عرض مشاركة واحدة
قديم 16-11-2013, 05:44 PM
  #3
مدير عام
 الصورة الرمزية نور الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 4,536
افتراضي

فمن أين له أن النفس عندما تموت تتصل بالمبادئ الأخرى التي لا تستحيل و تبطل- أزلية- ؟! ، و ماذا يقصد بالمبادئ الأخرى الخالدة ؟، و ما هو دليله على وجودها ؟ ، و لماذا لم يُفصل في ذلك ؟؟!! . إن هذا الرجل خطير جدا ، فهو فيلسوف أرسطي مشائي يُؤمن بخرافات أرسطو و أصحابه المتعلقة بالنفس الكلية و علاقتها بالعقول الإلهية الموجودة في الأجرام السماوية حسب زعمهم [1] . لكنه لم يُفصح عن ذلك صراحة ، و إنما استخدم ألفاظا مُجملة قد تحتمل أكثر من معنى ، كما أنها لا تُثير السامع الذي لا علم له بفلسفة أرسطو و المشائين من بعده . فعل ذلك لغاية في نفسه لا تخفى عن الناقد العارف بفلسفة أرسطو و أصحابه .

و ثانيا إن هذا الرجل طرح هنا إلهياته الأرسطية المتعلقة بالنفس بطريقة فيها تدليس و تمويه ،و نص من خلالها على أمر باطل مُخالف للشرع من جهة . و أهمل ما يُخالفه من دون أي ذكر له من جهة أخرى . فلو عاد إلى ما قرره الشرع و أخذ به لَما أخطأ فيما قال به ،و لََما خالف ما قرره القرآن الكريم حول النفس و علاقتها بالبدن: نشأة ، و موتا ، و قيامة . فمن المعروف أن القرآن الكريم أكد في عدة آيات على أن الإنسان روح و جسد ، و أن نفسه مُتعلقة ببدنه ،و أنه عندما يموت في الدنيا فإن الله تعالى يُمسك نفسه ، ثم تعود إلى بدنها يوم القيامة . ثم يكون المعاد الأخروي ، فإذا دخل الإنسان الجنة فإنه يتمتع فيها بنفسه و بدنه ،و إذا دخل جهنم فإنه يتعذب فيها بنفسه و بدنه ، و هناك يكون الخلود الأبدي نفسا و بدنا. و كلامنا هذا هو من بديهيات دين الإسلام و أركانه ، أكدته نصوص شرعية كثيرة جدا ، كقوله تعالى : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42- ،و {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة25- ، و {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء56- ،و {فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ }غافر72- .

فواضح من ذلك أن القرآن الكريم أكد على أن العلاقة بين النفس و البدن هي علاقة أبدية ،و إنما تفارقه عند الموت مؤقتا فقط ، ثم تعود إليه يوم القيامة و المعاد الأخروي ، ثم لا تفارقه أبدا . لكن ابن سينا أغفل ما قرره القرآن الكريم و قرر خلافه ، و أخذ بأوهام و خرافات الفلاسفة المشائين المتعلقة بعلاقة النفس بالبدن و مصيرها بعد موتها . فعندهم أنه لا علاقة خلود بين النفس و البدن ،و لا معاد أخروي ،و لا حساب و لا عقاب ،و لا رجوع إلى الله تعالى !! . فعجبا منه كيف رضي لنفسه و عقله بهذا الموقف المخالف لكتاب الله تعالى ؟؟!!.

و أما احتقاره للذات المادية و تفضيله للذات الروحية ، فهو موقف لا يصح ، لأن الإنسان – بما أنه روح و مادة- فلا بد له من اللذتين المادية و الروحية من جهة ؛ و ليس من الحق و لا من العدل ،و لا من العقل إبعاد و احتقار أحدهما من جهة أخرى . و هما نوعان متكاملان في إسعاد الإنسان ، و هما غير متساويين ، و لا متناقضين حتى نعمل على إبعاد أحدهما . و الصحيح هو أنه على الإنسان أن يطلب اللذات المادية و النفسية الحلال ،و يتجنب الحرام . كما أنه ليس من العدل أن يعيش الإنسان في هذه الدنيا بنفسه و جسده ، و يقوم بالأعمال المادية و الروحية معا ؛ ثم عندما يموت لا تخلد إلا نفسه ،و لا يُعاقب و لا يُجازى إلا من الناحية الروحية !!! . فهذا ظلم ، و مرفوض عقلا و شرعا .

و من غرائبه أيضا أنه بعدما قرر كلامه السابق ،و ذكر أمورا أخرى تندرج فيه قال : ((فقد بَانَ إذن أن النفس الإنسانية لا تفسد البتة، وإلى هذا سقنا كلامنا والله الموفق ))[2] . و قال في كتابه النجاة : إن النفس ((لا تموت بموت البدن ولا تقبل الفساد أصلاً ))[3] . فليس صحيحا أن النفس لا تفسد ، فهذا زعم باطل و كلام بلا علم ، لأن كل مخلوق قابل للفساد ،و بما أن النفس مخلوقة دون شك فهي قابلة للفساد بالضرورة . و إنما الله تعالى هو الذي أخلدها بإرادته و قدرته ،و ليست هي خالدة من ذاتها ، و هو سبحانه قد أخلدها و لم يجعلها أزلية مثله ،و إلا أصبحت إلهَاً ، فلا أزلي و لا أبدي إلا الله تعالى . كما أن ابن سينا أغفل ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم و قرر خلافه ، ثم عندما أنهى كتابه ختمه بدعاء (( و الله الموفق )) !! . فكيف يُوفقه الله و هو مُغفل لكلامه و مُخالف له ؟؟!! ، ألم يستحي من نفسه و من الله تعالى ؟؟!!. ، ألم ينتبه إلى التناقض الذي هو فيه ؟؟!! .

و ثالثا أُشير هنا إلى إن ابن سينا أهمل ما ذكره القرآن الكريم حول علاقة النفس بالبدن بعد الموت و إعادته إليها يوم القيامة من جهة ، و لم يذكر اعتراضات الكفار حول إعادة الجسم للنفس و رد القرآن الحاسم عليهم من جهة أخرى . فكان من الواجب عليه أن لا يُهمل ذلك و لا يُغفله . فالقرآن الكريم ذكر بعض اعتراضات الكفار و رد عليها ، كقوله تعالى :( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ{78} قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ{79} - يس: ٧٨ – ٧٩- ، و ا{ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } لقيامة: ٣ – ٤ . فواضح من ذلك أن الله تعالى سيُحيي الناس بنفوسهم و أجسادهم كما كانوا قبل موتهم . و عليه فلا يحق لابن سينا أن يغفل ذلك من جهة ،و يُثير الشبهات و ينتصر لها بالباطل من جهة أخرى . فلماذا فعل هذا ؟! .

و رابعا إن اعتراضات ابن سينا هي شبهات و مغالطات و ليست أدلة و لا براهين مقنعة و لا صحيحة ، و لا هي من العقل الصريح في شيء . لأن أجساد البشر هي في الأصل مادة واحدة مخلوقة من التراب ، كما في قوله سبحانه : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ }الروم20- . فعندما يموت الناس تتحلل أجسادهم و تصبح ترابا ،و التراب أسبق في الوجود من خلق الإنسان ، و هو كثير جدا و لا ينتهي بخلق كل أجساد البشر و إن بلغ عددهم أرقاما خيالية، و حتى و إن انتهت جدلا ، فالله تعالى سيخلق مثلها لتكفي كل النفوس . فَتَحلل الأبدان لا يمنع من إعادة إحيائها و عودتها إلى أجساد البشر ، فهي بما أنها ذات أصل واحد فما إن تعود النفس إلى الجسد فيصبح التراب هو جسدها الذي كانت عليه . و لهذا نجحت في زماننا هذا عمليات نقل أعضاء من إنسان إلى آخر، لأن مادتها واحدة ،و تمت بين إنسان و إنسان . و لهذا قال سبحانه و تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء56- .
و الرابع هو أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة ، اتبع طريقة إخوانه الفلاسفة المشائين ، فنصّ على أن عقل الإنسان له البقاء الدائم[4].
و أقول: كلامه هذا فيه مخالفة صريحة لما نص عليه الشرع حول خلود الإنسان . لأنه من المعروف من دين الإسلام بالضرورة أن الإنسان عندما يموت يُبعث يوم القيامة من جديد بنفسه و جسده ،و روحه و عقله. و بهذه المكونات كلها يخلد الإنسان إما في الجنة ، و إما في النار بعد الانتهاء من الحساب . لكن هذا الرجل يفترى على نفسه و على الناس ، فقرر –و كأنه إله ، أو نبي- بأن العقل وحده هو الباقي الدائم ، فمن أين له أنه لا بقاء إلا للعقل ؟! ، و أين البعث الجسدي و المعاد الأخروي ؟؟!! ،و لماذا أغفل عشرات النصوص الشرعية التي تُقرر خلاف زعمه ؟؟!! . و لماذا ترك تلك النصوص وراء ظهره و قرر خلافها ،و أخذ برأي إخوانه المشائين ؟! .
و آخرهم – الخامس - أبو الوليد بن رشد ، عبر عن خلود النفس بخلود العقل كما فعل ابن باجة في قوله السابق . فالعقل عنده هو الخالد في الإنسان ،و هو (( واحد و غير مُتكثر بتكثر الناس ))[5] . و قال : (( أما زيد فهو غير عمرو بالعدد ، و هو و عمرو واحد بالصورة و هي النفس ... فإذا كانت النفس ليس تهلك إذا هلك البدن ، و كان فيها شيء بهذه الصفة ، فواجب إذا فارقت الأبدان أن تكون واحدة بالعدد ،و هذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضوع ))[6] .

و أقول : أولا إن كلامه هذا مخالف للشرع في معظمه، و فيه كلام بلا علم، و رجم بالغيب ،و فيه تغليط و تدليس . فمن مخالفاته للشرع أنه نص على أن الخلود لا يكون إلا للعقل ، و هذا باطل شرعا ، لأنه من المعروف من دين الإسلام بالضرورة أن الخلود النهائي يكون للإنسان ككل ، بروحه و بدنه ،و عقله و نفسه .

و منها أنه زعم أن العقل الخالد- النفس أو الروح- واحد غير مُتكثر بتكثر الناس . و هذا مخالف للشرع صراحة ، لأن من الثابت شرعا أن الله تعالى خلق نفوس البشر من نفس واحدة ، ثم خلقها خلق تعدد و تفرّد ، فكل نفس لها ذاتيتها . فهو سبحانه لم ينسخ نفوس البشر نسخا عن نفس آدم - عليه السلام - ، و إنما خلقها خلقا مستقلا ، و جعل كل نفس مسؤولة عن أعمالها و مصيرها ،و ستقف كل نفس أمام ربها في المعاد الأخروي تجادل عن نفسها و تدافع عنها . قال سبحانه : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1- ، و{وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }البقرة281- ، و{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }آل عمران25- ، و {لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }إبراهيم51- ،و {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38- .

علما بأن قوله بالعقل الواحد الكلي تعود أصوله إلى كليات أفلاطون الخرافية المعروفة بعالم المُثل من جهة . و قوله بهذه الخرافة يستلزم إنكار البعث و الحشر ، و المعاد و الحساب ، و الجنة و النار من جهة أخرى .

و الغريب من أمر هذا الرجل أنه قال: فإذا كانت النفس ليس تهلك إذا هلك البدن ، و كان فيها شيء بهذه الصفة ، فواجب إذا فارقت الأبدان أن تكون واحدة بالعدد ،و هذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضوع ))[7] . فجعل كون النفس واحدة بعد الموت هو أمر واجب ، و هذا كلام باطل ، و لا يُوجد أي وجوب شرعاً و لا عقلا . فمن أين له هذا الوجوب المزعوم ؟؟!!، و نحن نطالبه بالدليل الصحيح من العقل ، أو من الشرع ، أو من العلم ، أو من كلها . إنه لن يحصل عليه أبدا ، و إنما هو أوجب ذلك بناء على أوهام و خرافات الفلسفة المشائية التي يُؤمن بها . و هذه الفلسفة ليست حجة بذاتها ، و ليس لديها دليل صحيح يُثبت زعمها ،و إنما قالت ذلك معتمدة على الظنون و الأوهام ، و الأهواء و الخرافات التي قال بها أرسطو و أصحابه المتعلقة بإلهياتهم . و نحن نرفضها بالدليل الشرعي و العقلي معا .

فأما شرعا فالأمر واضح سبق أن ذكّرنا بموقف دين الإسلام فيما يتعلق بخلود النفس ،و المعاد الأخروي و ما يترتب عنه . و أما عقلا ، فيكفي أن نقول: هؤلاء تكلموا في أمر غيبي لا يُمكنهم إدراكه بذاته و لا بآثاره ،و لا التأكد منه نفيا و لا إثباتا . و في هذه الحالة يجب التوقف نهائيا عن الخوض في هذا الموضوع نفيا و إثباتا . و إما الخوض فيه من باب الظن و الاحتمال ،و الاجتهاد ، ففي هذه الحالة لا يصح الخروج بموقف قطعي ،و لا يقيني يُعتمد عليه ،و يُحتكم إليه من جهة ،و يجب الخوض فيه بالعقل الصريح لا بالأهواء و الظنون من جهة أخرى . لكن ابن رشد و أصحابه خالفوا ما يقوله العقل الصريح ، و حوّلوا الظن إلى يقين من دون دليل صحيح ، و بنوا عليه أفكارهم حتى وجدنا ابن رشد يقول : ((فواجب إذا فارقت الأبدان أن تكون واحدة بالعدد )) !!!! . فكيف سمح لنفسه بهذا الاستنتاج اليقيني المبني على الظن و الاحتمال ، و المخالف للشرع أيضا ؟؟!! .

و الغريب من أمر هذا الرجل أيضا أنه كشف ما في نفسه عندما قال : ((و هذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضوع ))[8] . فلماذا لا يُفشى ؟! ، فإذا كان صحيحا فهو بالضرورة أنه يتفق مع الوحي الصحيح ، العقل الصريح ، و العلم الصحيح ، و في هذه الحالة يجب إظهاره ، و لا خوف من إفشائه ،و لا يصح كتمانه . و إذا كان باطلا فهو بالضرورة أنه يُخالف الوحي الصحيح ، العقل الصريح ، و العلم الصحيح ، و في هذه الحالة يجب رفضه ،و إظهار بطلانه للناس ،و لا يصح كتمانه ،و لا الدفاع عنه . لكن بما أن ابن رشد لم يفعل ذلك ، فهذا يعني أنه كان يتبنى موقفا غير صحيح ، و مُخالف للشرع ، لهذا تحاشى التفصيل في موقفه ،و قال : ((و هذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضوع )) . فعل ذلك لكي لا ينكشف الأمر انكشافا واضحا لا لُبس فيه ،و يتبين للناس حقيقة ما كان يعتقده هذا الرجل من عقائد تخالف دين الإسلام مخالفة صريحة نو تنقضه نقضا .

و من مغالطاته أيضا أنه قال : (( أما زيد فهو غير عمرو بالعدد ، و هو و عمرو واحد بالصورة و هي النفس )) . فهذا الرجل الذي يدعي المنطق – كأصحابه المشائين- يُمارس التغليط و السفسطة ، و يتعلق بالظن و يترك اليقين . و تفصيل ذلك هو أن الحقيقة هي أن زيد غير عمرو ليس بالعدد ،و إنما ليس هو أولا بالنفس ، ثم ليس هو بالعدد ثانيا. لأن تباينهما سببه التباين في النفس ، بمعنى أن لكل منهما نفسه التي يتميز بها ،و هذا ثابت و معروف لدى كل الناس . و كل إنسان منا يحس من داخله ، بأنه يختلف عن غيره من البشر بذاتيته .

و بناء على ذلك لا يصح قوله : (( و هو و عمرو واحد بالصورة و هي النفس )) . فهذه نتيجة لا تتفق مع المقدمة أبدا ،و لا يصح استنتاجها منها بأي حال من الأحوال . فبما أننا أمام إنسانيين : زيد ،و عمرو ، فنحن أمام نفسين بشريتين مُتباينتين ، و من ثم لا يُمكن أن يكون 1+1 = 1 . نعم نحن أمام بشر ، لكن لسنا أمام نفس واحدة أبدا . و أما حكاية الصورة التي ذكرها ابن رشد فلا تصح هنا ، فنحن أمام صورتين لبشرين ، و لسنا أما صورة لبشرين ، و أما الصورة الخيالية الكلية التي قال بها أفلاطون ، أو الصورة التي قال بها أرسطو فهي من خرافات هؤلاء و أصحابهما .

و بما أنه من الثابت عقلا و شرعا ، و واقعا و علما أن البشر الذين نراهم كل واحد منهم يمثل نفسه بذاته و صفاته ،و لا يُمكن أن يُمثل نفوس الآخرين من بني آدم . فإنه لا يصح القول بأن هذه النفوس المتباينة تمثل نفسا واحدة . و القول به يُمثل تناقضا صارحا ، و لا يصح القول : إن 20 نفسا متباينة تساوي نفسا واحدة !! . فهذا هو الذي يقوله الشرع و العقل و العلم ، و أما قول ابن رشد ، بأن النفوس تصبح نفسا واحدة بعد الموت ، فهو لا يصح بما قلناه ،و هو تعلّق بالأوهام و الظنون ، و قول بلا علم ، و لا يُوجد أي دليل يثبت ذلك أبدا ،و لا يصح شرعا ،و لا عقلا ، و لا علما ترك الشواهد المادية الملموسة و التمسك بالظنون و الأهواء .

و إنهاءً لهذا المبحث يتبين منه أن قول هؤلاء الفلاسفة بخلود النفس ، هو قول مخالف للخلود الشرعي مخالفة صريحة . فخلودهم هو خلود أقاموه على فلسفة أرسطو الدهرية الشركية ،و لم يُقيموه على القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة . و خلودهم المزعوم لا قيامة فيه و لا حشر ،و لا معاد فيه و لا حساب ،و لا جنة فيه و لا نار كما ذُكرتا في دين الإسلام . و خلودهم المزعوم لا يقوم على أساس الإيمان بدين الإسلام و العمل به، و إنما يقوم على أساس معرفة فلسفتهم و معقولاتها السماوية و عمل الفضيلة .

و ختاما لهذا الفصل- الأول- يُستنتج منه أن الفلاسفة المسلمين- الذي ذكرناهم- قد خالفوا طبيعيات القرآن الكريم مخالفة صريحة في أصولها و فروعها من جهة . و حرموا أنفسهم من الاهتداء و الانتفاع بها في مختلف مواضيع الطبيعيات من جهة أخرى . و قد ذكرنا على ذلك نماذج كثيرة جدا ، منها ما تعلق بموضوع خلق الكون و أزليته ، و منها ما تعلق بالعناصر المكونة للعالم ،و العقول المفارقة المزعومة ،و منها ما تعلق بالشمس و الكواكب ،و مواضيع أخرى . فتبين منها – بما لا يدع مجالا للشك – أنه هؤلاء تعمدوا مخالفة طبيعيات القرآن الكريم.

و اتضح منه أيضا أن هؤلاء الفلاسفة قالوا بمعادٍ غير شرعي، أقاموه على أهوائهم و ظنونهم ،و اتخذوه بديلا عن المعاد الأخروي الشرعي . فلم يقولوا بالخلود القرآني ، و إنما قالوا بخلود خرافي لا قيامة فيه و لا معاد . فماذا بقي لهؤلاء من الإسلام بعدما خالفوا القرآن في طبيعياته و إلهياته ؟؟!! . و ما هي الأسباب التي أوصلتهم إلى مخالفته ؟! ،و ما هي الآثار التي نتجت عن مخالفتهم لطبيعيات القرآن الكريم ؟! .






















الفصل الثاني
آثار و أسباب مخالفة الفلاسفة المسلمين
لطبيعيات القرآن الكريم

أولا: آثار واستنتاجات من مخالفات هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن:
ثانيا : أسباب مخالفة هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن
ثالثا : اعتراضات و ردود



آثار و أسباب مخالفة الفلاسفة المسلمين
لطبيعيات القرآن الكريم

نُخصص هذا الفصل- الثاني و الأخير- للبحث عن الآثار التي نتجت عن مخالفات الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم ، و عن الأسباب الخفية و الظاهرة ،و الأساسية و الثانوية التي جعلتهم يقعون في تلك المخالفات . و سنركز أيضا على استخراج و إبراز أهم الاستنتاجات التي يُمكن استنتاجها من بحثنا هذا ، و بالله التوفيق .

أولا: آثار واستنتاجات من مخالفات هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن:
نُجمل الآثار و الاستنتاجات المُستخرجة من مخالفات الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم في النقاط المركزة الآتية[9] :

أولا إنهم خالفوا طبيعيات القرآن الكريم مخالفات صريحة لا لُبس فيها ، شملت أصولها و فروعها . و بمخالفتهم لها فهم قد أخطئوا و خالفوا الوحي الصحيح ، و العقل الصريح ، و العلم الصحيح . فلا للشرع التزموا ، و لا للعقل اتبعوا ، و لا العلم وافقوا ،و لا للحقيقة أصابوا . فساهموا بذلك في نشر طبيعيات اليونان ،و استمرار هيمنتها من جهة ؛ و إبعاد طبيعيات القرآن الكريم من علوم الطبيعة من جهة ثانية ؛ و تأخير ظهور الطبيعيات الصحيحة الحديثة التي ستقوض معظم طبيعيات اليونان من جهة ثالثة .

و ثانيا إنهم خالفوا دينهم مخالفات صراحة في أصوله و فروعه ،و أدخلوا أنفسهم في صراعات داخلية ،و أوقعوها في تناقضات مع ذواتها و عقولها . فكانوا في تناقض رهيب لا يقبله العالم النزيه و الصريح مع نفسه و الناس . لكن الظاهر من حالهم أنهم لم يُبالوا مما كانوا فيه من تناقضات و تخبطات ، فكانوا راضين على أنفسهم و مواقفهم التي اتخذوها من طبيعيات القرآن الكريم . و زيادة على ما ذكرناه من تناقضاتهم اذكر هنا مثالا آخر يتعلق بابن رشد الحفيد ، و مفاده أن هذا الرجل – في كتابه ما بعد الطبيعة- ذكر صراحة أن الأجرام السماوية أزلية ، و وصفها بأنها إلهية ، و أن بداخلها عقولا مفارقة شريفة أزلية هي التي تُحركها و تعطيها صورها . ثم في موضع آخر وجدناه يستشهد بآية قرآنية تأييدا لما قاله ، فقال : (( و إلى هذه الإشارة بقوله عز وجل : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }الأنبياء22- .

و أقول : فيا للعجب من هذا الرجل- و أمثاله- إنه متناقض مع نفسه ، و أمره غريب جدا ، فهو إما أنه لا يعي ما يقول، أو أنه يتعمد قول ذلك لغاية في نفسه . إنه خالف الشرع مرارا في أصول الدين و أركانه ،و أنكر ما هو معروف منه بالضرورة كقوله بأزلية العالم و عدم نهايته ، و إنكاره للمعاد الشرعي ، ثم هو هنا يأتي و يقول : ((و إلى هذه الإشارة بقوله عز وجل )) . فلماذا لم يعد إليه و يأخذ به عندما خالفه صراحة و أنكر بعض أركانه ؟؟!! . و هل يصح في العقل و الشرع أن إنسان يُؤمن بأن القرآن كتاب الله ثم يهمله و يُخالفه في أركان الدين مخالفة صريحة مُتعمدة ؟؟!! .

و من تناقضاته أيضا أنه قال بتعدد الآلهة بطريقته الأرسطية الدهرية الشركية ، ثم ذكر تلك الآية التي تنفي عن الله وجود آلهة أخرى معه !!!!!!! . أليس القول بأزلية الكون هو وصف لهذا الكون بأهم صفات الله تعالى ؟؟!! ، و أليس القول بأزلية الكون ينفي عن الله تعالى التوحيد و التفرد بالأزلية و القيومية ؟؟!! . و أليس القول بأزلية الكون ينفي عن الوجود الإلهي الضرورة و اللزوم ليحل محله الكون الأزلي الذي لا يحتاج إلى غيره ؟؟!! . و أليس كلامه هذا هو الذي قاله الملاحدة عندما قالوا :إن القول بأزلية الكون تكفي لتعليل العالم و لا يحتاج إلى إله آخر ، فالكون هو الإله ،و لهذا نسمعهم يقولون : الطبيعة خلقت و غضبت و أرادت ؟؟!! . و أليس القول بوجود عقول أزلية شريفة تتولى تحريك الأجرام السماوية و تعطيها صورها ، هو نقض للآية السابقة من جهة ، و قول بتعدد الآلهة من جهة أخرى ؟؟!! . و لماذا هذه التناقضات مع الشرع و التلاعب به ،و التظاهر بالرجوع إليه و الأخذ به ؟؟!! .

و من تناقضاتهم أيضا أن كثيرا منهم لم يكن يجد حرجا من حالة التناقض المُتلبس بها و التي يعيشها فكرا و سلوكا و شعورا . فكان أحدهم يبدأ كتابه بالبسملة و الحمدلة ،و يختمه بالحمدلة و الشكر لله و الصلاة على رسوله و آله و صحبه[10] . مع أنه كان قد أهمل طبيعيات القرآن الكريم ،و قرر خلافها ، و اعتقد أفكارا تُخرجه عن دين الإسلام و تُلحقه بالكفار . و هذا موقف غريب جدا ،و غير مقبول شرعا و لا عقلا !! .
فواضح من ذلك أن أمر هؤلاء غريب جدا ، و يُثير التعجب و الدهشة من تصرفاتهم من جهة ، كما أنه يُثير في القلوب الشقفة عليهم مما هم فيه من جهة أخرى !!. إنهم خالفوا دينهم صراحة ،و تحدوا مجتمعاتهم بانحرافاتهم و تناقضاتهم . و كانوا خدما و عبيدا بالباطل لفلسفة اليونان عامة ،و فلسفة أرسطو خاصة . فأقاموا بذلك الأدلة الدامغة على أن طبيعيات القرآن الكريم ، لم تكن عندهم أساسا للعلم و لا مرجعا له .

و ثالثا فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة حرموا أنفسهم و علوم الطبيعة من أنوار طبيعيات القرآن الكريم : منهجا ، و تطبيقا ، و نتيجة . و حرموا أنفسهم من أن يكون لهم الشرف في نقض أساسيات طبيعيات اليونان عامة و أرسطو خاصة . فلو أخذوا بطبيعيات القرآن الكريم لتمكنوا من إبطالها و نقضها بالوحي الصحيح و العقل الصريح و العلم الصحيح من جهة ، و طرح البديل الشرعي مكانها من جهة أخرى ، قبل أن ينقضها الغربيون في العصرين الحديث و المعاصر . فلو أخذوا بها- أي طبيعيات القرآن- لأظهروا لأنفسهم ، و أتباعهم ، و للناس جميعا أن الوحي الصحيح كما هو أساس الإلهيات و الإنسانيات فهو أيضا أساس الطبيعيات و قاعدتها العريضة التي تقوم عليها كل العلوم الطبيعية من جهة . و لبينوا لهم أيضا أنه لا تناقض بين الوحي الصحيح ، و العقل الصريح ، و العلم الصحيح من جهة أخرى .

لكن انحرافهم حرمهم من ذلك ،و أوقعهم في أخطاء علمية كثيرة و فادحة ، و بعضها أساسي قامت عليه علوم أخرى و تأثرت بها تأثرا سلبيا . و قد جاء العلم الحديث و أكد خطأ هؤلاء و صحة ما ذكره القرآن من طبيعيات لها علاقة بطبيعيات هؤلاء الفلاسفة . فهي أخطاء حالت دونهم من تحقيق انتصارات و ثورات علمية لو تجنبوها و أخذوا بطبيعيات القرآن الكريم ، و واصلوا البحث فيها ، كانوا سيسبقون بها علماء الغرب في العصر الحديث .

لكن المؤسف أن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا كذلك ، و إنما كانوا مثالا سيئا لغيرهم من أهل العلم و عامة الناس . فلم يكونوا النموذج المثالي القدوة لما يجب أن يكون عليه الفيلسوف المسلم ، فلا هم التزموا بدينهم .و لا هم كانوا في مستوى منطق البحث و الاستدلال . و لا هم كانوا في مستوى العلماء الأحرار الذين يُقدمون البراهين على أقوال الرجال .

و رابعا إن من آثار مخالفتهم لطبيعيات القرآن الكريم المتعلقة بخلق العالم و نهايته ، أنها لا تقتصر على أنها مخالفة محدودة في ذلك فقط ،و إنما توصل إلى نفي وجود الله ،و هدم الدين ، و إنكاره كلية . لأن القول بأزلية العالم و أبديته يعني أن الكون أزلي مُكتفٍ بنفسه و لا يحتاج إلى خالق يخلقه ، فبما أنه أزلي في وجوده ، فليكن أزلياً في كل صفاته . فما المانع في ذلك ؟؟ .

كما أن قولهم بأزلية العالم و أبديته ، و أزلية المخلوقات الأرضية بأنواعها و حدوثها بأفرادها ، يستلزم بالضرورة نفي وجود أبينا آدم- عليه السلام- و ما ترتب عن وجوده من خلق أمنا حواء و دخولهما الجنة ، و ما حدث لهما مع إبليس و نزولهما إلى الأرض ، و عمارة بني آدم لها ،و إرسال الرسل . و يُؤدي أيضا إلى إنكار نهاية العالم و المعاد الأخروي و ما يترتب عنه !!! . كل هذا ينتج عن مخالفة هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن الكريم المتعلقة بخلق الكون و نهايته !!! . فماذا يبقى لهؤلاء من دين الإسلام ؟؟!! . ،و ماذا بقي من الإسلام في قولهم بأزلية الكون و أبديته ؟؟!! .

و خامسا فقد اتضح أن مخالفة هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن : منهجا و مضمونا ، و سلبيتهم تجاه طبيعيات اليونان منعاهم من إحداث ثورات علمية حقيقية في الطبيعيات . كالثورات العلمية التي حدثت في العصر الحديث على يد الغرب ، فأسقطت نظام بطليموس، و أبطلت نظرية سقوط الأجسام ، و اُكتشفت الجاذبية ،و غيرها . و قد تمكن العلم الحديث من تحقيق ذلك عندما أبعد المنطق الصوري جانبا ، و أقبل على المنهج التجريبي تنظيرا و ممارسة . و هذا نفسه الذي أمر به القرآن الكريم في طبيعياته عندما حدد منهجها التجريبي من جهة ،و معطياتها الأساسية و أمر بمواصلة البحث و الاستكشاف من جهة أخرى[11] . لكن هؤلاء الفلاسفة خالفوا طبيعيات القرآن و لم يلتزموا بها منهجا ،و لا مضمونا .

و سادسا فقد تبين أنه كانت لهؤلاء الفلاسفة جرأة كبيرة على مخالفة طبيعيات القرآن و الشرع عامة ، لكن لم تكن لهم نفس الجرأة و لا قريبا منها على مخالفة أرسطو و انتقاده في الحق !! . و في مقابل هذا كانت لهم جرأة كبيرة على التعصب لفلاسفة اليونان كأفلاطون و أرسطو ، حتى أنهم كثيرا ما قدموا أفكارهم الظنية و الزائفة على حقائق الشرع !!! . و كانت لهم همة و إقبال على تلخيص و شرح كتب فلاسفة اليونان ،و لم تكن لهم همة على انتقادها ، و لا على الأخذ بطبيعيات القرآن للرد بها على طبيعيات اليونان . و هذه مأساة من أكبر المآسي التي حدثت في تاريخنا العلمي !! . إنهم ضيعوا أوقاتهم و جهودهم في السلبية و الانهزامية ،و التقليد و التعصب للباطل ، بدلا من أن يبذلوها في فهم طبيعيات القرآن و تفجير أسرارها للأخذ بها و تطبيقها في بحوثهم العلمية .
و سابعا فقد أظهر بحثنا هذا أن مواقف هؤلاء الفلاسفة مع طبيعيات القرآن كانت وفق الحالات الآتية : أولها مخالفته مع عدم الإشارة إليه و هذه الحالة هي الغالبة و الأصل في التعامل مع طبيعيات القرآن .و الثانية مخالفتة مع الإشارة إليه و هذا التصرف نادر ، ولا نكاد نعثر عليه إلا قليلا كما فعل ابن سينا عندما أشار إلى تكلم الشرع عن حشر الأبدان ثم خالفه ،و إن كان هذا يتعلق بالإلهيات و ليس بالطبيعيات .
و الحالة الثالثة عدم الإشارة إلى طبيعيات القرآن مع الموافقة ،و هذه النماذج قليلة . منها ما حدث للبيروني عندما ذكر أن نور القمر ليس ذاتيا و إنما هو مُستفاد من الشمس اكتفى بذلك و لم يُشر من بعيد و لا من قريب إلى ما نص عليه القرآن الكريم[12]. و عندما تطرق إلى كروية الأرض و قال بها و أثبتها بعدة شواهد مستعينا بما ذكره بطليموس ،و لم يستشهد بالقرآن ، مع انه في صالحه[13] .
و الحالة الرابعة عدم الإشارة إلى طبيعيات القرآن مع وجودها فيه ، و عدم تعرضهم لها في كتبهم . و هذا النوع من الطبيعيات كثير في القرآن لكنهم أهملوه ، فحرموا أنفسهم من الانتفاع به، و الاعتماد عليه في بحوثهم العلمية .

و ثامنا يُستنتج مما ذكرناه -من مواقف هؤلاء الفلاسفة و أعمالهم- أن الطبيعيات في الحضارة الإسلامية قامت أساسا على طبيعيات اليونان و إلهياتها الدهرية و الشركية ،و لم تقم على طبيعيات دين الإسلام و إلهياتها التوحيدية . لأن هؤلاء أبعدوا طبيعيات القرآن و خالفوها ، و أخذوا طبيعيات اليونان بإلهياتها و تبنوها و انتصروا لها . فأدى هذا إلى نشأة غير طبيعية لعلوم الطبيعة في الحضارة الإسلامية . فهي لم تنبع من صميم ديننا و مجتمعنا ،و إنما أُدخلت إلينا –بكل مكوناتها- من غير إذن من ديننا ، و لا من أمتنا ، و لا من علمائنا الذين يُمثلون ديننا و أمتنا[14].

و لذلك شذّت الطبيعيات في حضارتنا من أن تكون من العلوم الشرعية التي قامت على التوحيد انطلاقا من القرآن الكريم و السنة النبوية ، فهي لم تقم عليهما ،و إنما كانت في أساسها علوما دهرية شركية . فمع أنها - أي الطبيعيات- من علوم القرآن إلا أنها لم تكن من العلوم الشرعية ،و لا قامت على دين الإسلام . و هذا بسب الأخطاء و الانحرافات التي حدثت في تاريخنا عندما نُقلت علوم الأوائل إلى اللغة العربية كالطبيعيات، و بسبب غياب البديل الشرعي الصحيح لعلوم الطبيعة[15] .
و لا شك أن هذا الذي توصلنا إليه من مخالفة هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن الكريم ، سيمثل صدمة كبيرة لكثير من أهل العلم ، أو لمعظمهم ، لأن المعروف عندهم عن هؤلاء الفلاسفة هو خلاف ما توصلنا إليه . و هنا أذكر مثالا على ذلك بلسان احد علماء المسلمين المعاصرين هو الباحث السوري محمود عكام ، مفاده انه عندما وضع تقديما لكتاب عنوانه : العلوم الفلكية في القرآن الكريم ، كان مما قاله فيه : (( وبالإضافة إلى هذا، فان سلفنا شق الطريق وبدأ العمل، وسجل سبقا طيبا في مجال العلوم التجريبية ، معتمدا في ذلك على القرآن الكريم، وما ابن سينا، ولا ابن رشد، ولا الرازي، ولا ابن حيان، ولا ابن النفيس، ولا ابن البيطار، ولا البيروني، عنا بغائبين، وأعتقد أن ما قاموا به يشكل جذرا متينا رصينا لشجرة معطاءة، وفقه كبير، في مجال العلوم البحتة، ولكننا لم نكمل الطريق ونتابع المسير، بل تركناهم رهائن تاريخ، وأوقفنا نمو إنتاجهم ، وسجلنا عليه تجافيا عن روح الشريعة الإسلامية ، وما جاءت لأجله... وإذ بالغرب يحل محلنا، فيمسك بالخيوط، ويتابع المشوار، ويسجل السبق الكبير علينا، في المستوى العلمي التجريبي ))[16].

واضح من ذلك أن كلامه لا يَصدق على كل هؤلاء ، فقد سبق أن بينا حال الفلاسفة المسلمين تجاه طبيعيات القرآن الكريم ، كان من بينهم بعض الذين ذكروا في النص ، و هم : ابن سينا ،و الرازي ، و ابن رشد ،و البيروني- هذا الأخير أقلهم انحرافا عن طبيعيات القرآن – ، و قد كان بعضهم قد شاع بين الناس كفره بدين الإسلام ، كحال الطبيب أبي بكر الرازي[17] .

و لا يصدق كلامه إلا جزئيا ، لأن معظم الذين ذكرناهم أقاموا علومهم الطبيعية أساسا على طبيعيات اليونان لا على طبيعيات دين الإسلام . فلا هم أقاموا طبيعياتهم على القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ،و لا هم حققوا انتصارات و ثورات علمية كبيرة في علوم الطبيعة مكنتهم من إبطال طبيعيات اليونان المخالفة للقرآن ،و التي كان من المطلوب هدمها لا البناء عليها . فهم لم يُقيموا جذرا متينا رصينا لشجرة معطاءة كما قال الرجل !!! .

علماً بأن ما فعلته أوروبا ليس هو مجرد أخذ ما كان عند المسلمين و الاستفادة منه و إنما قامت بعملية هدم و إعادة بناء للعلم الطبيعي . فهي و إن كانت استفادت من الصحيح القليل الذي كان في طبيعيات الفلاسفة المسلمين و علمائهم ، فإنها –في الحقيقة – قامت بعملية هدم كبيرة لأسس ما كان عند هؤلاء الذي هو في الحقيقة طبيعيات يونانية في أصولها و معظم أساسيات فروعها . فلا يصح أن نبالغ في تضخيم ما أخذته أوربا من حضارتنا –في علوم الطبيعة- و نسكت عن كثرة أخطاء و انحرافات فلاسفتنا و علمائنا الطبيعيين من جهة ، و نُهمل ما قام به علماء الغرب في هدمهم للطبيعيات التي كانت عند علماء حضارتنا من جهة أخرى !! . فلا يصح ممارسة الانتقاء و الإغفال و التضخيم ،و السكوت عن كثرة أخطاء و انحرافات علمائنا . فلا بد من الموضوعية في الطرح بشمولية و اتزان ، و الاهتمام بالسلبيات و الإيجابيات على حد سواء ،لأن الانتفاع و الاعتبار يتحقق بالنظر إلى كل ذلك . و قد تأتي ظروف يكون فيها الاعتبار و الاهتمام بالجوانب السلبية أولى من الايجابية ، و قد يحدث العكس . فكفانا تحريفا ، و خِداعا ، و غلوا في مدح و تبجيل و تضخيم ما قام به فلاسفة و علماء المسلمين في مجال الطبيعيات !! . ، إن ما قاموا به قليل و لا يستحق كل ذلك التهويل أبدا ، و الذي فاتهم من طبيعيات دين الإسلام ،و بدائه العقول كثير جدا !!.

و تاسعا فقد تبين بوضوح أن هؤلاء الفلاسفة كما أنهم أهملوا طبيعيات القرآن و أغفلوها فوقعوا في أخطاء علمية و منهجية كثيرة ؛ فإنهم من جهة أخرى كثيرا ما سايروا أرسطو في أخطائه المتعلقة بالطبيعيات التي كان في مقدورهم التأكد منها أو التشكيك فيها . و قد ذكرنا منها أمثلة كثيرة ، في الفصل الأول ، لأن معظم الأخطاء التي ذكرناه في مخالفتهم لطبيعيات القرآن و العلم هي أفكار قال بها أرسطو ، و هم تابعوه فيها ، كقولهم بأزلية العالم، و أن الشمس لا حارة و لا برادة ، و أن المرأة ليس لها دور أساسي في الإنجاب ،و غير ذلك كثير . و سنذكر هنا أيضا طائفة أخرى من أخطاء ابن سينا تابع فيها أرسطو . و هي شواهد تُعبر عن موقف سلبي انهزامي ،و عن مأساة و أزمة نفسية و فكرية كان يُعاني منها ابن سينا و أمثاله .
منها أن ابن سينا قال: ((عنق الأسد كعظم واحد لا يستبين فيه الخرز )) . و (( و كل حيوان ذى أذن فهو يحرك أذنه خلا الإنسان، إلا أفراد منهم ربما حركوها حركة ضعيفة )) ، (( و كما أن التمساح له خاصية حركة الفك الأعلى )) . و (( و كثرة السن وقوته تدل على طول العمر )) ، و (( و من السمك ماله في كل شق أذن واحدة، ومنه ماله آذان كثيرة مترا كبة في كل شق؛ وربما كانت في كل جانب أذن مفردة و معها آذان أخرى وربما كانت أربع مفردة غير مضاعفة بالتركيب.
وللسمكة المسماة أقسقياس ثمانى آذان مضاعفة )) ، و (( و قد يكون في قلب الجمل والبقر عظم)) ، و (( و ليس لسائر السمك فم معدة ، بل معدتها مربوطة بالرأس)) ،و (( وقد خلق جوهر الدماغ باردا ))[18] . هذه الأقوال كلها أخطاء ساير فيها ابن سينا شيخه أرسطو[19] ، و كان في مقدوره التثبت منها ، لكنه لم يكلف نفسه التحرك للتأكد منها بإجراء التجارب العلمية ، و لا بسؤال أهل الخبرة بتلك الأمور !! .

و كما أن هؤلاء الفلاسفة خالفوا طبيعيات القرآن الكريم في حقائقه و معطياته ، فإنهم قد خالفوه أيضا في منهجه العلمي المتعلق بالبحث و الاستدلال عامة ،و المنهج التجريبي خاصة . و تفصيل ذلك هو أن القرآن الكريم قد حدد خطوات البحث العلمي ،و وضع له شروطا ، منها طلب البرهان و عدم الكلام بلا علم ، لقوله سبحانه : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }النمل64- ،و {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }الإسراء36- .
و منها السعي للتثبت و التحقق ، لقوله سبحانه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6 - . و منها عدم إتباع الظنون و الأهواء ، لقوله سبحانه : {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً }النجم28- ،و{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }القصص50- ،و {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ }ص26-.
و منها الإخلاص للحقيقة و التجرد لها و عدم استخدام التلبيس و التغليط ، و ذم من يفعل ذلك ،و الإنكار عليه لقوله سبحانه : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }آل عمران71- ،و {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }النساء58- ،و {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ }الشعراء183- .
و منها الاحتكام إلى العقل الصريح و البعد عن الأهواء و الظنون ، لقوله سبحانه : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }آل عمران65- ،و {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الرعد3- .
و منها الأمر بالسير في الأرض و ممارسة المنهج التجريبي بطريقة صحيحة مقصودة هادفة في مجال علوم الإنسان و الطبيعة معا ، لقوله سبحانه : {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ }آل عمران137 - ،و {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 - .
و في مقابل هذا المنهج القرآني العظيم ، وجدنا هؤلاء الفلاسفة قد أغفلوه و أهملوه ، و خالفوه مرارا و تكرارا ،و لم يلتزموا بما أمرهم به و حذّرهم منه . فوجدناهم يتكلمون بلا علم ، و يستدلون بظنونهم و رغباتهم و أهوائهم ، و يتعلقون بالأوهام و الخرافات و يصدقونها ، ثم يبنون عليها أفكارهم و هذياناتهم و سخافاتهم ، في أكثر ما كتبوه في أصولهم المتعلقة بالإلهيات و الطبيعيات . و قد ذكرنا على ذلك نماذج كثيرة جدا أخطئوا فيها ، و خالفوا بها طبيعيات القرآن الكريم ،و تكلموا فيها بلا علم ،و لم يلتزموا فيها بالمنهج العلمي الصحيح . و قد سبق أن ذكرنا أعلاه الأخطاء الكثيرة التي أخطأ فيها ابن سينا مسايرة لأرسطو ،و لم يُكلف نفسه التثبت منها .
و هنا نذكر أيضا نموذجا آخر للهذيان و الكلام بلا علم ،و الرجم بالغيب ،و القول بما يُخالف الوحي الصحيح ،و العقل الصريح ، و العلم الصحيح . ننقله من كلام للفارابي عن فيض العقول و معقولاتها عن العقل الأول حسب زعمه ، فقال: (( يفيض من الأول وجود الثاني، فهذا الثاني هو أيضا جوهر غير متجسم أصلا، ولا هو في مادة. فهو يعقل ذاته و يعقل الأول، وليس ما يعقل من ذاته هو شيء غير ذاته. فيما يعقل من الأول يلزم عنه ثالث، و بما هو متجهور بذاته التي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأول ، و الثالث أيضا وجوده لا في مادة، و هو بجوهره عقل. وهو يعقل ذاته و يعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة زحل، و بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود خامس. و هذا الخامس أيضا وجوده لا في مادة، فهو يعقل ذاته و يعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المشتري، و بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سادس. وهذا أيضا وجوده لا في مادة، و هو يعقل ذاته و يعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المريخ، و بما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سابع . و هذا أيضا وجوده لا في مادة، و هو يعقل ذاته و يعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة الشمس، و بما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثامن . و هو أيضا وجوده لا في مادة، ويعقل ذاته و يعقل الأول . فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الزهرة، و بما يعقل من الأول يلزم عنه وجود تاسع . و هذا أيضا و جوده لا في مادة ، فهو يعقل ذاته و يعقل الأول. فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة عطارد، و بما يعقل من الأول يلزم عنه وجود عاشر. وهذا أيضا وجوده لا في مادة، و هو يعقل ذاته و يعقل الأول . فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة القمر، و بما يعقل من الأول يلزم عنه وجود الحادي عشر. وهذا الحادي عشر هو أيضا وجوده لا في مادة ؛ و هو يعقل ذاته و يعقل الأول. و لكن عنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود إلى مادة وموضوع أصلا. وهي الأشياء المفارقة التي هي في جوهرها عقول ومعقولات. وعند كرة القمر ينتهي وجود الأجسام السماوية، والتي بطبيعتها تتحرك دورا ))[20] .
هذا نموذج من الكلام بلا علم ،و الافتراء على العقل و العلم معا ،و الاعتماد على الأهواء و الظنون و الخرافات في مجال علم الفلك و نشأة الكون . و بهذه التُرهات و الخرافات ،و الأباطيل و الأهواء أفسد هؤلاء الفلاسفة- و أمثالهم- العقل و الشرع و العلم ، و أخروا العلوم أكثر مما قدموها ،و ضيعوا أوقاتهم و جهودهم فيما يضر و لا ينفع ن أو فيما ضرره أكثر من نفعه بفارق كبير. .
و لو اتبع هؤلاء منهج القرآن الكريم ما ضلوا و ما أضلوا ، و ما خالفوه و ما أخطئوا . إنهم كانوا خصوما للوحي الصحيح ،و العقل الصريح ،و العلم الصحيح في أكثر أصول فكرهم !! .
و ربما يقول بعض الناس: إن هؤلاء ربما كانوا مُضطرين إلى استخدام ذلك المنهج . و أقول: هذا تبرير لا يصح بدليل الشواهد الآتية : الأول إن المطلوب شرعا و عقلا و علما الالتزام بالمنهج العلمي في كل مجالات العلوم ، بل و في الحياة أيضا .
و الشاهد الثاني مفاده أن هؤلاء لم يكونوا مضطرين إلى القول بتلك الخرافات و السخافات ،و الأوهام و الظنون . فكانت تكفيهم المعرفة المحدودة التي يُقرها المنهج العلمي الصحيح ، ثم مواصلة البحث الصحيح لطلب المزيد تدريجيا . فَعِلمٌ قليل صحيح يُطوّر العلم خير من أوهام و خرافات و ظنون كثيرة تُفسد العقل و العلم و تُؤخرهما .
و الشاهد الثالث مفاده أن علوم الوحي المتعلقة بالطبيعيات كانت بين أيديهم ، فلماذا لم يأخذوا بها ، و يبنون عليها علومهم ، فينتفعون بها ، و يُجنّبون أنفسهم الأخطاء ،و مخالفة دينهم ؟؟!! .
و آخرها- الشاهد الرابع- هو أنه من الثابت تاريخيا أن تلك الانحرافات هي التي أنتجت انحرافات و أخطاء أخرى أخرت ظهور علوم الطبيعة بشكلها الصحيح ، قلم يتم ذلك بطريقة صحيحة و شاملة إلا في العصرين الحديث و المعاصر.
و عاشرا فمن الثابت أن هؤلاء الفلاسفة- و أمثالهم – أخذوا بنظام بطليموس في علم الفلك ،و اهتموا به اهتماما زائدا ، على حساب طبيعيات الفلك في القرآن الكريم ، التي أهملوها ، و قرروا ما يُخالفها كما سبق أن بيناه ،و هذا انحراف كبير و خطير وقع فيه هؤلاء . و قبل التطرق إلى الأسباب التي جعلتهم يفعلون ذلك أذكر هنا فوائد تتعلق بالنظام البطلمي :
إن ذلك النظام منسوب إلى الفلكي اليوناني بطليموس ،و قد سبقه إلى القول به ايدوكسوس و أرسطو و غيرهما . و قد قبله علماء الفلك في العصر الإسلامي ،و لم يقدروا على تجاوزه ،و لا استبعاده ، مع انتقاداتهم الجزئية له ، و الإصلاحات التي اقترحوها[21] . و لذلك (( نجد جل – إن لم تكن كل – النماذج والتصورات الفلكية الإسلامية بطلمية والفيزياء والكوسمولوجيا أرسطية المبادئ والطابع ))[22].
و هو في بصفة عامة تصور نظري للكون قائم على نظرة ظنية وهمية اجتهادية جمعت بين الصحيح و الخطأ ،و بين الحقائق و الخرافات ،و الأهواء و الرغبات ، و الملاحظات العلمية ، و الرجم بالغيب ، و الكلام بلا علم . و له جانبان : إلهي ، و جانب طبيعي مادي ، الأول يُترجم جانبا من إلهيات اليونان و خرافاتهم و أوهامهم حول الإله و العقول ،و أفلاك التدوير[23] .
و هو نظام مُخالف للقرآن الكريم في إلهياته و جوانب أساسية في طبيعياته المتعلقة بالفلك و الكون عامة . فالنظام الفلكي القرآني قائم على التوحيد لا على تعدد الآلهة . و فيه أن العالم يتحرك و مرفوع بالتسخير الإلهي و ليست العقول المفارقة هي التي تحمله و تحركه . و الأرض فيه تتحرك و ليست ثابتة ،ولا هي مركز العالم ،و غير ذلك من الفوارق التي يعلمها المختصون أكثر من غيرهم .
و أما فيما يخص أسباب أخذ علماء الفلك المسلمين بالنظام البطلمي ، فيرى الباحث نضال قسوم أن ذلك يعود لسببين هما : الأول تأثر هؤلاء الفلكيين بالقرآن الكريم الذي ((يضع الإنسان في مكانة جوهرية ويؤكد على تسخير كل ما في السماء والأرض له )) ، مع أنه –أي القرآن – ((لم يصرّح أو يقدّم نظرة جيومركزية للكون ))-أي مركزية الأرض للكون- . و الثاني يتمثل في التأثير الكبير للتراث اليوناني على العلوم خلال العصر الإسلامي ، فقد كانت ((الفترة متأثرة بشكل كبير بالثقافة والإرث اليوناني، ما عدا بعض الحالات النادرة ذات الثقافة المتعددة والمستقلة، مثل البيروني. لذلك نجد جل – إن لم تكن كل – النماذج والتصورات الفلكية الإسلامية بطلمية والفيزياء والكوسمولوجيا أرسطية المبادئ والطابع ))[24] .
و أقول: أوافق الباحث في السب الثاني ،و أما السبب الأول فهو بالعكس ، بمعنى أن إهمال هؤلاء للقرآن و إغفاله ،و مخالفته هو السبب الأساسي فيما وقع فيه هؤلاء . لأنه تبين أن معظم الذين رجعنا إلى كتبهم لم يرجعوا أصلا إلى القرآن الكريم ،و لا أشاروا إلى معطياته المتعلقة بالفلك ،و لا بمكانة الإنسان في الكون ، و لا أخذوا بما نص عليه ، فهؤلاء غيّبوا القرآن كلية .
و بما أن القرآن لم يُقدم نظام مركزية الأرض كما أشار الباحث ، فإن المُتدبر فيه جيدا و بشمولية يستخرج منه نظاما فلكيا مُغايرا للنظام البطلمي ، و قد سبق أن أشرنا إلى جانب منه . و مركزية الإنسان في الأرض لا علاقة لها بمركزية الأرض للكون . لهذا و جدنا القرآن الكريم يُشير إلى حركة الأرض و ألحقها بحركة الشمس و القمر في الأفلاك التي تدور فيها ،و لم يُفرق بينها . و هذا هو الذي أغفله هؤلاء ،و قرروا خلافه في مواقف كثيرة .

و بناء على ذلك فإن قبول هؤلاء للنظام البطلمي يرجع إلى السببين الآتيين : إهمال و مخافة الفلك القرآني . و الثاني تأثرهم السلبي الكبير بالفلك اليوناني عامة و البطلمي خاصة . و كان في مقدورهم رفض النظام البطلمي الذي هو مُخالف للقرآن في إلهياته الشركية و كثير من معطياته الطبيعية . و لا توجد أية حتمية تمنعهم من ذلك . و هم الذين أدخلوا أنفسهم في النظام الأرسطي البطلمي .
و أُشير هنا إلى أن الباحث الإيراني سيد حسين نصر (( حاول الإجابة على السؤال السابق فرأى أن الفلكيين المسلمين لا شك أنهم تفطنوا الى الثورة العارمة التي كان سيأتي بها مثل ذلك الطرح الجديد (كوسمولوجيا لا-أرضية المركز)، وأنهم قرروا عدم سلوك ذلك الطريق منعا للفتنة (الفلسفية والدينية). فعقّب عليه الفلكي نضال قسوم بقوله : (( و هذا رأي تخميني إذ لم يقدم نصر أية أدلة من كتابات الفلكيين المسلمين أو حتى تعليقات المؤرخين ))[25] .
و أقول : تعليل سيد نصر لا يصح ، بدليل الشواهد الآتية : أولها إنه من الثابت قطعا أن الفلاسفة و الفلكيين المسلمين الذي قالوا بالنظام البطلمي كتبهم تشهد على أنهم تبنوه باقتناع و إعجاب ، و لهذا عظموه و دافعوا عنه ،و لا يُوجد فيها ما يُشير إلى أنهم أُجبروا على قبوله . و قد سبق أن ذكرنا طائفة منهم ، تبنته و دافعت عنه .

و الشاهد الثاني مفاده أن هؤلاء الفلكيين لو قالوا بخلاف رأي بطليموس كانوا سيجدون كل ترحيب من علماء المسلمين و عامتهم . لأن كثيرا منهم لم يكن راضيا عما كان يقول به و يعتقده الفلاسفة و الفلكيون في أخذهم بفكر أرسطو و نظام بطليموس . لهذا وجدنا الغزالي و غيره يُكفرون طائفة من الفلاسفة الذين قالوا بأفكار أرسطو في قدم العالم و العقول ،و هي نفسها موجودة في فلك بطليموس[26] . فلو عارضوه و استشهدوا بالعقل الصريح ،و الوحي الصحيح لوجدوا كل ترحيب من المسلمين .
و الشاهد الأخير- الثالث- مفاده هو أنه ثبت قطعا أنه لم تكن أية ضغوط حقيقية على هؤلاء الفلكيين تجعلهم يُخفون حقيقة موقفهم . بدليل أنهم خالفوا القرآن في مرات كثيرة جدا في الإلهيات و المنطقيات ، و الطبيعيات و الإنسانيات و لا أحد أجبرهم على تغيير مواقفهم . و قد دوّنوا تلك المخالفات في كتبهم ،و ذكرنا نماذج كثيرة منها تتعلق بطبيعيات القرآن الكريم . حتى أن بضعهم رُوي أنه كان يُعلن مُخالفته لدين الإسلام ، بل و كفره به ،و ألف كتبا في الطعن في الدين و الانتصار لفكره كما هو حال الطبيب المتفلسف أبي بكر الرازي[27] .

و أخيراً فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا فلاسفة مسلمين بطبيعيات إسلامية ، و إنما كانوا فلاسفة مسلمين اسما بطبيعيات يونانية عامة ،و أرسطية خاصة . و النماذج الكثيرة التي ذكرناها من مواقفهم من طبيعيات القرآن الكريم ، هي نماذج كافية للحكم عليهم و تصنيفهم . و هو حكم عبّروا عنه هم بأنفسهم من خلال تلك المواقف ، فهو ليس موقفا استنباطيا فقط ،و إنما هو أيضا حكم موضوعي يقوم على الإدراك المباشر لمواقف هؤلاء من طبيعيات القرآن الكريم . فنحن لم نُؤوّل مواقفهم ،و لا حملناها ما لا تحتمله .

و بناء على ذلك فهل هؤلاء الفلاسفة -بمنهجهم و مواقفهم من طبيعيات القرآن الكريم – تصح نسبتهم إلى الإسلام ، و نسبة طبيعياتهم إليه ؟! . حسب رأيي إنه لا تصح نسبتهم إليه ،و لا نسبة فكرهم إليه أيضا ، و نسبتهم إليه هو كذب عليهم و على الإسلام ،و تحريف لفكرهم و مواقفهم من دين الإسلام عامة و طبيعياته خاصة . و عليه فهم فلاسفة من المسلمين لأن- غالبيتهم الساحقة- أظهرت الانتماء إلى الإسلام و المسلمين . لكنهم ليسوا من فلاسفة الإسلام ، و لا من علمائه ، و لا من مفكريه ، مع أنهم أظهروا الانتماء إليه . لأنه قام الدليل القطعي على أنهم خالفوه في أصوله الإلهية و الطبيعية ،و التشريعية ، فهم في الحقيقة كانوا فلاسفة أرسطيين قلبا و قالبا . و بما أن الفلسفة الأرسطية هي ديانة أرضية دهرية شركية مناقضة لدين الإسلام مناقضة تامة لا تقبل التقريب ،و لا التوفيق ،و لا أي منهما يقبل الآخر و لا يحتاج إليه[28] ، فإن الذي يعتقدها لا يُمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مسلما حقيقيا صادقا مع دينه و نفسه و مجتمعه . و بما أن الأمر واضح كما بيناه ، فلماذا الإصرار على تسمية هؤلاء بفلاسفة الإسلام ،و تسمية فلسفتهم : الفلسفة الإسلامية ؟؟!! ، إنه إصرار للتسويق و التضليل ،و التغليط و التدليس ،و التحريف و السفسطة قصد تحقيق غايات في النفوس .

من ذلك أن ابن رشد وصف الفلاسفة المشائين و هو منهم بفلاسفة الإسلام في قوله : (( هذا هو مذهب المحدثين من فلاسفة الإسلام كأبي نصر و غيره ))[29] . و قوله هذا لا يصح معنى و لا عبارة . لأن هؤلاء ما تركوا للإسلام شيئا ، و لا كانوا رجاله ، و لا علمائه ،و لا من فلاسفته و إنما كانوا حربا عليه: إفسادا و هدما و تدميرا ،و قد سبق أن بينا ذلك بأقوالهم أنفسهم .

و أما من جهة التسمية ، فالصواب أن يُقال : فلاسفة العصر الإسلامي، أو الفلاسفة الذي كانوا في التاريخ الإسلامي ، أو فلاسفة التاريخ الإسلامي ، أو الحضارة الإسلامية . نعم يصح أن نطلق اسم علماء الإسلام على العلماء الذين يؤمنون بالإسلام و يلتزمون به قلبا و قالبا . لكن لا يصح أن نطلقه على العلماء الذين لا يُؤمنون به ، أو الذين يُشككون فيه ، و يعملون على هدمه و إفساده . و هذا نفسه ينطبق- حسب رأيي- على اسم فلاسفة الإسلام ، فإذا كان هؤلاء كالذين ذكرناهم في كتابنا هذا فهم ليسوا من فلاسفة الإسلام ؛ و إما إن كانوا فلاسفة يُؤمنون بالإسلام حق الإيمان ،و يلتزمون به قلبا و قالبا ، فيمكن أن نطلق عليهم فلاسفة الإسلام . و كلامنا هذا نفسه ينطبق على المتكلمين المسلمين ، و الله أعلم بالصواب .

و هنا نورد ما ذكره الباحث عبد الرحمن بدوي حول قضية: هل توجد فلسفة إسلامية ؟ ،و موقفه هو و أرنست رينان من ذلك ، ثم نُعلّق عليهما.
يقول عبد الرحمن بدوي : (( بعد هذا العرض لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ينبثق السؤال:هل توجد فلسفة إسلامية حقا؟

و هو سؤال صار تقليديا منذ أن وضعه رينان و أجاب عنه بإجابة قاطعة ربطها بفكرته عن الجنس السامي بعامة فقال" إن الفلسفة لم تكن أبدا، عند الساميين، غير أمر مستعار من الخارج تماما و دون خصب كبير، و تقليد للفلسفة اليونانية". لكن يسحب هذا الحكم نفسه على فلسفة العصور الوسطى في أوروبا المسيحية، فيقول بعد ذلك مباشرة:"و يجب أن نقرر الشيء عينه فيما يتصل بفلسفة العصور الوسطى ". و قال أيضا "إن الفلسفة لم تكن إلا فترة عارضة episode في تاريخ الروح العربية. و الحركة الفلسفية الحقيقية للإسلام ينبغي أن نبحث عنها في الفرق الكلامية: القدرية، الجبرية، الصفاتية، المعتزلة، الباطنية، التعليمية، الأشعرية، و خصوصا في علم الكلام. لكن المسلمين لم يطلقوا أبدا على هذا اللون من المناقشات اسم "الفلسفة. إذ أن هذا الاسم لا يدل عندهم على البحث عن الحقيقة بعامة، و إنما يدل على فرقة، ومدرسة خاصة هي الفلسفة اليونانية ومن يدرسونها . و حين يؤرخ الفكر العربي، فمن المهم جدا ألا ينخدع المرء بهذا الاشتباه. إن ما يسمى "فلسفة عربية" ليس إلا قسما محدودا من الحركة الفلسفية في الإسلام، إلى حد أن المسلمين أنفسهم كادوا أن يجهلوا وجودها".
و لم يشأ رينان أن يعدل عن رأيه هذا في مقدمة الطبعة الثانية، رغم ما وُجه إليه من نقد، خصوصا من جانب هنري رتر Henri Riter،وقرر : «إنني مصمم على اعتقاد أنه لم يهيمن على خلق هذه الفلسفة اتجاه عقائدي كبيرdogmatique.إن العرب لم يفعلوا غير أنهم اعتنقوا adapter مجموع المعارف اليونانية كما قبلها العالم كله حوالي القرنين السابع والثامن»
ومن هنا نربط نشأة الفلسفة في الإسلام بحال الفلسفة عند السريان وفي مدرسة الإسكندرية في هذين القرنين.
وآراء رينان هذه تحتاج إلى الفحص والنقد:
1- ذلك أنه يخلط في كلامه بين فكرة العنصر والجنس(السامي) من ناحية وبين فكرة الإسلام بوصفه دينا من ناحية أخرى. ولهذا يترجح في الرأي بين إنكار وجود فلسفة «عربية» حينما يقصد العنصر والجنس، وبين الإقرار بوجودها حين يقصد الإسلام كجماعة شاملة لأجناس عديدة من بينها الجنس الآري (الفرس). وهذا الاضطراب هو الذي دعا بعض الباحثين المعاصرين(3) إلى إثارة مشكلة زائفة وهي: هل ينبغي تسمية هذه الفلسفة فلسفة «عربية» أو فلسفة« إسلامية»؟
وفي رأينا أنها مشكلة زائفة لأن المدلول واحد: فهي عربية لأن الكتب المؤلفة فيها كتبت باللغة العربية (إلا في القليل النادر الذي لا يكسر القاعدة، تماما كما كتب ديكارت وليبنتس وكنت بعض مؤلفات باللاتينية إلى جانب لغاتهم القومية ، ومع ذلك لم يقل أحد أنهم من رجال الفلسفة «اللاتينية»!)، - وهي إسلامية بمعنى أن أصحابها عاشوا في دار الإسلام أي داخل نطاق العالم الإسلامي في العصر الوسيط ، حتى لو كان البعض منهم لم يعتنق الإسلام دينا.
2 – كما أنه يخلط – وهو خلط لا يزال مستمرا، بل بولغ فيه كثيرا في النصف قرن الأخير – بين الفلسفة وبين التفكير بوجه عام سواء لاهوتيا أو صوفيا أو ما أشبه ذلك .
وفي رأينا أنه يجب ألا تطلق الفلسفة إلا على التفكير العقلي الخالص الذي لا يعترف بملكة أخرى للتفلسف غير العقل النظري المحض. ولهذا لا وجه أبدا لإدراج علم الكلام الوضعي والفرق الكلامية المختلفة التي تجول في إطار النصوص الدينية وتستند إليها في حجاجها – أقول لا وجه أبدا لإدراجها ضمن الفكر الفلسفي ولا بأوسع معانيه .
ومن هنا نرى أن من العبث، بل ومن الإمعان في الجهل بحقيقة الفلسفة، أن نلتمس الفلسفة الإسلامية في غير الفلسفة بالمعنى الدقيق المحدود، أعني البحث العقلي المحض . ولهذا السبب استبعدنا من عرضنا هذا كل من لا ينتسبون إلى الفلسفةبهذا المعنى الدقيق، من أمثال أخوان الصفا والغزالي والسهر وردي المقتول، لأنهم إما من أصحاب المذاهب المستورة الغنوصية (أخوان الصفا) أو من الصوفية والمتكلمين الوضعيين (الغزالي ) أو من الصوفية النظريين (السهر وردي المقتول)، ومكانهم إنما يقع في تواريخ هذه التيارات.
و وصف هذه المدرسة الفلسفية بأنها «إسلامية» إنما قصد به المعنى الحضاري والسياسي.أي التي نشأت في إطار الحضارة الإسلامية التي يسودها الإسلام. إذ الفلسفة علم عقلي خالص، وتبعا لذلك لا تقبل أن توصف بوصف ديني، شأنها شأن العلوم العقلية كالرياضيات والطب والفيزياء والكيمياء، الخ. فكما لا يجوز لنا أن نصف الهندسة أو الطب أو الفيزياء بأنها وثنية أو بوذية أو يهودية أو مسيحية الخ، فكذلك الشأن في الفلسفة. فإذا ما وصفت هذه العلوم بوصف «إسلامية» مثلا، فالمقصود بذلك هو المعنى الحضاري والسياسي فحسب))[30] انتهى .
و أقول : أولا إن تعريف عبد الرحمن بدوي للفلسفة هو تعريف ذاتي أكثر مما هو تعريف علمي موضوعي ، فهو لم يقدم دليلا مُقنعا على حصره تعريف الفلسفة في النشاط العقلي الخالص ،و إنما فعل ذلك لغاية في نفسه . فهذا تعريف بلا دليل صحيح يُثبته ،و يُخالفه كثير من المشتغلين بالفلسفة قديما و حديثا . بل إنه تعريف يُخرج كثيرا من أعمال الفلاسفة من دائرة الفلسفة ، مع أن أصحابها جعلوها من الفلسفة ؛ من ذلك أعمال أرسطو في علم الحيوان و الآثار العلوية ،و السماء و العلم ... ، و مؤلفات ابن سينا و ابن رشد في الطبيعيات على تنوّعها . حتى أن الشيخ صديق القنوجي عندما تطرق إلى تعريف الفلسفة ذكر أنها تضمسبعة علوم ، هي: ((المنطق ، فالأرتماطيقي أولا ، ثم الهندسة ، ثم الهيئة ، ثم الموسيقى ، ثم الطبيعيات ، ثم الإلهيات ، و لكل واحد منها فروع تتفرع عنه ... ))[31] .

فالصحيح هو أن الفلسفة تشمل كل نشاط فكري علمي يبحث في مختلف الظواهر الطبيعة و البشرية ، سواء كان بحثا جزئيا أو شموليا . و إذا تجمعت الحقائق في موضوع ما ، و تحدد موضوعه و منهجه انتقل من دائرة الفلسفة إلى دائرة العلوم . و لهذا أصبح في عصرنا الحالي لكل علم فلسفته ،و أصبحنا نسمع بفلسفات العلوم .

و بناء على ذلك ، فإنه لا توجد أمة بلا فلسفة ، فما من أمة من الأمم إلا و مارست التفلسف بطريقة أو أخرى . و قد تجلى ذلك فيما تركته الأمم السابقة من آثار فكرية و مادية ، مع الاختلاف في نوعية التفلسف و طريقة عرضه، و مدى صحته و قوته ، و كمية ما أنتجته كل أمة .

و ثانيا أن الذي يُنسب أمرا إلى الإسلام ، لا يصح له أن ينسبه إليه إلا بإذن من الإسلام نفسه، و هذا ينطبق على كل الأديان و المذاهب الأخرى ؛ فلا يُنسب إليها ما ليس منها ، و مالا يتفق معها .

و قولنا هذا يشهد به بالعقل و يأمر به الشرع ، فالإسلام هو الذي حدد من ينتمي إليه ، و من لا ينتمي إليه . فحدد صفات المؤمنين و مدحهم ،و صفات الكفار و المنافقين و ذمهم . و نفى الإيمان عن الذين تظاهروا به ،و شهد بالإيمان و العمل الصالح للمؤمنين الصادقين. و نبهنا إلى أنه إذا أردنا أن نكون مسلمين مؤمنين علينا أن نلتزم به قلبا و قالبا . قال سبحانه : {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153- ،و{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159- . و عليه فإن تلك الفلسفة لا يمكن أن تكون إسلامية لأنها لا تحمل الإسلام و لا تمثله ، و إنما تخالفه و تعاديه أصولا و فروعا .

و لا يصح القول بأن تمسيتها إسلامية ، هي تسمية تحمل بعدا تاريخيا ، أو حضاريا ، أو سياسيا ،و لا تحمل بعدا دينيا إسلاميا . فهذا رأي فيه تغليط و تحريف للحقيقة . لأنه في هذه الحالة يجب التفريق بين نسبة أمر ما إلى الدين نفسه ، و بين نسبته إلى أمر أنتجه هذه الدين ، أو ظهر في الزمن الذي هيمن فيه هذا الدين . فهناك فرق كبير و أساسي بين قولنا : الدين الإسلامي، و بين التاريخ الإسلامي، أو الحضارة الإسلامية ، أو الفقه الإسلامي ، أو تاريخ المسلمين ، أو حضارة المسلمين . فلابد أن نفرّق بين نسبة شيء إلى الدين نفسه ، و بين نسبته إلى شيء ما ظهر بسببه ، أو أنتجه هو . فلا يصح أن نقول : الزندقة في الإسلام ، لكن يصح أن نقول: ظهور الزندقة في التاريخ الإسلامي، أو في الحضارة الإسلامية ، أو في زمن الحكم الإسلامي ... .

و أما قضية وجود أهل الذمة في الحضارة الإسلامية ، و دورهم فيها فالصحيح في هذا الأمر هو أنه لا يصح نسبة أعمالهم إلى الإسلام أبدا ،و إنما تنسب إليهم من جهة . و تُنسب إلى العصر الذي عاشوا فيه من جهة أخرى . و لهذا هناك فرق بين العصر الإسلامي ،و الإسلام ،و يجب أن نحدد الأمر بدقة . و الإصرار على ذلك الاسم هو تحريف و تضليل و تدليس ،و افتراء على الشرع و الحقيقة . و حتى أهل الذمة لا يرضون-إن كانوا صادقي الإيمان بأديانهم- أن تُنسب أعمالهم إلى دين لا يُؤمنون به .

و أما علم الكلام عامة فلا يصح وصفه بأنه فلسفة إسلامية من دون شروط ، و إنما هو في الأصل فلسفة كلامية يجب أن ننسبه إلى أصحابه أولا ، و إلى الطوائف التي أنتجته ثانيا . و نفس الأمر ينطبق على الفلسفة التي سادت خلال العصر الإسلامي . فنقول مثلا : فلسفة ابن سينا ، أو الفلسفة السيناوية ، و فلسفة ابن رشد ، أو الفلسفة الرشدية ، و فلسفة المشائين في العصر الإسلامي ، أو الفلسفة المشائية في التاريخ الإسلامي ، و فلسفة المعتزلة ، أو الفلسفة الاعتزالية ، و فلسفة الأشاعرة ، أو الفلسفة الأشعرية ،، و الفلسفة الشيعية ، أو فلسفة الشيعة ، و فلسة الخوارج ، أو الفلسفة الخارجية . ثم بعد ذلك ما وافق الشرع منها يُمكن القول بأنه شرعي ،و العكس . و لا يصح نسبة علم الكلام كله إلى الإسلام ، فهذا لا يصح لأنه مملوء بالمخالفات الشرعية في أصوله و فروعه، و إنما يُوصف الصحيح منه الموافق للشرع على أنه شرعي ، أو إسلامي .

و بناء على ذلك فإن أي فكر لا يصح أن يُسمى و لا يُنسب إلي أي مذهب أو دين ، إلا إذا كان موافقا له في أصوله و وسائله ،و غاياته و أساسيات فروعه . و أما إذا خالفه في ذلك و وافقه في بعض جزئياته فلا يصح أن يُسمى به ، أو يُنسب إليه . و هذا هو حال فلسفة الفلاسفة المسلمين التي سُميت – خطأ ، أو عمدا ، أو تغليطا- بأنها (( إسلامية)) . فهي تُخالفه و تناقضه في أصوله و وسائله و غاياته ،و لا تتفق معه إلا في بعض الجزئيات . و عليه فلا يصح تسميتها بذلك . و هذا المقياس يجب تطبيقه على كل العلوم ، في الحكم عليها بأنها إسلامية أم لا .

و ثالثا إن القول بأن الفلسفة لا تقوم على النصوص الدينية ، فهو قول لا يصح ، لأنه لا توجد فلسفة بلا دين ، و لا فلسفة دون أصول دينية . لأن الدين في أساسه هو العقيدة التي تُجيب على الأسئلة الأزلية المعروفة : من أين أتينا إلى هذه الدنيا ؟ ، و لماذا أتينا إليها ؟ ، و إلى أين المصير ؟ . فأي فكر ، أو مذهب ، أو عقيدة تجيب عن ذلك فهي دين ، سواء كان يُسمى دينا ، أو مذهبا ، أو فكرا، أو كان دينا سماويا أو أرضيا ، أو كان صحيحا أو باطلا ، فهو في النهاية دين و عقيدة . قال سبحانه : {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً }الفرقان43-، و {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }الجاثية23- ،و {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }يس60- . ثم أن تلك الإجابات هي التي تصوغ لصاحبها نظرته إلى الله ، و الإنسان ، و الحياة ، و الكون . و بما أن الأمر كذلك ، و لا توجد فلسفة لا تقوم على منطلقات عقدية ، فكل الفلسفات إذن لها نصوصها و منطلقاتها الدينية بالضرورة .

و لا تصح التسوية بين الفلسفة و العلوم الدقيقة و الطبيعية و التطبيقية من جهة الاسم ،و لا الموضوع و لا المنهج . لأن الفلسفة ليست علما بذاتها ، فلو كانت علما ما كانت فلسفة ، و بما أنها فلسفة فليست علما .و إنما هي تضم خليطا من الحقائق و الأباطيل ،و الأهواء و الظنون ،و الاختيارات و الرغبات ، و الأخطاء و الصواب ،و التجريدات و التأملات ،و المغالطات و الخرافات . فهي كثيرة الكلام و الشقشقات و قليلة العلم و الصواب. و هذا خلاف تلك العلوم ، فهي علوم موضوعية تقوم على أصول تجريبة صحيحة ،و نتائجها صحيحة في الغالب الأعم .

و الفلسفات لا تستطيع أن تتخلص من مذهبياتها في الأصول و لا الفروع في الغالب الأعم . فإذا تخلصت منها بصفة عامة لم تصبح فلسفة ، فتخرج منها و تلتحق بالعلم الصحيح . لكن هذا لا يعني أن علوم الطبيعة تخلو تماما من المذهبية و العقدية ، فهي مع أنها علمية في موضوعها ،و منهجها ، و معظم نتائجها ، إلا أنها لا يُمكن أن تتخلص من المذهبية في مُنطلقاتها و بعض نتائجها . و لهذا نجد علماء الطبيعيات تجمعهم علومهم ، و تفرقهم منطلقاتهم العقدية التي ينظرون من خلالها إلى علومهم ،و إلى الكون و الحياة و الإنسان . و نجد كل واحد منهم يُوظف علومه لخدمة دينه و مذهبه ، و شعبه و مصالحه . فنجد الملحد يستخدم علومه لنشر الإلحاد ، و نجد المسلم يستخدم علومه لخدمة الأعجاز العلمي في القرآن الكريم و السنة النبوية . و نفس الأمر ينطبق على علماء المذاهب و الأديان الأخرى . فهذا دليل دامغ على أن العلوم الطبيعية لا يُمكن أن تتخلص نهائيا من تأثرها بالمذهبيات و العقائد من جهة المنطلقات و الغايات .

و قد يستنتج بعض الناس بأن مؤلف هذا الكتاب في انتقاده للفلسفة و أتباعها من الفلاسفة المسلمين ، هو عدو للفلسفة و رجالها . و أسارع فأقول : هذه تهمة سمعتها و قرأتها ، و قد قال بها كثير من ينتمي إلى الفلسفة في ردودهم على مُخالفيهم ، فهي ليست جديدة و ليست صحيحة بالنسبة إليَّ . لأنه أولا إن الفلسفة هي فكر إنساني تتضمن مذاهب فكرية و مناهج كثيرة جدا ، منها ما غلبت عليها الأباطيل و الأخطاء و الانحرافات المنهجية ، و منها ما حالها خلاف ذلك ، و منها ما حالها توسط بين الحالين السابقين .

و ثانيا بما أن ذلك هو حال الفلسفة ، فلا يصح أن نتهم من ينتقد تلك المذاهب الفلسفية أو بعضها ، بأنه عدو للفلسفة . لأن النقد العلمي ليس عيبا ، و إنما هو مطلوب و ضروري ، و على المُنكرين و المخالفين أن يردوا بالعلم و ليس بالاتهامات و التهريجات .

و ثالثا يجب أن لا يغيب عنا أن أي نقد لمذهب من المذاهب الفلسفية أو لمعظمها أو لكل المذاهب المعروفة لا يُمكن أن يتم إلا بفلسفة أخرى . فهذا الناقد صاحب فلسفة ،و إن اختلفت مُنطلقاتها و مصادرها ،و غاياتها . و من ثم فإن من يتهم صاحب هذا النهج بأنه عدو للفلسفة فهو مخطئ ،و يكون هو من أعداء الفلسفة ، لأنه جمد على الباطل ، و وقف أمام الحق أن يظهر و يسود ،و عمل على تكريس الرداءة و السلبية و التقليد الأعمى .

و بناءً على ذلك فإن مُؤلف هذا الكتاب ليس عدوا للفلسفة الصحيحة – بمعنى الفكر الصحيح- و إنما ينتقد الفلسفات بالباطلة بالفلسفة الصحيحة . و يعتقد جازما إمكانية إيجاد فلسفة صحيحة تقوم على الوحي الصحيح ، و العقل الصريح ، و العلم الصحيح . و لا بد لتحقيق ذلك من صدق النية و إخلاصها لله أولا ،و للحق و العلم ثانيا ، و توفر منهج الفهم الصحيح لمعطيات الوحي و العقل و العلم ثالثا ،و الالتزام به أثناء التطبيق رابعا . فهذا كله كفيل بمحاربة الفلسفات الباطلة ،و إيجاد فلسفة صحيحة .

و ختاما لما ذكرناه أقول : ما ذا بقي لهؤلاء من الإسلام يمكن أن يشفع لهم به ؟؟! . هل من يُخالفه كما خالفوه يبقى مسلما ؟! ما ذا يبقى عندهم من الإسلام بعدما قالوا بأزلية العالم و نفي المعاد الأخروي ؟!! . هل أفكارهم و مُخالفاتهم أبقت لهم شيئا من الإسلام ؟؟! أليس القول بالأزلية وحده يُهدم الإسلام كله بالضرورة ؟؟! ، نعم إنه لا يبقى شيء منه ،و لا يبقى لديهم منه شيء ، فما الأسباب التي أوصلتهم إلى هذا الحال المتناقض ، و الغريب ، و المأساوي ، و ... ؟؟ !! .

ثالثا : أسباب مخالفة هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن:
سبق أن أوردنا نماذج كثيرة من مخالفات الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم ،و أبرزنا طائفة من الاستنتاجات و الآثار التي ترتبت عن تلك المخالفات . فلماذا خالف هؤلاء طبيعيات القرآن ؟ ، و هل يعود ذلك إلى سبب واحد أو إلى عدة أسباب مُتداخلة و متنوعة و مُتأثرة ببعضها بعض ؟ ، و هل كانوا معذورين في ذلك أم لا ؟ .

أولا يُمكن إرجاع أسباب مخالفة هؤلاء للفلاسفة لطبيعيات القرآن الكريم إلى نوعين من الأسباب ، هما : أسباب أساسية تمثل السبب العميق ،و ما نتج عنه من أسباب عميقة أخرى . و النوع الثاني يتمثل في الأسباب الثانوية ،و هي أسباب مساعدة ساهمت – بتفاعلها مع الأساسية- في مخالفة هؤلاء لطبيعيات القرآن و التوسع فيها .

ففيما يخص الأسباب الأساسية فأولها ضعف الإيمان بدين الإسلام أو عدم الإيمان به أصلا ، و هذا أفقدهم الحصانة الإيمانية أو أضعفها كثيرا ، و جعلهم نهبا للفلسفة اليونانية .و هؤلاء كانوا مُظهرين الإيمان بدين الإسلام ، لكن بعضهم كان قد أظهر عدم إيمانه بالإسلام أصلا ، كالطبيب المتفلسف أبي بكر الرازي ، فتكون مخالفته لطبيعيات القرآن أمرا عاديا مُتوقعا . لكننا أشرنا إلى حاله هنا لأن عامة الناس لا يعرفون حال هذا الرجل و حقيقته . فهو يحمل اسم من أسماء المسلمين ، بل إن اسمه محمد ، و توجد مساجد تُسمى باسمه : أبو بكر الرازي !!. إنه لا يُؤمن بالإسلام ،و تُسمى بعض المساجد باسمه !!!!!!!! .

و أما الشواهد التي تُثبت انحراف ذلك الرجل وضلاله ، فمنها كتبه التي صنفها في عقيدته و ضلاله ، فهي و إن لم تصلنا-حسب علمي- فقد تظافرت شهادات أهل العلم على أنه ألفها ، و يظهر من مواقفهم و أقوالهم إنهم اطلعوا عليها ، و من خلالها ذكروا حاله و مذهبه ، و انتقدوه و ذموه . و الشواهد الآتية تُثبت ذلك :

أولها مفاده أن المؤرخ ابن أبي أُصيبعة ذكر أنه كانت طائفة من الفلاسفة تُكفّر الطبيب الفيلسوف أبا بكر الرازي(ق:4 الهجري) ، و ممن كفّره: الفيلسوف ابن رضوان المصري(ق:5 الهجري)[32] .

و الثاني مفاده أن أبا الريحان البيروني قال : (( قدحكىمحمدبنزكريا الرازيعنأوائلاليونانيينقدمةخمسةأشياءمنهاالبارئسبحانهثمالنفس الكليةثمالهيوليالأولىثمالمكانثمالزمانالمطلقانو بنىهوعلىذلكمذهبهالذيتأصلعنه،وفرّقبين الزمانوبينالمدةبوقوعالعددعلىاحدهمادونالآخربسببمايلحقالعددبهمنالتناهيكماجعل الفلاسفةالزمانمدةلمالهأولوآخروالدهرمدةلماأولولاآخر،وذكرأنالخمسةفيهذاالوجود الموجوداضطراريةفالمحسوسفيههوالهيوليالمتصورةبالتركيبوهيمتمكنفلابدمنمكان، واختلافالأحوالعليهمنلوازمالزمانفانبعضهامتقدموبعضهامتأخروبالزمانيعرفالقدم والحدثوالأقدموالأحدثو معافلابدفيالموجودأحياءفلابدمنالنفس،وفيهمعقلاءوالصنعةعلى غايةالإتقانفلابدمنالبارئالحكيمالعالمالمتقنالمصلحبغايةماأمكنالفائضقوةالعقلللتخليص؛ ومنأصحابالنظرمنجعلمعنىالدهروالزمانواحداو أوقعالتناهيعلىالحركةالعادةلها،ومنهم منجعلالسرمدللحركةالمستديرةفلزمتالمتحرك بهالامحالةوحازالشرفبالبقاءالدائمثمترقىإلى محركهومنالمتحركالمحركإلىالمحركالأولالذيلايتحرك ... )) [33] .
و الشاهد الثالث مفاده أن ابن أبي أصيبعة نقل عن ابن صاعد الأندلسي قوله في الرازي فقال : (( و قال القاضي صاعد في كتاب التعريف بطبقات الأمم : إن الرازي لم يوغل في العلم الإلهي، و لا فهم غرضه الأقصى، فاضطرب لذلك رأيه وتقلد آراء سخيفة ، وانتحل مذاهب خبيثة، وذم أقواماً لم يفهم عنهم ولا اهتدى لسبيلهم ))[34] .
و الرابع مفاده أن الشيخ تقي الدين بن تيمية ذكر أن أبا بكر الرازي ألحد في الإلهيات و النبوات[35] . و أنه نصر مذهب القائلين بالقدماء الخمسة ،و صنف فيه . و هؤلاء الخمسة هم : (( الرب ، والنفس ، والمادة ، والدهر ، والفضاء ))[36].
و الأخير- الشاهد الخامس- مفاده أن المحقق ابن قيم الجوزية قال : (( وكان محمد بن زكريا الرازي على هذا المذهب لكنه لم يثبت إبليس فجعل مكانه النفس وقال : بقدم الخمسة مع ما رشحه به من مذاهب الصابئة والدهرية والفلاسفة والبراهمة فكان قد أخذ من كل دين شر ما فيه وصنف كتابا في إبطال النبوات و رسالة في إبطال المعاد فركب مذهبا مجموعا من زنادقة العالم. وقال : أنا أقول : إن الباري والنفس والهيولي والمكان والزمان : قدماء وأن العالم محدث . فقيل له : فما العلة في إحداثه . فقال : إن النفس اشتهت أن تحبل في هذا العالم وحركتها الشهوة لذلك ولم تعلم ما يلحقها من الوبال إذا حبلت فيه فاضطربت وحركت الهيولي حركات مشوشة مضطربة على غير نظام وعجزت عما أرادت فأعانها الباري على إحداث هذا العالم وحملها على النظام والاعتدال وعلم أنها إذا ذاقت وبال ما اكتسبته عادت إلى عالمها وسكن اضطرابها وزالت شهواتها واستراحت فأحدثت هذا العالم بمعاونة الباري لها قال : ولولا ذلك لما قدرت على إحداث هذا العالم ولولا هذه العلة لما حدث هذا العالم )) . ثم قال ابن القيم : (( ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالا أسخف من هذا وأبطل لاستحيى العاقل من حكاية مثل هذا و لكن الله سبحانه سن لنا حكاية أقوال أعدائه ))[37] .
و السبب الثاني يتمثل في ضعف القدرة العلمية عند هؤلاء الفلاسفة من جهة النقد و الشجاعة الأدبية، و من ناحية سلامة المنهج ،والمعرفة العلمية الصحيحة . فقد كان في هؤلاء ضعف كبير في تحكمهم في المنهج العلمي الصحيح القائم على العقل الصريح و العلم الصحيح من جهة ،و الجرأة العلمية و الموضوعية الصحيحة من جهة أخرى . فأوقعهم ذلك في انهزامية و تبعية ، و حرمهم من النقد العلمي الصحيح ، و أضعف فيهم القدرة على التمييز بين صحيح فلسفة اليونان من سقيمها .

و السبب الثالث مفاده وقوع هؤلاء الفلاسفة في الانبهار بالفلسفة اليونانية عامة و الأرسطية خاصة . و قد سهل وقوعهم في أسر هذا الانبهار السببان الأولان ، فضعف إيمانهم بدين الإسلام أوجد فيهم فراغا نفسيا و فكريا ، و ضُعف تمكنهم من المنهج العلمي الصارم في البحث و الاستدلال ،و النقد و التمحيص ، فأوقعهم هذا كله في الانبهار بتلك الفلسفة و الوقوع في أسرها .

و السبب الرابع يتمثل في غلبة طابع السلبية و الانهزامية على هؤلاء الفلاسفة في تعاملهم مع الفلسفة اليونانية عامة ، و الأرسطية خاصة . و هذا السبب كان نتيجة للأسباب السابقة ، ثم أصبح يمثل بنفسه سببا أساسيا بذاته لخطورته و تأثيراته السلبية الكثيرة جدا . و هذا السبب أحدث في هؤلاء شللا علميا من جهة النقد العلمي المبدع ، فجعلهم شراحا و مُلخصين أكثر مما جعلهم نقادا مُبدعين بفارق كبير جدا من جهة ،و جعلهم متعصبين لفلسفة اليونان تعصبا ممقوتا من جهة ثانية ، و أوجد فيهم جرأة على مخالفة القرآن ،و جرأة على الانتصار لفلسفة اليونان من جهة ثالثة !!!! .
و السبب الأخير- الخامس من الأسباب الأساسية- مفاده أن هؤلاء الفلاسفة كانوا ينتمون إلى فلسفة هي بنفسها تمثل ديانة أرضية لها إلهياتها و طبيعياتها ،و إنسانياتها . فلما أخذوا طبيعياتها أخذوها كاملة ، فأصبحوا يدينون بها و يُفكرون بها ، و لم يجدوا في أنفسهم حاجة إلى البحث عن ديانة أخرى ، فرضوا بهذه الديانة الزائفة التي بهرتهم و تعصبوا . فأوجد هذا فيهم بعدا عن طبيعيات القرآن و إلهياته من جهة ،و إقبالا على طبيعيات اليونان بإلهياتهم من جهة أخرى .
و أما الأسباب الثانوية فمنها أن الأرضية و المنطلقات العقدية التي كانت مُتحكمة في علوم الطبيعيات زمن هؤلاء الفلاسفة لم تكن شرعية ، ، فلم تكن إسلامية مُنطلقا و لا غاية . و إنما كانت قائمة على إلهيات شركية و دهرية مناقضة لدين الإسلام ، مأخوذة من فكر اليونان و الهنود و غيرهم . و هذه الأرضية العقدية أثرت في هؤلاء سلبا ، فساعدت في إقبالهم على طبيعيات اليونان ،و في إبعادهم عن طبيعيات القرآن .
و السبب الثاني مفاده أن علوم الطبيعيات في زمن هؤلاء الفلاسفة لم تكن مفصولة بذاتها عن الفلسفة و مكوناتها الأخرى ، فكان من يُريد أن يقرأ الطب أو الفلك مثلا ، يجد نفسه مضطرا إلى دراسة كل مكونات الفلسفة ، خاصة إلهياتها . و لهذا وجدنا الفلاسفة المسلمين الذين ذكرناهم كما قالوا بطبيعيات اليونان قالوا أيضا بإلهياتهم خاصة إلهيات أرسطو و أفلاطون . فوجدناهم أنكروا المعاد الأخروي ،و قالوا بخلود النفس على طريقة أفلاطون و أرسطو ،و قد سبق أن بينا هذا و وثقناه . فعامل عدم الفصل كان عاملا مساعدا هيأ الأرضية لانحراف هؤلاء ، لكن تأثيره لم يكن حتميا ، لأنه كان في مقدور هؤلاء أن يتخلصوا من تأثيره لو كانوا في المستوى العلمي المطلوب .
و أما من الذي كان عليه أن يفصل طبيعيات اليونان عن إلهياتها و إنسانيتها ، فالمفروض أن الذي يتولى ذلك هم العلماء الأكفاء ، سواء كانوا من الفلاسفة ،أو من علماء الطبيعة ، أو من علماء الشريعة . لكن هذا لم يحدث في العصر الإسلامي مما أوجد فراغا كبيرا و خطيرا . و هذا يرتبط بموضوع غياب البديل المُتمثل في السبب الآتي:
و الثالث – من الأسباب الثانوية- مفاده غياب البديل الإسلامي في الطبيعيات . فكان على علماء الأمة الأكفاء من علماء الشريعة ، أو علماء الطبيعة ، أو الفلاسفة المسلمون ، أو بالتعاون فيما بينهم القيام بعمل علمي يطرح البديل الشرعي في مجال الطبيعيات على أساس من الوحي الصحيح ، و العقل الصريح ، و العلم الصحيح . لكن هذا المشروع- حسب علمي- لم يَكن موجودا مُجملا و لا مُفصلا ليطرح البديل ،و يرد على طبيعيات اليونان و غيرهم . و قد كان من الممكن القيام به لو وجد من علماء الأمة من تفرغ له ، كما تفرّغوا لعلوم أخرى !! . فلو وجد هذا المشروع لساهم في رد هؤلاء الفلاسفة إلى طبيعيات القرآن الكريم . لكن- حسب علمي- فإن هذا لم يحدث ،و لم يقم به أي عالم من علماء الإسلام ، و إن كان بعضهم قد أنجز عملا هاما في مجال الإلهيات و المنطق[38] .
و من اللافت للانتباه – في تدوين العلوم عند المسلمين - أنه مع أن طبيعيات القرآن الكريم تُمثل مساحات واسعة جدا من آياته ، إلا أنها لم تُدرج كعلم من علوم القرآن ، و لا كعلم شرعي مُستقل كما هو حال الفقه مثلا ، فما الفرق بينهما ؟! ، لا يُوجد فرق أساسي بينهما ؟؟!! ، و ربما كانت آيات طبيعيات القرآن أكثر عددا من آيات الأحكام التي يقوم عليها الفقه الإسلامي . فلماذا لم تُفرد طبيعيات القرآن بالتأليف كعلم شرعي عندما دوُنت العلوم الشرعية و غيرها في القرنين الثاني و الثالث الهجريين ؟؟!! .
إنه كان من المفروض أن يتولى علماء الإسلام الأكفاء إفراد طبيعيات القرآن بالتأليف ،و الشرح و التوسيع ، و استخدامها و ممارستها لإقامة علوم طبيعية تقوم على طبيعيات القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ، كما فعلوا مع علوم الشريعة الأخرى . لكن حسب علمي أن هذا العمل لم يحدث عندما دُونت علوم الشريعة و لا بعدها ، فلم يقم به علماء الشريعة و لا الفلاسفة ، ولا غيرهم من طوائف علماء الأمة . فأوجد هذا مجالا فارغا لا يصح تركه فارغا ، لأن علوم الطبيعيات هي جزء من علوم الشريعة ،و ضرورية للإنسان ، فلا يستطيع العيش بدونها . فأوجد هذا الفراغ أرضية مهيأة لطبيعيات اليونان و الهنود بالانتشار و التأثير في أهل العلم المهتمين بها .
و السبب الرابع مفاده أنه ربما يقول بعض الناس : إن من الأسباب الثانوية التي أدت بهؤلاء الفلاسفة إلى مخالفة طبيعيات القرآن هو السهو . فقد يتناول أحدهم موضوعا ما فيقرر ما يُخالف الشرع ، أو يغفله سهوا و نسيانا و ليس تعمدا .
و أقول : نعم قد يحدث ذلك لكثير من أهل العلم ، لكن هذا لا يصدق على هؤلاء في الغالب الأعم . لأن المخالفة تختلف عن الإغفال مع الموافقة من جهة ،و حسب طبيعة الموضوع و أهميته من جهة أخرى . فلا يصح أن يٌقرر عالم ما يُخالف أصول الإسلام و أركانه ثم يزعم أنه نسي . لأن هذه المبادئ لا يصح نسيانها ، لأنها معروفة من الدين الضرورة ،و إذا غابت عن العامي فلا يصح أن تغيب عن أهل العلم . و إذا فرضنا جدلا أنه نسي ، فلا يصح أن تتكرر مُخالفته له في مواقف أخرى كثيرة . و لا يصح أن يقع فيها كل هؤلاء الفلاسفة أصحاب الاتجاه الواحد و المُتقارب . و عليه فإن هذا يعني أن هؤلاء لم ينسوا ، و إنما عبّروا عن مواقفهم عن وعي و تعمد انطلاقا من خلفياتهم المذهبية ،و نظرتهم إلى طبيعيات القرآن الكريم .
و الخامس- الأخير من الأسباب الثانوية- مفاده أنه ربما يرى بعض الباحثين أن سبب إقبال الفلاسفة المسلمين على طبيعيات اليونان هو أنهم وجدوها لا علاقة لها بالدين ،و من ثم فلا حرج في الأخذ بها . و قد عبّر عن هذا الرأي الباحث عبد الرحمن مرحبا عندما قال عن الفيلسوف الكندي : (( فهو أرسططاليسي النزعة في علم الطبيعة الذي لا شأن له بالدين ، و لكنه إسلامي الصبغة فيما وراء الطبيعة الذي يُخالف فيه أرسطو عقيدة القرآن ))[39] .

و أقول: رأيه هذا لا يصح بدليل الشاهدين الآتيين : الأول مفاده أنه لا يصح القول بأن علم الطبيعة لا علاقة له بالدين ، فهذا خطأ واضح ، لأن علوم الطبيعة مهما كانت بعيدة عن المعتقدات الدينية ، فإنها لابد أن تقوم في أساسها على خلفيات عقدية سواء كانت مادية ، أو دينية ، أو مذهبية . و هذه العقائد هي التي تتحكم في نظرة الإنسان إلى الكون و الحياة و الإنسان . و لهذا وجدنا أرسطو قد بنى طبيعياته على عقيدته الدهرية الشركية ؛ فبناها على القول بأزلية العالم ،و على القول بتعدد العقول الإلهية المحركة للأفلاك ،و على الغائية التي كان يُؤمن بها . و هذا الأمر ما يزال قائما إلى يومنا هذا فعلماء الطبيعة المؤمنون بالله بنوها على الإيمان بالله و الحكمة ،و الملاحدة منهم بنوها على الإلحاد ،و القول بالصدفة و الداروينية .

و الشاهد الثاني مفاده هو أن الذي لا شك فيه أن القرآن الكريم مملوء بالطبيعيات من بدايته إلى نهايته ، و هي قائمة على التوحيد و عقائد الإسلام الأخرى من جهة .و مبنية على المنهج التجريبي على تعدد علومه من جهة أخرى . فلماذا زعم هذا الرجل أن علوم الطبيعة لا علاقة لها بالدين ؟!. و يعني به الدين عامة و الإسلام خاصة . فهذا زعم باطل ، فإذا كانت الأديان الباطلة لا علاقة لها بعلم الطبيعة علاقة مباشرة ،و مُفصلة ، فإن هذا لا يصدق أبدا على دين الإسلام. لأن القرآن الكريم كله علوم على اختلاف تنوعها ،و قد أفرد لعلوم الطبيعة مساحات واسعة جدا بمناهجها و حقائقها . فالرجل أخطا في تفسيره الذي قال به ، لكنه قد يصدق من جهة أنه ربما كان من بين هؤلاء الفلاسفة من ليست له المعرفة الصحيحة و الشاملة بدين الإسلام جعلته يرى أن الطبيعيات لا علاقة لها بالدين . و هذا أيضا ضعيف جدا بحكم أن القرآن شاهد بنفسه على تضمنه للطبيعيات ، اللهم إلا إذا كان هؤلاء لا يقرؤون القرآن الكريم . و هذا مستبعد جدا ، لكنه قد يصدق على بعضهم و ليس على كلهم ، لأن منهم من كان عالما بالشريعة كابن رشد الحفيد . لكنهم مع ذلك فإن الجاهل منهم بدين الإسلام- و هذا مُستبعد جدا- على فرض وجوده فهو غير معذور بجهله و إهماله .

ثالثا : اعتراضات و ردود :
بعدما تطرقنا إلى آثار و أسباب مخالفات الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم نختم هذا الفصل بموضوع نُخصصه لطائفة من الاعتراضات و التبريرات قد يُوردها بعض أهل العلم كتعقيب علينا على ما ذكرناه من انتقادات و ملاحظات في حق هؤلاء .

أولها مفاده ربما يعترض علينا بعض أهل العلم فيقول : إنكم انتقدتم علماء المسلمين في عدم قيامهم بمشروع علمي للفصل بين الطبيعيات القديمة و إلهياتها التي قامت عليها ؛ و هذا تكليف بما لا يُطاق ، لأنه لم يكن في استطاعتهم فصل الطبيعيات القديمة عن أصولها العقدية التي قامت عليها. فكان هذا الأمر من الأسباب التي جعلت الفلاسفة المسلمين يأخذون بطبيعيات اليونان و يستبعدون طبيعيات القرآن .
و أقول : هذا اعتراض لا يصح ، لأن الحقيقة هي أن الطبيعيات التي وصلتنا من الحضارات القديمة وصلتنا بإلهيات مُتعددة و لم تكن ذات إلهيات واحدة . فمن المعروف أن منها ما كانت له أصول عقدية أفلاطونية ، و أخرى أرسطية ،و أخرى أفلوطينية ، و منها ما كان لها إلهيات هندية ،و أخرى فارسية[40] . و هذا يعني أن تلك الطبيعيات كانت ذات أصول مُتعددة الإلهيات ،و لم تكن ذات أصل واحد لا يمكن تغييره من جهة ، و أن كل طرف صبغ طبيعياته بمنطلقاته العقدية من جهة أخرى . و هذا يعني أنه كان في استطاعة الفلاسفة المسلمين أن يفصلوا الطبيعيات التي وصلتهم عن خلفياتها المذهبية . و أنه كان عليهم من الواجب – شرعا و عقلا و مصلحة- أن يأخذوا من تلك الطبيعيات ما يتفق مع دينهم و ظروفهم ،بعد تمحيصها بميزان الوحي الصحيح ،و العقل الصريح، و العلم الصحيح. لكن المؤسف أن هؤلاء الفلاسفة لم يفعلوا ذلك ، و أخذوا تلك الطبيعيات بخلفياتها و أصولها الإلهية المناقضة لدين الإسلام و للعقل و العلم . فترتبت عن ذلك نتائج سلبية كثيرة أفسدت الأفكار و السلوكيات ، سبق أن ذكرنا طائفة منها في المبحث الأول من هذا الفصل.
و الثاني مفاده أنه ربما يرى بعض الناس أنه لا يصح محاكمة هؤلاء إلى الشرع في أخذهم بطبيعيات اليونان و إهمالهم و مخالفتهم لطبيعيات القرآن . فليس من الواجب عليهم الرجوع إلى القرآن ،و الأخذ بطبيعياته ،و من ثم لا تصح محاكمتهم إليه !! .

و أقول: بل إنه من الواجب عليهم الرجوع إلى القرآن من جهتين : الأولى إن كان هؤلاء لا يُؤمنون بالقرآن على أنه كتاب الله أنزله على نبيه محمد –عليه الصلاة و السلام- ، فهنا لا نحاكمهم إليه من جهة ضرورة الأخذ بطبيعياته ، لكننا نحاسبهم من جهة أنه يجب عليهم ذكر طبيعياته لأنه كتاب له طبيعياته ،و ذاتيته و تأثيره الكبير على العلوم و السلوكيات . فهو كتاب حاضر بعلومه و تأثيراته ، لا يصح أبدا إغفاله و إهماله ، في الوقت الذي تُذكر فيه أقاويل فلاسفة اليونان و غيرهم !! . فالعقل و العلم يفرضان عليهم أن يذكروا طبيعيات القرآن كما ذكروا طبيعيات اليونان و غيرهم .

و الجهة الثانية تتعلق بانتمائهم إلى الإسلام و المسلمين ، فبما أنهم انتموا إليه و إلى أهله ، فمن الواجب عليهم أن يلتزموا به فكرا و سلوكا ، قلبا و قالبا . و هذا أمر يفرضه عليهم المنطق و الشرع ، فلا يصح في العقل أن يُؤمن إنسان بكتاب بأنه وحي إلهي ثم لا يلتزم به ،و لا يحتكم إليه ، و يُخالفه و يُقرر ما يُناقضه . فهذا مرفوض شرعا و عقلا ،و مُستهجن أخلاقا .

و أما شرعا فالله تعالى فرض على المؤمنين بدينه شريعة أمرهم بالالتزام بها ، فوعد المُطيعين له بجنة الخلود، و توعد العاصين له بالعذاب الأليم . و أنكر عليهم تظاهرهم بالإسلام و العمل بخلافه . فقال سبحانه : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }الحجرات15-، و {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }النساء65-، و {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء69-،و {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }النساء14-، و {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة44- ،و {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }الصف3- .

فعدم التزام هؤلاء بالشرع مع إظهار انتسابهم إلى الإسلام و المسلمين أمر مرفوض ،و لا يصح عقلا و لا شرعا . فهم إما أنهم لم يُؤمنوا به أصلا و إنما تظاهروا بذلك رغبة في تحقيق مصالح دنيوية ، و رهبة من دفع مضار قد تلحق بهم . و هم في هذه الحالة يكونون من المنافقين الذين أظهروا الإسلام مع عدم الإيمان به أصلا . أو أنهم اختلط عليهم الأمر ، بسبب الشكوك و الشبهات التي أفسدت فكرهم لقلة علمهم و ضعف إيمانهم ،و انحراف منهجهم العقلي . فهم من الذين في قلوبهم و عقولهم أمراض ، و شكوك ، و شبهات ، فلا هم من المؤمنين ،و لا من الكفار ،و لا من المنافقين . و الله تعالى أعلم بحقيقة موقفهم من دين الإسلام . لكن الثابت قطعا أنهم لم يكونوا في مستوى ما يفرضه عليهم الشرع و العقل في ضرورة الالتزام بدين الإسلام في مجال الطبيعيات من جهة . و أنهم أهملوا طبيعيات القرآن الكريم و قرروا خلافها في مواقف كثيرة جدا من جهة أخرى . فلا هم التزموا بالشرع الصحيح ،و لا أخذوا بما يقرره و يفرضه عليهم العقل الصريح . فكان الذي صدر عنهم لا يصدر عن مؤمن صادق كامل الإيمان ، و لا يفعله إنسان يحتكم إلى العقل الصريح !! .

و الاعتراض الثالث مفاده ربما يقول بعض الناس : إن هؤلاء الفلاسفة تبنوا طبيعيات اليونان ،و خالفوا طبيعيات القرآن من باب الموضوعية و ما يفرضه عليهم البحث العلمي النزيه .

و أقول : هذا تبرير أقرب إلى التغليط و التدليس من التبرير النزيه . و هو تبرير لا يصح بدليل الشواهد الآتية : أولها إن الموضوعية الحقيقة تتطلب من هؤلاء ذكر كل موقف و رأي وُجد في كتاب يتعلق بالموضوع المعني ، بغض النظر عن مصدره و نوعه ،و صاحبه و طبيعته .

و الثاني مفاده أن الموضوعية تتطلب منهم أن يكونوا موضوعيين مع أنفسهم ، فيذكرون ما يعتقدونه من آراء و لا يخفونها، و من يُخفيها فهو إما أنه مغالط و مُدلس ، أو أنه خائف ، أو أنه يُخفي عيوبه .

و الشاهد الثالث مفاده أنه من الطبيعي و من المطلوب أن يذكر الإنسان مواقفه الدينية و المذهبية ،و يدافع عنها . و من لا يفعل ذلك فهو إما أنه ضعيف خائف من إظهار عقيدته ، أو أنه لا يُؤمن بتلك العقيدة ،و إنما تظاهر بها فقط ، فعندما يأمن على نفسه لا يذكرها ، بل ينصر خلافها . و عليه فليس من الموضوعية و لا من العقل أن لا يُظهر الإنسان أفكاره و يُدافع عنها ، بل هو المطلوب و الممدوح . و هذا هو المعروف و المشهود قديما و حديثا بين أهل العلم فهم يُدافعون عن أفكارهم و مذاهبهم و أديانهم و ينتصرون لها .
و الاعتراض الرابع مفاده إنه ربما يعترض علينا بعض أهل العلم في استعانتنا بالعلم الحديث في نقدنا لهؤلاء الفلاسفة في أخذهم بطبيعيات اليونان و مخالفتهم لطبيعيات القرآن . و يبدو أن الباحثة زينب عفيفي قصدت ذلك عندما قالت : (( ومع احترامنا لوجهة النظر هذه إلا أننا في دراستنا لتراث فلاسفتنا السابقين يجب أن نكون حريصين قدر الإمكان من محاولات تحديث الفكر الفلسفي أو النظر إليها بمنظور العلم الحديث، لأن ذلك سوف يخرجها عن محتواها الذي ظهرت فيه ويبعد بها إلى مجالات أخرى لم تكن في اعتبار هؤلاء المفكرين ولا في محيط بيئتهم التي ظهروا فيها ))[41] .
و أقول : هذا اعتراض مرفوض و ينطوي على موقف خطير جدا ، يكرس السلبية و الانهزامية ، و التحريف و التغليط ، و يمنع العقل من أن ينقد بحرية و علمية و بكل ما لديه من حقائق الشرع و العقل و العلم . فلماذا لا ننقد هؤلاء بذلك ؟! . لماذا نعمل على الحفاظ على التغليط و التحريف و تقديس الشخصيات ؟! ،و لماذا لا نُظهر للعالم أخطاء هؤلاء كما نُظهر صوابهم و نغالي فيهم ؟؟ . و أليس من الواجب علينا نقد فكر هؤلاء بكل ما نستطيع ؟؟!! . و لماذا هؤلاء الفلاسفة نقدوا غيرهم بعلوم عصرهم ، و نحن لا ننقدهم بعلومنا ؟؟!! .
إن الصواب هو أنه يجب علينا أن ننظر إلى تلك الفلسفة بحقائق الشرع و العقل و العلم ، لنعرف حقيقتها ،و نُميز صحيحها من سقيمها ، ثم بعد ذلك ننظر هل أخطاء هؤلاء هي من الأخطاء التي تقبل الاعتذار أم لا ؟؟ ، ثم نبين ذلك و نعتذر لمن يستحق الاعتذار ، و لا نعتذر لمن لا يستحقه . ثم بعد ذلك نذم من داس على العقل و العلم ، و من جعل الشرع وراء ظهره ، و عليه أن يتحمل هو مسؤولية ذلك . و لا يصح أن نعتذر لأحد منهم كان يتعمد مخالفة الشرع الصحيح ،و العقل الصريح ، و العلم الصحيح .
لذلك يجب أن ننقد فلسفة هؤلاء و غيرهم بكل ما نملك من حقائق ، و لا نتهيب و لا نتراجع ، شريطة أن لا نكذب عليهم ، و لا نحرف كلامهم ،و لا نُحمله ما لا يحتمل . لكن لا يصح أن نُدللهم ،و أن نسكت عن أخطائهم و انحرافاتهم العلمية و المنهجية ، . و الأمثلة على أخطائهم كثيرة جدا ذكرنا منها طائفة في كتابنا هذا و في كتب أخرى لنا . و هذه النماذج لم تُحَدِّث فكر هؤلاء كما زعمت الباحثة ، و إنما نقدته بالحق ، و بينت الخطأ و الصواب في كلامهم ، فهذا ليس تحديثا و لا تحريفا ، و إنما هو عمل علمي نقدي تمحيصي هادف لخدمة العلم و الحق . و عمل كهذا مطلوب جدا و ضروري ، و لا يصح تقزيمه ، و لا تقبيحه ، و لا الوقوف ضده .
علماً بأن كثيرا من أخطاء هؤلاء كان من الممكن جدا تجنبها لو كان كثير منهم في مستوى النقد العلمي الموضوعي الصحيح، القائم على الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح . و الدليل على ذلك أن منتقديهم المعاصرين لهم تمكنوا من إبطال كثير من أفكارهم في المنطق و الإلهيات ، كما فعل أبو حامد الغزالي في نقده لإلهياتهم ، و ابن تيمية في نقده لمنطقهم و إلهياتهم أيضا ،و قد توسع في ذلك توسعا كبيرا ،و له في ذلك بحوث و مصنفات .
فلا يصح أن نخون أمانة العلم ، بأن نسكت على أخطاء هؤلاء ، و ندللهم بإخفاء أخطائهم ،و السكوت عنها ،و الدعوة إلى عدم انتقادها بحقائق الوحي الصحيح ،و العقل الصريح ، و العلم الصحيح . و من يفعل ذلك ، فهو يعمل على تكريس التخلف و التعصب ،و السلبية و الانهزامية ، و التدليس و التغليط ، و هو يفعل ذلك من حيث يدري أو لا يدري .
و لماذا التخوف من نقد هؤلاء بمنهج الوحي الصحيح ،و العقل الصريح ، و العلم الصحيح ؟؟ ، أليس هذا هو المنهج الصحيح ؟؟ ، فلماذا نتظاهر بطلب الحقيقة ثم نعمل على طمسها ،و نسعى إلى عدم الوصول إليها ؟؟ ، أية فائدة نجنيها من إخفاء أخطاء و انحرافات السابقين ؟! ، و لماذا لا نُظهر هؤلاء للناس على حقيقتهم ، بما لهم و بما عليهم ؟!! . و لماذا نحرص على مدح و تبجيل هؤلاء باستخدام التحريف و الإغفال و الانتقاء ،و لا نعمل على كشف هؤلاء على حقيقتهم ؟؟! . و لماذا نسعى على تكوين باحثين سلبيين انهزاميين عملهم التبجيل و المدح حتى و لو بالباطل ؟؟!! . فلماذا لا نربيهم على المنهج العلمي الصحيح الذي يعلمهم المنهج الذي يكشف لهم عن الصواب و الخطأ معا ،و يجمع بين المدح و التبجيل ،و بين الذم و القدح ، و بين الاعتذار و التبرير على أن يضع كل نوع في مكانه الصحيح ، بلا إفراط و لا تفريط ؟؟!! .
و أية فائدة حقيقية نجنيها من إخفاء أخطاء و سلبيات السابقين ؟؟!! ، أليس العاقل هو من يستفيد و يتعظ بسلبيات غيره و إيجابياتها معا .؟؟!! أليس نحن في أمس الحاجة إلى الاتعاظ بسلبياتنا أكثر من الاتعاظ بإيجابياتنا ؟؟ . ألم نتضرر كثيرا عندما بالغنا في الافتخار و تضخيم إيجابياتنا من جهة ،و ضربنا صفحا عن كثير من سلبيتنا الكثيرة جدا و التي أفسدت علينا ديننا و دنينا من جهة أخرى ؟؟!! . ألسنا في أمس الحاجة إلى الاعتبار بسلبيتنا قبل الاعتبار بإيجابياتنا؟؟!! .
و الاعتراض الخامس مفاده أنه ربما يقول بعض الناس: إنكم انتقدتم علماء المسلمين في أنهم أهملوا طبيعيات القرآن الكريم عندما دوّنوا العلوم في القرنين الثاني و الثالث الهجريين ، فلم يدونوها كعلم شرعي ،و لا طرحوها كبديل لطبيعات اليونان ؛ مع أن الحقيقة هي أن الطبيعيات تختلف عن علوم الشريعة و الإنسانيات . لأن لكل أمة دينها و شريعتها ،و إنسانياتها المُميزة لها، و هي علوم مرتبطة بعقائد و مذاهب كل أمة ، فهي متعددة و متنوعة . لكن علوم الطبيعة واحدة لا تتعدد و لا تتنوع حسب الشعوب و المذاهب و الأديان ، فكيف يُمكن إيجاد طبيعيات إسلامية تقوم على القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ؟ .
فأقول: أولا يجب أن لا يغيب عنا أنه ليس صحيحا أن علوم الطبيعة منفصلة تماما عن عقائد و شرائع الأديان و علوم الإنسان . لأن العلوم الطبيعية مع اختلاف مواضيعها عن الأديان و الشرائع و علوم الإنسان ، إلا أنها لا يُمكن أن تقوم في أساسها الأول و في كثير من جوانبها إلا على عقائد و مذاهب الذين يشتغلون بها من جهة ، و تبقى هذا الأصول تؤثر في كثير من الفروع من جهة أخرى . و الشاهد على ذلك هو أن طبيعيات اليونان أقامها أهلها على إلهياتهم ، كما هو حال طبيعيات أرسطو . فهي طبيعيات أقامها أرسطو على القول بأزلية العالم و أبديته ، و تعدد الآلهة ،و هذه العقائد ضلت تتحكم في طبيعيات أرسطو و تُؤثر فيها عندما خاض في جزئيات كثيرة من طبيعياته المتعلقة بالحيوان ، و الآثار العلوية ،و السماء و العالم[42] .
و من ذلك أيضا أن الغربيين في العصر الحديث أقاموا علوم الطبيعة على النزعتين المادية و العلمانية ، و قسم كبير جدا منها أقاموه على الإلحاد ،و القول بالصدفة . و ما تزال آثار ذلك ظاهرة إلى يومنا هذا ، نجدها مُتفرقة في الطبيعيات المعاصرة . فلماذا نحن إذاً لا نُقيم الطبيعيات على أساس من القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ؟؟!! .
و ثانيا يجب أن لا يغيب عنا أن القرآن الكريم يختلف عن كل الكتب الدينية المقدسة فيما يتعلق بالطبيعيات . فهو لم يذكر أفكارا قليلة عامة عادية عن مظاهر الطبيعة كذكر الشمس ، و الأرض ،و النجوم ، كما هو حال الكتب الدينية الأخرى[43]؛ و إنما ذكر آيات كثيرة جدا غطت علوما كثيرة من جهة ،و تضمنت جزئيات كثيرة حملت مظاهر إعجازية باهرة من جهة أخرى . فهذه الوفرة كافية لإقامة طبيعيات إسلامية الأصول و كثير من الجزئيات ،و عليها يقوم العمل العلمي في مجال البحث و الكشف ، و التنظير و التسخير . و هي أصول لا تناقض العقل الصريح ، و لا العلم الصحيح ، و بهذا يسقط ذلك الاعتراض .
و الاعتراض الأخير – السادس - مفاده أنه ربما يعترض علينا بعض الباحثين فيقول: إنكم بالغتم كثيرا في انتقاد الفلاسفة المسلمين ، فكان من المفروض أن تبحث لهم عن مبررات و تعتذر لهم ، لأنهم ربما كانوا معذورين في مخالفاتهم لطبيعيات القرآن الكريم .
و أقول: هذا اعتراض في غير محله ،و الاعتذار لهؤلاء لا يصح و غير مقبول تماما ، لأن هؤلاء لم يُخالفوا طبيعيات القرآن في الأمور الاجتهادية فقط ، و إنما خالفوه صراحة في طبيعيات تتعلق بأصول الدين ، كقولهم بأزلية العالم و أبديته ، و تعدد الآلهة و مشاركتها في إيجاد العالم،و إنكارهم للمعاد الأخروي .
فهم إما أنهم كانوا جاهلين بدين الإسلام ، و في هذه الحالة فهم لا يُعذرون بجهلهم ، لأنهم كانوا من أهل العلم ، و يجب عليهم معرفة أصول دين الإسلام الذي انتموا إليه . و إما أنهم كانوا على علم به ،و تعمدوا مخالفته في طبيعياته و إلهيات . و في الحالتين لا يصح الاعتذار لهم ،ولا البحث لهم عن مخارج و تبريرات .
و إنهاءً لهذا الفصل- الثاني والأخير- يتبين منه أن مخالفات الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم كانت لها آثار سلبية كثيرة و خطيرة جدا على مستوى الأفكار و السلوكيات . منها إنه اتضح أن هؤلاء خالفوا طبيعيات القرآن الكريم و إلهياته مخالفات صريحة لا تحتمل تبريرا و لا اعتذارا . و أنهم كانوا متناقضين مع أنفسهم و دينهم و مجتمعهم من جهة ،و لم يكونوا في مستوى ما يتطلبه منهم البحث العلمي الصحيح في البحث و الاستدلال من جهة أخرى . و أنهم أفسدوا الطبيعيات في الحضارة الإسلامية أكثر مما أصلحوها و طوّروها ، فكانت كثيرة الأخطاء و الانحرافات العلمية و المنهجية .
و تبين أيضا أن أسباب مخالفات هؤلاء لطبيعيات القرآن الكريم هي أسباب عميقة تعود أساساً إلى ضعف إيمانهم بدين الإسلام ،و إلى نقص في تكوينهم النفسي و المعرفي . فأوجد فيهم ذلك رفضا لطبيعيات القرآن ،و قبولا لطبيعيات اليونان ، و سلبية و انهزامية في تعاملهم مع فلسفة اليونان . و أوقعهم أيضا في مخالفات لا تقبل التبريرات و لا الاعتذارات.

















....................................


الخاتمة
أظهر بحثنا هذا أن مخالفات الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم كانت كثيرة و متنوعة ، و ترتبت عنها آثار سلبية عديدة و وخيمة ، بحيث لا يُمكن الاعتذار لهم في معظمها ،و لا تبريرها .

فمن ذلك أولا فقد تبين أن الفلاسفة المسلمين- الذين ذكرناهم- قد انحرفوا عن المنهج العلمي الصحيح في البحث و الاستدلال انحرافا كبيرا و فاحشا . فتكلموا في أمور لم يروها، و لا يُمكنهم رؤيتها ، و لا اعتمدوا على آثارها . و جعلوا خلفياتهم المذهبية الأرسطية مُنطلقا لهم من جهة ، و جعلوا ظنونهم و رغباتهم و اجتهاداتهم مُقدمات لهم من جهة أخرى . و هذا منهج استدلالي مرفوض كلية ، و لا يصح عقلا ، و لا علما ،و لا شرعا. و هم قد أخذوه عن شيخهم أرسطو الذي مارسه كثيرا .

و ثانيا فقد أظهر بحثنا هذا أن هؤلاء الفلاسفة قد خالفوا طبيعيات القرآن المتعلقة بخلق العالم ، و العناصر المكونة له ،و و طبيعة كائناته السماوية و الأرضية ، خالفوه مخالفات صريحة لا لُبس فيها ، و قدموا عليها طبيعيات اليونان . فخالفوا بذلك الوحي و العقل و العلم ، و وقعوا في أخطاء كثيرة جدا ذكرنا منها نماذج عديدة و متنوعة . و ذلك الموقف لا يصح شرعا و لا عقلا أن يصدر عن مسلم صادق الإيمان بدينه . فخالفوا دينهم صراحة في أصوله و فروعه ،و أدخلوا أنفسهم في صراعات داخلية ،و أوقعوها في تناقضات مع ذواتها و عقولها . فكانوا في تناقض رهيب لا يقبله عالم نزيه و صريح مع نفسه و الناس .

و ثالثا فقد اتضح أن قول هؤلاء الفلاسفة بخرافة العقول الأزلية المفارقة ،و دورها في تحريك الأجرام السماوية هو شرك صريح ،و قول بتعدد الآلهة ،و نقض للتوحيد الإسلامي . فلو رجعوا إلى القرآن الكريم و التزموا به لتبين لهم بطلان القول بتلك العقول ، و لجنبوا أنفسهم القول بها ،و لَمَا خالفوا الوحي الصحيح ،و العقل الصريح ، و العلم الصحيح .

و رابعا فقد أظهرت مواقف هؤلاء الفلاسفة من النفس و خلودها أنهم قالوا بمعادٍ غير شرعي، أقاموه على أهوائهم و ظنونهم ،و اتخذوه بديلا عن المعاد الأخروي الشرعي . فلم يقولوا بالخلود القرآني و ما يترتب عن ، و إنما قالوا بخلود خرافي لا قيامة فيه و لا معاد .
و خامسا فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة كانت عندهم جرأة كبيرة على مخالفة طبيعيات القرآن الكريم ، و لم تكن عندهم نفس الجرأة و لا قريبا منها على مخالفة أرسطو و انتقاده في الحق !! . و كانت لهم همة و إقبال على تلخيص و شرح كتب فلاسفة اليونان ،و لم تكن لهم همة على انتقادها ، و لا على الأخذ بطبيعيات القرآن للرد بها على طبيعيات اليونان . فضيعوا أوقاتهم و جهودهم في السلبية و الانهزامية ،و التقليد و التعصب للباطل ، بدلا من أن يبذلوها في فهم طبيعيات القرآن و الكشف عن أسرارها و تطبيقها في بحوثهم العلمية .
و سادسا إنه قد اتضح بجلاء أن الطبيعيات في الحضارة الإسلامية قامت أساسا على طبيعيات اليونان و إلهياتها الدهرية و الشركية ،و لم تقم على طبيعيات دين الإسلام و إلهياتها التوحيدية . لأن هؤلاء الفلاسفة تبنوا طبيعيات اليونان و انتصروا لها ،وخالفوا طبيعيات القرآن و جعلوها وراء ظهورهم . فأدى هذا إلى نشأة غير طبيعية لعلوم الطبيعة في الحضارة الإسلامية . فهي لم تنبع من صميم ديننا و مجتمعنا ،و إنما أُدخلت إلينا –بكل مكوناتها- من غير إذن من ديننا ، و لا من أمتنا ، و لا من علمائنا الذين يُمثلون ديننا و أمتنا .
و سابعا فقد أظهر كتابنا هذا أن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا في المستوى المطلوب من الناحية العقلية ،و لا الشرعية ، و لا العلمية ؛ و إنما كانوا مثالا سيئا لغيرهم من أهل العلم و عامة الناس . فلم يكونوا النموذج المثالي القدوة لما يجب أن يكون عليه الفيلسوف المسلم ، فلا هم التزموا بدينهم .و لا هم كانوا في مستوى منطق البحث و الاستدلال . و لا هم كانوا في مستوى العلماء الأحرار المبدعين الذين يُقدمون البراهين على أقوال الرجال . فكانوا فلاسفة مسلمين بفلسفة يونانية ،و لم يكونوا فلاسفة مسلمين بفلسفة إسلامية !!!! .
و أخيرا – ثامنا - فقد تبين أن أسباب مخالفات هؤلاء لطبيعيات القرآن الكريم هي أسباب عميقة تعود أساساً إلى ضعف إيمانهم بدين الإسلام ، و كفر بعضهم به ،و إلى افتقارهم إلى التكوين الصحيح نفسيا ، و منهجيا ، و معرفيا . فأوجد ذلك فيهم رفضا لطبيعيات القرآن ،و قبولا لطبيعيات اليونان .
تم الكتاب، و لله الحمد أولا و أخيرا .
أ ، د : خالد كبير علال
شوال1432ه/ سبتمبر 2011م- الجزائر













من المصادر و المراجع :
1-القرآن الكريم .
2-ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء .
3-ابن باجة : رسائل فلسفية لابن باجة .
4-ابن باجة : رسائل جديدة لابن باجة ، نشرها عبد الرحمن بدوي .
5-ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، حققه محمد رشاد سالم ، ط1 ، مؤسسة قرطبة ، 1406 .
-6-ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية ، السعودية ، الطبعة : 1416هـ/1995م .
7-ابن حجر : فتح الباري ، ط 2 ، دار المعرفة ، بيروت .
8-ابن رشد : شرح السماء و العالم ، حققه أسعد جمعة ، مركز النشر الجامعي ، تونس ، 2002 .
9-ابن رشد : جوامع الكون و الفساد ، حققه أبو الوفاء التفتزاني ، و سعيد زايد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1991 .
10-ابن رشد : رسالة السماء و العالم و الكون و الفساد ، حققه رفيق العجم ، و جيرار جهامي ، ط 1 ، دار الفكر اللبناني، بيروت ، 1994.
11-ابن رش: تفسير ما بعد لطبيعة لأرسطو ، ط 1 ، دار إدريس ، دمشق ، 2007 .
12-ابن رشد : تلخيص ما بعد الطبيعة ، حققه عثمان أمين ، مكتبة البابي الحلبي ، القاهرة ،1958 .
13-ابن رشد : تلخيص السماء و العالم ، حققه جمال الدين العلوي منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بفاس .
14-ابن رشد : تهافت التهافت ، حققه صلاح الدين الهواري ، بيروت ، المكتبة العصرية ، 2006 ، .
15-ابن رشد : الآثار العلوية ، حققه سهير فضل الله ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1994 .
16-ابن رشد : ، ما بعد الطبيعة ، ط1 ، حققه رفيق العجم ، و جيرار جهامي ، دار الفكر العربي ، بيروت ، 1994 .
17-ابن رشد : الآثار العلوية ، حققه سهير فضل الله ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1994 .
18-ابن سينا : الطبيعيات ، من كتاب الشفاء .
19-ابن سينا : علم الهيئة ، المقالة الأولى .
20-ابن سينا : النجاة .
21-ابن سينا : عيون الحكمة ، حققه عبد الرحمن بدوي ، ط2 ، وكالة المطبوعات ، الكويت ـ 1980 .
22-ابن قيم الجوزية : إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، حققه محمد حامد الفقي ، دار المعرفة ، بيروت ، 1975 .
23-ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ، : دار طيبة للنشر والتوزيع ، السعودية ، 1999 .
24-ابن منظور الإفريقي: لسان العرب ، ط1 ، بيروت ، دار صادر .
25-ابن الهيثم : الشكوك على بطليموس ، حققه عبد الحميد صبرة ، و نبيل الشهابي ، مطبعة دار الكتب ، مصر ، 1971 .
26-أبو بكر الرازي: مختار الصحاح ، ط4 ، الجزائر ، دار الهدى ، 1990.
27-أرسطو : كتاب الطبيعة ، حققه عبد الرحمن بدوي، الدار القومية للطباعة ، القاهرة ، 1965 .
28-أرسطو : مقالة اللام من كتاب ما بعد الطبيعة ، مُلحقة بكتاب -أرسطو عند العرب لعبد الرحمن بدوي، ط2 ، وكالة المطبوعات ، الكويت ، 1978 .
29-أرسطو : مقالة الجما من كتاب ما بعد الطبيعة ، ملحقة بكتاب مدخل إلى الميتافيزيقا لإمام عبد الفتاح إمام ،ط1 ، مصر ، نهضة مصر ، 2005 .
30- البخاري: الصحيح ، حققه محمد زهير بن ناصر الناصر ، ط1 ، دار طوق النجاة ، 1422هـ .
31-البيروني: القانون المسعودي ، ط1 ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية ، الهند ، 1954 .
32-البيروني: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية ، الهند ، 1958 .
33-جمال الدين القفطي: أخبار العلماء بأخيار الحكماء .
34-ديوجين لا يرتيوس : مختصر ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة ، ترجمة عبد الله حسين ، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2006 .
35-الطبري : تفسير الطبري ،بيروت ، دار الفكر ، 1405 .
36-الفارابي: رسائل الفارابي ، سلسلة مكتبة الأسرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2007 .
37-الفارابي : رسالتان فلسفيتان للفارابي ، تحقيق جعفر آل ياسين ، ط1 ، دار المناهل ، بيروت ، 1987 .
38-الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة ، حققه ألبير نادر ، دار المشرق ، بيروت ، 2000 .
39-القرطبي : تفسير القرطبي ،حققه احمد البردوني ، ط2 ، القاهرة ، دار الشعب ، 1372 .
40-الكندي : الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون و الفساد ، ملحق ، بكتاب الكندي – فلسفته ، مُنتخبات – لعبد الرحمن مرحبا ، عويدات ، بيروت ، باريس ، 1985 .
41-الكندي : رسالة الكندي في النفس المختصرة من كتاب أرسطو و أفلاطون و غيرهما ، ملحقة بكتاب الكندي ، لعبد الرحمن مرحبا ، عويدات ، بيروت ، باريس ، 1985 .
42-مسلم : الجامع الصحيح ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي – بيروت .
43-آن تري هوايت : النجوم ، ترجمة إسماعيل حقي ، ط7 ، دار المعارف ، مصر ، 1992 .
44-جميل صليبا : تاريخ الفلسفة العربية ، ط 3 ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت ، 1995 .
45-خالد كبير علال : جنايات أرسطو في حق العقل و العلم ، منشور إلكترونيا في عدة مواقع ، منها صيد الفوائد ،و الألوكة .
46-دافيد برجاميني : الكون ، دار الترجمة ، بيروت .
47-روبرت أغروس و جورج ستانسيو : العلم في منظوره الجديد ، المجلس الوطني للثقافة ، الكويت . [1]
48-زغلول النجار : إنزال الحديد ، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن و السنة ، موقع : www.55a.net .
49-زينب عفيفي : عفيفي : الفلسفة الطبيعية و الإلهية عند الفارابي ، دار الوفاء، الإسكندرية ، 2002 .
50-زينب عفيفي : العالم في فلسفة ابن رشد الطبيعية ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1993 .
51- -سام تريمان : من الذرة إلى الكوارك ، ترجمة أحمد فؤاد باشا ، عالم المعرفة ، الكويت ، رقم 327 ، سنة 2006 .
52-سيد وقار أحمد : العلوم الفلكية في القرآن الكريم ، ترجمة سمية زيتوني ، دار طلاس ، دمشق ، 1996 .
53-صديق خان القنوجي : أبجد العلوم ، حققه عبد الجبار زكار ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 .
54-عبد الحميد سماحة : في أعماق الفضاء ، ط 3 ، دار الشروق ، القاهرة ، 1980.
55-عبد الدائم الكحيل : برنامج موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم و السنة النبوية ، و البرنامج موجود على الشبكة ، و موجود أيضا في موقع عبد الدائم الكحيل : www.kaheel7.com
56-عبد الرحمن بدوي : الفلسفة و الفلاسفة في الحضارة العربية ، بحث ضمن موسوعة الحضارة العربية الإسلامية ،ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، بيروت ، 1987
57-عبد الرحمن مرحبا :الكندي – فلسفته مُنتخبات – عويدات ، بيروت ، باريس ، 1985 .
58-عبد العليم خضر : المنهج الإيماني في الدراسات الكونية ، ط1، الرياض، الدار السعودية ، 1404 .
59-عبد العليم عبد الرحمن خضر : الظواهر الجغرافية بين العلم و القرآن ، ط1 ، الدار السعودية ، الرياض ، 1984 .
60-عبد المجيد الزنداني : توحيد الخالق .
عبد المجيد الزنداني: علم الإيمان .
61-علي أبو ريان : تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1992 .
62- علي أبو ريان : تاريخ الفكر الفلسفي: أرسطو و المدارس المتأخرة ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، د ت .
63-علي حسن موسى و آخرون : تاريخ علم الفلك ، ط1 ، دار دمشق ، دمشق ، 1984 .
64- فرنكل كلوز : النهاية ، ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 1994 .
65- ماجد فخري : تاريخ الفلسفة اليونانية : من طاليس إلى أفلاطون و برُقلس- ط1 ، دار العلم للملايين ، 1991 .
66-ماجد فخري: أرسطو : المعلم الأول، المطبعة الكاثوليكية ، بيروت ، 1958 .
67-محمد عبد الحميد الحمد : حياة البيروني ، دار المدى ، دمشق ، 2000.
68-محمد عابد الجابري: ابن رشد : سيرة و فكر ، ط2 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2001 .
69-محمد عبد الرحمن مرحبا : الكندي - فلسفته مُنتخبات – عويدات ، بيروت ، باريس ، 1985 .
70-منصور حسب النبي : الزمان بين العلم و القرآن ، دار المعارف، القاهرة ، 2001 .
71-الموسوعة العربية العالمية ، النسخة الإلكترونية ، 2004 .
72-موريس بوكاي : دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ، ط 4 ، دار المعارف ، لبنان ، 1977 .
73- يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية ، مطبعة لجنة التأليف و الترجمة و النشر ، القاهرة ، 1936 .











فهرس المحتويات
المقدمة

الفصل الأول
نماذج من مخالفات الفلاسفة المسلمين
لطبيعيات القرآن الكريم
أولا : قول الفلاسفة المسلمين بأزلية الكون و أبديته
ثانيا : موقف هؤلاء الفلاسفة من طبيعة العناصر المكونة للعالم
ثالثا : قول هؤلاء الفلاسفة بوجود عقول أزلية تحرك الأفلاك
رابعا: مخالفات تتعلق بحرارة الشمس و الكواكب
خامسا: قول هؤلاء الفلاسفة بأزلية الأنواع و حدوث الأفراد
سادسا: مخالفات تتعلق بظواهر أرضية

الفصل الثاني
آثار و أسباب مخالفة الفلاسفة المسلمين
لطبيعيات القرآن الكريم
أولا : آثار و استنتاجات من مخالفات هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن
ثانيا : أسباب مخالفة هؤلاء الفلاسفة لطبيعيات القرآن
ثالثا: اعتراضات و ردود
الخاتمة
أهم المصادر و المراجع



مصنفات للمؤلف :
1- صفحات من تاريخ أهل السنة و الجماعة في بغداد .
2-الداروينية في ميزان الإسلام و العلم .
3- قضية التحكيم في موقعة صفين – دراسة وفق منهج علم الجرح و التعديل
4- الثورة على سيدنا عثمان بن عفان – دراسة وفق منهج علم الجرح و التعديل-
5-مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه .
6- الصحابة المعتزلون للفتنة الكبرى – دراسة وفق منهج أهل الجرح و التعديل
7- الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث .
8- أخطاء المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون في كتابه المقدمة
9- الأخطاء التاريخية و المنهجية في مؤلفات محمد عابد الجابري و محمد أركون
10-أباطيل و خرافات حول القرآن الكريم و النبي محمد-عليه الصلاة و السلام- -دراسة نقدية لدحض أباطيل الجابري ،و خرافات هشام جعيط-
11-نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد –على ضوء الشرع و العقل و العلم –
12-التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي- خلال العصر الإسلامي-
13-بحوث حول الخلافة و الفتنة الكبرى-وفق منهج علم الجرح و التعديل- .
14- مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية .
15- وقفات مع أدعياء العقلانية - قراءة نقدية لفكر حسن حنفي ، و نصر حامد أبي زيد ، و هشام جعيط ، و أمثالهم- .
16- تناقض الروايات السنية و الشيعية حول تاريخ صدر الإسلام- مظاهره و آثاره ، أسبابه و منهج تحقيقه- .
17- جنايات أرسطو في حق العقل و العلم .









[1] للتوسع في ذلك أنظر كتابنا : جنايات أرسطو في حق العقل و العلم .

[2] ابن سينا : الطبيعيات ، ص: 247 .

[3] ابن سينا : النجاة ، ص: 153-154 .

[4] ابن باجة : رسائل فلسفية لابن باجة ، ص: 46 .

[5] جميل صليبا : تاريخ الفلسفة العربية ، ط 3 ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت ، 1995 ، ص: 503 ، 530 .

[6] ابن رشد : تهافت التهافت ، ص: 60 .

[7] ابن رشد : تهافت التهافت ، ص: 60 .

[8] ابن رشد : تهافت التهافت ، ص: 60 .

[9] لا نوثقها لأنه سبق توثيقها في الفصل الأول ، لكن سنوثق الجديد الذي يتطلب التوثيق .

[10] أنظر مثلا : ابن سينا : الطبيعيات ، ص: 1 ، 201 ، 227 . و ابن رشد : الآثار العلوية ، حققه سهير فضل الله ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1994 ، ص: 13 ، 78 .

[11] سبق أن ذكرنا نماذج كثيرة من طبيعيات القرآن الكريم . و أما عن منهجها و الدعوة إليها ، منها قوله سبحانه : (({قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .

[12] البيروني : القانون المسعودي ، ج 1 ص: 30 ، 31 .

[13] البيروني : القانون المسعودي ، ج 1 ص : 36 ، 37 .

[14] للتوسع في هذا الموضوع أنظر كتابنا : مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية ، و لكتاب منشور ورقيا و إلكترونيا

[15] عن ذلك أنظر كتابنا : مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية ، و الكتاب منشور ورقيا و إلكترونيا .

[16] سيد وقار أحمد : العلوم الفلكية في القرآن الكريم ، ترجمة سمية زيتوني ، دار طلاس ، دمشق ، 1996 ، ص: 13 .

[17] سنعود إلى حاله لاحقا بحول الله تعالى .

[18] ابن سينا : الطبيعيات ، ص: 416 ،417 ، 418 ، 420 ، 493 ، 551 .

[19] هذه الأخطاء توسعت ُ في إظهارها ،و تبيان خطئها في كتابنا : جنايات أرسطو في حق العقل و العلم ، و الكتاب منشور إلكترونيا .

[20] الفارابي : آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص: 61- 62 .

[21] علي حسن موسى و آخرون : تاريخ علم الفلك ، ط1 ، دار دمشق ، دمشق ، 1984 ، ص : 46 و ما بعدها ، 128 و ما بعدها . و نضال قسوم : ابن الشاطر وكوبرنيكس: هل لـ"الثورة الكوبرنيكية" جذور إسلامية؟ ، المقال موجود على شبكة الانترنت .

[22] نضال قسوم : ابن الشاطر وكوبرنيكس: هل لـ"الثورة الكوبرنيكية" جذور إسلامية؟ ، المقال موجود على شبكة الأنترنت .

[23] سبق أن أشرنا مرارا إلى العقول و معقولاته ، ذكرناها في الفصل الأول . لكن أنظر أيضا : نفس المصدر ، 19 و ما بعدها . و ابن الهيثم : الشكوك على بطليموس ، حققه عبد الحميد صبرة ، و نبيل الشهابي ، مطبعة دار الكتب ، مصر ، 1971 ، ص: ص من مقدمة المحقق عبد الحميد صبرة .

[24] . نضال قسوم : ابن الشاطر وكوبرنيكس: هل لـ"الثورة الكوبرنيكية" جذور إسلامية؟ ، المقال موجود على شبكة الأنترنت .

[25] نضال قسوم : ابن الشاطر وكوبرنيكس: هل لـ"الثورة الكوبرنيكية" جذور إسلامية؟ ، المقال موجود على شبكة الأنترنت .

[26] للتوسع في مقاومة المجتمع لفكر أرسطو و غيره من فلاسفة اليونان ، أنظر كتابنا : مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية .

[27] سنعود إليه لاحقا ، بحول الله تعالى .

[28] للوقوف على ما ذكرناه بالتفصيل و الأدلة القطعية الدامغة أنظر كتبي الآتية : : مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية . و نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد . و جنايات أرسطو في حق العقل و العلم .

[29] ابن رشد : ما بعد الطبيعة ن تحقيق رفيق العجم و زميله ، ص: 163 .

[30] عبد الرحمن بدوي : الفلسفة و الفلاسفة في الحضارة العربية ، بحث ضمن موسوعة الحضارة العربية الإسلامية ،ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، بيروت ، 1987 ، ص: 151 و ما بعدها .

[31] أبجد العلوم ، حققه عبد الجبار زكار ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 ، ج 1 ص: 260 .

[32] ابن أبي أُصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ج 1 ، ص: 284 .

[33] البيروني: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية ، الهند ، 1958 ، ص: 270-271 .

[34] ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ج 1 ، ص: 275 .

[35] ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، ج 2 ص: 273 .

[36] ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 6 ص: 304 ، 307 .

[37] ابن القيم : إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، حققه محمد حامد الفقي ، دار المعرفة ، بيروت ، 1975 ،ج 2 ص: 246 .

[38] كما فعل الغزالي في الإلهيات ،و ابن تيمية في المنطق و الإلهيات .

[39] عبد الرحمن مرحبا :الكندي – فلسفته مُنتخبات – عويدات ، بيروت ، باريس ، 1985 ص: 40 ,

[40] أشار إلى ذلك ابن قيم الجوزية في قوله الذي نقلناه عنه المتعلق بالطبيب أبي بكر الرازي ، الذي أخلط بين إلهيات القدماء ،و كوّن بها مذهبه .

[41] زينب عفيفي : الفلسفة الطبيعية و الإلهية عند الفارابي ، دار الوفاء، الإسكندرية ، 2002 ، ص: 144 .

[42] للتوسع في ذلك أنظر كتابنا : جنايات أرسطو في حق العقل و العلم .

[43] عن ذلك أنظر مثلا : موريس بوكاي : دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة .
نور الإسلام غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32