الإمام عثمان بن فودي مجدد الإسلام في الغرب الأفريقي

ويرجع الفضل لنشر الإسلام في قلب وغرب إفريقيا لدولة المرابطين العظيمة، وخاصة الأمير الشهيد 'أبى بكر بن عمر' الذي كان أمير المرابطين الأول ثم ترك الإمارة 'ليوسف بن تاشفين'، وتخلى

إضافة رد
قديم 02-04-2014, 07:28 AM
  #1
مدير عام
 الصورة الرمزية نور الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 4,506
افتراضي الإمام عثمان بن فودي مجدد الإسلام في الغرب الأفريقي

[حياته وآثاره، دولته ودعوته]


ويرجع الفضل لنشر الإسلام في قلب وغرب إفريقيا لدولة المرابطين العظيمة، وخاصة الأمير الشهيد 'أبى بكر بن عمر' الذي كان أمير المرابطين الأول ثم ترك الإمارة 'ليوسف بن تاشفين'، وتخلى عن الزعامة وتفرغ لنشر الإسلام بين الأفارقة، وظل يحارب القبائل الوثنية وينشر الإسلام بينهم حتى استشهد سنة 480 هجرية، وقد وصل بالإسلام إلى خط الاستواء، أي على أبواب إفريقيا الاستوائية، عند منطقة الغابات الكثيفة، وهو بذلك قد قام بخدمة عظيمة للإسلام، ولا تقل عما فعله 'يوسف بن تاشفين' في المغرب والأندلس.



أ. شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي





من رحمة الله - عز وجل - بأمة الإسلام أنه يرسل إليها على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر يدينها، فيعيد العمل برسوم الدين الأصلية، بعد أن ينفض غبار البدع والخرافات الذي ران على أصولها وعقائدها، ويخلص الناس من النسخ المزورة للتدين بعد أن يقدم لهم النسخة الأصلية للإسلام. والمجدد قد يكون فردا وقد يكون جماعة، وقد يتعدد المجددون في العصر الواحد، بحيث يكون كل مجدد منهم في فن من فنون العلم والدين. وكلما بعد الناس عن عصر النبوة والرسالة، كلما ازدادت حاجتهم لهؤلاء المجددين، ويبرز دورهم بصورة أكثر روعة من مجددي القرون الأولى.

وحديثنا اليوم عن واحد من هؤلاء المجددين الذين كان لهم أعظم الأدوار في الحفاظ على الإسلام وتجديده في منطقة مجهولة بالنسبة لغالبية المسلمين، لذلك فأخبار هذا المجدد ومآثره وأعماله ظلت هي الأخرى مجهولة بالنسبة لهم. حديثنا اليوم عن الإمام المجدد عثمان بن محمد فودي الفولاني الهوساني النيجيري أمير أمراء الغرب الأفريقي.

إن الحديث عن دعوة الإمام عثمان بن فودي وسيرته وجهاده يعني الحديث عن غرب أفريقيا الإسلامي بكل ما تدل عليه هذه العبارة من معان. ففي الوقت الذي يعتبر فيه كثير من الكتاب والمؤرخين " القرن التاسع عشر عصر انحطاط " فإن هذه العبارة إن صحت تاريخيا على قلب العالم الإسلامي وأطرافه الشرقية والجنوبية والشمالية إلا أنها لا تنسحب على ما يتعلق ببلاد السودان الأوسط والغربي، أو ما اصطلح عليه جغرافياً بغرب أفريقيا. فهذا القطر من العالم قد شهد في أوقات متعددة قيام عدة ممالك حكمت شعوبها باسم الإسلام، وأقامت نظم حكمها على أسسه ومبادئه وتعاليمه، ومن بين هذه الممالك " مملكة صكتو الإسلامية " في القرن التاسع عشر الميلادي.

يعتبر تاريخ الدول الإسلامية والممالك التي قامت في قارة إفريقيا إذا ما استثنينا الشمال الإفريقي، من الأمور المجهولة تماماً بالنسبة للمسلمين، فهم لا يعرفون عن مسلمي إفريقيا شيئاً مع العلم أن نسبة المسلمين في قارة إفريقيا هي الأعلى في قارات العالم، بما في ذلك قارة آسيا، أكثر قارات العالم ازدحاما بالسكان، هذا على الرغم من أن القارئ لأحداث وتاريخ هذه الممالك والدول، سيقف معجباً وربما منبهراً بالبطولات العظيمة التي قام بها أبطال إفريقيا العظام، خاصة هؤلاء الذين كانوا في الغرب الإفريقي، والذين تصدوا لأعنف وأشرس الحملات الوحشية والتي قادها صليبو إسبانيا والبرتغال وفرنسا وأمريكا، ونحن وللأسف الشديد قد انخدعنا بما يروجه الاحتلال الأوروبي، والإعلام الغربي الذي يصور لنا إخواننا الأفارقة في صورة الهمج الوحشيين، أكلة لحوم البشر، وأن التمدن والرقي الذي حصل لهؤلاء الأفارقة يرجع بفضل الاستعمار الأوروبي لبلادهم، والحق غير ذلك تماماً، فلقد قامت بإفريقيا السوداء الكثير من الممالك الإسلامية العظيمة، على شريعة الإسلام من الكتاب والسنة، بل وعلى منهج السلف فهماً وتطبيقاً، وصاحبنا واحد من أعظم الرجال الأفارقة الذين أدخلوا الدعوة السلفية إلى إفريقيا، وأقاموا دولة عظيمة وكبيرة على منهج السلف الصالح والعجيب أنه لا يعرفه أحد من عامة المسلمين.

كيف دخل الإسلام إلى غرب أفريقيا؟

تعتبر إفريقيا أول منطقة في العالم وصلها الإسلام بعد مكة مهبط الوحي، وذلك في العام الخامس من النبوة، عندما هاجر الصحابة الأولون فارين بدينهم إلى الحبشة، ثم دخلوا الشمال الإفريقي كله، من مصر إلى المغرب الأقصى في القرن الهجري الأول، وقد وصل فاتح المغرب الأعظم "عقبة بن نافع" - رحمه الله - إلى أطراف الصحراء الكبرى، وقد عمل ولاة بلاد المغرب من تونس إلى المحيط على نشر الإسلام في القبائل البربرية الموغلة في الصحراء، حتى وصل الإسلام إلى مدينة 'أودغشت' عاصمة قبيلة 'لمتونة' البربرية وهذه المدينة غير موجودة الآن ولكنها في قلب موريتانيا .

ويرجع الفضل لنشر الإسلام في قلب وغرب إفريقيا لدولة المرابطين العظيمة، وخاصة الأمير الشهيد 'أبى بكر بن عمر' الذي كان أمير المرابطين الأول ثم ترك الإمارة 'ليوسف بن تاشفين'، وتخلى عن الزعامة وتفرغ لنشر الإسلام بين الأفارقة، وظل يحارب القبائل الوثنية وينشر الإسلام بينهم حتى استشهد سنة 480 هجرية، وقد وصل بالإسلام إلى خط الاستواء، أي على أبواب إفريقيا الاستوائية، عند منطقة الغابات الكثيفة، وهو بذلك قد قام بخدمة عظيمة للإسلام، ولا تقل عما فعله 'يوسف بن تاشفين' في المغرب والأندلس.

وقامت ممالك إسلامية في غاية القوة والاتساع مثل مملكة 'غانا'، ومملكة 'مالي' الضخمة وكانت تشمل 'تشاد ومالي والنيجر والسنغال'، وكانت هذه المملكة من أقوى وأعرق الممالك الإسلامية في إفريقيا ومملكة 'الصنغاي'، وغيرها من الممالك القوية التي دفعت بالإسلام إلى الداخل الإفريقي. غير أن هذه الممالك قد أصابها داء التفرق ودب بين أبنائها حب الدنيا والصراع على المال والمناصب، فاقتتلت الممالك فيما بينها حتى أدى ذلك لتسلط الأعداء عليها من الوثنيين والأوروبيين.

وعلى الرغم من انهيار الممالك الإسلامية الكبيرة، إلا إن القبائل المسلمة قامت بدورها في نشر الإسلام، واستكمال الدور الدعوى الذي كانت تقوم به الممالك وربما بصورة أفضل، ومن هذه أشهر القبائل المسلمة قبائل الماندينج وتنتشر في مالي والسنغال وجامبيا وغينيا وسيراليون وساحل العاج. قبائل الولوف والتوكلور في السنغال ومالي. قبائل الهاوسا في النيجر وشمالي نيجيريا وبنين والتوجو وبوركينافاسو. قبائل الكانورى في شمال شرق نيجيريا والكاميرون. غير أن أعظم وأشهر القبائل الإفريقية وأشدها تحمساً لنشر الإسلام وتمسكاً به هي قبائل [الفولاني]، وهي التي تحملت مسئولية إعادة نهضة الإسلام وإقامة الممالك الإسلامية من جديد. ومن هذه القبيلة العظيمة ظهر الإمام المجدد عثمان بن فودي.

نشأة الإمام وصفاته:

ولد الإمام عثمان بن محمد بن فودي في 15 من ديسمبر 1754م ـ 1168 هـ في قرية " طقل " التابعة لمدينة " مارتا " إحدى المدن الصغيرة في مملكة جوبير، التي هي بدورها إحدى ممالك قبائل الهوسا الزنجية التي تستوطن في ولاية كانو، وفي أقصى الشمال والشرق من المنطقة التي تقوم فيها الآن نيجيريا. وكان الإمام عثمان ينتمي إلى أسرة عريقة في العلم، توارثت مهنة التعليم والوعظ، كابرا عن كابر، حتى أصبحت تعرف بأسرة فودي، أي المعلم، فكلمة ( فودي )، بلغة الفلانين – الذين تنمي إليهم هذه الأسرة - معناها " المعلم "، والفلانيون، قد نزحوا من منطقة السنغال، إلى بلاد الهوسا. وكانت الظاهرة البارزة فيهم تمسكهم القوي بالإسلام. وكان بينهم وعاظ تتوافر لهم المعرفة والعلم، فلما نزلوا أرض الهوسا عملوا في التجارة والزراعة كجيرانهم من الهوسا. وكان لهم الفضل في نشر الإسلام في هذه المنطقة.

حفظ الشيخ عثمان القرآن منذ أن كان صغيرا، وتعلم الحديث والفقه واطلع علي مؤلفات الكثيرين من كتب السلف، واحتك بالكثيرين من علماء بلده وعصره مباشرة وفكرا، مع العلم بأن منطقة غرب إفريقيا كانت زاخرة بالعلماء والمؤلفات وكانوا علي اتصال دائم بعالم الإسلام في المغرب، وفي مصر، وفي الشام، وفي الحجاز.

وكان الشيخ عثمان بن فودي مسلما تقيا ورعا، معروفا بحسن أخلاقه وسيرته، كما عرف بالتقوى والصلاح مع غزارة العلم والمعرفة ورحابة الصدر وسعة الأفق والتأني الحكيم ثم العزم الحاسم المتوكل علي الله.

يقول عنه ابنه الشيخ " محمد بيللو" في كتابه إنفاق الميسور: " إنه نشأ عفيفا متدينا ذا خلال مرضيه، نسيج وحده، انتهت إليه الأمانة وضربة إليه آباط الإبل شرقا وغربا وهو علم العلماء ورافع لواء الدين، أحيا السنة وأمات البدعة، ونشر العلوم وكشف الغموم، بهر علمه العقول، جمع بين الحقيقة والشريعة، فسر القرآن سنين عديدة، يحضره كبار العلماء والصلحاء عالما بقراءته وفنونه من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ، مع إمامته في الحديث وفقهه في غريبه ورجاله وفنونه من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ، مع إمامته في الحديث وفقهه في غريبه ورجاله وفنونه، وفي أصول الدين، والذود عن السنة، ودفع الأشكال، قائما بالحق، صحيح النظر، متدربا في تعليم الغوامض، إماما في النقول العقلية، متعبدا ناسكا، تصدر للتدريس وبث العلم فملأ القطر المغربي معارف وتلاميذ.

يقف أهل زمانه عندما يقول، وكان حامل لواء التحصيل وعليه مدار الشورى والفتوى، معظما عند الخاصة والعامة مجددا علي رأس هذا القرن، بليغا، خطيبا، شاعرا، فصيحا، فاضلا، حسن الخلق، جميل العشرة، كريم الصحبة، محققا، شديد العارضة، مقطوعا بولايته ".

علمه ومؤلفاته:

كان للإمام عثمان مجلسين أحدهما لتدريس العلوم يعقد يوميا بعد العصر وبعد العشاء، ويتناول تفسير القرآن وشرح السنة وأبواب الفقه وأصول الدين. والثاني للوعظ وكان أسبوعيا في ليلة الجمعة، وكان يحضره جمع غفير؛ رجالا ونساء، وكثيرا ما كان يخرج إلى القرى القريبة والبلدان المجاورة ويمكث فيها أياما أو شهورا ثم يرجع إلى قريته، مما أكسبه شهرة وذيوعا في إقليم جوبير كله، وطارت أخباره لدى الأمراء والكبراء في المنطقة.

أما عن مؤلفاته فقد بلغت مؤلفاته أكثر من 150 مؤلفا في شتى فروع العلم، في الأصول والتفسير والسنة والفقه والوعظ والسياسة واللطائف والإشارات، من أبرزها: إتباع السنة وترك البدعة، آداب العبادات والعادات إرشاد الإخوان إلى أحكام خروج النسوان، إرشاد السالك الرباني إلى أحوال عبد القادر الجيلاني، إرشاد أهل التفريط والإفراط إلى الصراط، أصول العدل لولاة الأمور وأهل الفضل، أصول الولاية وشروطها، إعداد الدعاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بموالاة المؤمنين والنهي عن موالاة الكافرين، بيان وجوب الهجرة على العباد وبيان وجوب نصب الإمام وإقامة الجهاد، تحذير الإخوان من المهدية الموعودة آخر الزمان، تنبيه الإخوان على أحوال أرض السودان، تنبيه أهل الفهوم على وجوب اجتناب الشعوذة وعلم النجوم، حكم جهاد بلاد الهوسا، سراج الإخوان إلى أهم ما يحتاج إليه في هذا الزمان، سوق الأمة إلى إتباع السنة، كف الطالبين عن تكفير عوام المسلمين، مصباح أهل هذه الأزمان من أهل بلاد السودان، نصائح الأمة المحمدية لبيان حكم الفرق الشيطانية التي ظهرت في بلادنا السودانية ، التفرقة بين الوعاظ المهتدين والوعاظ المذمومين، وثيقة إلى جماعة المسلمين.

ومؤلفاته مازالت موجودة ومعظمها مطبوع ومتداول يعرفها جيدا المسلمون الأفارقة وبلاد المغرب وموريتانيا.

جهاده وإقامته للخلافة:

لقد ترك الإمام عثمان - رحمه الله - العديد من المؤلفات الإسلامية التي جعلته في مصاف العلماء المسلمين.

ولكن أهم كتبه كان كتاب " بيان وجوب الهجرة "، ويوصف هذا الكتاب بأنه نقطة التحول الفكري في كتاباته بل وفي حياته وحياة ومستقبل جماعته، فذلك الكتاب كان بمثابة البيان المنهجي للخروج عن مجتمع الكفر والتخليط وعلماء السوء والشعوذة لمجتمع جديد يقوض أركان ذلك المجتمع ويبني عن أنقاضها دولة مسلمة هي دولة الخلافة العثمانية الصكتية تلك الخلافة التي لم تنته إلا في مطلع القرن العشرين من الميلاد علي يد الإنجليز.

فلقد نظر الإمام عثمان إلى سكان الهوسا فوجدهم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يعمل أعمال الإسلام، ولا يظهر منه شيء من أعمال الكفر، ولا يسمع منه شيء مما يناقض الإسلام، وأكد صحة عقيدة هذا النوع من الناس. القسم الثاني: مخلط: يعمل أعمال الإسلام، ويظهر أعمال الكفر، يسمع من قوله ما يناقض الإسلام فحكم على هؤلاء بالكفر. القسم الثالث: هم الذين لم يشموا رائحة الإسلام فهؤلاء كفار بالأصالة، ولا تجري عليهم أحكام الإسلام. وانطلاقا من هذه الرؤية بدأ الإمام عثمان بن فودي في دعوة حاكم إقليم جوبير في أول لقاء معه بعد صلاة عيد الأضحى في الفترة 1889 م لعدة أمور منها:

أن يحترم الحاكم أصحاب العمائم (العلماء).

ألا يقف في طريق أي شخص أو جماعة تريد الاستجابة لدعوته.

أن يطلق سراح المسجونين.

4‏- أن يمتنع الحاكم عن فرض الضرائب الباهظة على رعاياه.

لم ترق هذه الأفكار والمبادئ التي ينادي بها الإمام عثمان لأمراء جوبير المتعاقبين، فحاولوا الواحد تلو الآخر التضييق على حركة الإمام ودعوته، وظل الإمام متسلحا بدعوته وسعيه للإصلاح وتبليغ الدين الصحيح للناس لفترة بلغت أكثر خمسة عشر سنة، حتى بلغ الأمر مداه عند أمراء جوبير وبعد رأوا الآلاف ينضمون لدعوة الإمام، والوثنيين يدخلون في دين الله أفواجا، فقرروا التخلص من الإمام بتدبير مجزرة له ولأتباعه، فخرج الإمام مع جماعته من قرية (طقل) عام 1218 ‏هـ إلى قرية (قدو) ومعه خمسة آلاف. فأرسل الأمير إلى الشيخ يعلن عليه الحرب، فبايعت الجماعة الإمام، فأصبح قائدا وأميرا بعد أن كان إماما موجها ومن هنا بدأ يدخل حروبا مع هذا الأمير إلى أن كتب الله له النصر، وأقام دولة إسلامية عاصمة خلافتها (صكتو)، وأذعنت له باقي إمارات (الهوسا)، بعضها عنوة وبعضها سلما، وبقي يحكم بلاد (الهوسا) حتى توفي عام 1817 ‏م، واستمرت هذه الدولة بخلفائها وأمرائها مئة عام حتى أسقطها الاحتلال البريطاني عام 1903 ‏م لتدخل كل نيجيريا تحت هذا الاحتلال، وتظل فيه سنين عديدة ومنذ ذلك الحين بدأ الإنسان المسلم في شمال نيجيريا يواجه حربا من نوع آخر، يواجه تهديدا لقيمه وحضارته الإسلامية المتأصلة.
المصدر: طريق الخلاص

نور الإسلام غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 02-04-2014, 07:28 AM
  #2
مدير عام
 الصورة الرمزية نور الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 4,506
افتراضي

مرور دعوة الإمام عثمان بنفس المحطات والمشاق والمواجهات التي مرت بالدعوة السلفية في نجد، فقد بدأت بالموعظة الحسنة، ثم تدرجت شيئا فشيئا حتى وصلت لمرحلة الكفاح المسلح في مواجهة خصوم الدعوة، من الأمراء وشيوخ القبائل وزعماء العشائر، ثم قيام دولة الدعوة في نجد بالمشرق العربي وفي الهاوسا بالمغرب الأفريقي.
أ. شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي





تكلمنا في الجزء الأول من سيرة الإمام عثمان بن فودي عن ظروف دخول الإسلام إلى الغرب الأفريقي، وجهود العظماء والمجاهدين والعلماء في نشر الإسلام، وعن أهم الممالك الإسلامية التي قامت هناك، كما تكلمنا عن نشأة الإمام من مولده وأسرته ونسبه، والأجواء الدينية التي نشأ فيها، وأثرها على تكوينه واتجاهاته العلمية والفكرية، كما تكلمنا عن رحلته نحو إقامة أول إمارة إسلامية على غرار الخلافة العثمانية، والصعوبات والمشاق التي واجهها في رحلته من أجل ذلك. وسوف نتكلم هذه المرة عن أصول دعوته وجهاده وأهم أعماله، وآثار دعوته على المنطقة بأسرها.

أولا: دعوة الإمام

الإمام عثمان بن فودي قد نذر نفسه منذ البداية لخدمة الإسلام تعليما وتعلما، وكان لهذا التوجه الديني الخالص في حياته وسلوكه أثر بالغ في مسيرته الدعوية، فقد امتلأ قلبه بحب الدين والرغبة في نشره وتعليمه والذود عن حياضه والدفاع عن جنابه. فتولى تدريس الدين في موطنه بأرض " جوبير "، إحدى إمارات الهوسا، ولم تكن جوبير كلها يومئذ إمارة إسلامية تماما مع أنه كان بها جماعات إسلامية قبل ذلك بسبعمائة عام. وكان الشيخ عثمان يجيد التحدث باللغات العربية والفلانية والهوساوية وغيرها من اللغات. ولذا تهيأ له أن يجوب معظم بلاد الهوسا، وأن يجول بين الجماعات المختلفة، وأن يقف على أحوالها الاجتماعية والاقتصادية والدينية. وكان يخاطب كل جماعة بلغتها، وكان يدعو بين الرجال والنساء وعلي اختلاف قطاعات المجتمع، البدو وأهل الريف والحضر، والرعاة والزراع والطلبة والعلماء والتجار ورجال الدولة.

هذه الرحلة الدعوية والاختلاط مع شرائح متعددة من البشر، وأنماط مختلفة من القبائل والتجمعات السكانية، مكنته من الوقوف على موطن الداء وراء تخلف المسلمين وتسلط الأعداء عليهم. فقد هاله أثناء تجواله ما رآه ولمسه من ابتعاد الناس عن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن طغيان البدع في حياتهم، وتغطية الجهل والضلال والعادات السيئة، على جوهر عقيدتهم، وتسربت العقائد الوثنية والأفكار الخرافية إلى عقول المسلمين هناك، وحدث مزج خطير بين صحيح الإسلام وأساطير الأفارقة. فصار المسلمون يذبحون للأرواح ويقدسون الحيوانات والحيات، وينذرون للأنصاب والمشاهد والأحجار والأشجار، هذا غير البدع الأخرى التي تقل غلظة مثل بدع المعاملات والاحتفالات والعبادات، وأخيرا رأى الإمام منكرات راسخة أصبح مثل العادات الجاهلية التي لا ينكر على فاعلها مثل شرب الخمر والتعامل بالربا والغش في البيع والشراء وهكذا.

لذلك قرر الشيخ بناء ما تحصل له من معارف وعلوم بطبيعة أن تكون دعوته دعوة إصلاحية وثورة شاملة علي البدع والخرافات والشركيات وكل زيف ودخيل لحق بالدين، والدين منه براء .ولذا فقد قاد الشيخ عثمان حركة إصلاح سلفية عمدت إلى تعليم الناس أصول الدين الصحيح، وإحياء السنة، وإصلاح العقيدة الإسلامية، وتنقيتها مما شابها من بدع وتقاليد ارتبطت بالديانة الوثنية، والتي كانت سائدة في منطقة بلاد الهوسا وأعلن ثورة دينية ضد أولئك الحكام المسلمين، الذين بدئوا يخلطون الإسلام بالوثنية، من خلال تلك المظاهر وغيرها، وقد بنا الشيخ دعوته الإصلاحية علي خمسة أقسام:


القسم الأول: ما فرضت به الشريعة وهي الأصول والفروع الظاهرة والباطنة .

القسم الثاني: في الحث علي إتباع سنة رسول الله - صلي الله عليه وسلم -.

القسم الثالث: في رد الأوهام التي توهمها طلبة وعلماء الزمان نتيجة دراسة العلوم المنطقية والفلسفية، فشاع عند الناس أن من لم يشتغل بالتوحيد علي النمط المتبع في علوم الكلام فهو كافر وأشاعوا أن عوام المسلمين لا تؤكل ذبائحهم، ولا يناكحون مخافة أن يكونوا لم يعرفوا التوحيد، وابتلاهم الله بانتهاك حرمة خاصة أيضا فتناولوا فقهاء وقتهم من أهل العلم والدين ومن هم علي سبيل المهتدين.

القسم الرابع: في ردع البدع الشيطانية ورد العوائد الرديئة.

القسم الخامس: في بث العلوم الشرعية وتحديد المشكلات فيها والإفادة بالغرائب النوادر في العلوم.

ثانيا: أثر الدعوة السلفية في دعوة الإمام.

شاع بين كثير من القارئين لسيرة الشيخ المجدد أنه قد تأثر بدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي بسبب زيارته للأراضي المقدسة وأدائه لمناسك الحج مع أبيه، واجتماعه مع تلاميذ الشيخ بن عبد الوهاب، لكن الصحيح الذي لا شك فيه أن الإمام لم يتشرف بأداء مناسك الحج لانشغاله طوال حياته بالجهاد والدعوة والتأليف والتعليم. وتأثره بمنهج الدعوة السلفية في الإصلاح، وعزو الناس نسبته لهذه المدرسة الدعوية والإصلاحية، كان نتيجة عدة أمور منها:

1 ـ تتلمذه على يد عدة علماء ومشايخ تأثروا بهذه الدعوة وكانوا من أنصارها في الغرب الأفريقي. مثل الشيخ جبريل بن عمر الأقدسي النيجيري، والشيخ محمد تنبو، وكلاهما كانا من المتأثرين بالدعوة السلفية العاملين بمنهجها في غرب أفريقيا. وكان الشيخ جبريل على وجه الخصوص ذا تأثير كبير على الإمام عثمان خاصة في باب محاربة البدع وتنقية الدين من شوائبه والدخائل التي لحقت به.

2 ـ اتفاق دعوة الإمام عثمان مع الدعوة السلفية في الأصول والأهداف والمضامين، مما جعل سبل مواجهة المنكرات القائمة وتوصيفها شبه متفق عليه بني الجانبين، فكلاهما دعوة لإحياء السنة ومواجهة البدعة، والعمل بالكتاب والسنة، فلا عجب إذا أن تتفق رؤى الإصلاح وسبل الدعوة بينهما، وقد ظهر هذا جليا في مؤلفات الشيخ عثمان الكثيرة مثل " إتباع السنة وترك البدعة "، " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "، " الأمر بموالاة المؤمنين والنهي عن موالاة الكافرين "، " بيان وجوب الهجرة " وهو من أهم ما كتب الإمام عثمان.

3 ـ تشابه البيئة النجدية وقت ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع البيئة الهاوساية وقت ظهور دعوة الشيخ عثمان بن فودي من شيوع البدع والخرافات والمنكرات ومزج العقائد الإسلامية بالشعائر والأفكار الوثنية والجاهلية.

4 ـ تأثير الدعوة السلفية على مؤلفات وكتابات تلاميذ الشيخ عثمان وأبنائه، ومنهم أخوه عبد الله وابنه محمد بللو، وكلاهما ألف في العقائد ونقل وشرح، وظهر المنهج واضحاً في كتاب تذكرة الشيبان الذي تناول سيرة الإمام عثمان وتلاميذه وأبنائه، وقد جاء فيه: "وقد قام الشيخ بتثبيت التوحيد الخالص بمحاربة كل ما يؤدي إلى الشرك، كالاعتقاد في قدسية بعض الأرواح أو الأشجار أو الأحجار أو الآثار أو الأنهار، وتقديم القرابين إلى الجن لإبعاد أذاه، وزيارة قبور الأولياء بقصد نيل شفاعتهم والتبرك بهم ".

5 ـ مرور دعوة الإمام عثمان بنفس المحطات والمشاق والمواجهات التي مرت بالدعوة السلفية في نجد، فقد بدأت بالموعظة الحسنة، ثم تدرجت شيئا فشيئا حتى وصلت لمرحلة الكفاح المسلح في مواجهة خصوم الدعوة، من الأمراء وشيوخ القبائل وزعماء العشائر، ثم قيام دولة الدعوة في نجد بالمشرق العربي وفي الهاوسا بالمغرب الأفريقي.

ثالثا: جهود الشيخ الإصلاحية

كانت دعوة الشّيخ عُثمان بن فُودي - رحمه الله - دعوة شاملة ومتنوِّعة، لامَست كل الجوانب الحياتيّة للمسلم الإفريقي، بناها على الأُسس القويّة لنهضة الإصلاح وتأسيس الدولة الإسلاميّة، لذلك كان من الطبيعي أن يواجه الشيخ في دعوته كثيرا من المواقف والاختلافات والتباينات بين الناس في سماع دعوته والتفاعل معها قبولا وردا. وكان محور محاربة البدع والتصدي للدخيل هو اللب الأساسي لدعوة الإمام عثمان، شغل حيزا كبيرا من إنتاجه العلمي والدعوي، فقد كان الإمام حريصا على العودة بالدين إلى ينابيعه النقية ومصادره الأصلية.فلقد كان الشيخ مهتما بمحاربة بدع العبادات المنتشرة في بيئته، وقام بتأليف رسائلَ دعا فيها إلى وجوب التّمسُّك بالسنّة وتَركِ ما خالفها من البدع والعوائد، من ذلك: كتابُه: (إحياءُ السنّة وإخماد البِدعة) و( بيانُ البدع الشّيطانية الّتي أحدثها النّاس في أبواب الملّة المحمّديّة)، وكتابُه: (سَوْقُ الأمّة إلى إتّباع السنّة)، وكتابُه (وثيقة الإخوان لتبيين دليلات وجوب إتّباع الكتاب والسنّة والإجماع).

وفي كتابه: (مصباح لأهل هذه الأزمان من أهل بلاد السّودان) عَقَد فَصْلاً بعنوان: (ترغيبُ النّاس على إتّباع السنّة واجتنابِ البِدعة)، استَفْتَحه بقوله: " اعْلَموا يا إخواني أنّ الصّحابة والتّابعين وتابعيهم قد بلغوا الغايَةَ في إتّباع السنّة واجتناب البدعة، فاتّبِعوا آثارَهم تَفُوزوا بخير الدّارين". ثم ساق آثار الصّحابة والتّابعين الدّالة على هذا المعنى قولاً وفعلاً، فيها التّأكيد على لزوم السنّة النّبويّة والتّمسك بها، والدّعوة إليها، وترك كلّ ما يجانبها ويُعارضها من البدع والمخترعات الدينيّة.

مع مراعاة التنبيه على أن الإمام - رحمه الله - قد وقع في ثناياه بعض كتبه توسع في اعتبار بعض المباحات من جملة البدع تقليدا منه للعلامة ابن الحاج صاحب المدخل، وهو كتابٌ رغم كون مؤلِّفه قد شَنَّ هجوماً شديداً على كثيرٍ من البدع المنتشرة بين المسلمين إلاّ أنّه لم يَخْلُ من إثباتِ بعض البدع وإقرارها، ومن ثَمَّ تأثَّر الشّيخ رحمه الله بذلك من خلال نُقوله الكثيرة عنه.وقد عدّ أموراً لا تُعدّ من البدع، تابع فيها ابن الحاجّ في (المدخل) كَجَعْلِه نَتْر الذَكَر بقوّة بعد البول بدْعةً محرَّمةً إجماعاً، وجعلِه الاستنجاءَ من الرِّيح، والتَّغوُّط عُرياناً وصبِّ الماء في الأذن حالَ الغسل، وصوتِ مجِّ الماء من المضمضة أثناءَ الوضوء، وبَسط الفُرش في المسجد، واتخاذ المراوح فيها، ونَسخ القرآن وكَتْب العلم، وتعليم الصّبيان فيها، كلّ ذلك وغيره جَعَلَه بدعةً.

وكما وقف الإمام عثمان موقفا حازما وقويا من البدع والخرافات وواجهها ببيانه ولسانه وسنانه، فقد وقف موقفا قويا حازما من آفة الجمود الفقهي والتعصب المذهبي، فالشَّيخ عثمان بن فودي - رحمه الله - رغم كونه مالكيا إلاّ أنه كان يكن إجلالاً واحتراماً لبقية المذاهب كلِّها، ولا يتعصَّب لمذهب دون آخر، ولا يجيز مخالفة نص ثابت من الكتاب والسنّة بدعوى وجُوب إتّباع مذهب بعينه، كما لا يرى للعالم أن يحصر نفسه في مذهبٍ واحد لا يخرج عنه ولو مع قيام الدّليل خلافه، كما يرى أن العامي لا مذهب له، بل مذهبه مذهب مفتيه.

وقد بين ذلك كله وفصله في كتابه "هداية الطّلاب". وله عدة رسائل بخصوص التمذهب والتقليد، مثل رسالة " نجم الإخوان "، و " تنبيه الحكام "، و" ترويح الأمة " وقد أفاض في هذه الرسائل في الحديث عن موقف العامي من إتباع مذهب بعينه، وتقليد العلماء، وما يباح منه وما لا يباح.

بالجملة كان الإمام عثمان بن فودي - رحمه الله - زعيما إسلاميا، ومجددا دعويا، وفقيها مجيدا، وعالما نحريرا، ومؤلفا موسوعيا، ومجاهدا صادقا، استطاع أن يبني أسس دولة دامت مدة قرن كامل (1804 ـ 1903 م)، عاما داعيا مجاهدا تشبعت نفسه بثقافة إسلامية واسعة، ومُنح من الصفات الخلقية، والمواهب العقلية، والشجاعة في الرأي، والصدق في الإيمان، والإخلاص في العمل، وحسن الموعظة، ما هيأه الله تعالى به ليقوم بدور المصلح الديني المجاهد في سبيل نشر الدين ومقاومة الكفر والوثنية، وقمع البدع والخرافات، وتخليص المسلمين من بني قومه مما كانوا عليه من الانحطاط في الأخلاق والسلوك وسوء الاعتقاد والجهل بحقائق الشرع، وشدة الفرقة والانقسام ، فكان مجدد الإسلام ودرة الزمان في الغرب الأفريقي.
نور الإسلام غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صورة الإسلام في الغرب.. خطأ في الفهم أم جهل متعمد؟ نور الإسلام المقالات 0 09-11-2013 08:55 AM
القيم الأخلاقية بين الإسلام و الغرب نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 20-05-2013 05:52 AM
معجم افتراءات الغرب على الإسلام نور الإسلام العلوم الإسلامية 6 02-08-2012 09:54 AM
مفكر إسلامي: الغرب يتلذذ بازدراء الإسلام مزون الطيب الإسلام والعالم 0 06-03-2012 09:33 PM
يوليوس الأفريقي - أفريكانوس نور الإسلام لاهوتيات 0 09-01-2012 12:36 PM


الساعة الآن 11:45 PM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32