تذكرني !


 



الناسخ والمنسوخ

- رد شبهات النصارى قالــوا: في القرآن ناسخ ومنسوخ، ومثل هذا لا يعقل أن يكون في كلام الله العليم المحيط بكل شيء، لأن النسخ يدل على نقص العلم،

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /10-01-2012, 05:46 PM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي الناسخ والمنسوخ

- رد شبهات النصارى

قالــوا: في القرآن ناسخ ومنسوخ، ومثل هذا لا يعقل أن يكون في كلام الله العليم المحيط بكل شيء، لأن النسخ يدل على نقص العلم، وتبدل الرأي، والله منزه عن مثل هذه الآفات.
والجواب: العجب كل العجب أن يستنكر وقوع النسخ في القرآن ويستقبحه من تطفح أسفاره المقدسة وتشريعاته بمثله، من غير أن يرى في ذلك قدحاً في كتبه ، فكم من حكم في التوراة نسخه العهد الجديد ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ (آل عمران: 50).




وشواهد هذا النسخ في كتابهم المقدس كثيرة ، ومن ذلك أن الله حرم عليهم في التوراة الكثير من الحيوانات واعتبرها نجسة، كالخنازير والإبل والأرانب "إلا هذه فلا تأكلوها، مما يجترّ، ومما يشق الظلف المنقسم: الجمل والأرنب والوبر، لأنها تجترّ ، لكنها لا تشق ظلفاً، فهي نجسة لكم، والخنزير لأنه يشق الظلف، لكنه لا يجترّ، فهو نجس لكم، فمن لحمها لا تأكلوا" (التثنية: 14/7-8)، فهذه الحيوانات - وغيرها مما ذكر بعده - نجسة بشهادة التوراة (انظر التثنية 14/1-24).


ومع ذلك لا يمتنع المسيحيون اليوم عن واحد منها ، لأن مقدسهم بولس أخبرهم بنسخ نجاستها ونسخ تحريمها أيضاً بقوله: "أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لا شيء نجس في حد ذاته، ولكنه يكون نجساً لمن يعتبره نجساً " (رومية 14/14)، فهذا نسخ لحكم النجاسة التوراتي، وأما نسخ التحريم ففي زعم بولس أن المسيح بدمه المسفوح "محا الصك الذي علينا في الفرائض .. فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كولوسي 2/14-16)، فقد نسخ دمه كل المحرمات من طعام وشراب وسبت، ولأجل ذلك يأكلها المسيحيون بلا أي حرج؛ مع إيمانهم بصحة النصوص التوراتية المحرِِّمة لها، لكنهم يعتبرونها نصوصاً منسوخة من جهة العمل بها.
بل إن الكتاب المقدس يحكي لنا في مسألة حكم الطلاق عن تبدل ونسخ الحكم الإلهي مرة بعد مرة، فالطلاق حسب إنجيل متّى كان حراماً في زمن آدم، ثم أحله الله لبني إسرائيل في أيام موسى، فجاءت شرائع التوراة ببيان أحكامه (انظر التثنية 24)، ثم حرمه المسيح عليه السلام إلا لعلة الزنا.


وبيان هذا وتفصيله أن المسيح قال للفريسيين محرماً الطلاق: "الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان، قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلّق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم: إن من طلّق امرأته إلا بسبب الزنى وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلّقة يزني" (متى 19/6-9).
ويبطل النصارى اليوم كل الشرائع التوراتية الموجودة في العهد القديم، والتي يؤمنون بقدسيتها، وأنها من الله تعالى، لكنهم يرونها منسوخة من جهة العمل بها، ويقولون: أبطلها جميعاً جسدُ المسيح المعلق على الصليب ، كما يقول بولس عن المسيح : "مبطلاً بجسده ناموس الوصايا" ( أفسس 2/15)، وقوله: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس" (غلاطية 3/13)، فالمسيح وفق هذه الفقرات خلصهم من اللعنة المذكورة في سفر التثنية، والتي تحيق بكل من لا يعمل بأحكام الشـريعة: "ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس، ليعمل بها" (التثنية 27/26)، فبطل فيما بطل مئات الأحكام التوراتية الواردة في سفري التثنية واللاويين، كقتل القاتل ورجم الزاني والختان والسبت وتحريم الخنزير.


ويلزمنا هنا التنبيه إلى أن قول أهل الكتاب بالنسخ مختلف تماماً عن قول المسلمين الذين يعظمون المنسوخ من القرآن، ويرونه حكماً إلهياً صالحاً ونافعاً رفعه الله بحكم آخر أنفع للعباد منه مراعاة لتغير أحوالهم، بينما تنتقص كتب أهل الكتاب المنسوخ منها، وتجعل علة نسخه ضعفَه وعدمَ نفعه، لا مراعاة المستجدات في أحوال الناس، يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين: "فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل، به نقترب إلى الله" (عبرانيين 7/18 - 19).
ويواصل كاتب رسالة العبرانيين ، فيصف ناموس الكهنوت التوراتي بالعتق والشيخوخة والتهافت، فيقول: "وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال" (عبرانيين 8/13)، ويزدريه متهماً إياه بالعيب: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب، لما طُلب موضعٌ لثانٍ " (عبرانيين 8/7).


أما نحن المسلمين، فنقول: إن الله على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم، لا يعزب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض، ونسخُ بعض آياته إنما هو من تمام علمه بما يصلح أحوال خلقه، وقد حكى الله لنا في القرآن استنكار المشركين للنسخ، وتولى الرد عليهم ببيان سعة علمه، وأنه عز وجل يبدل وفق علمه العظيم رغم معارضة الذين لا يعلمون بما يفعله الله وما يقدر عليه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَالله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ (النحل: 101)، وقد بينت الآية التي بعدها علة التبديل، وأنه مراعاة لتبدل أحوال الناس: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْـرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ (النحل: 102) فتبين الآية أن النسخ يكون بعلم الله المطلع على ما يقوله الجاهلون.
ولتقريب فهم النسخ إلى الأذهان مثَّل العلماء له بفعل الطبيب الحاذق الذي يصف للمريض دواء، وهو يعلم أنه بعد تحسن حاله سيصف له دواء بديلاً يناسب حاله الجديد، فتبديله للدواء عن علم وحذق، وإن استنكر صنيعه بعض الذين لا يعلمون.
هذا ويجدر التنبيه إلى أن النسخ خاص بالأحكام التي تتبدل مراعاة لأحوال العباد، ولم يقع شيء من نسخ القرآن في الأخبار، لأن النسخ فيها ضعفُ علمٍ وقلةُ معرفة وتكذيبٌ لخبر سابق، وإنما وقع نسخ القرآن في الأحكام التي تدرج الله فيها مراعاة لأحوال الناس، وليعطيهم فرصة لتغيير إلفِهم وما اعتادوه زمناً طويلاً.
ومثال ذلك في تحريم الله الخمر بالتدريج مراعاة لأحوال العرب الذين كانوا يعاقرون الخمر، ، فأراد الله أن ييسر عليهم ترك هذه العادة فحرمها بالتدريج، فأول ما نزل فيها قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ (البقرة: 219)، فالخمر فيها منافع محدودة (كالتجارة)، لكن ما فيها من الإثم والضرر أعظم، وهذا كاف عند الكثيرين للتنبه إلى خطرها والامتناع عنها درءاً لضررها، واستغناء عن منفعتها المالية.


ثم بعد أن تشبع المسلمون بهذا المعنى وامتنع الكثير منهم عن معاقرة الخمر نزل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: 43)، فامتنع جميع المسلمين عن تناولها سائر النهار، لأنها تشغل عن الصلاة وتفسدها، فتضايق عليهم وقت شربها، فلم يجدوا لها وقتاً إلا ما بين صلاة العشاء إلى الفجر، وهو وقت نومهم وراحتهم، وما بين الفجر والظهر، وهو وقت أعمالهم.
وقد أحس الصحابة لما نزلت هذه الآية أن الله يشدد عليهم في الخمر، فدعا عمر رصى الله عنه الله فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيان شفاء. فنزل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِـرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ` إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: 90-91)، فدُعي عمر، فقُرئت عليه، فقال: (انتهينا انتهينا)[1].
فتغير حكم الخمر، ونسخه في آيات القرآن مرتبط بأحوال الناس ومراعاة مصلحتهم بالتدريج في التخلص من عادة شرب الخمر، كحال الطبيب الذي يعطي مريضه دواء ثم يستبدله بدواء آخر في أجل كان يرقبه، لتحسن حال المريض، فهذا من حذقه، ولو عدَّه بعض السفهاء قلة علم وضعف معرفة.
كما قد يقع النسخ لحكم أخرى، منها ابتلاء الله واختباره امتثال العباد لأوامره ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله﴾ (البقرة: 143)، ومن هذا النوع أيضاً ابتلاء الله لإبراهيم حين أمره الله بذبح ابنه ابتلاء واختباراً، فلما امتثل إبراهيم وإسماعيل أمر ربِّهما، ورأى الله صدق استسلامهما وانقيادهما؛ افتداه الله بكبش أُمِر إبراهيم بذبحه، وبذلك نسخ الله الأمر بذبح الابن بأمر جديد وهو ذبح الكبش، لا لعلم جديد علمه الله، بل هو العليم الذي علم كل شيء قبل أن يخلقه، وكما قال صلى الله عليه وسلم : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»[2].
ويقع النسخ أيضاً - بتشديد الأحكام - عقوبة من الله لعصاة بني آدم، كما حرم الله على بني إسرائيل بعض ما كان حلالاً عليهم ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً ` وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ (النساء:160-161).
وهكذا فالنسخ بعض كمال قوة الله وقدرته وعلمه بما يصلح لعباده، فهو ينسخ ما يشاء، ويبدله بما شاء وأراد ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (البقرة:106)، فالآية صريحة بكمال صفات الله، وأنه ينسخ ما يشاء بقدرته التي لا يحدها شيء.
ويلزمنا التنبيه إلى أن النسخ في القرآن لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم بل هو فعل إلهي محض: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ (يونس: 15).
ثم لو تأملنا الآيات المنسوخة لوجدنا فيها - أحياناً- ما يشعر بكون هذا الحكم مؤقتاً ، كما في حكم حبس الزانية في قوله : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَـهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 15)، فقوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَـهُنَّ سَبِيلًا﴾ نص في ترقب حكم جديد ينزل من الله تعالى، وقد تحقق هذا السبيل المنتظر من الله في آيات سورة النور التي قضت بجلد الزانية، بدلاً من الحكم المنسوخ (حبسها).
ولم تنسخ الآية من التلاوة؛ لأن الله نسخ حكمها، وأبقاها متلوة إلى قيام الساعة؛ يؤجر المسلمون على قراءتها، ويرون فيها بعض رحمة الله وتخفيفه على عباده حين نسخها بحكم آخر أيسر منه.
أما النوع الثاني من أنواع النسخ؛ فهو نسخ التلاوة، وهو نوع مخصوص بآيات من القرآن نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقرأها المسلمون، ثم رفعها الله من قرآنه لحكمة هو أعلم بها ﴿ يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ (الرعد: 39)، فما يمحوه الله من آياته ليس نسياناً، ولا لغيره مما يطرأ على البشر، بل هو وفق حكمته ومشيئته وعلمه الأزلي ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ` فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: 21-22)، فهو تبارك وتعالى قادر على نسخ ما يشاء من آي القرآن ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ (الإسراء: 86).
ولو شئنا تلمس ومعرفة الحكمة الإلهية في نسخ بعض الآيات تلاوة؛ لوجدنا أن بعض هذه الآيات نزل في معالجة أحداث مخصوصة كحادثة بئر معونة التي قتل فيها ما يقارب عُشُر المسلمين حينذاك، فأنزل الله ما أنزل تثبيتاً لقلوب المؤمنين في وقت كربتهم وزلزالهم، ومثله نزلت آيات النهي عن الانتساب لغير الأب في وقت كان الناس يتعايرون بأنسابهم، فلربما نسب الرجل نفسه إلى غير أبيه؛ فلما علم ربنا عز وجل حاجة المسلمين إلى تلكم الآيات في ذلك الزمان؛ أنزلها، وعلم ربنا أن الحاجة إليها مؤقتة، وأن البشـرية لا تحتاجها في أجيالها القادمة؛ فنسخها بما هو خير منها أو مثلها، ورفع تلاوتها من المصاحف.
إن ما يعتبره المسلمون قرآناً ليس كل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي، بل ما أثبته الله في العرضة الأخيرة لجبريل ، وهو يعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان أدركه النبي صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته، وهذا المعنى يخبر عنه أنس بن مالك صلى الله عليه وسلم بقوله: (أُنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه، ثم نسخ بعد {بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه} )[3].
ويوضحه قول عمر رضى الله عنه: (أقرؤنا أُبي ، وأقضانا علي ، وإنا لندع من قول أُبي، وذاك أن أُبياً يقول: لا أدع شيئاً سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله عز وجل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾) (البقرة: 106)[4].
فالله عز وجل ينسخ من آياته ويُنسِي عباده ما يشاء، فهو الذي يعلم الجهر وما يخفى، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ` إِلَّا مَا شَاءَ الله إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ (الأعلى: 6-7).
وهكذا فالعرضة الأخيرة للقرآن هي فقط ما تعبدنا الله بتلاوته إلى يوم القيامة ، وأما ما سوى ذلك مما كان يقرأ؛ فقد نسخ بقراءة العرضة الأخيرة التي شهدها جمع من الصحابة، منهم زيد بن ثابت، فأهَّله ذلك لجمع القرآن زمن الصديق، ثم زمن عثمان رضي الله عنهم أجمعين.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه[5].
وقال عن زيد: "شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف رضي الله عنهم أجمعين "[6].
وعن كثير بن أفلح أن عثمان رضي الله عنه "لما أراد أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار ، فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت .. وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه .. إنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الآخرة، فيكتبونها على قوله"[7].
وعن سمُرةرضي الله عنه قال: عرض القرآن على رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة[8].
قال عَبِيدة السلماني ـ وهو من كبار التابعين ـ: القراءة التي عُرِضَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه؛ هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم[9].
وقال ابن تيمية: "العرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة"[10].
وقال البغوي: "المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه , وأذهب ما سوى ذلك؛ قطعاً لمادة الخلاف , فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم"[11].
وهكذا، فالآيات المنسوخ تلاوتها لم تسقط من المصحف نسياناً أو جهلاً؛ إنما نسخها الله، فلم يقرأها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، التي أقرأها النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت وغيره من الصحابة، وبها قرأ المسلمون في كل العصور.
ومن هذا المنسوخ تلاوة ؛ آية الرجم ، وهي آية حفظها الصحابة ووعوها ، ومع ذلك لم تكتب في القرآن الكريم لنسخها في العرضة الأخيرة، وقد خطب عمر الصحابة زمن خلافته، وقبل جمع عثمان للمصاحف، فقال: (إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله "أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" أو "إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم")[12].
فذكر عمر رضي الله عنه في هذا الأثر آيتين منسوختين تلاوة من القرآن، فهو يعرفهما، ويقول عن آية الرجم: (فقرأناها ، وعقلناها، ووعيناها)، ثم يذكر أنها نسخت من القرآن، وفي رواية أنه قال: (وايم الله، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله عز وجل؛ لكتبتها)[13]، فهو رضي الله عنه يؤكد نزولها، وأنها محفوظة عنده، وأنها غير موجودة في كتاب الله، وهذا قبل الجمع العثماني للقرآن الكريم.
كما ضرب عمر رضي الله عنه مثلاً آخر للمنسوخ تلاوة بآية التحذير من الانتساب إلى غير الآباء، وهذا كله في حضور جموع الصحابة رضوان الله عليهم؛ مما دل على معرفتهم جميعاً بوقوع النسخ تلاوة في القرآن الكريم.
وأما سبب إسقاط الصحابة لهذه الآية من المصحف فهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد روى البيهقي من حديث زيد بن ثابت أنه دخل على مروان بن الحكم فسأله مروان عن سبب ترك كتابة هذه الآية في المصاحف، فأخبره زيد أن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: أكتبني آية الرجم؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «لا أستطيع ذاك».
قال البيهقي: "في هذا وما قبله دلالة على أن آية الرجم حكمها ثابت، وتلاوتها منسوخة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً"[14].
ومن أمثلة المنسوخ تلاوة آية الرضاع، ففي صحيح مسلم، من حديث أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشـر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهن فيما يقرأ من القرآن)[15].
وقولها: (وهن فيما يقرأ من القرآن)، ليس يساوي القول: (وهن من القرآن)، بل معناه أن النسخ كان في أواخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمات وبعض الصحابة لم يبلغهم النسخ، فما زالوا يقرؤونه على أنه من القرآن، وقد قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : (نزلت ثم رفعت)[16].
قال النووي: "معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً؛ حتى أنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآناً متلواً؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى"[17].
وقد يشكل - هنا - ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها)[18]، فهذا الخبر يفيد أن آية الرجم وآية الرضاع عشراً قد ضاعتا بسبب أكل الداجن للصحيفة التي كتبتا فيها.
لكن هذا القول يندفع إذا علمنا أن الأثر ضعيف السند، منكر المتن ، رده العلماء وضعفوه لأن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ويرويه بالعنعنة [أي بقوله: عن فلان]، وعنعنة المدلس لا تقبل، وترد حديثه كما هو معلوم في قواعد المحدثين، قال الألباني: "ابن إسحاق مدلس، وإنه إذا قال: (عن)؛ فليس بحجة، وإذا قال: (حدثني) فهو حجة"[19].
وسئل أحمد بن حنبل عنه: ابن إسحاق إذا تفرد بحديث تقبله؟ قال : "لا ، والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من ذا"[20].
وكان يقول: "ابن إسحاق ليس بحجة"[21].
قال الذهبي: "وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب"[22]، وهذا الحديث من عجائبه ومناكيره، ويعله أمران : أولهما: أنه ليس في المغازي، والآخر: أنه معنعن غير مسند.
وقال أيضاً في ترجمته: "الذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث ، صالح الحال ، صدوق ، وما انفرد به ففيه نكارة ، فإن في حفظه شيئاً"[23].
قال ابن قتيبة: "فأما رضاع الكبير عشـراً فنراه غلطاً من محمد بن إسحاق"[24]، هذا من جهة إسناده.
وأما السرخسي فأعلَّ الأثر بنكارة متنه الذي يوحي أن مصدر هذه الآية كان هذه الصحيفة فقط، وأنها لم تكن محفوظة عند جماهير الصحابة: "حديث عائشة لا يكاد يصحّ ... ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذّر عليهم به إثباته في صحيفة أُخرى، فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث"[25]، وهكذا فالأثر ضعيف الإسناد ، منكر المتن، لا يصلح ولا يقوى للاحتجاج به، وبمثل هذا الأثر الضعيف يفرح وينعق المبطلون!.
ومن المنسوخ تلاوة دعاء القنوت الذي يقنت به المسلمون في صلاة الوتر إلى يومنا هذا، فقد نزل قرآناً ، ثم نُسخ في العرضة الأخيرة «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفِد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجد بالكافرين مُلحِق».
وقد روي عن أبي بن كعب أنه أثبته في مصحفه، ذلك أن أُبياً كان يقول: (لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وقد رد عليه الخليفة عمر، وضعّف قوله مستدلاً بقول الله عز وجل: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (البقرة: 106)[26].
وهذا المذهب بالقراءة بالمنسوخ كان مذهب أُبي رضي الله عنه أول الأمر، ثم رجع عنه، بدليل أنه أقرأ التابعين بما في مصحف الجماعة، كما هو مروي عنه في قراءة عاصم ونافع وابن كثير وأبي عمرو، التي اتصل إسنادها إليه من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن عياش المخزومي وعبد الله بن السائب وأبي العالية[27].
وذكر أبو الحسن الأشعري أنه رأى مصحف أنس بالبصـرة، عند بعض ولدِه، يقول: فوجدتُه مساوياً لمصحف الجماعة، وكان ولد أنس يروي أنه خط أنس وإملاء أُبي بن كعب[28].
وهكذا يستبين للمنصف أن قول المسلمين بالنسخ مختلف عن قول أهل الكتاب، وأنه فرع عن كمال علم الله وقدرته ولطفه بعباده ، فهو تعالى ﴿ يَمْحُو اللّه مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39)، وكل ذلك وقع في القرآن وفق حكمته ومشيئته وعلمه الأزلي المكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ` فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج:21-22).

الدكتور منقذ السقار

قسم د منقذ السقار للرد علي الشبهات تنزيه القرآن الكريم عن دعـاوى المبطلين

الهوامش

[1] أخرجه الترمذي ح (3049)، والنسائي ح (5540)، وأبو داود ح (3670).
[2] أخرجه مسلم ح (2653)، ويجدر هنا التنبيه إلى أن قصة إبراهيم مع ابنه الذبيح ونسخ الله أمره بالذبح مذكورة في سفر التكوين (انظر الإصحاح 22).
[3] أخرجه البخاري ح (2814)، ومسلم ح (677).
[4] أخرجه البخاري ح (4481).
[5] انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي (1/237).
[6] انظر المصدر السابق (1/237).
[7] أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، ص (33).
[8] أخرجه الحاكم في المستدرك (2/42)، وصححه، ووافقه الذهبي.
[9] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (7/155)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/204).
[10] مجموع الفتاوى، ابن تيمية (13/395).
[11] شرح السنّة ، البغوي (4/525-526).
[12] أخرجه البخاري ح (6830)، ومسلم ح (1691)، وهذه الآية المنسوخة هي قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عليم حكيم) أخرجه أحمد في المسند من حديث أُبي بن كعب ح (20702).
[13] أخرجه أبو داود ح (4418).
[14] أخرجه البيهقي في السنن (8/211) ، والنسائي في السنن الكبرى ح (7148).
[15] أخرجه مسلم ح (1452).
[16] البرهان في علوم القرآن، الزركشي (2/39) .
[17] شرح النووي على صحيح مسلم (10/29).
[18] أخرجه ابن ماجه ح (1944).
[19] دفاع عن الحديث النبوي، ناصر الدين الألباني، ص (82).
[20] تهذيب الكمال، المزي (24/422)، وتاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (1/320).
[21]تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (1/230).
[22] العلو، الذهبي، ص (39).
[23] ميزان الاعتدال، الذهبي (3/475).
[24] تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة ، ص (314).
[25] أصول السرخسي (2/80).
[26] أخرجه البخاري ح (4481).
[27] انظر: الإقناع في القراءات السبع، ابن الباذش الأنصاري، ، (1/76، 91، 124)، والنشـر في القراءات العشر، ابن الجزري (1/112، 120، 133، 155).
[28] نكت الانتصار لنقل القرآن، الباقلاني، ص (81).
المصدر: طريق الخلاص


hgkhso ,hglks,o


شاركنا برأيك في هذا المحتوى عبر الفيسبوك







 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرد على شبهة النسخ والمنسوخ في القرآن نور الإسلام شبهات وردود 0 17-05-2013 07:11 PM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 03:25 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32