محمد رسول الله سيرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام | قصص ومواقف وعبر

صفات الحبيب المصطفى .. بين القرآن والسيرة

مجلة الوعي الإسلامي (العدد : 511) أنبأنا المولى عز وجل قائلاً: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر

إضافة رد
قديم 09-11-2013, 10:56 AM
  #1
مدير عام
 الصورة الرمزية نور الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
المشاركات: 4,514
افتراضي صفات الحبيب المصطفى .. بين القرآن والسيرة


مجلة الوعي الإسلامي (العدد : 511)

أنبأنا المولى عز وجل قائلاً: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} «الأحزاب *21»، وأمرنا الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (صححه الألباني) وإنا لنجد في الكتاب الكريم والسيرة العطرة فيضا من المواقف والأفعال، ومن الشمائل والصفات تغطي كل جوانب حياة الحبيب المصطفى وشخصيته، بكل تفاصيلها اليومية، سواء ما اختصه الله به وحده فليس لأحد من أتباعه، أو ما هو عام لكن رفعه المولى فيه إلى مرتبة من الكمال مايزال المؤمنون يتطلعون إليها ويتوقون إلى أن يبلغوا شيئاً من ذروتها.. ! وكلٌ وما وهب الله الكريم!


صفات الحبيب المصطفى .. بين القرآن والسيرة 9k=

وقد اقتضت حكمة المولى ان ينزل الكتاب على رسول من البشر، يكون في واقعه العملي الصورة الكاملة لما جاء في ذلك الكتاب، أو كما وصفته عائشة رضي الله عنها «كان خلقه القرآن!» (صححه الألباني في الأدب المفرد) ذلك لأن الكتاب المجمل وحده * على جلاله* لا يكفي لأن يبلغ الخلق الغاية من تعاليم السماء، مالم تنتصب أمامهم الأسوة الحسنة التي تقنعهم أن ما يُدعون إليه ممكن التطبيق وإن بدرجة أقل من التي بلغتها «الأسوة» أو النموذج.. ! لابد *إذا* من القدوة العملية التي تريهم ما يجب عليهم أن يكون عليهم واقع حياتهم، ولابد من المثال الواقعي الذي يبرهن على أن ما يطلب منهم ممكن التطبيق .. هكذا اقتضت حكمة المولى: قرآن مجيد، ترافقه سيرة عملية واضحة مفصلة دقيقة، يؤديها بشر مثلهم يرونه أمامهم، وحتى ينتصب النموذج المطلوب السعي إليه شاخصاً لكل من يريد أن يريد، حتى يتم ذلك أفاضت الآيات في وصف الحبيب المصطفى مثلما وصفته لنا كتب السيرة وصفاً كان التفصيل فيه مقصوداً لذاته، لأن الصورة المطلوب استواؤها في النهاية على غاية من الخطورة، فأي نقص أو اختزال أو غموض سيشق على الأتباع معه أمر الاقتداء، وسيبعد الهدف الذي من أجله أنشئت الصورة ابتداء.

رسولنا في القرآن
إن القرآن هو كلام الله المقدس الذي يمنح الأشياء قيمها الحقة وهو كتاب هذه الأمة منذ تنزل إلى قيام الساعة وامتداده على تلك المساحة الزمنية، فوق وصوله الى الملايين عبر ذلك الزمان المتطاول، كل هذا أعطى لمحتواه * ومنها صورة الحبيب * مكانة وأهمية، بل قداسة، ليست لأحد من البشر.. ولنستمع إلى هذه المقتطفات من الذكر الحكيم: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم} «التوبة* 128».
{قل إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي} «الكهف *110».
{قل لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم إني ملك... } «الأنعام *50».
{وقالو ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} «الفرقان*7».
{ولقد أرسلنارسلا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجا وذرية} «الرعد*38» {قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا، قل إني لن يجبرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملتحدا}«الجن: 21 *22».
وأول ما يلفتنا في هذا التقرير الرباني تأكيده على بشرية الرسول الأمين، جاء ذلك مرة بلسانه هو * عليه الصلاة والسلام* {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} وجاء تقريرا من المولى العليم في مواضع غيرها، ولهذا التأكيد المتكرر أهداف بعيدة وجليلة مقصودة في ذاتها:

فأولى هذه الأهداف: ترسيخ الفكرة في عقول الأتباع ونفوسهم حتى لا يلتبس في تصورهم أويتميع الفارق بين مقام الألوهية ومقام النبوة، وحتى لا ينقلب حبهم لنبيهم وتعظيمهم له إلى رفعة أعلى من المقام الذي وضعه ربه فيه! وما دأب {.. الذين قالوا إنا نصارى.. } منا ببعيد «المائدة*14».
وثانيها: كي يدرك الأتباع أن «بشرية» رسولهم مقصودة من العلي القدير ليخلق لهم نموذجا، كاملا نعم، لكنه مثلهم، قريب منهم، يسهل اقتفاء أثره والاقتداء به.. لأن أي نموذج غير بشري سيكون عصياً على مداركهم، بعيدا عن نفوسهم، تحجزهم المسافة الخارقة بينهم وبينه أن يتصورا *بله أن يحاولوا* أن يكون لهم «أسوة»، وهذا ماسيكون مدعاة للتشكي: {لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} «طه*134».
كما يكون مدعاة للانصراف عنه باعتباره مثلا خارقا صعباً لا يمكن اللحاق به!، ومن هنا تأكيد القرآن الكريم على هذه النقطة ورفضه القاطع أن يرافق الرسول ملك، كما طلبوا مراراً، وبيانه،: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولاً} «الاسراء *95».
وعليه نرى أن ربنا قد أكرمنا برسول بشر، مثلنا، وهو في هذا كما قال عن نفسه الشريفة: «أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج السناء» (متفق عليه) وفوق هذا فهو يخصف نعله، ويرتق ثوبه، ويكون في حاجة أهله!.
وثالثها: انتفاء الحاجة، لأن رسولنا * بعد * ليس بحاجة إلى سند ملائكي، ولا إلى تنشئة لا هوتيه ناسوتية، ولا إلى تهويلات، وطقوس تصوره فوق باقي البشر، ولا إلى صولجان أو حاشية وحجاب تشعر من يلقاه أنه أمام شخصية مختلفة، ولا إلى دعايات تضيف إليه ما يجود به خيال المحبين أو المتملقين من الصفات الأسطورية، أو الخارقة، لا، لا، بل إنه هو نفسه يبلغ أتباعه، معتبراً تبليغه هذا جزءا من الرسالة، {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم إني ملك .. } «الأنعام *50» وهو بالتالي: يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون، وإذا جمعته وأتباعه نزهة فسرعان ما يقول: وعليّ جمع الحطب .. بل إن غريبا ليدخل المسجد ثم تراه يسأل الصحابة الكرام، أيكم محمد؟! لم يكن الرسول بحاجة إلى شيء من هذا لتطاع كلمته، ولتنفذ تعاليمه، لأن ديننا لا يقود الناس بالعصا، ولا بالتهويل أو التخويف، ولأن منهج الرسالة *وحده*، وصفات الرسول الذي جاء يبلغها* وحدها* كفيلان بأن يقنعا القلوب والعقول معا، وكفيلان بأن يجمعا حوله المقتدين والأتباع، وكفيلان بأن ينشئا له في النفوس قيمة وهيبة ووازعاً وعلى امتداد مئات السنين.. ! وعند الله* بعد * من أساليب الهداية ما يوفر لرسوله من الأتباع، الملايين وإلى قيام الساعة؟.
والمدهش حقا أن يأتي هذا التأكيد على بشريته (صلى الله عليه وسلم) من صاحب الرسالة نفسه، بل يبلغ فيه من الإصرار ما يماثل إصراره (صلى الله عليه وسلم) على تبليغ باقي محتويات الرسالة..
وما أجمل أن نتذكر هنا حالة ذلك المسكين الذي أصابته رعدة من هيبة الحبيب المصطفى فما كان منه إلا أن قال: هوّن عليك! فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة!

إن الله قد بعث محمداً هادياً
ولأن الهداية هي مهمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحياة، ولأن هذه هي طبيعة رسالته فقد أوضح له التنزيل في فصل حازم: {ليس لك من الأمر شيء... } «آل عمران*128}، وقام هو * عليه الصلاة والسلام* بتبليغ ذلك لنا بنفسه فطبيعة الرسالة لا تتطلب تلك المواصفات التي يتقمصها الكثيرون، وطبيعة المهمة لا تحتاج إلى الرجل الخارق، أو الرجل الحديدي الأسطوري، فهو لن يقسر أحداً على الالتزام بخلق أو عبادة، أو حسب التعبير القرآني: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}«يونس*99»، وهو لن يفرض أحكامه بقوة القانون، بل يكفيه أن يربي بالقرآن وبالقدوة الصادقة ضمير الأتباع حتى أولئك الذين لم يصحبوه، وهو لن يطلب لنفسه مالا ولاجاها تلزم معه الشدة والصلابة، بل يكفيه ما تكفل به المولى القدير حين قال: {ورفعنا لك ذكرك} «الشرح *4»، فمادامت هذه هي طبيعة الرسالة ومهمة الرسول فما الحاجة لكل تلك الشكليات المزوقة، ولماذا لا يردد رسولنا بعدها: {قل لا أملك لنفسي ضرا ولانفاً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لا ستكثرت من الخير، وما مسني السوء...} «الأعراف *188».

مقامات ثلاثة
ومن التأكيد على بشرية الرسول (صلى الله عليه وسلم) يبرز لنا الفارق بين مقامات ثلاثة: مقام الألوهية* مقام النبوة * مقام العباد، ومثلما فصلنا في بشرية الرسول (صلى الله عليه وسلم) والفارق بينها وبين مقام الألوهية، فلا يجوز* كذلك * أن ننسى الفارق البعيد بين مقام النبوة ومقام كل من دونه من البشر مهما بلغت منزلتهم أو كان لهم دور بارز أو بصمات في الحياة الإنسانية.. لأن أقواما* هداهم الله * غرتهم هذه الصفة* بشرية الرسول* فقالو: حسنا، إنه بشر، وما عدا التنزيل، فإن له أن يقول ويسمع له، وإن لنا نحن أيضا أن نقول، ويجب أن يسمع لنا! بل إن أقواما من زمن الانحطاط ليستشهدون بأقوال زعمائهم، وهم بشر مثلهم، بالتوازي* أو قبل ذلك أحياناً.. مع استشهادهم بأقوال النبي الكريم وهي وحي!. فنقول لهؤلاء وأولئك: لا، مكانكم .. لقد اختلطت عليكم الأمور وتداخلت المراتب، وشتان شتان بين مقام النبوة، رغم بشريتها، وبين مقام أحد من البشر!.
صفات الحبيب المصطفى مثلها مثل صفات باقي البشر إلا أنها مختومة بختم الكمال أو كما قال المولى الكريم: {وإنك لعلى خلق عظيم} «القلم*4»، وكما قال هو عن نفسه: سيد ولد آدم ولا فخر (حسنه الألباني) كمال في مستواها، مع كمال في شموليتها لكل جوانب الشخصية الإنسانية، في توازن عجيب لا يقدر عليه إلا الذي خلق وقدر.. ! أما كلامه *صلوات الله عليه*فهو وحي يوحى.. ومن هاتين الخصوصيتين: الكمال، والوحي يتحدد الفارق الهائل بين ما يقوله أو يفعله الحبيب (صلى الله عليه وسلم) أو ما يقوله أو يفعله أحد من الخلق، ومن هاتين الخصوصيتين انبثق مقام النبوة وسطاً وسيطاً بين مقام الألوهية ومقام باقي البشر، هذا المقام الذي نبه القرآن الكريم المؤمنين إليه، كي لا يجرهم قرب النبي منهم إلى أن يتهانوا في الأدب معه: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً... } «النور* 63»، كما أنحى باللائمة على قوم ووصفهم بأنهم لا يعقلون، فقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} «الحجرات* 4».


صفات الحبيب في السيرة العطرة:
لا يمكن بالتأكيد أن نستعرض كل ما ورد في كتب السيرة النبوية من صفاته عليه الصلاة والسلام، فشمائله* كما يعلم* تملأ الكتب والمجلدات.
ولكن أياً منا لو استعرض هذه الصفات في مظانها فإنه ليتساءل: أي من هذه الصفات هي فوق طاقة البشر؟ وأي منها يصعب على الأتباع اقتفاؤها؟ وأيها يمكن أن توحي بأن صاحبها بعيد، خارق صعب المنال؟! وأيها يمكن أن توحي بأن اتباع النبي شاق عسير لا يطيقه إلا أولو العزم من الرجال؟.. كما ادعى واحد من كبار الأدباء المرموقين!

إن صفات الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) هي لنا، نقتديها، نتمثلها، نحبه* ومن دون أن نراه* لأجلها، إلا الكمال فيها، فهو له عليه الصلاة والسلام، وإلا بعض الخصوصيات التي ليست لنا، ولم يطلب منا التزمها مما سنفصله بعد حين.
صفات النبي لنا ومن أجل تعليمنا وتدريبنا، كي نترقى في سلم الإنسانية إلى الأفق الوضيء اللائق بخليفة الله في الأرض.. فنحن نصلي بالهيئة التي كان يتبعها وهو يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (صحيح البخاري)، ونأخذ عنه مناسك حجنا كما أمرنا «خذوا عني مناسككم» (صححه الألباني) وكذلك نصدق، نصبر، نفي بالعهد، نجد ونجتهد ونعزم ونجاهد، تماماً كما قرأنا في سيرته العطرة وكأنه بين أظهرنا، وكأننا نراه.. وكذلك نأكل، ننام ونرتاح، نضحك ونلهو شيئاً قليلاً، ونتزوج النساء لأنه (صلى الله عليه وسلم) فعل كل هذا ونبهنا «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (متفق عليه).
ومن فضل الله علينا أن قيض لنا رواة أمناء عاشوا في فترة استقرار وأمان مكنتهم من أن ينقلوا لنا سيرته العطرة بأدق حذافيرها، لا، بل إن من المرويات ما حكى لنا* من شدة التعلق به* أدق تفاصيل حياته، ووصفت لنا شكله وأنه كان ربعة في غير قصر، أزج الحاجبين، فيه حمرة، وخجل كأنه البنت في خدر أمها، وغيرها، وغيرها.. حتى لتعبر إحدى الصحابيات عنه بقول جامع إذا تقول: لم تر عيني قبله ولا بعده مثله.. بل وصفوا لنا كيف كان يمشي كأنه يتحدر من جبل، وكيف يضحك حتى بانت نواجذه، أربع وعشرون ساعة وحياته معروضة أمامنا كأوضح وأنصع ما تكون سيرة نبي.. فلا عذر لأحد من المؤمنين بعدها أن يتخلف عن اقتفاء هذه السيرة المباركة العطرة، مادام يدعو ربه أن يكون رفيقه في الجنة.


إعجاز يرافق القرون
وإن المتأمل في سيرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ليدركه العجب من هذا الحشد الكبير من الأخبار الموثوقة التي روت لنا كل شيء عن الحبيب المصطفى، ثم ليتساءل: من قال إن شيئاً من المعجزة لم يلحق بالرسول الكريم؟. !
إن سيرة أي نبي أو مصلح أو حكيم، وكذلك تعاليمه ووصاياه؛ مهما بلغت من القوة والحضور والتأثير، ليعدوا عليها الزمن بعد سنين، وتندثر وينساها الناس، أو يأتي عليها مصلح آخر يقول غير الذي قاله الأول فَيَمَّحي كل ما قاله الأول.. إلا الحبيب المصطفى.. فهذه سيرته، وعلى امتداد خمسة عشر قرناً، وهذا واقع التطبيق لهذه السيرة العطرة، ومن خلال ملايين المسلمين، تنبئ أن كل كلمة قالها، وصفة تخلق بها، وكل حركة قام بها؛ هي موضع احترام، واتباع، واقتداء من جماهير المسلمين، يعضون عليها بالنواجذ كلهم، وعلى امتداد توزعهم الجغرافي في كل أصقاع الدنيا.
من أقنع المسلمين في مغارب الأرض أن يصلوا ركعتين تحية للمسجد فور أن يدخلوه؟.. من دفعهم أن يلتزموا المسواك، بل ويستوردوه من غير بلادهم، ليطهروا به الفم؟ وأن يضجعوا* بعد مئات السنين* على الشق الأيمن حين ينامون قائلين اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك.. وأن يغتسلوا قبل احتشادهم لصلاة الجمعة.. وأن يعلموا أبناءهم كل بيمينك، وكل مما يليك.. وأن يشمتوا العاطس ولو قابلوه مصادفة.. وأن يبدأوا بالتحية حتى من لا يعرفونه.. من؟ من ألزمهم هذا كله وأقنعهم أنها سنة مؤكدة بعد مئات السنين، مع أن كثيرا من هذا ليس من الفرائض التي يخشون عقوبة ربهم على تركها؟..
من؟ إلا محبتهم للحبيب الأول؟ من؟ إلا تلك المعجزة الخالدة التي تحققت في واقع المسلمين من يوم قيل لهم: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم} «آل عمران*31».
وإنه ليحبنا على أن الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) هو أيضاً يحبنا، وبأكثر مما نحبه، وهو كما قال عنه ربه: {عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم} «التوبة*128» أو كما قال هو عليه الصلاة والسلام حين شبهنا بالفراش المتطاير حول النار يكاد يقع فيها: «وأنا آخذ بحجزكم مخافة أن تقعوا فيها» رواه مسلم» بل ما أجمل حديثه عنا، واعتبارنا إخوته يوم قال: «وددت أني لقيت إخواني، فقال أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم): نحن إخوانك.
قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني» (حسنه الحكمي في معراج القبول).
لقد اشتاق إلينا الحبيب المصطفى!.
وهو (صلى الله عليه وسلم) يعلم من خاصة نفسه ما لا نعلم، يعلم أنه ميسر لعبادات لم يتهيأ لنا.. لذلك نبهنا (صلى الله عليه وسلم) إلى أن هناك خصوصيات هي له وحده وليست لنا، ولا علينا إن لم نتبعها تماماً كما كان يفعل.. فهو يواصل الصوم، لكنه ينهانا أن نفعل، ويعلل ذلك، إنما يطعمني ربي ويسقيني.. وهو يتجاوز في عدد النساء اللواتي يحللن له بخصوصية لا يماري فيها أحد.. وكذلك يحرم عليه تطليق من تزوج منهن، كما حرِّم على أتباعه أن يتزوجوا منهن بعده.. وأزواجه أمهاتهم.. وهو وباقي الأنبياء* عليهم السلام* لا يورثون، ما تركوه صدقة.. وهو المخصوص أن يكون كلامه وأفعاله سنة يؤمر الأتباع بتطبيقها، بينما كلام باقي الخلق* كلهم* وأفعالهم مهما ارتقت أو رافقت الصواب، يؤخذ منها ويرد فهذه وأشباهها* بالإضافة إلى صفة الكمال في أفعاله؛ لهي من خصوصياته، فهي بالتالي له وحده، وليست لنا.
وثمة نقطة أفاض فيها علماؤنا تتصل بما نحن فيه، حيث قسموا أفعال الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى مراتب، لم تأت كلها من حيث وجوب اتباعها في مرتبة واحدة، وهو ما يتصل ببحثنا هنا عما في أفعال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لنا، وعما فيها له وحده.
إن بعض المحبين* ومن فرط المحبة ولا ريب * قد ذهبوا في الاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم) مذهباً أدخلوا فيه العنت عليهم وعلى من يستمع إليهم، وحسبوا* وهذا زيادة في المحبة* أن كل تفاصيل حياته، مشتملة أفعاله اليومية كلها، هي سنة واجبة الاتباع .. في حين بين علماؤنا الأفاضل أن قسماً لا بأس به من أفعال المصطفى جرت منه بحكم العرف أو الجبلة حسب تعبير أولئك العلماء، أي الطبيعة الإنسانية المحضة، التي لا تحمل أي معنى تعبدي أو أي بعد أخلاقي فهو يأتيها بحكم أنه بشر يأكل كما يأكل باقي البشر، ويشرب كما يشربون.. وبالتالي فإن إدخالها في زمرة السنة أمر فيه مشقة، فوق ما فيه من غرابة إذا نظرنا إلى تغير الأزمنة والأعراف.
فأنواع الطعام التي كان يقبل عليها (صلى الله عليه وسلم)أو تلك التي كان يأنف منها عدا تلك المحرمة بذاتها وشكل عمامته أو لونها أو هيئة ملابسه ماعدا الحرير.. ونوع الراحلة التي كان يفضلها..
وشكله الخارجي، وجديلة شعره، وطول اللحية، وهيئة المسكن الذي يرتاح له، وأماكن اللهو المباح، ورعي الغنم الذي مارسه كعمل دنيوي.. وغيرها، وغيرها، مما زين فرط المحبة للبعض أن اتباعها دليل على صدق محبة الحبيب.. هذه وغيرها هي* كما أجمع علماؤنا* مما أوجدها العرف السائد في بيئة الحبيب المصطفى يومها، أو هي مما كان يأتيها على أنها من أفعال البشر التي لا يداخلها أي معنى تعبدي، أو أي معنى أخلاقي كما ذكرنا، وهي بالتالي من المباحات التي يترك للمؤمن حرية أن يأتيها أو يدعها.
الإلزام، إنما جاء لتأكيد فرضية اتباع الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، بمعنى أن نأخذ أمور ديننا منه، ومنه وحده (صلى الله عليه وسلم)، وأن لا عذر لنا في تركها أو الالتفات إلى غيرها بحجة غموض المرجعية، أو قلة تفاصيلها، أو أنه استجدت لنا في الحياة قضايا لانجد في سيرته العطرة شبهاً لها، فسيرته كتاب كبير شامل دقيق مفتوح يقرأ ويستقي منه كل المؤمنين وإلى قيام الساعة.
فإذا كان القرآن الكريم* كلام العلي القدير* قد احتفى بذكر صفات الحبيب المصطفى وأفاض في هذا الذكر، وإذا كانت الأحاديث الشريفة قد اشتملت ذلك الكم الكبير من الصفات والشمائل التي تشكل جزءا من الشريعة أمر الرسول نفسه بتبليغه، وإذا كانت المرويات الموثوقة قد اهتمت بأدق التفاصيل من حياته عليه الصلاة والسلام، ونقلتها إلى كل أصقاع الدنيا ليتمثلها القاصي والداني، والعربي والأعجمي فهل للممترين بعد هذا كلام؟.. هل بقي لهم أن يماروا في مكانة أقواله وأفعاله (صلى الله عليه وسلم)، وقد أضحت سنته بكل مشتملاتها نظاماً كاملاً يصبغ حياة الناس في كل جوانبها وفي كل الأرض؟.
على أن كل كلام الممترين لن يبلغ شيئاً من هذا الإجماع العالمي الواسع على محبة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وعلى الاقتداء بسنته، ألا يكفي أن الله قال: {ورفعنا لك ذكرك} ألا يكفي أن المآذن ترتفع كل يوم خمس مرات وعلى امتداد الأرض كلها وعلى اتساعها، وإلى يوم القيامة، لتهتف باسمه مقروناً باسم خالق الأكوان: أشهد أن لا أله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله؟ وهل بقي لنا نحن الأتباع إلا أن نقبل على هذه السيرة العطرة درساً، وفهماً، وتمثلاً، واقتداء؟، وأن نسأل ربنا، بعد إفراغ الجهد من ذلك كله، فنقول: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان، أن آمنوا بربكم، فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد} «آل عمران :194*195؟.



بقلم الكاتب: محمد مكين صافي ـ سورية

المصدر: طريق الخلاص

نور الإسلام غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صل الله عليه وسلم نور الإسلام محمد رسول الله 0 03-05-2013 03:49 PM
مائة وسيلة لنصرة المصطفى نور الإسلام أبواب الدعوة 0 03-05-2013 03:46 PM
في رحاب المصطفي صلي الله عليه و سلم مزون الطيب مرئيات وسمعيات 0 03-02-2012 09:51 PM
المصطفى من سيـرة المصطفى صلى الله عليه وسلم مزون الطيب هدى الإسلام 0 01-02-2012 08:30 PM
صفات أمة الملكوت الجديد مزون الطيب كتب ومراجع مسيحية 0 13-01-2012 08:07 PM


الساعة الآن 02:14 AM


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32