المكتبة العامة كتب ومراجع وبحوث ود اسات في مختلف العلوم والمعارف

المحاضرة السابعة : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

د. محمود عبد الرزاق الرضواني 07-المحاضرة السابعة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،

إضافة رد
قديم 07-11-2013, 09:27 AM
  #1
مدير عام
 الصورة الرمزية نور الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 4,506
افتراضي المحاضرة السابعة : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

د. محمود عبد الرزاق الرضواني

07-المحاضرة السابعة
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ، اللهم اجزه خير ما جازيت به نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته ، أما بعد:
سنجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية سيتكلم في خمس أو ست صفحات قادمة عن النفي عند السلف ، فهو نفي له قيمته ، فهو نفي يتضمن المدح ، فالله تعالى ينفي عن نفسه النقص ويُثبت الكمال المقابل ، وأما أن تنفي عنه نفياً ولا تُثبت كمالاً فهذا لا قيمة له، كما يقول الشاعر عند مدح قومه:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسبٍ ليسوا من الشر في شئ وإن هانا
هل معنى كون القوم ليس لهم في الشر أن أخلاقهم فيها العدل والخير؟
لا ، بل لأنهم هانوا وضعفوا ، فالشاعر نفى عنهم فعل الشر ولم يُثبت لهم فعل الخير ، وكذلك الشاعر الذي قال:
قُبَيلَةٌ لا يغــدرون بذمــــة ولا يظلمون النـــاس حبة خردل
فهذا أيضاً نفى عنهم النقص ولم يُثبت لهم الكمال الذي تضمنه هذا النفي، أما طريقة القرآن فهي مختلفةٌ تماماً ، فالله تعالى لو نفى عن نفسه وصفاً ، فيجب أن يكون هناك كمال، أما طريقة المتكلمين فغير ذلك، فينفون ما ثبت في القرآن ولا يُثبتون المقابل.
يقول شيخ الإسلام : وأما الإثبات المفصل ، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ....الآية بكمالها : ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(البقرة:255).
فهنا أثبت وصف الحياة ووصف القيومية اللذين تضمنهما اسم الله "الحي" واسم الله "القيوم" ، وقد قلنا أن أي اسم يدل على الصفة بالتضمن وعلى الذات بالتضمن ، وعلى الذات والصفة بالمطابقة ، فكل اسم يتضمن وصفاً ، وهذه هي عقيدة السلف الصالح وهي أن الأسماء الحسنى أعلام تدل على ذات الله تعالى وأوصاف تضمنها كل اسم ، ويختلف الوصف عن الآخر، فباعتبار الدلالة على ذات الله تعالى فليس هناك فرق بين الأسماء وباعتبار الدلالة على أوصاف الله تعالى فكل اسم يختلف عن الآخر ، فـ"الحي" غير "القيوم" غير "السميع" غير "البصير"، وأما باعتبار الدلالة على الذات فليس هناك فرق بين الأسماء لأن "الحي" هو الله و"السميع" هو الله و"البصير" هو الله ، لكن باعتبار الدلالة على أوصاف الله فهناك تسعة وتسعون اسماً مطلقاً يؤخذ منهم تسعة وتسعون وصفاً مطلقاً ، وهناك تسعة وتسعون اسماً مقيداً يؤخذ منهم تسعة وتسعون وصفاً مقيداً ، وهذا بخلاف الصفات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى ولم يذكر منها أسماء فهذه تسمى الصفة المستقلة.
كيف تثبت الصفات ؟
أولاً : تضمن الإسم للوصف
ثانياً : أن يرد الوصف مستقلاً
ثالثاً : أن يُقيد الوصف بموضع الكمال
فهذه هي طرق إثبات الصفات التي وردت في الكتاب والسنة .
ما هي دلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة اللزوم؟
دلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له ، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على بعض ما وضع له ، ودلالة اللزوم هي دلالة الشىء على سببه.
فمثلاً لفظ "شجرة"، هذا اللفظ ينطبق على شىء معين معروف عند العقلاء ، فعندما أقول شجرة لا أحد يقول لي "سيارة" أو يتصور سيارة ، فالذي يتصور سيارة ليس بعاقل، لأن لفظ الشجرة ينطبق على شىء معين تعارف عليه العقلاء ، ولفظ "سيارة" ينطبق على شىء معين له مواصفات عند العقلاء ، فكل لفظ له حقيقة ينطبق عليها ، وهذه الشجرة التي ينطبق عليها هذا اللفظ مكونة من عدة أشياء ، فعندما أقول لفظ "شجرة" أتصور الشجرة مجتمعة بفروعها وأوراقها وساقها وجذعها وثمارها ، فلفظ "شجرة" يشمل كل محتويات الشجرة ، فنقول : لفظ الشجرة يدل على ذاتها بدلالة المطابقة لأن اللفظ ينطبق على الشجرة ولا ينطبق على غيرها ، فلما أقول لفظ "كتاب" هل يتصور أحد "شجرة"؟ بالطبع لا ، لأن لفظ الكتاب ينطبق على شىء معين ولا ينطبق على غيره ، فدلالة اللفظ على ما وضع له دلالة مطابقة ، وعندما أقول لفظ "شجرة" فإنه يتضمن أجزاء كثيرة مثل الأوراق ، فما دلالة لفظ الشجرة على أورقها؟ هذه ليست دلالة مطابقة ولكنها دلالة تضمن .
ما دلالة الشجرة على فروعها؟ دلالة تضمن.
ما دلالة الشجرة على جذعها؟ دلالة تضمن.
ما دلالة الشجرة على ثمرها؟ دلالة تضمن.
ما دلالة الشجرة على ذاتها مجتمعة؟ دلالة مطابقة.
ما دلالة الساعة على عقاربها ؟ دلالة تضمن.
ما دلالة الساعة على ذاتها ؟ دلالة مطابقة.
ما دلالة السيارة على عجلها؟ دلالة تضمن
وعندما أقول ما دلالة السيارة على مصنعها؟ لا يصح أن نقول دلالة مطابقة لأن لفظ السيارة غير لفظ مصنعها فلفظ "المصنع" ينطبق على شىء غير الذي ينطبق عليه لفظ "السيارة" ، ولا يصح أن نقول أن لفظ "السيارة" يدل على المصنع بدلالة التضمن لأن السيارة لا تسير والمصنع بداخلها فهذا لا يتصوره عاقل ، فلفظ المصنع ينفصل عن لفظ السيارة ولكنه يدل عليها بدلالة يفهمها العقل تسمى "دلالة اللزوم" ، فلولا المصنع ما كانت السيارة .
ما دلالة الشجرة على الثمرة؟ دلالة تضمن .
ما دلالة الثمرة على الشجرة؟ دلالة لزوم .
ما دلالة الورقة على الشجرة؟ دلالة لزوم.
ما دلالة الشجرة على الورقة؟ دلالة تضمن.
ما دلالة الكتاب على الورقة ؟ دلالة تضمن.
ما دلالة الكتاب على المطبعة ؟ دلالة لزوم لأن الكتاب لا يوجد إلا إذا كانت هناك مطبعة تطبعه .
ما دلالة الكتاب على مؤلفه؟ دلالة لزوم.
فهذه دلالات فطرية يفهمها كل شخص عاقل بما علمه الله من الأسماء ، فالله تعالى علم آدم الأسماء كلها، هل علم الله سبحانه وتعالى آدم كل الأسماء من يوم ما خلق الله الدنيا إلى أن تنتهي الحياة مثل القرص الصلب والحاسب الآلي و.....و....؟ نقول:هذه الأشياء ليست هي المقصودة من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا، إنما علمه كيف يُسمي الشىء بدلالاته مطابقةً وتضمناً ولزوماً ، فإذا فهمنا هذه الدلالات نستطيع أن نسمي هذا الشىء الذي يسميه الغرب mp3 أو mp4اسماً جديداً فنحن نريد اسماً إسلامياً أو مصطلحاً عربياً نتفق فيما بيننا عليه ونتعارف فيما بيننا أنه إذا ذكر هذا اللفظ فإننا نتصور هذا الشئ، فمثلاً نسميه "المسجل العجيب" فيصبح هذا الإسم علماً على هذا الشىء ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة : 31 ) فعرض عليهم ذوات الأشياء لكي يخبروا بأسمائها ، فعلم سبحانه وتعالى آدم عليه السلام كيف يُسمي الأشياء وكيف يفهم دلالة المطابقة والتضمن واللزوم (وهذا هو أفضل تفسير فيما يتعلق بما علم الله تعالى آدم عليه السلام ولذلك فإن الطفل الصغير رفع عنه القلم ، لماذا ؟ لأنه لم يفهم هذه الدلالات ، فكل يوم يتعلم اسماً ويفهم دلالة اللزوم والتضمن والمطابقة ، حتى إذا وصل إلى البلوغ يصبح في حالة يفهم الشىء ويتعرف عليه وعلى دلالته مطابقةً وتضمناً ولزوماً ، وإن كان الناس لا تحفظ دلالة المطابقة والتضمن واللزوم ، وليس شرطاً أن يحفظوها ، فمثلاً عندما أقول لبائع الخضار: أعطني كيلو من الخيار، فلن يذهب ويأتي لي ببرتقال ، لماذا؟ لأنه يفهم دلالة المطابقة وأن هذا اللفظ ينطبق على شىء معين ، فإذا قلت له : أعطني كيلو من الخيار ، فأتي لك بخيار مقطع ليس على ما يرام ، فأنت ستعترض عليه لأنك تفهم أن لفظ الخيار ينطبق على شىء معين له مواصفات معينة ، وهذه المواصفات لابد أن تكون مجتمعة في ذات الفاكهة أو الخضار الذي أشتريه ، فالناس يفهمون هذا الكلام ، فمثلاً إذا قلت لأحد أعطني شجرة لكي أزرعها فأعطاك ورقة من الشجرة أو أعطاك شجرة ليس بها ورق فستسأله :أين الورق؟ ، فالناس تفاهمت وتعارفت فيما بينها على هذه الدلالات التي ارتبط بها عقل الإنسان وأن اللفظ يدل بالمطابقة على شىء لا يدل على غيره ، فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له أو دلالة اللفظ على ذات الشىء ، وسنتطرق إلى الكلام عن هذه الدلالة عندما نتكلم في مسألة التأويل ، لأن أصل التأويل هو أن يكون عندك حقيقة فتذكر لفظاً ينطبق على هذه الحقيقة ، فالحقيقة التي يؤول إليها اللفظ أو يؤول إليها الكلام هو النوع الأول من التأويل الذي ورد في القرآن والسنة وهذا الذي كان عليه السلف ، فنقول: آل اللفظ إلى حقيقته وإلى الذات التي ينطبق عليها ، فهذا هو التأويل الذي يعرفه السلف الصالح ، وليس التأويل المُحدث الذي يسمونه بالمجاز، فالتأويل في الأصل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فلما نقول: هذا كأس ، فقد تصورنا هذه الحقيقة ، وهذه الحقيقة التي يؤول إليها لفظ الكأس هو التأويل، فالتأويل عند السلف لا يعني إلا هذا ، ولذلك نقول بأن تأويل الخبر هو وقوعه وتأويل الأمر هو تنفيذه ، فلما أقول لك:اسقني ماءً ، فتأويل ذلك أن تُحضر لي الماء ، ولذلك ففي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده ))سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي(( ،يتأول القرآن.
ما معنى "يتأول القرآن ؟ أي يُنفذ الأمر الذي ورد في قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ (النصر : 3 ) ؛ فلما يسجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول)) سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي((، فيُنفذ الأمر ، فتأويل الأمر تنفيذه وتأويل الخبر وقوعه ، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّا ً، فكل ألفاظ التأويل التي وردت في القرآن المقصود بها الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فأي لفظ "التأويل" في القرآن معناه دلالة المطابقة وهو دلالة اللفظ على ما وضع له.
ودلالة اللزوم هي دلالة الشئ على سببه مثل دلالة الأثر على المسير ودلالة البعرة على البعير ، وهذه الدلالة لا يُمكن للإنسان أن يعيش دونها، فهي الدلالة التي يفهم بها الإنسان الآثار والأسباب .
سنبدأ الآن في تطبيق هذه الدلالات على أسماء الله تعالى ، فعندنا أن الاسم يُوضع لتمييز الشخص ، فيوم ما يُولد يُسمى باسم يصبح علماً عليه ، فمثلاً رجل سماه أبوه عند مولده سعيداً، هل هذا الرجل فيه وصف السعادة؟ لا نعلم ذلك ، فالمَلَك قد كتب ما إذا كان شقياً أو سعيداً، ولكن لما سمَّاه أبوه سعيداً تمنى أن يكون ابنه سعيداً ، فصفة السعادة قد تستجد له بعد ذلك ، ولكنه لمَّا سماه سعيداً سماه ليكون هذا الاسم علماً عليه ويُنادي به عليه ، فعندما يقول أحد: أين سعيد؟ لا يصلح أن يرد عليه رجل لمجرد أنه يضحك مثلاً ، لأن لفظ "سعيد" وُضع للدلالة على شخص بعينه ، فما دلالة "سعيد" على ذاته؟ دلالة مطابقة ، لأن لفظ "سعيد" ينطبق عليه ، فإذا كان فيه صفة السعادة سيكون هذا اسم على مُسمى ، فاسم "سعيد" يكون قد انطبق على أمرين ، فانطبق على ذات الشخص فميزته عن باقي الذوات ، وانطبق أيضاً على وصف السعادة فيه ، لأن "سعيد" تتضمن وصف السعادة وهو سعيد بالفعل ، فنقول في هذه الحالة أن "سعيد" عَلَمٌ ووصف ، فهو اسم دلَّ على ذات الشخص وعلى صفة السعادة فيه .
وأما إذا لم يكن فيه صفة السعادة ، فنقول أن هذا اسم على غير مُسمى ، ولذلك نقول بأن الاسم في حق البشر يدل على الذات بالمطابقة لاحتمال أن يكون الوصف غير موجود ، ولذلك فإن الأسماء لا تُعلل ، فهذا الشخص سُمي سعيداً ليكون هذا الاسم علماً عليه ويميزه ولا نبحث عن وصف السعادة فيه ، فإن كان هناك شخصان اسمهما "سعيد" ، نبحث عندئذ عن اسم الأب ، فسعيد بن صالح غير سعيد بن عباس ، فالأسماء في حقنا أعلام بلا أوصاف ، ولكن في حق الله تعالى فالأسماء أعلام وأوصاف، فلما نقول: "القوي" هو الله ، فاسم الله "القوي" دل على ذات الله وعلى صفة القوة ، ولذلك نقول بأن الاسم يدل بالمطابقة على الذات والصفة، فاسم الله القوي يدل على ذات الله وعلى صفة القوة بالمطابقة ، ويدل على ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة القوة وحدها بالتضمن.
لماذا قلنا بأن الاسم دلَّ على ذات الله بالتضمن ؟
لأن الاسم دلَّ على أمرين وليس على أمر واحد ، أما بالنسبة للبشر فإن الاسم قد يدل على الذات ولا يدل على الصفة ، لكن بالنسبة لله تعالى فإن اسم "القوي" يدل على ذات الله تعالى ويدل على صفة "القوة"، فالاسم علم على الذات وتضمن الوصف فهو يدل على الذات والوصف بالمطابقة ، فالاسم ينطبق على الأمرين معاً ، وعلى أحدهما بالتضمن .
فاسم "الرحمن" يدل على ذات الله بالتضمن ، ويدل على صفة الرحمة بالتضمن ، ويدل على ذات الله وصفة الرحمة بالمطابقة.
قال الشيخ حافظ الحكمي في معارج القبول أن اسم الرحمن يدل على ذات الله بالمطابقة ، وهذا خطأ لأن هذا هو مذهب المعتزلة الذين أثبتوا الذات بلا وصف ، وهذا خطأ غير مقصود من الشيخ رحمه الله تعالى لأنه قال أن اسم الرحمن يدل على صفة الرحمة بالتضمن ، والصواب هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى وستجده في كتاب الشيخ ابن العثيمين رحمه الله تعالى "القواعد المُثلى" وهو أن اسم "الرحمن" دل على ذات الله وعلى صفة الرحمة بالمطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة الرحمة وحدها بالتضمن .
لماذا قلنا أنه من الخطأ قول "اسم الرحمن يدل على ذات الله بالمطابقة ؟
لأن هذا مثل ما نقول: " سعيد" بلا سعادة، ولذلك المعتزلة يقولون : عالم بلا علم ، سميع بلا سمع ، فجعلوا الأسماء أعلام على الذات بلا أوصاف ، فهم بذلك شبهوا الله تعالى بالبشر ، كما نقول "سعيد" بلا سعادة ، فهذا نقص ، فأسماء الله أعلام تدل على ذاته وأوصاف تدل على الصفة التي تضمنها كل اسم ، فأسماء الله باعتبار الدلالة على الذات لا فرق بينها ، وباعتبار الدلالة على الصفات متفرقة فهناك تسعة وتسعون اسماً مطلقاً ، وتسعة وتسعون اسماً مقيداً، فأسماء الله باعتبار الدلالة على الذات مترادفة ، فالسميع هو الله والبصير هو الله ، ولكن الأسماء تتنوع باعتبار دلالتها على الصفات.
ما الدليل على أن أسماء الله تعالى أعلام ؟
قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى(الإسراء:110) أي أن كلها تدل على ذاته، فالآية تقول بأن أسماء الله أعلام ، فمهما تعددت لا فرق بينها في الدلالة على ذات الله تعالى ، وأما باعتبار الدلالة على الصفات فقد قال تعالى:﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ(الأعراف:180)
فكيف تدعو بأسماء الله الحسنى؟
هذا يكون بأن تنظر الوصف المناسب لك وتدعوا بالاسم الذي يناسب حالتك، ففي حال فقرك تقول: يا غني ، وفي حال ضعفك تقول: يا قوي ، وفي حال البحث عن أسباب الرزق تقول: يا رزاق، وفي حال البحث عن العلم تقول: يا عليم ، فتتخير من أسماء الله تعالى ما يُناسب حالك وتدعو الله به ، فالإنسان في حال الإضطرار يبحث عمَّن عنده وصف الكمال ، فالإنسان المريض يذهب إلى الطبيب ، ففي حال المرض يُنادي الإنسان على اسم الله الشافي لأن هذا هو المناسب لحال مرضه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضاً أو أُتي به إليه قال :"اللهم رب الناس أذهب الباس اشف وأنت الشافي" ، فتخير صلى الله عليه وسلم من أسماء الله اسم "الشافي" لأنه يُناسب حال المرض ، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ(الأعراف:180) أي فادعوه بها مراعاة للوصف ، أما باعتبار الدلالة على الذات فهي أعلام تدل على ذاته وأثبتت أوصاف الحق سبحانه وتعالى.
فاسم الله "السميع" يدل على ذات الله بالتضمن وعلى صفة السمع بالتضمن وعلى ذات الله وصفة السمع بالمطابقة، ويدل على صفة الحياة باللزوم ، لأنه لا يُمكن أن يتصف أحد بالسمع وهو ميت ، فقد قال تعالى:﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(النحل:21) فكيف يطلبون منهم ؟ قال تعالى:﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(فاطر:14) ، فيلزم من كون الله تعالى سميعاً أن يكون حياً ، ويلزم من كونه بصيراً أن يكون حياً ، ويلزم من كونه رحماناً أن يكون حياً، فجميع أسماء الله الحسنى تدل باللزوم على أن الله حيٌ قيوم ، ولذلك فإن اسم الله الأعظم هو "الحي القيوم" على هذا الإعتبار ، لأن فيهما ميزة ليست في باقي الأسماء ، فكل أسماء الله الحسنى تدل عليهما باللزوم وليس العكس (ولمزيد من الشرح والتوضيح ارجع إلى كتاب أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة في باب دلالة الاسم على الوصف).
فوائد:
- قالت اللجنة الدائمة بأن من أجاز الاشتقاق فهو على مذهب المعتزلة (أي في هذا القول) ، فما السبب في ذلك؟
• لأن الذي يشتق يستحدث لله اسماً لم يكن من قبل ، وأسماء الله أزلية ، فالمعتزلة قالوا بأن الله خالق بعد أن لم يكن خالقاً، ورازق بعد أن لم يكن رازقاً ، فيشبهونه سبحانه بالبشر ، كما نقول: "سعيد" استجد عليه وصف السعادة ، فلم يكن موجوداً قبل ذلك ، أما الله سبحانه وتعالى فأسماؤه أزلية أبدية ، ولذلك قالوا بأن الذي يقول باستحداث اسماً لله اشتقاقاً فمذهبه مذهب معتزلي في تلك القضية.
- التوقيف على الاسم غير التوقيف على الوصف غير التوقيف على الفعل ، فالتوقيف على الاسم يجب فيه العلمية ، فالاسم يُنادى به ، والتوقيف على الوصف بأنه يتضمن الاسم أو يرد مستقلاً مثل الاستواء فلا نُسمي الله تعالى "المستوي" ، والتوقيف على الفعل يختلف لأن هناك وصف فعل وهناك وصف ذات ، فكل فعل ورد في القرآن هو وصف فعل ، فما الذي سأشتق منه وما الذي لن أشتق منه ؟.
• التوقيف عند السلف لا يكون توقيفاً إلا على النص ، ولا يجوز أن نقول بأن التوقيف على المعنى، فالتوقيف يجب أن يكون على النص فيؤخذ بلا زيادة أو نقصان ، وهذا هو معنى التوقيف الذي فهمه السلف ،والذي نقل أسماء الوليد بن مسلم ظن أنها توقيفية أي ظنَّ بأن الحديث صحيح .
• قول النبي صلى الله عليه وسلم : ))أو علمته أحداً من خلقك(( يلزم منه أمران :"علمته" أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسرد الأسماء فلم يحددها ولذلك اختلف الناس فيها ، فقوله صلى الله عليه وسلم : "أو علمته أحداً من خلقك" أي استخرجها بالدليل من القرآن أو من السنة بنصها وضوابطها ، ولايجوز لأحد أن يأتي باسم بلا دليل أو اشتقاقاً برأيه واستحداثاً لربه في اسمه أو في وصفه ، فليس هذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: "أو علمته أحداً من خلقك" ، ولكن المقصود أن يكون الله تعالى سمى نفسه به فاستخرجه العبد ، مثل ما نجد في بعض الأسماء المقيدة أسماءً وردت بنصها في القرآن والسنة لم يخطر على بال أغلب الناس أنها أسماء.
•هناك معنىً آخر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أو علمته أحداً من خلقك" ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى وهو أن الله تعالى يُعلم بعض خلقه من الملائكة ما لا نعلمه نحن من أسمائه ، ولا يُقال أن المراد أن الله تعالى يُلهم عبداً باسمٍ لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة ، فهذا يُلغي التوقيف.
•اسم الله القدير يدل على صفة العلم باللزوم لأنه لا يُمكن أن يكون قديراً وهو جاهل.
•في فتوى للجنة الدائمة عندما سُئلت عن الفرق بين الاسم والوصف ، قالت : " الاسم علم على ذات الله تضمن الوصف ، أما الوصف فهو قائمٌ بالذات ولا يلزم أن يكون عَلَماً عليها " ، فمثلاً رجل اسمه "سعيد" وموصوف بالكرم ، فهل من أسمائه "كريم"؟ لا يلزم ذلك ، فكل اسمٍ دلَّ على الوصف وليس العكس ، ولذلك نقول بأن الأسماء يُشتق منها الأوصاف وليس العكس ، فلا تُشتق الأسماء من الأوصاف ، ولكن قد يجوز هذا لغةً ، فالفعل تأخذ منه اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر وصيغة المبالغة ، فهذا يجوز لغةً ولكن لا يجوز شرعاً ، فالله تعالى قال:﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(عبس:21) ، فـ"أقبر" و"أمات" هنا أفعال ، ولا نُسمى الله تعالى "المميت" أو "المقبر"، فأسماء الله مشتقة من الأفعال من ناحية اللغة ، فالله تعالى خلق فهو الخالق ، ولكننا قلنا بأن الله هو الخالق ليس اشتقاقاً من الفعل ولكن لأن الله تعالى قال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ (الحشر:24)، فالأفعال كثيرة ، فالقرآن فيه 375 فعل، فلو اشتققت منها أسماء لأصبح عندي 375 اسم ، ولذلك فإن الفرق بين الفعل والاسم كبير ، فالفعل دائماً مُقيد بالمفعول ، فلا يوجد فعل مطلق ، فالفعل له فاعل ومفعول ، فالفاعل سيعود على الحق سبحانه وتعالى، فالله تعالى فعل كذا ، فقولنا "فعل كذا" تقييد للفعل بالمفعول ، كما قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا (الأنبياء:30) فـ"فتق" هنا فعل ، والمفعول هو : السماوات والأرض ، فلو عممت وسميت الله "الفاتق" وجعلت المفعول به مطلقاً سيؤدي ذلك للنقص ، فلا أُسمي الله تعالى "الفاتق"، فالإنسان لا يقبل هذا الاسم على نفسه فكيف يقبلها على الله تعالى ؟ فَفَتْق الله تعالى للسماوات عن الأرض كمال ، فهي كمال طالما هي مقيدة بالسماوات والأرض ، فلو عممت وسميته بالاسم لكان الاسم مطلقاً ، وطالما أنه مطلق في الاسم فسيكون مطلقاً في الوصف فسيؤدي إلى النقص ، ولذلك فإن أفعال الله تعالى كلها مقيدة ، ويزيد التقييد في بعض الأفعال في موضع الكمال مثل الاستهزاء والخداع والسخرية ، لكن إذا قلنا بأن الاسم مطلق فالوصف أيضاً مطلق، ولذلك ليس كل فعل تأخذ منه اسماً ولكن لابد أن يأتي النص بالتسمية .
- فعل "تعز" أو فعل "تذل" في آية : ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء(آل عمران:26) مقيد لأن الفعل مقيد بالمفعول به ، فجملة "من تشاء" في محل نصب مفعول به.
يقول شيخ الإسلام : وأما الإثبات المفصل ، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله:﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ....الآية بكمالها (البقرة:255).
فالحي دل على ذات الله بالتضمن ودل على وصف الحياة بالتضمن ودل على ذات الله ووصف الحياة بالمطابقة ودل على وصف الأبدية والأزلية باللزوم ، فاسم الله "الحي" له خصيصة ليست في الأسماء الأخرى .
والقيوم دل على وصف القيومية بالتضمن وعلى الذات بالتضمن ودل على الذات والوصف بالمطابقة.
يقول شيخ الإسلام : وقوله:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ(الإخلاص:1-4).
فالأحد اسم من أسماء الله الحسنى وليس من الأسماء المشهورة ، دل على وصف الأحدية بالتضمن ، ووصف الأحدية يختلف عن وصف الواحدية ، ووصف الواحدية يختلف عن وصف الوترية ، فعندنا ثلاثة أسماء :"الوتر" و "الأحد" و "الواحد" ، ما الفرق بين الأسماء الثلاثة؟
"الواحد" ينفي قياس التمثيل و"الأحد" ينفي قياس الشمول ، فـ"الواحد" ينفي المثلية أو التماثل ،و"الأحد" ينفي الشبيه بالكلية، و"الوتر" ينفي الزوجية والشفعية ، فليس له زوجة وليس له ولد.
والصمد اسم دل على وصف الصمدية بالتضمن ، والمقصود بوصف الصمدية هو الذي تركن إليه الخلائق وترجع إليه، وقيل بأن الصمد هو الذي لا جوف له ، ولكن الصمد هو السيد الكامل السؤدد الذي تصمد إليه الخلائق ، فالصمد دل على ذات الله بالتضمن ، ودل على وصف الحياة والقيومية باللزوم ,
يقول شيخ الإسلام : وقوله:﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(التحريم:2).
فاسم" العليم" دل على وصف العلم بالتضمن ، وعلى ذات الله بالتضمن ، وعلى ذات الله وصفة العلم بالمطابقة ، ودل على وصف الحياة باللزوم.
واسم "الحكيم" دل على وصف الحكمة بالتضمن ، وعلى ذات الله بالتضمن ، وعلى ذات الله وصفة الحكمة بالمطابقة ، ودل على صفة الحياة باللزوم.
يقول شيخ الإسلام : وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ(الروم:54).
اسم "القدير" دل على وصف القدرة بالتضمن ، وعلى ذات الله بالتضمن ، وعلى ذات الله وصفة القدرة بالمطابقة، ودل على صفة الحياة باللزوم، وعلى صفة العلم باللزوم ، ولذلك قدَّم الله اسم "العليم" على اسم "القدير" لأنه لا يُمكن أن يكون قديراً إلا إذا كان متصفاً بالعلم والحياة والقيومية .
ما دلالة اسم الله "القدير" على اسم الله "السميع" ؟ دلالة لزوم لأن الذي لا يسمع ما يحدث في ملكه فليس بقدير .
لو نظرنا إلى كلام السلف عن هذه الدلالات سنجدهم يطبقونها على اسم الله "الرحمن" فقط.
هناك دلالة أخرى اسمها دلالة الالتزام ، فقد قلنا أن دلالة اللزوم هي دلالة الشئ على سببه ، أما دلالة الالتزام فهي دلالة الشئ على نتيجته.
فلو وجدنا ماءً في الصحراء ، فإن هذا يدل على إمكانية الزراعة بالإلتزام ، وعندما أجد طائراً يحوم في الصحراء حول مكان معين ، فهناك احتمال لوجود الماء باللزوم ، وهناك إمكانية وجود معيشة بالإلتزام.
تعليق حول حديث :"خلق الله آدم على صورته".
الصورة هي الذات المتصفة بالصفات ، فكل ذات اتصفت بالصفات فهي صورة ، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى له صورة لأن له ذاتاً وصفاتاً ، ونحن لنا صورة لأن لنا ذاتاً وصفاتاً ، لكن يوجد اصطلاح عند عامة الناس أنه لما يُذكر لفظ الصورة فإنهم يتخيلون الصورة الفوتوغرافية ، فهذا هو الإشكال ، فالشيطان يأتي له بقياس التمثيل وقياس الشمول في ذهنه ، ولكن المقصود بالصورة هو ثبوت الذات والصفة ، فعلى هذا فالله تعالى له صورة ، فخلق الله تعالى آدم على صورته أي في القدر المشترك لا في القدر الفارق، لأن آدم له ذات وصفات ، والله تعالى له ذات وصفات، فالقدر المشترك بين الإثنين هو الصفة عند التجرد عن الإضافة ، فقد قلنا أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق ، فمن نفى القدر المشترك فقد عطَّل ومن نفى القدر الفارق فقد مثَّل ، فمثلاً آدم سميع والله تعالى سميع ، فما هو المشترك بين الإثنين؟ هو لفظ السمع عندما ينفصل عن الإضافة إلى آدم أو إلى رب العزة والجلال ، فلما أقول :"سمع" لا أستطيع أن أتخيل كيفية معينة ، ولكن لما أقول : "سَمْع محمد" فإني أتخيل أذناً ، ولما أقول :"سَمْع الخالق" سأقف هنا لأني لا أعرف الكيفية فلم أرها ولم أر مثيلاً لها ، فالله تعالى له كيفية في سمعه لا يعلمها إلا هو ، فالله تعالى له سمع ونحن لنا سمع ، فهناك قدر مشترك وهناك قدر فارق ، فالقدر المشترك هو ثبوت الوصف والقدر الفارق يكون في حالة الإضافة ، فلو أُضيف إلى الله فلا يكون لآدم عليه السلام، وإن أُضيف لآدم فلا يكون لله سبحانه وتعالى ، أما الوصف فهو مشترك ، فالله تعالى ملك والإنسان ملك ، والله تعالى سميع والإنسان سميع ، والله تعالى بصير والإنسان بصير .........، فهذا هو المقصد في الحديث ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال :"خلق الله آدم على صورته" ، أي على صورة الحق في القدر المشترك لا في القدر الفارق وهذا هو الذي فهمه الصحابة ، فلا يُمكن ألا يكون هناك فرق بيننا وبين الحق سبحانه وتعالى وأن صورته تعالى هي صورة الإنسان ، فلم يحدث أن أحد الصحابة رضي الله عنهم لما سمع هذا الكلام قال: يا رسول الله هذا تشبيه ، ولم يذهب أحد الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : كيف خلق الله تعالى آدم على صورته؟ وكيف يكون الله في صورة الإنسان؟ ، ولكنهم فهموا أن الله سبحانه وتعالى استخلفنا في أرضه ، وقضية الإستخلاف هامة جداً في فهم قضية التوحيد، فالله تعالى أعطانا أمانة ، فأعطانا أرضه وخوَّلنا فيها واستخلفنا فيها واسترعانا عليها ، فيصح أن تنسب الملكية إلينا على سبيل الأمانة ، فأنت مالك لأن ربنا أعطاك أمانة ، وملك لأنك يُمكن أن تكون رئيساً على العباد، فالله تعالى أراد منك أن ترد الأمر إلى صاحبه ولا تنسى ، فإن كنت ملكاً فعليك أن توحد الملك سبحانه وتعالى ، فإن كان لك عرش ، فله سبحانه عرش ، فلا تقول مثلاً : ورثت هذا المال وهذا الملك كابراً عن كابر، فأنت أضعف خلق الله ولابد أن توحد الله في ملكه ، فالله تعالى أعطاك سمعاً وأعطاك قوة وأعطاك.....وأعطاك ..، فلابد أن توحد الله فيها وترد الفضل إلى صاحبه وتقول :أنا مستخلف فقط ، فهذا هو القصد من قضية الإستخلاف وهو أن الشخص يعود بما أعطاه الله وخوَّله واسترعاه إلى ربه ولا يتحرك في شئ مما استرعاه الله إلا بإذنه سبحانه وتعالى الشرعي ، فالشخص مستخلف وراعٍ وقد قال صلى الله عليه وسلم: ))كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته(( ، ولكن الإنسان يتناسى أنه في دار رسالة وأنه سينتقل إلى الدار الآخرة وأن الله تعالى أعد له عذاباً أو نعيماً ، ولا يأتي على باله إلا أنه في أرضه وماله وملكه وأنه يفعل ما يشاء ويتناسى الملك الأوحد سبحانه وتعالى ، فالشخص ينبغي أن يوحد الله تعالى.
ومن قبل ذلك حدث الإستواء على العرش ، فلماذا قال الله تعالى :﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(الأعراف:54) ، وأين كان قبل أن يستوي على العرش ؟ ، فالاستواء وصف فعله والعلو وصف ذاته ، فهو فوق كل شئ قبل أن يخلق العرش وقبل أن يخلق كل شئ ، لكن لما خلق الله سبحانه وتعالى العرش استوى عليه، لأنه في الوقت الذي استوى فيه على العرش خلق آدم عليه السلام وكان ذلك في يوم الجمعة ، فاستوى الله تعالى على العرش لأن آدم سيُستخلف في أرضه وسيكون له ملك وسيكون له عرش ، فيجب أن يوحد الله تعالى في استوائه على عرشه ، فبلقيس مثلاً لها عرش عظيم، وقال تعالى:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(النمل:26) ، فالهدهد نفسه فرَّق بين العرشين وأثبت الوصف لله تعالى ، فالهدهد هذا هدهد أهل التوحيد يفهم الفرق بين التمثيل والتعطيل ، فما مثَّل وما عطَّل، وأثبت الوصف كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(الشورى:11) ، ولذلك فإن هذا الهدهد هدهد سلفي ، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى لما ضُرب في محنة خلق القرآن وقد أجاب بعض المحدثين الكبار إلى القول بخلق القرآن ونفوا أوصاف الله تعالى ، فكان أحدهم يقول لغلامه : "يا غلام قدِّم الدابة على مولاك" ، فاخدم الدابة أولاً وقدِّم لها علفها واربطها ، "فوالله لو تكلمت الدابة لقالت إنها سُنِّيَّة" (أي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ) فتوحد الله في أسمائه وصفاته ، فقد أجاب هؤلاء بالقول بخلق القرآن أمام الخليفة خوفاً من القتل ، فنحن ندرس التدمرية حتى تصبح عقيدة طلبة العلم مثل عقيدة الهدهد، فالهدهد قال كلاماً في سورة النمل لا يقوله إلا متخصص في عقيدة السلف الصالح .



المصدر: طريق الخلاص

نور الإسلام غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المحاضرة السادسة : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نور الإسلام المكتبة العامة 0 07-11-2013 09:25 AM
المحاضرة الخامسة : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نور الإسلام المكتبة العامة 0 07-11-2013 09:24 AM
المحاضرة الثالثة : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نور الإسلام المكتبة العامة 0 07-11-2013 09:21 AM
المحاضرة الثانية : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نور الإسلام المكتبة العامة 0 07-11-2013 09:19 AM
المحاضرة الأولى : شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نور الإسلام المكتبة العامة 0 07-11-2013 09:18 AM


الساعة الآن 06:41 PM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32