تذكرني !


 



العلوم الإسلامية حمل كتب وبحوث إلكترونية إسلامية

بحث عن الوسطية في الإسلام

مفهوم الوسطية . مظاهر الوسطية في الاسلام . منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الوسطية . ما يناقض الوسطية . اعداد الاستاذة / خلود ابراهيم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /20-05-2013, 06:04 AM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي بحث عن الوسطية في الإسلام

مفهوم الوسطية .
مظاهر الوسطية في الاسلام .
منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الوسطية .
ما يناقض الوسطية .


اعداد الاستاذة / خلود ابراهيم التركي
مجمع تحفيظ القرآن الكريم بجلاجل




المقــــــــــــــدمة

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد:
فإن الله تعالى ميز هذه الأمة ( أمة الإسلام ) بالوسطية بين الأمم فقال سبحانه{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } ( ) [البقرة: 143]، والوسطية هنا تعني: العدل والخيار وسائر أنواع الفضل، فهي أفضل الأمم.
ثم ميز الله أهل السنة والجماعة بالوسطية بين فرق المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ... } ( ) الحديث.
فأهل السنة هم في جملتهم (العدول الخيار) أهل التوسط والاعتدال في كل أمور الدين: عقيدة وعلما وعملا وأخلاقا ومواقف. وسط بين الغلو والتقصير وبين التفريط والإفراط في سائر الأمور.
وسأتحدث في هذا البحث عن الوسطية ومفهومها في اللغة والاصطلاح ، ومظاهر الوسطية في الاسلام ، ومنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في عباداته ومعاملاته ، وما يناقض الوسطية ...








المحور الأول / مفهوم الوسطية
- مفهوم الوسطية: الوسطية في اللغة: قال في المعجم الوسيط الصحيح:
(وسط) الشيء - (يسطه) وسطا، وسِطة: صار في وسطه ويقال: وسط القوم، ووسط المكان. فهو واسط. و - القوم، وفيهم وساطة: توسط بينهم بالحق والعدل.
(وسُط) الرجل - (يوسُط) وساطة، وسِطة: صار شريفا وحسيبا. فهو وسيط.
(أوسط) القومَ: صار في وسطهم.
(توسط) فلان: أخذ الوسط بين الجيد والرديء. و - بينهم: وسط فيهم بالحق والعدل. و- الشيءَ: صار في وسطه. يقال: توسط القومَ.
(الأوسط): المعتدل من كل شيء، وأوسط الشيء: ما بين طرفيه. وهو من أوسط قومه: من خيارهم.
(الوسَط) وسط الشيء: ما بين طرفيه، وهو منه. والمعتدل من كل شيء. يقال: شيء وسط: بين الجيد والرديء. وما يكتنفه أطرافه ولو من غير تساو. والعدل. والخير: (يوصف به المفرد وغيره). وفي التنزيل العزيز: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } ( ): عدولا أو خيارا. وهو من وسط قومه: من خيارهم.
والصلاة الوسطى: العصر، لتوسطها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وقيل الصلاة الوسطى: الفضلى، وفسرها بعضهم بالجمعة. وُسَط.
(الوَسوط): المتوسط. وبيت من بيوت الشَّعْر أكبر من المظلة وأصغر من الخباء أو هو أصغرها . وسط.
الوُسوط: وُسوط الشمس، توسطها السماء.
(الوسيط): المتوسط بين المتخاصمين، و- المتوسط بين المتبايعين أو المتعاملين. و-المعتدل بين شيئين. وهي وسيطة. وسطاء، ويقال هو وسيط فيهم: أوسطهم نسبا وأرفعهم مجدا.
فالوسطية تأتي بمعنى: التوسط بين شيئين، وبمعنى العدل، والخيار، والأجود، والأفضل، وما بين الجيد والرديء، والمعتدل، وبمعنى الحسب والشرف.
ونجد أهل السنة والسلف الصالح - بحمد الله - تحققت فيهم هذه المعاني الفاضلة، كما سيأتي بيانه.
الوسطية في الشرع والاصطلاح: وردت الوسطية في القرآن الكريم في أكثر من آية وفي السنة في أكثر من حديث على المعاني التالية:
(1) بمعنى العدل والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط، ومن ذلك قوله تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } ( ) أي، عدلا [سورة البقرة - آية 143
(2) وفسرها ابن جرير الطبري .. بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط.
(3) وكذلك ابن كثير .. فسرها: بالخيار الأجود.
(4) وتأتي الوسطية في السنة كذلك بمعنى الأوسط والأعلى كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الفردوس بأنها { أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ } .
(5) ويأتي معنى الوسطية على اعتبار الشيء بين الجيد والرديء، كما قال ابن عباس - في رواية عنه - { كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتًا دُونًا، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ، فَقَالَ اللَّهُ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم } ( ) [المائدة: 89]. الْخُبْزِ وَالزَّيْتِ.
(6) وفسر بعضهم: (أوسط) في الآية بأنه: الأعدل والأمثل، فتكون الآية على هذا التفسير مندرجة تحت المعنى الأول الذي هو (العدالة والخيار والأجود).
(7) كما تأتي الوسطية بمعنى: ما بين طرفي الشيء وحافتيه.
ومن ذلك قوله تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } ( ) [البقرة: 238]، والصلاة الوسطى صلاة

العصر، وسميت الوسطى؛ لأن قبلها صلاتين، على اختلاف في تحديد أي الصلوات هي .
ومن ذلك ما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضى الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطًّا وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخُطُوطًا إِلَى جَانِبِ الْخَطِّ الَّذِي وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخَطًّا خَارِجًا مِنَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَقَالَ:أَتَدْرُونَمَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ الْخَطُّ الْأَوْسَطُ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ إِلَى جَانِبِهِ الْأَعْرَاضُ تَنْهَشُهُ} ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { وَسِّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ } .
عرف الشيخ القرضاوي الوسطية بأنها التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، ولا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه ويطغى على مقابله ويحيف عليه.




المحور الثاني / مظاهر الوسطية في الإسلام

الحديث عن مظاهر الوسطية في الإسلام حديث ذو شجون، لأنها كثيرة متغلغلة في جميع عقائده، وفرائضه، وشرائعه، ولو أردنا الكتابة عنها لكتبنا كل ما كتب عن الإسلام من عقائد، وأحكام، عبادات ومعاملات، علاقات وسياسات... إلخ، ولكنا في مقام لا يتسع إلا لقليل مما في شرائع الإسلام الواسعة، وأحكامه الشاملة، التي تشمل حياة الإنسان كلها.
ويبين الشيخ القرضاوي أن للوسطية في الإسلام مظاهر متعددة في مجالات متنوعة، فالوسطية الإسلامية كامنة في الاعتقاد والعبادات والشعائر والأخلاق والتشريع.
ففي مجال الاعتقاد نجد الإسلام وسطا بين الخرافيين الذين يصدقون بكل شيء ويؤمنون بغير برهان وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، كما أنه وسط بين الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله قط وبين الذين يعددون الآلهة حتى عبدوا الأبقار وألَّهوا الأوثان والأحجار!
وهو وسط بين الذين يقدسون الأنبياء حتى رفعوهم إلى مرتبة الألوهية أو البنوة للإله وبين الذين كذبوهم واتهموهم وصبوا عليهم كؤوس العذاب، وهو وسط بين الذين يؤلِّهون الإنسان وبين الذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية.
وفي مجال العبادات والشعائر نجد الإسلام وسطا بين الأديان والنِّحَل التي ألغت الجانب (الرباني) -جانب العبادة والتنسك والتأله- من فلسفتها وواجباتها، كالبوذية التي اقتصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده.. وبين الأديان والنِّحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج، كالرهبانية المسيحية. فالإسلام يطلب من المسلم أداء شعائر محدودة، ثم يطلقه بعد ذلك ساعيا منتجا يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله.
وفي مجال الأخلاق نجد الإسلام وسطا بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكا أو شبه ملاك وبين غُلاة الواقعيين الذين حسبوه حيوانا أو كالحيوان، فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مُركب فيه العقل وفيه الشهوة، فيه غريزة الحيوان وروحانية الملاك.
والإسلام وسط في النظرة إلى الحياة بين الذين أنكروا الآخرة واعتبروا الحياة الدنيا هي البداية والنهاية، وبين الذين رفضوا هذه الحياة وألغوا اعتبارها من وجودهم واعتبروها شرا تجب مقاومته والفرار منه، فحرَّموا على أنفسهم طيباتها وزينتها.
وفي مجال التشريع نجد الإسلام وسطا في التحليل والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في التحريم وكثرت فيها المُحرَّمات مما حرَّمه إسرائيل على نفسه ومما حرَّمه الله على اليهود جزاء بغيهم وظلمهم، وبين المسيحية التي أسرفت في الإباحة حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة.
فالإسلام قد أحلَّ وحرَّم، ولكنه لم يجعل التحليل ولا التحريم من حق بشر بل من حق الله وحده، ولم يُحرم إلا الخبيث الضار كما لم يُحل إلا الطيب النافع.
ومن المظاهر الفريدة في وسطية الإسلام أنه وازن بين الفردية والجماعية، بعكس التيارات الفلسفية والفكرية التي جاء بعضها ليطلق حرية الإنسان في كل شيء، والمذاهب الأخرى التي جاءت لتجعل خصوصيات الفرد مشاعا للمجتمع كله.
إن الإسلام هو الدين الحق {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ } [آل عمران: 19]، { ومن يبتغ غير الاسلام ديننا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: 85]. وقد اصطفى الله لخير الأديان وأكملها خير الأمم وأكملها على تفاوت في خيرية أفرادها { ثم اورثنا الكتاب للذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } [فاطر: 32]

فالأمة ثلاث فئات، أو ثلاثة أصناف، رتبت في الآية على حسب كثرتها وقلتها، فالطائفة الأولى (الظالمون لأنفسهم) هم الأكثر، ثم يأتي الأقل، وهم - ما بين مقتصد إلى سابق - أفراد من هذه الأمة المصطفاة.
وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها على يد محمدصلى الله عليه وسلم{ اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الاسلام ديناً } [المائدة: 3] بعد أن أيأس الله عز وجل الكفار من أن يبطلوا هذا الدين أو يغلبوه { اليوم يـئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ } [المائدة: 3].
وهذا كامن في سر دينها أكمل الأديان وأوفاها، وهو دين رباني بعقائده، وأصول شرائعه، ترك للبشر الاجتهاد في تنفيذه، وتطلب أفضل الطرق لتحقيقه واقعا في الأرض، بحسب طاقتهم وما أمكنهم الله فيه من العلم، وجعل هذا واجبا لازما في عنق هذه الأمة إلى قيام الساعة { قل هذه سبيلي ادعواإلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [يوسف: 108]. وما جعله الله بهذه المنزلة، وهذه المثابة إلا لما يحمله من مزايا ذاتية، أهمها الوسطية،
من مظاهر الوسطية في مصادر العلم الشرعي غلو فئة حتى لا تقر بغير القرآن مصدرا، ويجرهـا ذلك إلى إنكار السنة، وعدم الانقياد لها، أو جهلها وإهمالها، وكان هذا مبدأ نشأة الخوارج الذين غلوا في القرآن حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تَسْمَعُ لِصَوْتِهِمْ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ }.
غير أنهم أهملوا سنته صلى الله عليه وسلم فكان أن عملوا بمتشابه القرآن، وعموماته ومطلقاته التي تحتاج إلى سنته ترفع تشابهها، أو تخصيص يخصص عمومها، أو قيد يقيد مطلقها، وهذه الطائفة تتكرر في كل زمان، ولعلها الفئة التي أشار إليها عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) بقوله: ((إِنَّهُ سَيَأْتِي أُنَاسٌ يَأْخُذُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ، فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ)) .. وهذا العمل يؤدي إلى غلو الإنسان بنفسه، وأن يضعها في مكانة فوق ما تستحقه، حتى إنه ليظن أنه أحاط بالشريعة علما، وليس لديه إلا أقل القليل من نصوص لعله لم يحسن فهمها، ولم يع فقهها، ثم يحاكم الأمة إلى علمه هذا، ويرفض كل فقه أو علم لدى من سبقوه في أبواب العلم والفقه لرجال أفنوا أعمارهم، وأخلصوا تجاربهم له، ظنا منه أن هؤلاء قد حيل بينهم وبين الفهم السليم والفقه الراشد.
{ فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل:43] { فسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك } [يونس: 94] وبالسؤال تتبين الحقيقة وتتأكد.
المرونة... مظهراً من مظاهر الوسطية

من مظاهر الوسطية في التشريع الإسلامي أن أحكامه الشرعية تتسم بالمرونة، وقابلية تشريعاته للتجديد، والتمشي مع مقتضيات العصر والحاجات والمسائل المستجدة، رحمة بالناس ..
فتعاليم الإسلام بسيطة وسهلة ومرنة .. وهي تتسم بالتطور الخصب كما يقول توماس آرنولد، "وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لهي على وجه التحقيق؛ من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام.." ..
ويقول الدكتور "إيزيكو انسابا توحين" أحد علماء القانون:
" إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل خلال القرون ، ويبقى محتفظاً بكل ما لديه من قوة الحياة والمرونة . فهو الذي أعطا العالم أرسخ الشرائع ثباتاً، وشريعته تفوق كثيرًا الشرائع الأوربية" .
فالتشريع الإسلامي بعيد عن الجمود رغم تخرصات الكثير من الحاقدين..وتحمل ذاتيته قوة التجدد لما يمتلكه من مرونة في استيعاب التحولات الاجتماعية ، فقد ثبتت مكانته العالية ورفعة شأنه .
ومن هنا ظهر الإسلام في مرحلتنا المعاصرة كشريعة عالمية إنسانية، وكحل أمثل من الحلول المشتركة التي تطرحها فكرة مستقبل الإنسان والمجتمع ..
ويقول "دافيد دي سانتيلانا" :
"لما كان الشرع الإسلامي يستهدف منفعة المجموع، فهو بجوهره شريعة تطورية غير جامدة خلافًا لشريعاتنا من بعض الوجوه. ثم إنها علم ما دامت تعتمد على المنطق الجدلي.. وتستند إلى اللغة.. إنها ليست جامدة، ولا تستند إلى مجرد العرف والعادة، ومدارسها الفقهية العظيمة تتفق كلها على هذا الرأي. فيقول أتباع المذهب الحنفي أن القاعدة القانونية ليست بالشيء الجامد الذي لا يقبل التغيير. إنها لا تشبه قواعد النحو والمنطق. ففيها يتمثل كل ما يحدث في المجتمع بصورة عامة.."
الاعتدال .. مظهرًا من مظاهر الوسطية
يقول "ول ديورانت"- عن النبي صلى الله عليه وسلم :
"أوجد بين المسلمين.. درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم"..
وهذه الخاصية تعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم في نظرته للأمور وعلاجه للمشكلات يقف موقفا وسطًا لا إفراط فيه ولا تفريط .
" وهذا الاعتدال بدوره يمهد السبيل نحو تقدم الأفراد والمجتمع" على حد قول ماري أوليفر .
فالاعتدال والتوسط في كل شيء – كما يقول "علي يول" – " هما الفكرة الأساسية للإسلام" .
والحق – كما يقول جورج سارتون - أن ما يتميز به الشرع الإسلامي من "البساطة والاعتدال، يسرّ لأي إنسان في أي موطن، أن يتقبله وينفذ إلى روحه وجوهره منذ اللحظة الأولى" !
كما أن الشريعة الإسلامية هي أنجح الشرائع في الجمع بين ما هو روحي وما هو مادي .. والتوازن بينهما ..
ولقد أُعجب بهذا التوازن الباحث الهولندي الدكتور ميليما بين المادة والروح في الإسلام، فقال : ".. لقد أعجبني اهتمام الإسلام بالمادة والروح باعتبارهما قيمتين أساسيتين، فالتطور العقلي والروحي للإنسان مرتبط في الإسلام وفي الفطرة على السواء ارتباطًا وثيقًا لا سبيل إلى فصله بحاجات الجسد".
و الشرع الإسلامي وسط في أحكامه وأنظمته القانونية والاجتماعية، وبما في ذلك المجالات الأسرية والمدنية والجنائية والدولية ..
فهو وسط في التحليل والتحريم بين اليهودية التي بالغت في التحريم، وكثرت فيها المُحرَّمات.وبين النصرانية التي أسرفت في الإباحة. فالإسلام قد أحلَّ وحرَّم، ولكنه لم يجعل التحليل ولا التحريم من حق بشر، بل من حق الله وحده، ولم يُحرم إلا الخبيث الضار، كما لم يُحل إلا الطيب النافع، ولهذا كان من أوصاف الرسول عند أهل الكتاب أنه: ‏ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 157]
والشرع الإسلامي – أيضًا - وسط في نظامه الاجتماعي بين (الإشتراكيين) أو(الماركسيين)، الذين يبالغون في حقوق المجتمع ودوره على حساب حقوق الفرد ونوازعه الذاتية وحريته.وبين (الليبراليين) أو (الرأسماليين) الذين يعطون للفرد الحريات المفرطة من غير ضوابط أو آداب على حساب المجتمع أو الجماعة الإنسانية ..
التيسير .. مظهرًا من مظاهر الوسطية
تتحدث الباحثة ماري أوليفر عن مظهر التيسير باعتباره مظهر من مظاهر الوسيطة لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، فتبين أن الشريعة الإسلامية التي نادى بها محمد صلى الله عليه وسلم هي تشريعات "بسيطة سهلة يستطيع كل إنسان أن يفهمها بكل يسر. فالإسلام يؤكد في تعاليمه أن على الناس أن يفكروا وأن يستخدموا عقولهم في الأمور الدينية"..
كذلك يبين جورج سارتون أن الشريعة الإسلامية تمتاز بـ" السماحة والبساطة والاعتدال" وهي – على حد قوله " يسرّ لأي إنسان في أي موطن.."..
كما أن الشرع الإسلامي الحنيف كما يقول آتيين دينيه: " يستبين أقرب أنواع العلاج، فلا يحكم فيه حكمًا قاطعًا ولا يأمر به أمرًا باتًّا".
ويبين - آتيين دينيه- أن الشرع الإسلامي لا يتعارض ولا يتصادم مع الطبيعة، لأنه شرع يسير، فهو " يساير قوانينها [ أي الطبيعة ] ويزامل أزمانها، بخلاف ما تفعل الكنيسة من مغالطة الطبيعة ومصادمتها في كثير من شؤون الحياة، مثل ذلك الغرض الذي تفرضه على أبنائها الذين يتخذون الرهبنة، فهم لا يتزوجون وإنما يعيشون غرباء. على أن الإسلام لا يكفيه أن يساير الطبيعة وأن لا يتمرد عليها؛ وإنما هو يُدخل على قوانينها ما يجعلها أكثر قبولاً وأسهل تطبيقًا في إصلاح، ونظام، ورضًا ميسور مشكور، حتى لقد ُسمي القرآن لذلك (بالهدى) لأنه المرشد إلى أقوم مسالك الحياة..
الرخص الشرعية .. مظهرًا من مظاهر الوسطية
من مظاهر وسطية الإسلام ما شرعه الشرع السمح من رخص لأصحاب الأعذار، عند تطبيقهم للأحكام الشرعية ..
والرخصة في اللغة معناها اليسر والسهولة. وفي الشريعة: عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر، وعجز عنه مع قيام السبب المحرم. أو "مَا أُرْخِصَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا"، كتناول الميتة عند الاضطرار، وسقوط أداء صيام رمضان عن المسافر. وهو المعنى الحقيقي للرخصة. ويقابلها العزيمة .


وقد شرع الإسلام الرخص لرفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة لفقدان المصالح الضرورية. ورفع الحرج مقصد من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها، فإن الشارع لم يكلف الناس بالتكاليف والواجبات لإعناتهم أو تحصيل

المشقة عليهم . وقد دل على ذلك القرآن والسنة وانعقد الإجماع على ذلك. فمن القرآن قوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم [ المائدة :6]
وضرب القرآن مثالاً للرخصة في قوله تعالى :  فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  [المائدة :3] ..
فمن ذلك الإفطار في السفر أيام رمضان، وقصر الصلاة المفروضة في السفر، فتصلي الصلاة الرباعية بركعتين فقط حال السفر. والمسح على الخفين في الوضوء، والتيمم بالتراب إذا فُقد الماء للوضوء أو إذا كان المسلم مريضاً.. كما في قوله تعالى : ‏‏ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً‏‏ [النساء : 43]
وفي الرخص الشرعية .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".. وفي رواية : "كما يحب أن تؤتى عزائمه" ..

التدرج في التشريع .. مظهرًا من مظاهر الوسطية
من مظاهر رحمته نبينا محمدصلى الله عليه وسلم أنه كان لا يحمل الناس على الأحكام جملة واحدة، إنما كان مبدؤه التدرج، فهو القائل "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" .
ومن ملامح الرحمة في شريعة الإسلام التدرج في التشريع، وقد قُررت في كثير من الأحكام وخاصة في المحرمات كالخمر والربا وذلك تهيئة للنفوس وضمانا للاستجابة لأحكامها . رحمة من المشرع .
وقد كان التدرج في التشريع مسلكًا من مسالك علاج المجتمع وإصلاحه.
والحكمة من التدرج هو ترويض النفوس على تقبل أحكام الله .. والتمهل في استئصال العادات القبيحة المتأصلة في النفوس لا سيما العادات المتوارثة عبر قرون طويلة . وتخفيفًا على الناس، تماشيًا مع فطرة الإنسان التي يتطلب التعامل معها التزام التدرج لتغييرها وحسن الارتقاء بها، كما أن التدرج يتلاءم مع منهج التغيير بشكل عام، إذ لا يمكن تغيير أوضاع المجتمعات لتتفق مع الشريعة إلا بأسلوب التدرج .

ومن مظاهر الوسطية في الإسلام عدم إلزام الناس طريقة واحدة، أو نمطا واحدا من أنماط البر، فهناك الصائم، والقائم، والذاكر، والعالم، والمجاهد، وفاعل المعروف، والمتصدق.. الخ، وكلهم يؤدي شيئا من الإسلام، ومجموع أعمالهم تمثل شريعة الإسلام الواسعة الشاملة، وهذا التنوع ليس مسوغا لتنقص، ولا يدل على تمايز عند الله، وللجنة أبواب ثمانية، كل باب لضرب من ضروب البر.
وهذا يفتح بابا واسعا في النظر والدعوة؛ إذ علينا أن نفيد من جميع المسلمين ذكورهم وإناثهم، محسنهم ومقصرهم، كما كان يفعل سلف هذه الأمة، ففي جيش سعد، كان أبو محجن الثقفي، وكان القصاص، والقراء، والفرسان... الخ، كل منهم يؤدي ما أقدره الله عليه، والله يتولى جميع عباده.
إن ما يقال إن بعض المنتسبين للدعوة يفعله من رفض من لديه شيء من التقصير والإخلال أمر يجب أن نراجع فيه أنفسنا، ليتوحد الصف الإسلامي بكافة شرائحه كل بإمكانه، هذا بفكره، وذاك ببدنه، وآخر بماله، ورابع برأيه، وخامس بدعائه... الخ، ولنتخلص من تصنيف الناس إلى بر يصلح لكل عمل، وفاجر لا يصلح مطلقا.
وبعد. إن الوسطية ليست شعارا يرفعه مدعوه بل هي ممارسة عملية في واقع الحياة. { ليست بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء اً يجز به ,ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراَ } [النساء: 123].
والمعنى - كما قال ابن كثير - ((إن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان))
إن الوسطية هي سمة الإسلام في عقائده، وشرائعه، وأنظمته. وأخلاقه. فهو وسط بين الغلو والتقصير: في عقائده بين التشبيه والتعطيل، والجبر والقدر مثلا، وفي التربية والسلوك بين الأمن والإياس. فيعبد الله بالحب والخوف والرجاء، وتلك عبادة المؤمنين.

إن الوسطية في الإسلام مؤسسة تأسيسا محكما، ولا تتم صورتها إلا بمراعاة ما يلي:
1 - الشمول الذي يجعل الإسلام مهيمنا على الحياة كلها بأنظمتها وأنشطتها المختلفة، وبأعمال الإنسان المتنوعة، فلا يشذ عن الدين أي عمل يعمله ..
2 - التوازن بين الأطراف المختلفة ؛ بحيث لا يحصل حيف لطرف على طرف، ولا لجانب على جانب.
3 - تحقيق المقاصد الشرعية بحسب مرتبتها وأولويتها من ضروري، وحاجي، وتحسيني بحسب التمايز المتحقق، ولا تجوز التسوية بين هذه الدرجات إلا عند من لا فقه لديه، وحديثي العهد بالعلم.
4 - اتساع الصدور لاستيعاب المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف، خاصة المجتهد، ومن يمكن التماس عذر له.
5 - وضوح الأصول الاعتقادية، لتكون منطلقا لغيرها من الأعمال.

المحور الثالث / منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في عباداته ومعاملاته

عندما نستعرض سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد فيها خاصية الوسطية واضحة جلية ، فللنظر مثلاً :
* ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للنفر الذين آلوا على أنفسهم أن يصوموا فلا يفطروا ، وأن يقوموا فلا يناموا ، وألا ينكحوا النساء، إنه قال منكرًا عليهم تطرفهم : " أما إني أخشاكم لله ، وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ، وفي هذا تأكيد على خط الاعتدال الذي هو سمة هذا الدين في مواجهة من أرادوا أن يختاروا طرفًا واحدًا على حساب الطرف الآخر ، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى حد الاعتدال وهو الوسط بين الطرفين .
* نتأمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر .
إن هذا الدعاء يكشف عن توازن عجيب بين الدين والدنيا ، فهو لا يطلب الحياة الدنيا على حساب الآخرة ولا الآخرة على حساب الدنيا ونجد مصداق هذا في دعاء القرآن ، في قوله تعالى : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ، فلا تطرف ولا إفراط ولا تفريط ، إنما هو وسطية واعتدال ، هذا ما يشعر به كل من يستبطن الآيات القرآنية ويطلع على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
* كذلك نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى " ، يشبه المتشدد في العبادة بذلك المسافر الذي أرهق دابته من أمرها عسرًا ، وتجاوز حد الاعتدال في سوقها فكانت النتيجة أن نفقت دابته في الطريق ولم يصل إلى غايته ، وهذا شأن المتشدد في عبادته المتجاوز فيها حد الاعتدال فلا هو الذي أرضى ربه ، ولا هو الذي أبقى على نفسه ، شأن المنبت أي المنقطع في الطريق ، ولا يخفى ما في هذا التشبيه النبوي من دعوة إلى الوسطية والاعتدال.
* وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ، إنما أنا عبد الله ورسوله " ، أي لا تتطرفوا في مديحي والثناء علي فتتجاوزوا بي حدود البشرية ، " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد " ، ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع من ينشد فيقول : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فغضب ونهاه وقال : " قولوا في بما تعلمون إنما أنا عبد الله ورسوله.. هذه بعض مرتكزات وأصول الوسطية في الإسلام سقناها من القرآن والسنة..

الوسطية تتجلى في عقيدة الإسلام وشريعته والأخلاق التي دعا إليها. فلقد ذُكر في كتب السنة أنه عندما توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم كسفت الشمس ، فظن بعض المسلمين أن لذلك علاقة بموت إبراهيم ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى ذلك الفهم ونهى المسلمين عن مثل ذلك الاعتقاد وأمرهم بالصلاة عند الكسوف أو الخسوف ....
والإسلام وسط في عقيدته بين من لا يرون إلا هذا العالم المحسوس وينكرون ما وراءه من غيب ، وبين أولئك الذين يعتبرون أن هذا العالم وهم لا حقيقة له ، ويقيموا عقيدته على أن هذا العالم حقيقة إلا أن هناك حقيقة أكبر منه ، فهو يصل من الكون إلى المكوِّن ومن الخلق إلى الخالق ، وفي ذلك يقول القرآن : " هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه " ، ويقول أيضًا : " فتبارك الله أحسن الخالقين " .
والإسلام أيضًا وسط بين من يؤمنون بالعقل وحده مصدرًا للمعرفة ومن ينكرون قيمة العقل ويقولون بالإلهام أو الأوهام ، إذ إن الإسلام يقف موقفًا مميزًا في الربط بين العقل والوحي ، فهو يعتبر أن بينهما علاقة كعلاقة البصر بالنور ، فالبصر يغدو عديم الفائدة في غياب النور ، كما أن النور لا جدوى منه إذا سار في ضوء أشعته أعمى ، فالعقل بصر والوحي نور وهي كما نرى عقيدة وسط بين هؤلاء وأولئك .

نجد أن الإسلام يعتمد الوسطية في تشريعه ، سواء أكان ذلك في العبادات المحضة أو في المعاملات ، وكل من اطلع على عبادات الإسلام ومعاملاته يرى أنه لا يحيد عن الموقف المعتدل ويرفض التطرف الذي يقتضي الميل إلى جانب على حساب آخر ..
وقد أخرج الإمام مسلم عن معاذ أنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : " إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك ، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم "
قال النووي شارح صحيح مسلم : وفيه أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط ، ويحرم على رب المال إخراج شر المال . وهذه هي الوسطية التي هي الاعتدال
وكان صلى الله عليه وسلم ، يأمر بالتوسط في القراءة في الصلاة الجهرية وهذا مصداق قول الله تعالى : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا" والسبيل هنا هو التوسط، الذي هو الوسطية والاعتدال ، واقرأ قول الله تعالى مؤكدًا على هذا المعنى " واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين " .
- ذكر أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني لأتأخر عن صلاة من أجل فلان مما يطيل بنا ، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ . فقال : " يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" ، فإلى هذا الحد كان النبي يكره التطرف والتشدد الذي يميل إلى جانب دون آخر وكان صلى الله عليه وسلم يحب التوسط والاعتدال في كل شيء .

لقد كان أخلاق وسلوك (هدي) النبي صلى الله عليه وسلم كله قائمًا على الاعتدال ، فقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد وهو يتحدث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام : ( وكان إذا تكلم ، تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ليس بهذر مسرع لا يحفظ ، ولا متقطع تتخلله السكتات بين أفراد الكلام ، بل هديه فيه أكمل الهدي ، فعن عائشة أنها قالت : " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا " أي الكلام ، وإنما يتكلم بجوامع الكلم ، فصل لا فضول ولا تقصير.. وفي مجال آخر وهو هديه صلى الله عليه وسلم في مجال اللباس ، يذكر ابن القيم كلامًا لابن سيرين ثم يعلق عليه قائلاً : ( ومقصود ابن سيرين أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره ، فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره وكذلك يتحرون زيًا واحدًا من الملابس ويتحرون رسومًا وأوضاعًا وهيئات يرون الخروج عنها منكراً وليس المنكر إلا التقيد بها ، والمحافظة عليها وترك الخروج عنها ) . أي التمترس في موقع واحد ، وذلك هو التطرف الذي يكرهه الإسلام ، ثم يقول ابن القيم : ( فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدًا وتعبدًا بإزائهم طائفة قابلوهم فلا يلبسون إلا أشرف الثياب ولا يأكلون إلا ألين الطعام ، فلا يرون لبس الخشن ولا أكله تكبرًا وتجبرًا ، وكلا الطائفتين هديها مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ) . ثم زاد ابن القيم بقوله : ( قال بعض السلف كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض )
وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق وهو يؤكد اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للوسطية والاعتدال في هديه كله حتى في ملبسه .
ثم يتكلم ابن القيم عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه فيقول : ( وكان نومه أعدل النوم والأطباء يقولون هو ثلث الليل والنهار ثماني ساعات ) .
أما عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مشيه فيقول ابن القيم : ( وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء وأبعدها من مشية الهرج والمهانة والتماوت ؛ فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة وهي مشية مذمومة قبيحة وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مثل الجمل الأهوج وهي مشية مذمومة أيضًا دالة على خفة عقل صاحبها ... وإما أن يمشي هونًا ، وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه ، فقال : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا " ، قال غير واحد من السلف بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت ...
ومن أوضح الأمثلة على وسطية الإسلام في السلوك والأخلاق دعوته المتكررة إلى التوسط والاعتدال في الإنفاق والتحذير من التطرف في الإسراف أو التقتير ، ومصداق ذلك في قول الله تعالى يصف عباده : " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " ، والقوام هو الوسط .
ولو أن المسلمين استجابوا لهدي الله ورسوله فاعتمدوا الوسطية في أخلاقهم وسلوكهم وخطابهم لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتا ..
فنجد حثه صلى الله عليه وسلم على الاعتدال وتحذيره من التشدد: مثال ذلك قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة الرسول، صلى الله عليه وسلم فلما علموا ذلك كأنّهم تقالّوها‍! فقال أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أمّا أنا فأصّلي الليل أبدًا، وقال الآخر: لا أتزوجّ النساء، فقال صلى الله عليه وسلم : " أأنتم الذين قلتم كذا وكذ ؟؟ أمَا والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منِّي" !
و قد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي لأتأخرّ عن صلاة الصّبح من أجل فلان مما يطيل بنا.. قال أبو مسعود الأنصاري - راوي الحديث -: فما رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ، فقال:
" أيّها الناس !! إن منكم منفّرين ! فأيّكم أمَّ النّاس فليوجز، فإنَّ من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة" .
ودخل مرَّة المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلَّقت به، فقال، صلى الله عليه وسلم : " حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد "..
وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : " إيَّاكم والغلوّ في الدّين فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين "..
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : " هلك المتنطّعون !!!" قالها ثلاثًا .
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم كان يقول: : " لا تُشّددوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدّيارات رهبانيَّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم " .
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كمشرع يسعى إلى التيسير على الناس في الأحكام ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .. والمواقف كثيرة في سنته وسيرته صلى الله عليه وقد كان يتفادى ما يكون سبباً لتكاليف جديدة قد تشق على المسلمين، وكان يتجنب أن يفعل شيئاً يكون فيه مشقة وحرج على المسلمين، فهم يتتبعون أفعاله ليتأسوا ..
فمن ذلك أنه صلى الله عليه كان يحث أصحابه على ترك الإسئلة الفقهية المعقدة، أو التي لا ينبني عليها عمل، لئلاً تفرض عليهم فرائض بسبب سؤالهم. فقد سأله رجل عن الحج: أفي كل عام هو؟ فقال :"لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم" .

وقال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" .
وقال لبعض أصحابه: "ما بالكم تأتوني قلحاً لا تسوكون؟ لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة ".
وقال: " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ ".
و قالت عائشة رضي الله عنها : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي وهو مسرور طيب النفس ثم رجع إلي وهو كئيب، فقال: " إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي".
فكونه قد دخل الكعبة، يخشى أن يشق بهذا العمل على المسلمين، فهذا العمل شاق، وغير متاح لكل الناس ..

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ! فَقَالَ : " اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ" فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: " ارْمِ وَلَا حَرَجَ " ، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ:" افْعَلْ وَلَا حَرَجَ !".
ونجد حثه صلى الله عليه وسلم على التيسير ، قال النبي صلى الله عليه وسلم مبَيِّنًا طبيعة هذا الدين: " إنَّ الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا .."
وقال ابن عباس رضي الله عنه : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله! أي الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: "الحنيفيَّة السَّمحة"..
وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لمَّا بعثهما إلى اليمن: " يَسِّرا ولا تُعسِّرا وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا.."
وعن عروة الفقيمي رضي الله عنه قال: كنَّا ننتظر النبي، صلى الله عليه وسلم فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل فصلّى، فلمّا قضى الصّلاة جعل النَّاس يسألونه: يا رسول الله! أعلينا من حرج في كذا، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم "لا أيّها النّاس: إنَّ دين الله- عزّ وجلّ- في يسر، إنَّ دين الله- عزّ وجلّ- في يسر، إنَّ دين الله- عزّ وجلّ- في يسر"
وجاء في وصفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: " مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ " .
و قال، صلى الله عليه وسلم " إنَّ خير دينكم أيسره، إنَّ خير دينكم أيسره".
وقال، صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الله تعالى رضي لهذه الأمَّة اليسير وكره لها العسير".
وعن عائشة- رضي الله عنها- أنَّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ الله لم يبعثني معنّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا "
عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ" .
فَكَانَتْ رُخْصَةً .. فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ " .. فَأَفْطِرُوا ..
و عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَصَامَ بَعْضٌ وَأَفْطَرَ بَعْضٌ، فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا، وَضَعُفَ الصُّوَّامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ : " ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ"
وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ"
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ " فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " فَلَا تَفْعَلْ ! صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ" ..
قال عبدالله : فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً.
قَالَ: " فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ " .
قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام.
قَالَ:" نِصْفَ الدَّهْرِ " ..
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ:
خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ . فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ : " قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ !! أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ . إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ".
ولقد أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارًا فَعَذَّبُوهُ حَتَّى يقول كلمة الكفر، وقَارَبَهُمْ فِي بَعْض مَا أَرَادُوا، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وقال له : ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير .. وبكى. فَجَعَلَ – صلوات ربي وسلامه عليه - يَمْسَح الدُّمُوع عَنْهُ، وقال له: كَيْف تَجِد قَلْبك ؟ قَالَ : مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ ، قَالَ:" فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ ".
وفيه نزل َقَوْل اللَّه تَعَالَى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏‏
ومثال على الاعتدال قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة الرسول، صلى الله عليه وسلم فلما علموا ذلك كأنّهم تقالّوها‍! فقال أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أمّا أنا فأصّلي الليل أبدًا، وقال الآخر: لا أتزوجّ النساء، فقال صلى الله عليه وسلم : " أأنتم الذين قلتم كذا وكذ ؟؟ أمَا والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منِّي" !
و قد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي لأتأخرّ عن صلاة الصّبح من أجل فلان مما يطيل بنا.. قال أبو مسعود الأنصاري - راوي الحديث -: فما رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ، فقال:
" أيّها الناس !! إن منكم منفّرين ! فأيّكم أمَّ النّاس فليوجز، فإنَّ من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة" .
وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : " إيَّاكم والغلوّ في الدّين فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين " ..
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : " هلك المتنطّعون !!!" قالها ثلاثًا .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم كان يقول: : " لا تُشّددوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدّيارات رهبانيَّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم " .

المحور الرابع / ما يناقض الوسطية

الوسطية هي حبل النجاة وسفينة الإنقاذ اليوم لأمتنا العربية والإسلامية من التيه والضياع -بل الهلاك والدمار- الذي يُهدد حاضرها ومستقبلها، ذلك أن معظم قضاياها الفكرية والعملية الكبرى تضيع فيها الحقيقة بين طرفين متباعدين: طرف الغلو أو التطرف أو التشدد أو الإفراط، وطرف التسيب والتفريط والتقصير والإضاعة.
لهذا كان لزاما على ورثة الأنبياء من العلماء الذين يحملون عِلم النبوة وميراث الرسالة، أن ينفوا عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وأن يتبنوا منهج الوسطية ويبينوه للناس ويدافعوا عنه ويُجَلّوا مزاياه.
وتأتي الوسطية مقابل:
- الغلو: وهو مجاوزة الحد.. قال تعالى بحث عن الوسطية في الإسلام frown.gif لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) ) النساء 171 )
وقال صلى الله عليه وسلم { إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ }
- والإفراط: وهو بمعنى الغلو، وهو تجاوز القدر في الأمور.
- والتفريط: وهو بمعنى التقصير.
فمنهج أهل السنة وسط في ذلك بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة.
والجفاء: خلاف البر والصلة.
قال صلى الله عليه وسلم في حق القرآن: { وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ } أي: لا تنقطعوا عن تلاوته.
فأهل السنة وسط بين جفاء الأعراب، وتقعر العجم.
- والظلم: وهو مجاوزة الحق. ولذلك سمى الله الشرك ظلما { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ( ) [لقمان: 13].
فأهل السنة هم الوسط في العدل والإنصاف. وعليه؛ فالوسطية، والاعتدال معنيان مترادفان في المفهوم اللغوي، والشرعي الاصطلاحي، فهما: العدل والاستقامة والخيرية والاعتدال والقصد والفضل والجودة.







التعصب أمر مذموم في الإسلام وجذوره تعود إلى ما سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوى الجاهلية المذمومة التي لا تؤمن عواقبها، لأنه يغيب العقل والحكمة ويبعد الإنسان عن التسامح والوسطية ويدفعه إلى الغضب الشديد والقيام بتصرفات هوجاء لا تحمد عواقبها، وقد تصل إلى انتهاك الحرمات وإيذاء الناس وإلى القتل. وتعاني مجتمعاتنا حاليا من تفشي داء التعصب بدرجة خطيرة طالت كل شيء حتى الفن والرياضة والأنشطة الاجتماعية وباتت تهدد وحدة المجتمعات وتماسكها.
و الإسلام يرفض التعصب والغلو والدعوات الفاسدة التي تؤدي إلى التطاحن والفرقة والتدمير وخراب المجتمعات، مضيفا أن جوهر الإسلام الرفق بالناس في الفتوى والقضاء واقتضاء الدين وسائر المعاملات، والعدل والوسطية، فهو دين لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى: (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)) ، فهذه الأمة وسط لتوسطهم في الدين، فلم يغلوا كغلو النصارى ولم يقصروا كتقصير اليهود، ولكنهم أهل وسط واعتدال، وهذا التوسط وفق ما أشار إليه العلماء يقتضي ألا تكون في هذه الأمة حيدة عن الحق، أو إفراط أو تفريط.
ونذكرأن الابتعاد عن التعصب من القيم التي يحض عليها الإسلام الذي يأمر بالرفق، فقد رُويَّ عن عبدالرحمن بن شماسة قال: (أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن شيء، فقالت: ممن أنت؟، فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟، فقال: ما نقمنا منه شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به).
وروي عن عائشة رضي الله عنها أيضا أنها قالت: ( استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟، قال: قد قلت: وعليكم) ، وروي عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “من حرم الرفق حرم الخير، أو من يحرم الرفق يحرم الخير”، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)).
إن الشارع الحكيم يحرم التعصب الذي يجلب العنف والتدمير والتخريب ويرغب في الرفق في كل الأمور، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطى على ما سواه))، وروي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاث من كن فيه ستر الله عليه كنفه وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك)) .
يقول الشيخ / سلمان العودة : الوسط غالباً ما يكون محفوفاً برذيلتين، كما يقول الحكماء والفلاسفة رذيلة الإفراط والمبالغة، ورذيلة التفريط والإهمال، فالوسط هو الاهتمام المقتصد المعتدل بالأشياء، سواءٌ كانت تعبدية أو أخلاقية أو دينية أو دنيوية.
وكثير من الناس الذين ابتلوا بالتعصب قد يعتبر نفسه في موقع الوسط؛ لأنه يرى نفسه في تعصبه بين من هو أكثر تطرفاً وبين من هو أقل منه فيحسب أن ذلك كافٍ لإثبات أنه يسير في خط الوسطية والاعتدال، وذلك مقياس غير منضبط؛ لأنه لن يعلم أن يجد أحداً أشد منه تعصباً، ولن يعلم أن يجد من هو أقل منه تفريطاً وتساهلاً.
فالوسطية لا تعني أن يضع الإنسان المسلم نفسه مركزاً للكون والحياة، ويصنف الناس على حسب موقعه، بل هي أن يلتزم خط الاعتدال في كل شيء وعدم المبالغة:

ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ

وسِمة التطرف ينبغي أن لا تكون ملكاً وذوقاً خاصاً لفئة معيَّنة توزع ذلك الوصف على من تريد، إنما يجب أن يكون هناك معايير واضحة لهذا الاستخدام، كيلا يصبح ذلك ضرباً من التنابز بالألقاب، والذي لا يفيد أكثر من أننا متعصبون في تعاملنا مع بعضنا، وفي معالجة اختلافاتنا.



























الخاتمة
الاعتدال والوسطية منهج الحق ومنهج الأنبياء وأتباعهم، ويتمثل ذلك بالإسلام بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبالسنة، ومنهج السلف بعد ظهور الأهواء والافتراق، فأهل السنة والجماعة هم العدول الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف.
إلا أن هنا قضية مهمة يحسن أن أذكر بها في ختام هذا البحث ، وهي: أن هذه الأدلة تقرر سماحة الدين ويسره ووسطيته، وأنه دين ينافي الغلو والتشدد، بمعنى أن ما ثبت كونه من الدين فهذه صفته، لا بمعنى أن يأتي شخص ما بعقله وتفكيره فما رآه وسطا قال: هو الدين !
فالوسطية في الدين، أي ما ثبت أنه دين فهو يسر.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ } ،
فما ثبت أنه من الدين فهو اليسر وهو الحنيفية السمحة، وهو الذي لا تشدد في أخذه، ولا غلو فيه، ولا عسر فيه.
وقال صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالَغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ } ، فقال: الدِّينُ يُسْرٌ فما ثبت أنه من الدين فهو يسر.
من هذه العجالة السريعة مع آيات الله سبحانه وتعالى وهدي النبي صلى الله عليه وسلم يتأكد لنا ما ذكر من قبل أن الوسطية هي خاصية الإسلام البارزة ، الذي تعتبر تجليته للناس من أجل ما يقدم للإسلام من خدمات في هذه السنوات العجاف التي تشن فيها أكبر هجمة على الإسلام والمسلمين ....
إن الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه في حاجة إلى رجال يملأ قلوبهم الإخلاص والصدق ويملأ عقولهم الوعي والعلم والمعرفة ، يعرضون الإسلام فيحسنون عرضه ويدافعون عنه فيعز جانبه وتعلو رايته ، وهم في كل ذلك يسيرون على خط الوسطية والاعتدال .....
هذا، ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الحق والعدل والاستقامة، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، ويقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن..
وصلى الله على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه أجمعين






المراجع
1- كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها
المؤلف: يوسف القرضاوي
2-- مظاهر الوسطية في التشريع الإسلامي
المؤلف: محمد مسعد ياقوت – باحث وداعية إسلامي مقيم في مصر .
3-- منهج الوسطية في مواجهة منهج المتطرف
المؤلف: محمد طلابي
4- معالم في الوسطية والاعتدال
أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

5- العقيدة الواسطية... للشيخ ابن تيمية
6- مقال : الإسلام دين الوسطية
الكاتب : عبد العزيز عبد الرحمن عودة
7- الوسطية في القرآن الكريم
الدكتور علي محمد الصلابي
8- الوسطية في ميزان العقل والنقل
الكاتب: ياسين بن علي
9- الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة
للدكتور /ناصر بن عبد الكريم العقل
8- مقال : التعصب يناقض سماحة الإسلام.. والمطلوب ترسيخ الوسطية
الكاتب : عمرو أبو الفضل
http://www.alittihad.ae/details.php?...#ixzz15wZUXVX4

9- مقال/ مفهوم الوسطية والاعتدال
الدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل
10- مقال / مظاهر الوسطية في الإسلام
الدكتور/ سليمان بن إبراهيم العايد
11- مقال / الوسطية
الشيخ / سلمان العودة











الفهرس


م الموضوع رقم الصفحة

1
صفحة العنوان 1

2
المقدمة 2

3
المحور الأول : مفهوم الوسطية 3

4
المحور الثاني / مظاهر الوسطية في الإسلام 5

5
المحور الثالث / منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في عباداته ومعاملاته
10

6
المحور الرابع / ما يناقض الوسطية 15

7 الخاتمة 18

8
المراجع
19
9
الفهرس
20
المصدر: طريق الخلاص


fpe uk hg,s'dm td hgYsghl








 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الوسطية في القرآن الكريم نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 20-05-2013 06:24 AM
الوسطية والاعتدال نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 20-05-2013 06:14 AM
عن الوسطية في الإسلام نور الإسلام خطب إسلامية 0 20-05-2013 06:13 AM
مظاهر الوسطية في التشريع الإسلامي نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 20-05-2013 06:05 AM
محاضرة للدكتورة حصة الصغيّر عن الوسطية نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 20-05-2013 06:03 AM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 06:39 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32