متخصصة في هذا الميدان شغلها ثلاثة من الرواد هم : إدوارد لي ثورنديك ، وتشارلز هـ . جر ، ولويس م . ترمان ، وانطلق أولئك الرواد وتلاميذهم يرتادون مختلف موضوعات علم النفس التربوي حتى تحدد بشكل واضح عام 1920م ( 17 ) .
ومن هذا يتضح أن هذا العلم كعلم له مبادئ ونظريات لم يظهر إلا منذ مدة قصيرة وفي بيئة غربية تنحي الدين والقيم جانباً . في حين أن أصول هذا العلم أشار إليها القرآن الكريم كحقائق وليست نظريات منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان ، وسيتضح هذا من خلال معالجة بعض موضوعات هذا العلم من المنظور الإسلامي خلال الصفحات التالية :
ثانياً : مفهوم علم النفس التربوي :
يمكن أن يعرف علم النفس التربوي بأنه : " الدراسة العلمية للسلوك الإنساني الذي يصدر خلال العمليات التربوية ، وبعبارة أخرى هو : العلم الذي يهتم بعمليات التعلم والتعليم الذي يتلقاه التلاميذ في المواقف المدرسية " ( 18 ) .
ويعـرفه أحـمد زكي صالح بأنه : " الدراسة المنهجية العلمية لعملية النمو التربوي أو التعليمي " ( 19 )
ومن هذا يتضح أن علم النفس التربوي يشمل دراسة نفسية للإنسان من حيث استعداده للتعلم ، وما لديه من قدرات إدراكية عامة ، وخاصة مما يعود بالفائدة على المؤسسات التربوية والتعليمية ، ومع دراسة الميول النفسية التربوية كالتقليد والتداعي والنسيان بالإضافة لدراسة انتقال أثر التدريب وتنظيم عملية الانتقال ، وغير ذلك من موضوعات ذات علاقة بعمليات التربية والتعليم والتعلم ومن أسس نفسية تفيد المعلم والطالب في سبيل الارتقاء بالعملية التربوية . ( 20 ) ويعتبر إدوارد لي ثورنديك ( 1874م – 1949م ) أول من استعمل مصطلح علم النفس التربوي . ( 21 ) كما أنه أطلق عليه أيضاً اسم علم النفس التعليمي ويعرف الباحث علم النفس التربوي بأنه : الفرع التطبيقي لعلم النفس في المجال التربوي .
ثالثاً : موضوع علم النفس التربوي :
يمكن إيجاز موضوعات علم النفس التربوي كما يلي :
1) النمو المعرفي والجسمي والانفعالي والخلقي والاجتماعي .
2) عمليات التعلم ونظرياته وطرق قياسه وتحديد العوامل المؤثرة فيه .
3) قياس الذكاء والقدرات العقلية وسمات الشخصية والتحصيل ، وأسس بناء الاختبارات التحصيلية ، وشروط الاختبارات النفسية والتربوية .
4) التفاعل الاجتماعي بين التلاميذ ، وبين التلاميذ والمعلمين .
5) الصحة النفسية للفرد والتوافق الاجتماعي والمدرسي .
وكل موضوع مما سبق يشمل العديد من الموضوعات الفرعية ذات العلاقة به ، ومن هذا يتضح أن علم النفس التربوي مزيج من موضوعات متناثرة مختلفة مختلطة تنمي معظمها لفروع علم النفس الأخرى ، وهذه من مشكلات هذا العلم ، حيث أنه في كل مرحلة من مراحل تطوره ، تضاف إليه مهام جديدة تؤدي إلى اتساع ميدانه ؛ فمثلاً : خلال الثلاثينيات زاد الاهتمام بموضوع سيكولوجية المواد الدراسية ، فتضمنت مؤلفات علم النفس التربوي بحوثاً تفصيلية في تدريس وتعلم تلك المواد ، مما هو في جوهره ضمن مجال الفنون التكنولوجية الخاصة بطرق التدريس .
وفي الأربعينيات زاد تأثير المفاهيم الإكلينيكية المشتقة من ميدان الطب العقلي والعلاج النفسي فاهتمت كتب علم النفس التربوي بمشكلات التوافق والصحة النفسية ، إلا أن علم النفس التربوي المعاصر اتجه لمزيد من تحديد موضوعه الأساسي و هو التعلم المدرسي أو التعلم في شكل منظومة ، ومن أكثرها شيوعاً ما اقترحه روبرت جليزر عام 1962م وفيه تتألف المنظومة الأساسية للعملية التعليمية من أربعة مكونات رئيسية هي : الأهداف التربوية والمدخلات السلوكية ، وعمليات التعلم وأساليبه وإجراءاته ، والمكون الأخير هو التقويم التربوي.
وهي منظومة مفتوحة ليس لها بداية معلومة أو نهاية محددة ، ولا تتطلب التحكم الخارجي لأنها في ذاتها قوى الضبط الداخلي ، وعادة تكون في تغير مستمر ( 22 ) .
فهو يهتم بدراسة السمات الرئيسية لمراحل النمو المختلفة ، لكي يمكن للمربين وضع المناهج الدراسية التي تتناسب مع مستويات النضج المختلفة ، لتستطيع تلك المناهج أن تحقق أهدافها ، كما يهتم بدراسة السمات الرئيسية لمراحل النمو المختلفة لكي يمكن للمربيين وضع المناهج الدراسية التي تتناسب مع مستويات النضج المختلفة ، لتستطيع تلك المناهج أن تحقق أهدافها ، كما يهتم بدراسة المبادئ والشروط الأساسية لعملية التعليم ليتمكن المربون من تهيئة الجو التربوي الصحيح بحيث يضمنون تعليم التلاميذ بطريقة صحيحة ، وتعويدهم العادات الحسنة والاتجاهات الصحيحة ، كما يهتم بإجراء التجارب لمعرفة أفضل المناهج التعليمية ، وهو يستعين بالخبرات السيكولوجية لقياس ذكاء الطلاب وقدراتهم العقلية ولتقدير كفايتهم في التحصيل العلمي ( 23 ) .
وذلك نظراً لأهمية موضوع التعليم ، والذي يمكن أن يشبه بمحور تدور حوله الكثير من موضوعات علم النفس ، إضافة لكون موضوع التعلم هو الجانب الأساسي لعلم النفس التربوي لأنه يمثل الجانب التطبيقي لعلم النفس .
الفصل الثالث

إبراز نظريات نماذج التعلم وأوجه القصور فيها

ويقصد بها النظريات التي تسعى إلى رد السلوك المركب إلى أنماط السلوك البسيط وتفسيرها ، ومن تلك النظريات :
1 = نظرية التعلم الشرطي الكلاسيكي :
وهي أول النظريات الاختزالية ظهوراً وأكثرهاً شيوعاً ، ومؤسسها عالم الفسيولوجيا الروسي إيفان بافلوف ، الذي لاحظ أثناء إجراء تجاربه على الجهاز الهضمي للكلاب – خاصة الغدد اللعابية – أن الحيوان يفرز لعابه حين يتعرض لبعض المثيرات التي ترتبط ارتباطاً متكرراً بالطعام – مسحوق اللحم – وليس حينما يوضع الطعام في فمه فعلاً والمعروف أن وظيفة اللعاب الفسيولوجية هي تيسير مضغ الطعام وبلعه ثم هضمه ، ولكن بافلوف لاحظ أن الكلب يفرز اللعاب لمثيرات أخرى محايدة ، وهذا يدل على أنه يستجيب لمثير آخر سماه بافلوف المثير الشرطي تميزاً له عن المثير الطبيعي ، ثم أصبح يطلق على هذا النوع من التعلم مصطلح التعلم الشرطي الكلاسيكي .
ولقد قام واطسون ورينر عام 1920م بتجربة شهيرة مماثلة لتجربة بافلوف ، ولكن كانت حول الطفل ألبرت والذي تسمت التجربة باسمه ، وكان عمره 11 شهراً ، واستخدما معه أسلوب التعلم الشرطي بإظهار فأر أمامه – مثير شرطي – يصحب ذلك ضوضاء مرتفعة – مثير طبيعي – تؤدي إلى استجابة الخوف لدى الطفل ( 24 ) .
كما قامت جولز عام 1924م باستخدام هذه النظريات لا لغرس استجابة طبيعية لمثر محايد – شرطي – بل لإلغاء استجابة طبيعيـة تجاه مؤثر محايد – شرطي – وذلك بإزالة استجابة الخوف عن طفل كان يخاف من الأرنب عن طريق تقديم أرنب أبيض بمصاحبة مثير يثير السرور لديه – تقديم حلوى مثـلاً – وتمكن الطفل بالتدريج من التخلص من خوفه المرضي (25).
أوجه قصور نظرية التعلم الشرطي الكلاسيكي :
1) مجال التجربة عند بافلوف طبق على الحيوان ، وبدون شك هناك فروق كبيرة بين الإنسان والحيوان ، ولو كان هناك تشابه من حيث وجود بعض الغرائز قال تعالى :]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[الإسراء 70 .
2) إن نتيجة تجارب بافلوف على الحيوان أثبتت صحتها على الإنسان من خلال تجارب واطسون ورفيقه وتجربة جولز ، ولكن هناك فرق بين الطفل ذو الأحد عشر شهراً والرجل الراشد صاحب الشخصية السوية ، وهذا واضح في عدم تكليف الدين الإسلامي لكل من هو دون البلوغ أو بلغ ولكن به مرض عقلي بأمور كُلف بها كل راشد .
3) إن الطفل إنسان ويصدق على الراشد ما يصدق عليه ، ولكن ألا يلاحظ أن الراشدين أنفسهم تختلف استجابتهم بحسب إدراكهم للمثيرات نظراً لاختلاف العوامل التي يتعرض لها كل منهم ، فمثلاً قد يرى عدة أشخاص أشهى أنواع الطعام ولكن نلاحظ أن استجاباتهم تختلف ، فهناك الصائم ، وهناك المريض والمحمي من هذا النوع ، وهناك من معدته متخمة بالطعام ، ، وهناك الجائع الذي لم يتناول أي طعام خلال اليوم ، وهناك الجائع لأكثر من يوم ، فالأول لن يستجيب والثاني والثالث قد لا يستجيبا وقد يستجيبا فيأكل كل منهما لقيمات ، ولكن الرابع والخـامس سيستجيبا ويظهر عليهما ولكن درجة الاستجابة عند الخامس أشد منها عند الرابع .
4) إن هــذه التجارب تمـت والكائن الحي تم تقييده على منضدة ، وإن قلنا أن هذه النظرية تثبت التعـلم إلا أنه بالإكراه وما نبغيه : " هو التعلم الناتج عن النشاط الذاتي الحر "(26) .
5) إن هذه النظرية لا تستطيع أن تفسر بعض ظواهر التعلم المركبة مثل اكتساب المهارات الحركية الاختيارية الإرادية أو تعلم أفضل طرق حل المشكلات .
6) على افتراض أن الجميع يشتهون هذا الطعام وكلهم جياع ، وقدم لهم الطعام سنلاحظ اختلاف الاستجابات لا بسبب العوامل التي يتعرض لها كل منهم ، بل لأمر أغفله علم النفس الحديث وانعكس هذا على علم النفس التربوي ، وهو جانب الروح في تكوين النفس الإنسانية وما تعتقده من قيم ؛ فهناك من يبدأ بآداب الطعام – غسل اليدين ، التسمية ، الأكل مما يليه .. الخ – والبعض سيستجيب كما استجاب صاحب بافلوف .
ولقد أوضح r اختلاف الاستجابات من فرد آخر بحسب القيم التي يعتقدها بقوله عليه الصلاة والسلام في صفات السبعة الذين يظلهم الله بظله ذكر منهم : ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله .
ومن هنا لا نسلم بصحة هذه المعادلة م س على إطلاقها وإن كانت صحيحة في حالات خاصة فيجب التنبيه لذلك من قبل كُتاب علم النفس التربوي وعدم تعميم نتائجها ، وبيان أوجه القصور فيها ، ومراعاة الدقة في صوغ عبارات الكتاب خاصة وأنه يدرس للطلاب ، ففي هذه النظرية يعلق / أبو حطب بقوله : " ويتشابه الإنسان مع الحيوان في النظام الأول " ( 27 ) وفي هذا مساواة مرفوضة نقلاً وعقلاً وإن كان هناك تشابه فلا بد من توضيحه ، وفي أي جانب يكون .
7) إن الإنسان الواحد تختـلف استجابته مـن موقف لآخر بحسب المواقف والحالة النفسية التي هو فيها ، وهذا ما غفلت عنه جميع نظريات – نماذج – التعلم المتبعة لمعادلة م س .
2 = نظرية – نموذج - الاقتران :
وصف هذا النموذج العالم الأمريكي إدوين جاثري ، فيبدأ بمبدأ واحد من مبادئ الاشتراط وهو مبدأ الاقتران باعتباره المبدأ العام الوحيد الذي يفسر النتائج الاصطناعية – في رأيه – التي اعتمدت عليها نماذج التعلم الشرطي الكلاسيكي ، وهذا المبدأ لا يعتمد اعتماداً وثيقاً على نموذج التجريب الذي استخدمه بافلوف ، ويرى جاثري أن نمط المثير يصل إلى قوته الارتباطية الكاملة في أول فرصة يقترن فيها مع الاستجابة فهو لا يعتقد بالتكرار ( 28 ) .
فالقانون الرئيسي للتعلم في هذا النموذج هو قانون الاقتران الذي صاغه جاثري بقوله: " إذا نشط مثير ما وقت استجابة معينة فإن تكرار هذا المثير يؤدي إلى حدوث تلك الاستجابة "( 29 )
فالتعلم عند جاثري يتم من أول عملية اقتران بين المثير والاستجابة ، دون تكرار ذلك الاقتران كما هو الحال عند بافلوف وواطسون وجولز ، لأن التكرار لا يعزز ما تتعلمه فالاقتران إما يحدث وإما لا يحدث من أول محاولة ، ومما يساهم في تكوين هذا الاقتران التقارب الزماني والمكاني .
أوجه القصور في نظرية – نموذج – جاثري :
1) عبارة عن مجموعة من الآراء التي تحاول شرح بعض المواقف التعليمية دون استخدام المنهج التجريبي الدقيق .
2) لا يزال هذا النموذج عاجزاً عن فهم وتفسير السلوك الإنساني الراقي والمعقد .
3) إن التكرار أسلوب من أساليب التربية ، ولقد تضمن القرآن الكريم والأحاديث النبوية هذا الأسلوب ؛ فنجد أن قوله تعالى]فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ[في سورة الرحمن تكرر 31 مرة في سورة واحدة عدد آياتها 78 آية ، وكذلك تكرر قوله تعالى]فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ[في سورة القمر تكرر في سورة واحدة 4 مرات وقوله تعالى :]فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[تكرر في السورة نفسها 6 مرات وقوله تعالى ]وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ[في سورة المرسلات تكرر عشر مرات وعدد آيات السورة 50 آية .
فــــإن كـان التعلم قد يحدث من مرة واحدة كما قال جاثري إلا أن هذا لا يعمم ولا يجب أن يغفل عــن أهمية التكرار، فالمعلم يكرر الدرس على التلاميذ لزيادة الإيضاح ولإيصال المعلومات التي يريد توصيلها لهم ، ولبيان أهمية الموضوع ، وللتأكيد على الأمر المكرر ، والتكرار من أساليب التربية الإسلامية ، ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة .
3 = نظرية – نموذج – المحاولة والخطأ :
في الوقت الذي كان فيه بافلوف يجري تجاربه كان عالم النفس الأمريكي إدوارد لي ثورنديك يجري تجاربه على أنواع مختلفة من الحيوانات ، وأشهرها تجاربه على القطط والتي نشر نتائجها عام 1898م ، وتتلخص هذه التجربة في وضعه قطاً جائعاً في قفص ويضع الطعام خارج القفص الذي له باب يفتح بعدة طرق بسهولة ، فكان القط في أول الأمر يظهر حركات عشوائية تستغرق وقتاً طويلاً لفتح الباب ، ومع تكرار المحاولة تمكن القط من فتح الباب في فترة قصيرة جداً بعد المحاولة العشرين . وقد أجرى تجارب كثيرة على حيوانات أخرى مثل الفئران والأسماك ، وفي كل التجارب كان يوجد عائق يحول دون وصول الحيوان الجائع إلى الهدف وهو الطعام ، وكانت النتائج متماثلة ( 30 ) .
وتسمى نظرية ثورنديك أحياناً بنظرية الارتباط ، أو نظرية الوصلات العصبية ، أو نظرية المحاولة والخطأ ، ويدين علم النفس لثورنديك لأنه أول من أدخل نظام التجريب على الحيوانات بشكل واسع ، وهو يرى أن التعلم عبارة عن تغير في السلوك ، وأن كل ما يمكن عمله هو ملاحظة هذا التغير في السلوك ودراسته وقياسه ، والسلوك عند ثورنديك يخضع لمبدأ مثير استجابة ( م س ) ( 31 ) .
وقد وضح ثورنديك عدداً من القوانين تفسر التعلم بالمحاولة والخطأ ، وقد عدل بعضها أكثر من مرة ، وتلك القوانين قانون الأثر ، الذي اقترحه لبيان أن عامل التكرار بين المثير والاستجابة لا يفسر التعلم ، فالتكرار شرط ضروري إلا أنه ليس كافياً ، ويرى أن ممارسة الارتباط الذي يؤدي إلى الارتياح يقوي ذلك الارتباط ، بينما ممارسة الارتباط الذي يؤدي إلى عدم الارتياح يؤدي إلى ضعف ذلك الارتباط أي أن المكافأة أو النجاح يزيدان من تدعيم السلوك المثاب ، بينما يؤدي العقاب أو الفشل إلى اختزال الميل لتكرار السلوك الذي يؤدي إلى العقاب أو الفشل أو الضيق ، وكان قانون الأثر إرهاصاً بمبدأ التعزيز الذي اعتمد عليه اعتماداً مطلقاً أصحاب نموذج التعلم الشرطي .
أوجه القصور في نظرية المحاولة والخطأ :
1) كانت جميع تجارب ثورنديك على الحيوانات وهي جائعة وهناك فرق كبير وشائع بين الإنسان والحيوان ، بما كرمه الله تعالى به وفضله على سائر المخلوقات .
2) كانت الحيوانات في تجارب ثورنديك غير مقيدة بل تمارس حركاتها الطبيعية وليس كما هو الحال عند بافلوف ، ولكن رغم تلك الحركات التي يمارسها الحيوان إلا أن ثورنديك يطبق التجربة والحيوان يشعر بالجوع وبالتالي يكون قد سلب إرادة الحيوان ، فهو مضطر لعملية البحث عن الطعام ، فهو يوجه الحيوان لسلوك معين .
3) في تجارب ثورنديك استخدم الحيوان حواسه ومنها حاسة الشم والبصر وهذه الحواس رغم وجودها عند الإنسان إلا أنها تختلف في وظيفتها عند الإنسان عنها عند الحيوان فالحواس " في الإسلام ليس منظوراً إليها في الإنسان بدلالتها العضوية حيث يشاركه في ذلك سائر الحيوانات ، وإنما تعد فيه أدوات وعي وإدراك وتميز وفهم وبيان " ( 32 ).
إن من يقرأ هذا الجزء من كتاب / أبو حطب حول نظرية ثورنديك يشعر وكأنه أول



يتبع .................

نور الإسلام
12-01-2012, 06:40 PM
1) إن من يقرأ هذا الجزء من كتاب / أبو حطب حول نظرية ثورنديك يشعر وكأنه أول من توصل إلى مبدأ التعزيز – بالإيجاب أو السلب – في حين أن علماء الفكر التربوي الإسلامي أشاروا لذلك منذ قرون قبل ثورنديك ، كالقابسي في رسالته المفصلة لأحوال المتعلمين والمعلمين ، والذي توفي 403هـ / 1012هـ ، وابن سينا المتوفي عام 428هـ –1037م ، له آراء في هذا المجال تكاد تصل في دقتها إلى أحدث ما توصل إليه علماء النفس الحديث وغيرهم من العلماء الذين يذخر بهم الفكر التربوي الإسلامي .
4 = نموذج – نظرية – التعلم الشرطي الإجرائي :
لقد ابتكر في معمل سكنر ما أسماه العلماء بصندوق اسكنر ، وفيه يوضع الحيوان الجائع فإذا ضغط على رافعة معينة تظهر له جرعة من الطعام ، وبالتالي فإن الاستجابة ذريعة أو وسيلة أو أداة لظهور الطعام ، ويستمر الحيوان يضغط على الرافعة حتى يُشبع جوعه ويكون قد تعلم في نفس الوقت استجابة الضغط على الرافعة حيث يؤديها في زمن وجيز للغاية ونقل الحركة العشوائية ( 33 ) .
ويميز سكنر بين نوعين من السلوك أحدهما السلوك الاستجابي الذي يقوم على العلاقة بين مثير واستجابة ، أما السلوك الثاني فهو السلوك الإجرائي التلقائي حيث تتم الاستجابة دون وجود المؤثرات كسلوك الإنسان وهو يقود سيارته ( 34 ) .
وقد استطاع سكنر بهذه الطريقة أن يدرب بعض الطيور – الحمام – على كثير من الأعمال الصعبة مثل لعبها لتنس الطاولة بمنقارها ، وأما التطبيقات التربوية لنموذج التعلم الشرطي الإجرائي فهو ظهور وشيوع التعليم المبرمج ( 35 ) .
أوجه القصور في نظرية التعلم الشرطي الإجرائي :
1) أدت نظرية سكنر إلى شيوع طريقة من أحدث طرق التدريس المعاصرة ، وهي طريقة التعليم المبرمج ، والتي بدأ الاهتمام بها بعد المحاضرة التي ألقاها سكنر عام 1954م في جامعة هارفارد ، ولكن لا نعرف مدى ملاءمتها للتدريس في مدارسنا حسب ظروفها وطبيعتها ، لذا نحن في حاجة للوقوف على مدى ملاءمتها لمجتمعنا الكبير .
2) قيام التجربة على الطيور الجائعة وهناك فرق بين الإنسان والحيوان ، إضافة إلى أنها كانت جائعة .
5 = النظريات – النماذج – الرياضية :
وهي من نماذج علم النفس عن التعلم ، ولكن لها صبغة رياضية ومن أبرزها نموذج كلارك هل ، ومن أكثر نماذج التعلم شمولاً وتنظيماً في تحديد طبيعة التعلم ، ويحدد هل مجموعتين من المكونات في أي أداء للمتعلم الأول قوة العادة ( م ع س ) وتنتج عن التعلم الإرتباطي تحت تأثير التعزيز كما هو الحال في التعلم الشرطي الإجرائي ، والثاني هو المكونات غير الأرتباطية وأهمها الحافز ( ف ) ويصيغ كلارك هل معادلته الأساسية التي تحدد وما يسميه جهد الاستجابة ( م ج س ) كما يلي :
جهد الاستجابة = الحافز × قوة العادة .
م ج س = ف × م ع س
وتزداد هذه المعادلة تعقداً بتأثير عوامل غير ارتباطية أخرى بالإضافة إلى الحافز ، وهذه العوامل هي حدة المثيرات التي تستثير الاستجابة ( م ) ومقدار الباعث ( ث ) المستخدم في التعزيز وهكذا تصبح المعادلة الكاملة لجهد الاستجابة كما يلي :
م ج س = ف × م × ث × م ع س
وقد استعان هل بنتائج التجارب التي قام بها بيرين عام 1940م على الفئران .
أوجه القصور في نظرية كلارك هل :
1) كانت النظرة فيما سبق من نماذج تعميم نتائج أجريت على الحيوانات وعلى الإنسان وهنا نرى أن هل استفاد من تجاربه على الحيوانات وعبر عن نموذجه بمعادلة واعتبر الإنسان كمركب كيميائي ، فللحصول على بخار الماء نحتاج لـ H2O وهذه نظرة ضيقة وجامدة عن حقيقة الإنسان وتنظر له كأنه جسم فقط ، ففي حين أن 1+1 في الحساب = 2 إلا أنها في المجال الإنساني قد تساوي واحد وقد تساوي أكثر فرجل وامـرأة يشكلان أسرة ، فيكون 1 + 1 = 1 ومن هذه الأسرة يكون الابناء والأحفاد والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأجداد فيصبح عندئذ 1+1 = أكثر بكثير من 2 .
2) بتتبع نظرية التعزيز عند هل يتضح أنه حاول الاستفادة من المؤثرات الخارجية التي تؤثر على الإنسان عن طريق حواسه وأحاسيسه التي زوده الله تعالى بها ، وردود الأفعال عندما تصله تلك المؤثرات ، كما أنه حاول قياس مقادير التأثر والتأثير ومدى الاستجابة وعدمها ، إلا أنه قصر عن التمييز بين الإنسان والكائنات والمخلـوقات الأخرى من حيث الاستجابة وقوتها ، وامتياز الإنسان عن غيره بمحاولتـه الاستفادة من المواقف غير المفيدة وتحويلها إلى مواقف مفيدة له بما كرمه الله تعالى به ( 36 ) .
6 = نظرية – نموذج – الجشطالت :
رفض عالم النفس الألماني كوهلر الأبحاث التي أجرها ثورنديك وبافلوف وواطسون فقام بإجراء تجاربه على الشمبانزي ما بين عام 1913م - 1917م ، لمعرفة الطريقة التي تحل بها الحيوانات المشكلات – أي التعلم بإدراك العلاقات – فقد وضع قرداً جائعاً في قفص وعلق بعض الموز في سقف القفص ووضع على الأرض بعض العصي التي يمكن بواسطتها الحصول على الموز ، وأخذ يراقب القرد ويدون وصفاً دقيقاً لسلوكه ولاحظ أنه بعد عدة محاولات فاشلة لجأ القرد إلى التأمل والاستكشاف فاستخدم العصي وحصل على الموز ، هنا قال كوهلر أن التعلم حدث عن طريق الاستبصار .
وقد أوضحت تجاربه الظروف التي تجعل الكائنات العضوية قادرة على الاستبصار فمقدار الاستبصار يعتمد على عمر المفحوص وذكائه وإلفته بالموقف ،وأهم ما نستفيده من هذه النتائج أن الاستبصار يعتمد على قدرتنا على الإدراك الحسي والتنظيم المعرفي ( 37 ) .

أوجه القصور في نظرية الجشطالت :
1) إن هذا النموذج حقق بعض التقدم على النماذج السابقة بإلقاء الضوء على عملية التعلم بالاستبصار القائم على ذكاء الكائن الحي ، وقدرته على إدراك عناصر الموقف التجريبي المراد تعلمه ، ولكن شتان بين الاستبصار عند الإنسان عنه عند الحيوان يقول / أبو حطب : " إن الاستبصار يعتمد على قدرتنا على الإدراك الحسي والتنظيم المعرفي " ص233 ، ويقول : " فالاستبصار لا يحدث بسهولة إلا إذا نظمت أساسيات الحل بحيث يمكن إدراك العلاقات بينها " ص234 .
فالاستبصار يحتاج لتنظيم وإدراك العلاقات ، وهذا يقوم به العقل : " والعقل نعمة من أكبر النعم التي حباها الله للإنسان وتفضل به عليه ، وميزه به عن غيره من الكائنات ( 38 ) .
فكيف نقول أن القرد توصل للموز عن طريق الاستبصار ؟
إن ما يمكن أن توصف به هذه الحالة هي محاولة القرد للحصول على الموز ، لا استبصار
* * * * * * * * * * * * * *
تلك هي أبرز نظريات - نماذج - التعلم في علم النفس التربوي ، والتي تدرس ضمن برنامج الإعداد التربوي كما هي موجودة في معظم المؤلفات ، دون محاولة من الكُتاب لإضفاء الصبغة والروح الإسلامية على تلك التجارب رغم ما يذخر به الفكر التربوي الإسلامي والمستمد من المصدرين الأساسيين القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .
ومن هنا تظهر الحاجة الماسة إلى صياغة علم نفس تربوي من منظور إسلامي ليتناسب وعقيدتنا وواقعنا ومستقبلناُ ونخرج للمجتمع المعلم المسلم قلباً وقالباً بحول الله تعالى والذي يساهم في بناء الجيل المسلم لتعود هذه الأمة كما وصفها رب العزة والجلال بقوله تعالى : ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران - 110 .


الفصل الثالث
أسلمة علم النفس والصعوبات التي تواجهها
أولاً : لماذا الأسلمة ؟

يقبصد بمصطلح الأسلمة لأي علم من العلوم الطبيعية أو الاجتماعية أن ينظر لذلك العلم من حيث الأهداف والمحتوى وأساليب تدريسه وتعلمه وعملية تقويمه في إطار من التصور الإسلامي ، وتقوم عملية الأسلمة على عمليتين رئيسيتين .
1) عملية تصحيح ما تتضمنه تلك العلوم من مفاهيم وتصورات غير إسلامية – أي لا تتفق مع مبادئ الإسلام – وتوضيح الخطأ في تلك المفاهيم .
2) عملية وضع المفاهيم والتصورات لتلك العلوم والتي لا تتعارض مع الدين الإسلامي في قالب إسلامي ( 49 ) .
والمتأمل لعلم النفس الحديث منذ نهاية القرن التاسع عشر للآن يحده يمر بمراحل ومدارس متعددة لا يستقر بواحدة حتى يتبين أنها غير كافية للنهوض به كما ينبغي فتنشأ مدرسة أخرى تحاول أن تدرك ما فات المدارس السابقة ، فتعددت بذلك المدارس ، فهناك المدرسة السلوكية – بافلوف ، واطسون – المدرسة الفرضية – مكدوجل – ومدرسة التحليل النفسي – فرويد – ومدرسة الجشطلت – كوهلر – ولكل منها وجهة نظر قاصرة لتفسير سلوك النفس ، ورغم التقارب الذي حدث مؤخراً بين تلك المدارس إلا أنه لم يصل إلى المستوى المنشود ، ويكون مقبولاً من الجميع ، والفرصة متاحة لظهور مدارس أخرى طالماً أنها لا تقوم على أسس ثابتة تجاه النفس الإنسانية ، وتعتمد على فكر بشري قاصر مهما بلغ من النبوغ الفكري ، والسبب الرئيسي لكل ذلك يعود لعدم إدراك علماء النفس لحقيقة النفس الإنسانية من حيث عدم معرفتهم بالفطرة ، فمن خلال الاستعراض السابق لأبرز نماذج – نظريات – التعلم ومدارس علم النفس يتضح تركيزها على جانب واحد من جوانب عملية التعلم ، مع ذلك تعمم تلك النتائج على العملية التعليمية بأكملها وإغفالها لجانب الروح ، كما أنها لا توازن بين بقية الجوانب حيث تهتم بواحد على حساب الآخر " فالمشكلة الأساسية والمزمنة في إطار الدراسات النفسية أنها لا تنظر للإنسان ككل في إطار واحد متكامل بجميع أبعاده التكوينية ومظاهره لنفسية ، وإنما كانت تركز على جانب واحد فقط تسلط عليه أضواء البحث والتأكيد مهملة في ذات الوقت بقية الجوانب الأخرى ( 40 ) .
وجهلهم بالفطرة جعلهم يقفون مواقف متباينة بين أنها شريرة ، وعنصر الشر متأصل فيها ، وإن حدث وتصرفت بشكل خير فهذا لسبب خارجي ، وبعض التصرفات التي يُظن أنها خيرة هي تصرفات أنانية ، وهناك من يرى أنها حيادية في أساسها ، والخبرة الذاتية هي التي تبرز جانب الخير أو الشر والبيئة – لا الوراثة – هي العامل الحاسم في تشكيل الشخصية .
وهناك من يرى أنها خيرة وعنصر الشر دخيل عليها ، وهذا هو موقف الإسلام ( 41 ) فالله سبحانه وتعالى هو الذي فطر الناس وبالتالي تكون فكرتهم على الحق والخير ، قال تعالى : ] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم - 30 .
بعد كل هذا يتضح ضرورة أسلمة علم النفس لكي نتمكن من تربية الإنسان وفق منهج الله تعالى ، إذ أنه لا يمكن أن تتم تربية الإنسان ونحن نجهل حقيقته ، ومن خلال علم النفس يمكن لنا التعرف على حقيقة النفس البشرية . " ولن يتمكن علم النفس من الوصول إلى ذلك إلا إذا اتبع منهجاً إسلامياً قد استقى مادته من علم الله ، ومن آياته البيانات و نظرياته وأفكارة، فيعمق بذلك أبحاثه ودراساته ولا تناقض مع نفسه في تبرير فروضه المتخيلة وتفسيراته العاجزة وتحليلاته السطحية الفاترة " ( 42 ) .
إن الإنسان في القرآن الكريم مكون من مادة وروح ، متفاعلان ، ومتكاملان ومرتبطان ، ولذلك ترفض نظرة الماديين الذي لا ينظرون إلا للجانب المادي في الإنسان وأن سلوكه آلي ميكانيكي ، ونرفض كذلك نظرة الذين ينظرون للإنسان على أنه رووح متجردة عن المادة ( 43 ) قال تعالى : ] قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ(71)فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ سورة ص 71 -72 .
وعليه فإن مفهوم النفس في الإسلام يرتبط بالجسم والعقل والقلب والروح ، وهذه هي مكونات الإنسان التي تعمل بشكل متحد ومتوازن لا انفصال بينها ، فالجسم طاقة تسعى إلى إشباع الدوافع الفطرية واستغلال ما في الكون لعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف .
والعقل يعين الجسم على ذلك لأن الحواس وحدها لا تهدي لمعرفة بل تأتي بأوهام وشخوص ما لم يكن وراءها عقل يربط بين المدركات الحسية وينظمها ويفسرها ويعطيها معناها الذي تدرك به الأشياء ( 44 ) .
إن القلب العامر بالإيمان يصلح الجسد والعقل ، والــــروح تهـذب الجسم وتهدي العقل وتصلح القلب ، والمقصود بالقلب هو ما أشار إليه قوله تعالى : ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[ ق –37 ، قال ابن كثير " لمن كان له قلب أي لب يعي به " ( 45 ) .
ثانياً : أسلمة علم النفس والصعوبات التي تواجهها :
قبل الخوض في هذا الجانب المهم في الدراسة ، يود الباحث أن يقرر أننا نقصد بهذا كيف نزيل ما غشي علم النفس والكُتب التي كتبت حوله من رؤية غير صحيحة لحقيقة الإنسان ، حيث نجد أن الكُتب المؤلفة والمترجمة تتسم بالخلط الكثير الذي تتضمنه النظريات المختلفة في نظرتها للنفس الإنسانية وعملية التعلم ، وما يساعدها من وسائل مثل الفروق الفردية والواقعية وغيرها من وسائل ، وكل نظرية تركز على جانب من جوانب الإنسان بالإضافة إلى اشتراكها في إغفال جانب الروح ، كما أنها تنظر نظرة آلية للإنسان من خلال استجابته للمثيرات ، وقيام معظم - إن لم يكن – جميع التجارب على الحيوانات والبعض يحاول أن يطبقها على الإنسان ، ولكن مع إغفال حقيقة ذلك الإنسان .
فعلم النفس لم يظهر كعلم مستقل له نظرياته ومدارسه وعلماؤه إلا منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، في حين أن القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً أوضح حقيقة النفس الإنسانية والأمراض التي تصيبها وطرق علاجها ، فعندما يقول الباحث أسلمة علم النفس يقصد بذلك أن ننظر لعلم النفس من المنظور الإسلامي ، لا على أساس أنه علم غربي نود أسلمته للاستفادة منه .
إن عملية الأسلمة تكتنفها كثير من الصعوبات والتحديات ومن تلك الصعوبات التي تواجه من يسعى للأسلمة خصوصاً في مجال علم النفس احتياجه إلى :
1 – ضرورة التعمق في مواد علم النفس الغربي ومناهجه وممارساته .
2 – ضرورة الإلمام بالإسلام وبأصوله ومصادره .
3 – وجود تفكير ابتكاري مبدع قادر على الربط بين الإسلام وما هو مقبول في علم النفس الغربي .
4 – القيام بأبحاث تجريبية وميدانية مكثفة في دول العالم الإسلامي ليمكن بعد ذلك من وضع نظريات من أصول تجريبية وميدانية ( 46 ) .
5 – قيام هيئة عالمية إسلامية تستقطب علماء النفس من المسلمين تحث وتدعم مادياً ومعنوياً الجهود التي تبذل للأسلمة .
6 – وجود فئات من علماء النفس المسلمين ترفض الأسلمة ، وقد صنفهم/ مالك بدري إلى ثلاث فئات هي ( 47 ) :
أ - الفئة الأولى : تؤكد بأنه ليس هناك شيء اسمه علم نفس إسلامي ، وليس هناك ما يدعو للتأصيل الإسلامي للعلوم ومنها علم النفس ، فهو علم تجريبي بمعنى Science وبهذا المفهوم تسقط الأسلمة .
ب – الفئة الثانية : ترى أن علم النفس الحديث بكل فروعه هو إنتاج الحضارة الغربية العلمانية ، وبالتالي ترفضه ، ونقيم علم نفس إسلامي مستمد من المصدرين الأساسيين وأفكار السلف الصالح ، وربما من كتابات بعض علماء التراث من فلاسفة الإسلام وكبار متصوفيه .
ج - الفئة الثالثة : اتجاههاً وسط وصحيح فهي : تعترف لعلم النفس العلمي والتجريبي بأهميته وفوائده مع ملاحظة تأثره بالفسلفة الغربية وهنا يجب الحذر وأن نميز الخبيث من الطيب .
وهذا اتجاه جيد لأنه لا يتعارض مع الدين الإسلامي ، إضافة إلى أن الحضارة المادية الغربية إنما قامت أصلاً على جهود علماء المسلمين الذي لهم الفضل في تلك النهضة العلمية الغربية ، ولكن هم بعد ذلك جعلوها مادية إلحادية وعلينا أن نسترد بضاعتنا بعد أن نزيل ما علق بها من شوائب ، وقد اقترح / مالك بدري نظرية للأسلمة تقوم على قاعدتين :
1 – القاعدة الأولى : كلما كانت المواد التي نأخذها من علم النفس الغربي تعتمد على البحث التجريبي المختبري والبحث التجريبي الميداني ، كانت أكثر قبولاً واتساقاً مع الفكر الإسلامي ، ويضيف الباحث ضرورة عدم تعارض تلك التجارب من حيث الموضوع أو الكيفية أو النتائج مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف .
2 – القاعدة الثانية : كلما كانت المواد النفسية الحديثة تدرس جانباً محدوداً من السلوك الإنساني كدراسة الإدراك الحسي أو الذكاء أو أثر العقاقير على السلوك كانت أكثر قبولاً من الناحية الإسلامية .
النتائج
1) لم يظهر علم النفس كعلم مستقل له نظرياته ومدارسه إلا منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي .
2) وضح القرآن الكريم حقيقة النفس الإنسانية ، وما يصيبها من أمراض وطرق علاجها قبل أربعة عشر قرناً .
3) إن نظريات – نماذج- التعلم هي نظريات يمكن أن تدرس للطلاب للاستفادة منها بعد بيان أوجه القصور فيها ، ليكون الطالب على بصيرة عند دراسته لها ومحاولته تطبيقها .
4) إن نظريات – نماذج – التعلم كان بعضها ينكر على بعضها ما توصلت إليه ، وذلك لاختلاف النظرة للطبيعة الإنسانية .
5) ضرورة العودة بعلم النفس عامة إلى مصادره الأساسية وتنقيته مما علق به من أفكار ونظريات غربية .
6) هناك العديد من الصعوبات والتحديات التي تواجه الأسلمة .

التوصيات
إن هذه التوصيات تقبل التنفيذ في أي مجال من المجالات ، ولكن ننعتها هنا بأنها خاصة بعلم النفس للملائمة مع موضوع الدراسة ، ولقد ذكر أحدهم تلك التوصيات والتي يمكن دمجها كما يلي :
1) إقامة مراكز بحوث نفسية إسلامية في عواصم الدول الإسلامية والمدن الكبرى وذلك للقيام ببحوث أصيلة وتجارب مختلفة ، ويلحق بالمراكز معامل ومختبرات نفسية .
2) إنشاء جمعية – رابطة ، منظمة – عالمية إسلامية تضم العلماء النفسيين الإسلاميين قلباً وقالباً ، ولها فروع في معظم الدول الإسلامية ، ومن مهامها .
أ - إقامة مؤتمرات وندوات لتبادل البحوث والخبرات والتخطيط للبحوث النفسية ، وإقامة مناظرات مع علماء النفس الغربيين .
ب – إصدار مجلة نفسية إسلامية ، بأكثر من لغة تهتم بنشر بحوث علماء النفس الإسلاميين ونتائج تلك المؤتمرات والندوات .
ج - إقامة دورات محدودة زمنياً لعلماء لنفس المعاصرين ولمدرسي مادة علم النفس بصفة عامة لإطلاعهم على التصور الإسلامي لدراسة النفس الإنسانية .
د - التشجيع المالي للكتب النفسية التي يتم وضعها حسب التصور الإسلامي لعلم النفس .
هـ – الدعوة لإنشاء أقسام علم النفس في جميع الجامعات والكليات الإسلامية والحاقها والأقسام الموجودة بالجامعات حالياً بكليات الدراسات الإسلامية ليكون طلاب تلك الدراسات على صلة بالدراسات النفسية ، وليكون علم النفس في رعاية الدراسات الإسلامية.
و – تقوم فروع هذه الجمعية بدراسة مقررات علم النفس في جميع مراحل التعليم العام والعالي لتنقيتها أو إبدالها بمقررات إسلامية نفسية ( 48 ) .
ويرى الباحث أن هذه التوصيات إن قدر لها التنفيذ سنصل بحول الله تعالى لعلم نفس إسلامي ، وعندها لن نكون بحاجة لإضافة كلمة إسلامي .
ولحين ظهور تلك التوصيات يرى الباحث القيام بالخطوات التالية لعل فيها خطوة نحو التوجيه الإسلامي ليس لعلم النفس فحسب بل للعلوم كافة . وهي :
1 – الاهتمام بإعداد المعلم على اعتبار كونه أحد عناصر العملية التعليمية ، وهو عنصر له وظيفته كبيرة في العملية التربوية لأنه " إذا صلحت مناهج تربية المعلم ، صلح المعلم واستقام ، وبصلاحه واستقامته تصلح الأجيال " ( 49 ) .
ويحبذ الباحث أن تكون هذه أول خطـوة لأن المعـلم " هــو الموجـــه الفعال في المدرسة " ( 50 ) . لذلك يجب الاهتمام بالمعلم من حيث قبوله بكليات التربية وكليات المعلمين ، وبعد ذلك يهتم بإعداده ليتخرج وقد تحلى بصفات المعلم المسلم . عندها سيستطيع بحول الله تعالى أن يوجه أي مادة يدرسها -ولو لم يكن المقرر المدرسي مصمم لذلك - توجيهاً إسلامياً .
2 – إن كان المعلم من العناصر المهمـة فإن المقررات الدراسية بحاجة لتوجيهها إسلامياً حيث يلاحظ أنها تتضمن المعلومات مصطبغة بالنظرة المادية لأن الكثير ممن عرضوها ماديون ولا نجـد فيها لله تعالى نصيب ، بل أحياناً تتعارض مع عقيدة الطالب " (51 ) .
لذلك يجب أن يعاد النظر في المقررات التي تدرس وتنقيتها لحين نتمكن من صياغة مقررات تتناسب مع عقيدتنا الإسلامية .
3 – طريقة التدريس : إن طريقة التدريس لها وظيفة هامة لا تقل عن أهمية المقررات وكلاهما يحتاجان للمدرس الكفء ، فينبغي أن تؤدي طريقة التدريس إلى أحداث التفاعل الكامل بين الطالب والمادة التي تقدم له وطريقة عرضها ثم التفاعل بين الطالب والمعلم ، لأن طريقة التدريس الناجحة تؤدي إلى إداراك الطالب لمكانته الحقيقة في الكون ومهمته فيه ، وبعث الشعور لديه بالعزة والحماس لدينه ، ولذا يجب تشجيع الطلاب ودفعهم إلى استخدام ما أنعم الله تعالى به عليهم من أدوات للمعرفة قال تعالى :] وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [ الإسراء – 36 . لأن أسلوب التلقين والحفظ دون فهم والذي يتبعه كثير من المعلمين يؤثر على الطلاب ؛ إذ يقصرهم على مقدرتي التلقي والحفظ ، ويؤول بهم إلى تبعية فكرية خطيرة ( 52 ) . وهذه ستشكل صعوبة في طرايق الأسلمة – كما سبق بيانه.
ما سبق يتعلق بمعلم التعليم العلم ، وهناك متطلبات تقع على عاتق عضو هيئة التدريس في الجامعات خاصة من يُدرس مواد علم النفس وعلم النفس التربوي وهي :
1 - إن يختار من علم النفس ما له علاقة بـالتربية ، وما يفيد الطالب المعلم في القيام برسالته في المدرسة والمجتمع ، حتى لا تكون المادة بعيدة عن عمله وبيئته وتصوره الإسلامي للإنسان .
2 – أن يقيم كُتب علم النفس التربوي من منظور إسلامي ، ليحذف ما يتعارض مع الإسلام.
3 – أن يجري دراسات في علم النفس التربوي من منطلق إسلامي فيبحث دوافع التعلم الفروق الفردية ، سمات الشخصية المسلمة ، وإن توصل لنتائج متعارضة مع الإسلام فعليه أن يعيد النظر في خطوات البحث لأن الخطأ فيها .
4 – أن يتحلى بصفات العالم المسلم الذي يعـتبر العلم عبادة ، وإظهار لعظمة الله تعالى وقدره ( 53 ) .
تلك هي الخطوة الأولى والقريبة والسريعة بحول الله تعالى لتوجيه العلوم بما فيها علم النفس الوجهة الإسلامية ، خاصة وأن هناك عدد لا بأس به من أعضاء هيئة التدريس لهم توجه وكتابات إسلامية في هذا المجال يمكن أن تساهم بقدر كبير في إخراج المعلم المسلم القادر بحول الله تعالى على القيام بالخطوات السابقة وعندها يمكن أن تبرز التوصيات الخاصة بأسـلمة العلوم على المستوى العالمي ، وعندها ستكون الأمة الإسلامية كما وصفاها ربها بقوله تعالى : ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[ آل عمران – 110 .
المراجــــــع

1) عبد الحميد الهاشمي : علم النفس التكويني ، ط2 ، القاهرة ، مطبعة الخانجي ، ص11.
2) محمـد عثمان نجاتي:علم النفس في حياتنا اليومية ، دار النهضة العربية ، 1966م ، ص14
3) عبد الحميد الهاشمي : أصول علم النفس العام ، دار الشروق ، جدة ، ص12 .
4) حامد عبد السلام زهران : علم نفس النمو ، ط4 ، عالم الكتب ، القاهرة ، 1977م،ص9 .
5) فائز الحاج : بحوث علم النفس العام ، المكتب الإسلامي ، الرياض ، 1976م ، ص6 .
6) مختار حمزة : مبادئ علم النفس ، دار المجتمع العربي،جدة ، 1399هـ/ 1979م،ص21.
7) محمد عثمان نجاتي : مرجع سابق ، ص14 .
8) أحمد عزت راجح : أصول علم النفس ، ط4 ، المكتب المصري الحديث ، الإسكندرية، 1970م ، ص21 .
9) نبيل محمد السمالوطي : الإسلام وقضايا علم النفس الحديث ، دار الشروق ، جدة ، 1400هـ / 1980م ، ص14 .
10) عبد الحميد الهاشمي : علم النفس في التصور الإسلامي ، المركز العالمي للتعليم الإسلامي ، جامعة أم القرى ، مكة 1403هـ / 1983م ، ص33-35 .
11) أحمد عزت راجح : مرجع سابق ، ص32 .
12) المرجع السابق ، ص34
13) محمد محمود محمد : علم النفس المعاصر في ضوء الإسلام ، دار الشروق ، جدة ، 1405هـ / 1985م ، ص57 .
14) المرجع السابق ، ص58-59 .
15) أحمد راجح : مرجع سابق ، ص36-37 .
16) نبيل السمالوطي : مرجع سابق ، ص19 .
17) فؤاد أبو حطب ، آمال صادق : علم النفس التربوي ، ط2 ، مكتبة الأنجلو ، القاهرة ، 1980 م ، ص13-16 .
18) المرجع السابق ، ص33 .
19) أحمد زكي صالح : علم النفس التربوي ،ط10،مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، ص25 .
20) عبد الحميد الهاشمي : أصول علم النفس العام ، ص14 .
21) أحمد زكي صالح : مرجع سابق ، ص38 .
22) فؤاد أبو حطب : مرجع سابق ، ص33-38 .
23) محمد عثمان نجاتي : مرجع سابق ، ص18 .
24) فؤاد أبو حطب : مرجع سابق ، ص166-169 .
25) عبد السلام عبد الغفار : في طبيعة الإنسان ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1973م / 1393هـ ، ص26 .
26) محمد محمود محمد : مرجع سابق ، ص244 .
27) فؤاد ابو حطب : مرجع سابق ، ص175 .
28) المرجع السابق ، ص178، 179 .
29) محمد محمود محمد : مرجع سابق ، ص244 .
30) فؤاد أبو حطب : مرجع سابق ، ص189 .
31) محمد محمود محمد : مرجع سابق ، ص248 .
32) صالح سليمان العمرو : مكانة الحواس من المعرفة في الإسلام ،رسالة دكتوراه ، كلية التربية، جامعة أم القرى ، غير منشورة ، ص70 .
33) فؤاد أبو حطب : مرجع سابق ، ص202 .
34) محمد محمود محمد : مرجع سابق ، ص264 .
35) فؤاد أبو حطب : مرجع سابق ، ص209-213 .
36) يوسف القاضي ، علم النفس التربوي في الإسلام ، دار المريخ ، الرياض ، 1401هـ / 1981م ، ص219 .
37) فؤاد أبو حطب : مرجع سابق ، ص232-236 .
38) صالح العمرو : مرجع سابق ، ص75 .
39) حمدي أبو الفتوح عطيفة : أسلمة مناهج العلوم المدرسية تصور مقترح ، دار الوفاء ، المنصورة ، 1407هـ / 1986م ، ص27 .
40) عبد الحميد الهاشمي : علم النفس في التصور الإسلامي ، مرجع سابق ، ص19.
41) عبد الرحمن صالح عبد الله : المنهاج الدراسي أسسه وصلته بالنظرية التربوية الإسلامية ، مركز الملك فيصل ، الرياض ، 1405هـ / 1985م ، ص123 .
42) حسن محمد الشرقاوي : نحو علم نفس إسلامي ، مؤسسة شباب الجامعة ،الإسكندرية ، 1984م ، ص440 .
43) محمد حامد الأفندي : نحو مناهج إسلامية ، المركز العالمي للتعليم الإسلامي ، جامعة أم القرى ، مكة المكرمة ، 1987م / 1407هـ ، ص14 .
44) جعفر شيخ إدريس : أسلمة العلوم فلسفتها ومنهجيتها ، صحيفة الراية ، قطر ، الخميس 7/7/1408هـ .
45) أبن كثير : تفسير القرآن العظيم ، م4 ، دار الفكر ، 1407/ 1986م ، ص220.
46) مالك بدري : علم النفس الحديث من منظور إسلامي ، جامعة الخرطوم ، 1987م ، 1407هـ ، ص10-21 .
47) المرجع السابق ، ص6-7 .
48) عبد الحميد الهاشمي : علم النفس في التصور الإسلامي ، مرجع سابق ، ص86-88.
49) بشير حاج التوم : تأصيل تربية المعلم ، جامعة الملك عبد العزيز ، فرع مكة المكرمة ، 1400هـ / 1980م ، ص1 .
50) بشير حاج التوم : السبيل إلى بناء فكر تربوي إسلامي ، مركز البحوث التربوية والنفسية، جامعة أم القرى ، مكة المكرمة ، 1412هـ ، ص13 .
51) بشير التوم : تأصيل تربية المعلم ، مرجع سابق ، ص6 .
52) بشير التوم : السبيل إلى بناء فكر تربوي ، مرجع سابق ، ص19 .
53) بشير التوم : تأصيل تربية المعلم ، مرجع سابق ، ص45-46 .