طريق الخلاص

طريق الخلاص (http://investigate-islam.com/al5las/index.php)
-   أبواب الدعوة (http://investigate-islam.com/al5las/forumdisplay.php?f=34)
-   -   الدعوة إلى الله في الزمن الصعب (http://investigate-islam.com/al5las/showthread.php?t=4813)

نور الإسلام 09-11-2013 10:00 AM

الدعوة إلى الله في الزمن الصعب
 
http://www.alwaei.com/photos_and_files/45.bmp


كثيرا ما تداعبنا الأحلام بأن يرجع بنا الزمان إلى أيام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصحابته - رضوان الله عليهم - ونكون من أهل ذاك الدهر الذي انصرم، وذلك الزمان الذي انقضى، فنرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويرانا، ونصحبه ويعلّمنا، ونشهد معه المشاهد، ونروي للناس من سيرته وسنته كما روى الأماجد من صحابته الكرام.
وما أرانا في هذا من زاوية أولى إلا معبرين عن حبنا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وشوقنا إليه، لكننا من زاوية أخرى نهرب بهذه الأحلام من واقعنا الصعب، ونلتجئ إلى الخيال إذ لم يسعفنا الواقع، وما مثلنا في هذا إلا كالذي يتخيل نفسه «سوبر مان» أو صاحب «طاقية الإخفاء» كي يحل بها مشكلات الأمة العويصة!!
وأخشى أن أقول إن مثل هذه الأحلام تعني أننا غير راضين عن الأقدار الإلهية التي شاءت أن تكون لحظات هذا الزمان هي مسرح حياتنا ومرتع أعمارنا.

ولقد سبقنا إلى مثل هذه الأحلام آخرون من التابعين رأوا الصحابة ولم يروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان زمانهم متاخما لزمان النبوة، لا بعيدين عنه بعدنا، كما كان قرنهم قرن مجد وعِزّ لا هزيمة وانكسار، فأوقفهم الصحابة على حقيقة الأمر، وردوهم إلى جادة الصواب في هذه الأماني، «فعن جبير بن نفير قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت!! فاستغْضِب، فجعلت أعجب؛ ما قال إلا خيرا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟! والله، لقد حضر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقوامٌ أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدّقوه. أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدِّقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم...».(مسند أحمد).
إن مقولة الرجل لتعكس أمنية دفينة في نفسه، هي هذا الحلم المستحيل الذي حلمناه نحن أيضا، ولكن الصحابي الفقيه رده إلى المعنى الإسلامي العميق، وهو أن الإنسان بعمله وليس بزمانه؛ إذ إن المطلوب من المسلم أن يعيش بإيمانه وتدينه في الزمان الذي قدّره الله له.
ولقد أعلمنا الله تعالى أنه غضب على أهل أعمال بعينها، وما غضب على أهل زمان بعينه لأجل الزمان نفسه، فغضب على قوم نوح (عليه السلام) لشركهم الذي لم يسبقهم إليه سابق وإعراضهم الطويل عن الهدى الذي جاءهم به نبيهم.

http://www.alwaei.com/photos_and_files/47.bmp

وغضب على عاد قوم هود (عليه السلام) لكفرهم وجبروتهم وتحديهم لنبيهم أن يأتيهم بما يعدهم به من العذاب.
وأما ثمود قوم صالح (عليه السلام) فقد كان دليل الهدى معجزةً ناطقةً أقرب إليهم من شراك نعالهم، فاستهانوا بآيات الله، فطردهم الغضب الإلهي من ساحة الحياة كلها.
وأما قوم لوط وقوم شعيب- عليهما السلام- فخلطوا الخلق السيئ بالعقيدة الفاسدة، وطاردوا من يدعوهم إلى الهدى، فحقت عليهم كلمة العذاب، وهكذا فرعون وهامان وقارون...
{فكلاًّ أخذْنا بِذنبِهِ فمِنْهم مّنْ أرْسلْنا عليْهِ حاصِبًا ومِنْهم مّنْ أخذتْه الصّيْحة ومِنْهم مّنْ خسفْنا بِهِ الأرْض ومِنْهم مّنْ أغْرقْنا وما كان اللّه لِيظْلِمهمْ ولكِن كانوا أنفسهمْ يظْلِمون} (العنكبوت:40).
إن الزمان مظلة إلهية عجيبة؛ تبدو قاهرة لجميع الخلق، ولكنها - مع ذلك - تنقذنا من المطلق الذي لا تطيقه عقولنا، حيث إن مجرد تصور أن نعيش بلا زمان يدخل الإنسان في غيبوبة إدراك. وحتى المعاني الثابتة في عقولنا - كالقوانين الكونية العامة والمعاني الذهنية المجردة - لا تعيش بلا زمان، وإنما نعيش صورة واحدة لها في أزمنة مختلفة، فيراها البعض لا زمانية، ولكنها في حقيقتها تشبه الصورة الثابتة أمام العين تراها في كل لحظة كما هي.
مهما يكن، فإن الإسلام حين يدعونا إلى الإيمان بالقدر الإلهي يفرض علينا أن نؤدي مهمة الخلافة في أرض الله في الزمان الذي نحيا فيه، وبالقدرات التي منِحنا إياها، وهذا المعنى ينطوي عليه حديث الاغتنام الشهير؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (صححه الحاكم ووافقه الذهبي).
حقا قد تبدو بعض مراحل التاريخ عصيبة، وبعض أدوار الزمان شديدة الوطأة على قلب المؤمن ونفسه {حتى إِذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذِبوا...} (يوسف: 110)، إلا أن معادلة الحياة والبقاء والفناء والموت لا تقع إلا في يد واحدة {وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا. وأنه خلق الزوجينِ الذكر والأنثى. مِن نّطْفةٍ إِذا تمنى. وأن عليهِ النشأة الأخرى. وأنه هو أغنى وأقنى. وأنه هو رب الشعرى. وأنّه أهلك عادًا الأولى. وثمود فما أبقى. وقوم نوحٍ من قبْل إِنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والؤتفة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى} (النجم: 43 - 55).
ولهذا لا يبدو القلق من الأقدار في وقت الخطوب طبيعيا بالنسبة للمؤمن؛ لأن الأحداث إن كانت تتحول أمام عينيه، فإن له مستمسكا يستمسك به، وإن له بابا يلجأ إليه؛ إذ ترِك المؤمن للكافر والكافر للمؤمن يبتلى بعضهم ببعض {ولوْ يشاء اللّه لانتصر مِنْهمْ ولكِن لِّيبْلو بعْضكم بِبعْضٍ} (محمد: 4)، فليس معنى ذلك أنه تعالى خرج من المعادلة، بل المعادلة وكل أطرافها في يده تعالى وتحت قهره وسلطانه الغالب، ولكنه الناموس الإلهي الذي أقام الحياة على الابتلاء بالخير والشر؛ كي يثبت المؤمن إيمانه، وينال الكافر والطاغي فرصته كاملة «إن الله - عز وجل - يمْلِي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ «وكذلِك أخْذ ربِّك إِذا أخذ الْقرى وهِي ظالِمةٌ إِنّ أخْذه ألِيمٌ شدِيدٌ». (رواه مسلم)
وزماننا الذي نحياه لا يخلو من صعوبات ضخمة، وعقبات كؤود، غير أنها- في مرحلتنا الراهنة على الأقل- ليست أصعب ما تعرض له المسلمون في تاريخهم على الإطلاق، فمنذ قليل زمان كانت المصائب تنزل تترى على الأمة دون أن يرى المسلمون فجر أملٍ يقترب، أو دون أن يبدو في الأفق ما يبشر بانقشاع ظلام المصائب؛ كما هو الحال عندما أقبلت جحافل الاستعمار الأوروبي منذ حوالي قرنين تقضم أطراف العالم الإسلامي، ثم تتسلل إلى قلبه لتتعشى عليه عشاءها المخمور!
الفرصة السانحة
على أي حال، فإن الظرف التاريخي الذي يمر به العالم الإسلامي في مرحلته الحالية ظرف دقيق وصعب جدًا، وإذا كان بعض الناس قد ينظر إلى هذا بنقمة، فإن المؤمن بنظره الدقيق قد يرى ذلك فرصته لترتفع عند الله أسهمه؛ فالأزمنة الصعبة تحتاج إلى نفوس إيمانها أعمق، وهمتها أرفع، وعزيمتها أرسخ؛ لأن مسرح العمل أوسع، ومجالات النقص التي تحتاج إلى استكمال أكثر.
وهذا أمر يدركه الداعية المسلم بحسه السليم وشعوره المرهف، وهو ما سجله أحد دعاة الإسلام المعاصرين حين قال «قد ينشأ الشاب في أمة وادعة هادئة، قوِي سلطانها، واستبحر عمرانها، فينصرف إلى نفسه أكثر مما ينصرف إلى أمته، ويلهو ويعبث وهو هادئ النفس مرتاح الضمير، وقد ينشأ في أمة جاهدة عاملة قد استولى عليها غيرها، واستبد بشؤونها خصمها، فهي تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحق المسلوب، والتراث المغصوب، والحرية الضائعة، والأمجاد الرفيعة، والمثل العالية. وحينئذ يكون من أوجب الواجبات على هذا الشباب أن ينصرف إلى أمته أكثر مما ينصرف إلى نفسه. وهو إذ يفعل ذلك يفوز بالخير العاجل في ميدان النصر، والخير الآجل من مثوبة الله» .


بقلم الكاتب: د.نبيل فولي


الساعة الآن 08:32 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32