تذكرني !


 



العلوم الإسلامية حمل كتب وبحوث إلكترونية إسلامية

التسامح فريضة إسلامية

مسابقة كاتب الألوكة الثانية قسم الدراسات و البحوث التسامح فريضة إسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /22-06-2014, 11:03 AM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي التسامح فريضة إسلامية



مسابقة كاتب الألوكة الثانية
قسم الدراسات و البحوث





التسامح فريضة إسلامية


مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية



إعداد
صبري عادل إبراهيم إبراهيم




المقدمة
الحمد لله، الذي أنزل القرآن، ليكون للناس شرعة ومنهاجاً. والصلاة والسلام، على المنقذ من الضلال، خاتم الأنبياء والمرسلين r، الذي كانت بعثته r أعظم النعم على البشرية وأجلها، وجعل سبحانه من تمام هذه النعمة تشريف الأمة الإسلامية بحمل الرسالة بل جعل خيريتها للأمم مرتبطة بذلك، يقول تعالى:] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [([1]).
و بعد
فإن التسامح من ثوابت الدّين الإسلامي المبدئية، فلقد جاء الإسلام؛ ليُرسي دعائم السلام في الأرض من خلال دعوة أتباعه إلى تثبيت الاتصال وتقويته بينهم وبين أهل الكتاب على قاعدة دينية راسخة، وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله جميعا: ] وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ ([2]) .
فمنهج الإسلام يقوم على التسامح و الرفق واللين، والرقة والرحمة، ولا يقوم على العنف والشدة، كما يدعى أعداء الإسلام، يقول الله تعالى: ] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [([3]).
و قد جعل رسول الله r الرفق واللين واللطف أسلوباً في الدعوة إلى الله، فعن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي r قالت: " دخل رهط من اليهود على رسول الله r فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول اللهr : " مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله "، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا، قال رسول الله r: قد قلت وعليكم" ([4]).
و لم لا و قد وصفه ربه تبارك و تعالى بقوله:]وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[([5]), و قال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [([6])،فهو r ليس رحمة لجنس العرب أو الشرقيين، أو حتى المسلمين وحدهم، بل هو رحمة للعالمين؛ لأن رسالته رسالة عالمية، كما قال تعالى:] قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [([7]).
وهذه المعاهدات و المكاتبات([8]) التي صدرت عن النبي r ما هي إلا ضرب من ضروب التسامح والموادعة، وقد سار الخلفاء الراشدون على هذا المنهج النبوي العظيم في تطبيق التسامح قولاً و عملاً، فقد جعلوه منهج حياة، و لذلك فقد كتب عمر بن الخطاب عهد الأمان (العهد العمري) لأهل القدس (أهل إيلياء) عند فتحها " أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها؛ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود..." ([9]). و هذا الفاروق في لحظاته الأخيرة يُوصي بغير المسلمين فيقول: " أوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله أن يوفي لهم بعهدهم "([10]).
إن عمر بن الخطاب يُوصي بالعدل و الأمان و الحماية لغير المسلمين، رغم أن دمه يسيل بسب طعنات غادرة أحدثها خنجر أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة – و هو من غير المسلمين - ما هذه العظمة ؟، و ما هذا السمو ؟، و ما هذا التسامح ؟ إنها عظمة، و سمو، و تسامح الإسلام، الذي جاء رحمةً للعالمين.
فلقد وضع الإسلام قاعدة جليلة في التعامُل مع هذا الآخر، بينت أنَّ الأصل في معاملتهم هو الحسنى والبر، وأساس هذه العلاقة وضابطها هو قوله تعالى:] لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[([11]). فهو دين التسامح و التعايش و الإخاء الإنساني؛ و لذلك عندما استقبل رسول الله r وفد نصارى نجران في المدينة فتح لهم باب مسجد النبوة، و لما حانت صلاتهم، قاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله r: "دعوهم" فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم([12]).
حتى في أوقات الحروب و النزاعات المسلحة وضع الإسلام أسس التسامح و الإخاء الإنساني, فقد وضع الضوابط التي تحمى الآخر غير المسلم، و تُحرم النهب والسلب، وجعل لها غايات نبيلة، منها الدفاع عن عقيدة الأمة وأمن المجتمع، وردّ عدوان المعتدين، يقول تعالى:] وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ ([13])، فالحرب لا تنسينا مبادئنا الإسلامية، ولذلك جاءت الوصايا الكريمة حينما يشتد الوطيس: " إنك ستلقى أقواماً قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا أنفسهم له، و لا تقتلن مولوداً, و لا امرأة، و لا شيخاً كبيراً، و لا تعقرن شجراً بدا ثمره، و لا تحرقن نخلاً، و لا تقطعن كرماً "([14])
فالرحمة و التسامح واللطف والرفق والإحسان، من مبادئ الإسلام الخالدة التي طبقها وقت السلم و وقت الحرب.
إن موضوع التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام أمر واضح في تعاملات المسلمين مع غيرهم على مر العصور؛ فقد جاء الإسلام بشريعةٍ عادلة، ونظم إنسانية رفيعة تحترم الإنسان، و تكرمه بصرف النظر عن دينه و عقيدته.
و في ضوء ما تقدم اخترتُ أن أضرب بسهمي في دراسة موضوع "التسامح فريضة إسلامية "؛ لأرد على هؤلاء الذين يُهاجمون الإسلام، و يتطاولون على مقدساته، و لأبين لهم أحد صور عظمة الإسلام في واقعيته وعالميته،و لأثبت لهم أن الإسلام ضرورة لابد منها للمجتمعات الإنسانية، فهو دين السلام، و التسامح و الإخاء الإنساني. فالإسلام دينٌ إنساني المضمون والموضوع والمقاصد.
خطة الدراسة:
هذا و قد جاءت خطة هذه الدراسة المتواضعة على النحو التالي:
المقدمة
فصل تمهيدي: التسامح و الإخاء الإنساني في القرآن الكريم و السنة النبوية.
الفصل الأول: التسامح الإسلامي و الحرية الدينية.
الفصل الثاني: التسامح الإسلامي والمساواة.
الفصل الثالث: التسامح الإسلامي وقت الحرب.
الخاتمة
و الله من وراء القصد و هو يهدى السبيل.
فصل تمهيدي
التسامح و الإخاء الإنساني في القرآن الكريم و السنة النبوية
التسامح لغة: التسامح من السماح و السماحة أى الجود. مصدر سمح يسمح سماحة وسماحا وسموحة، وتدلّ مادّة (س م ح) كما يقول ابن فارس على معنى السّلاسة والسّهولة، يقال: سمح (بفتح السين) وتسمّح وسامح، فعل شيئا فسهّل فيه وأنشد ثعلب في هذا المعنى:
ولكن إذا ما جلّ خطب فسامحت به النّفس يوما كان للكره أذهبا
ويقال أيضا سمح (بضمّ الميم)، وأسمح: إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء، وذلك لسهولة ذلك عليه.
قال الجوهريّ: السّماح والسّماحة: الجود، وسمح به أي جاد به، وسمح لي أعطاني، والوصف من ذلك: سمح وسميح ومسمح ومسماح.
و قال ابن منظور: ويقال: رجل سمح وامرأة سمحة من رجال ونساء سماح وسمحاء فيهما، ويقال رجل سميح ومسمح ومسماح، والجمع مساميح (للمذكّر والمؤنّث).
وفي الحديث: «يقول اللّه عزّ وجلّ: أسمحوا لعبدي، كإسماحه إلى عبادي»، الإسماح: لغة في السّماح، يقال: سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء، وقيل: إنّما يقال في السّخاء سمح، وأمّا أسمح، فإنّما يقال في المتابعة والانقياد.
والمسامحة: المساهلة، وتسامحوا: تساهلوا.
وقال ابن الأعرابيّ: سمح له بحاجته، وأسمح أي سهّل له. وفي الأثر: أنّ ابن عبّاس سئل عن رجل شرب لبنا محضا، أيتوضّأ؟ قال: اسمح يسمح لك. معناه سهّل يسهّل لك وعليك. وقولهم: الحنيفيّة السّمحة ليس فيها ضيق ولا شدّة، ولقد سمح بالضّم سماحة وجاد بما لديه ([15]).
السماحة اصطلاحا:
السّماحة في الاصطلاح تقال على وجهين:
الأوّل: ما ذكره الجرجانيّ من أنّ المراد بها: بذل ما لا يجب تفضّلا، أو ما ذكره ابن الأثير من أنّ المقصود بها: الجود عن كرم وسخاء.
الآخر: في معنى التّسامح مع الغير في المعاملات المختلفة ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها الّتي تتجلّى في التّيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين الّتي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الدّيانات الأخرى ([16]).
من ظواهر سماحة النفس:
لسماحة النّفس مظاهر عديدة أشار إلى أهمّها صاحب الأخلاق الإسلامية ومنها:
أوّلا: طلاقة الوجه واستقبال النّاس بالبشر.
ثانيا: مبادرة النّاس بالتّحيّة والسّلام والمصافحة وحسن المحادثة لأنّ من كان سمح النّفس بادر إلى ذلك.
ثالثا: حسن المصاحبة والمعاشرة والتّغاضي عن الهفوات ، لأنّ من كان سمح النّفس كان حسن المصاحبة لإخوانه ولأهله ولأولاده ولخدمه ولكلّ من يخالطه أو يرعاه ([17]).
ويطلق « التسامح » ويراد به أيضا معاني قريبة منه مثل: ـــ الرحمة؛ العفو؛ والمغفرة؛ والصلح؛ والصفح؛ وكذلك تطلق هذه المعاني ويراد بها « التسامح »
إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا، والتسامح، هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، و يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب.
كما أن التسامح يشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيش بسلام ([18]).
فالتسامح يدل على قبول اختلاف الآخرين – سواء في الدين أم العرق أم السياسة – أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين أو إكراههم على التخلي عن آخريتهم.
تاريخية مفهوم التسامح
لفظة "تسامح" Tolerance مشتقة من الكلمة اللاتينية Tolere أي يعاني أو يقاسي. ومن اللفظة اللاتينية Tolerantia وتعني لغوياً "التساهل"، وعند علماء اللاهوت: الصفح عن مخالفة المرء لتعاليم الدين.
ومن معانيه أنه سلوك شخص يتحمل الاعتداء علي حقوقه دون اعتراض، في الوقت الذي يمكنه فيه الرد علي هذه الإساءة. كما يعني استعداد المرء لأن يترك للآخر حرية التعبير عن رأيه حتى ولو كان خطأ أو مغايراً.
وفي اللغة الانجليزية هناك مقابلان لكلمة،الأول Tolerance والثاني Toleration، وهذا أدي الي تعدد الاجتهادات في إبراز الفروق بينهما. ففي معجم "وبستر" تعني كلمة Toleration سياسة التسامح المتبعة مع كل الآراء الدينية وأشكال العبادة المناقضة أو المختلفة مع المعتقد السائد، بينما تعني لفظة Tolerance استعداد المرء لتحمل معتقدات وممارسات وعادات تختلف عما يعتقد به ([19]).
وقد حاول بعض الكتاب التمييز بين هذين اللفظين، بما يتيح لهم تعيين الأوجه المختلفة للتسامح, فاقترح "كريك" Crick كلمة Tolerance لوصف فعل التسامح نفسه، وكلمة Toleration لوصف المبدأ المعلن والقائل بأن علي المرء أن يكون متسامحاً، وقد لاحظ أن (Tolerance) وجدت أولاً من الناحية التاريخية قبل أن تصك كلمة (Toleration) يقول: "أن ما اعتقدة هو أن Toleration تعني في الاستعمال العادي فعل ممارسة التسامح، وأنه من السهل تمييزها عن مبدأ التسامح دون الاستعانة بأي تعبير آخر".
وقد ظهرت كلمة Tolerance أولا في كتابات الفلاسفة في القرن السابع عشر، أو قل زمن الصراع بين البروتستانت والكنيسة الكاثوليكية حيث نادي "جان بودان" و "مونتيني" و "اسبينوزا" و "البحث اللاهوتي الفلسفي"، و "روجر وليمز" في رسالتيه "العقيدة الدموية للاضطهاد بسبب الضمير" 1644 و "العقيدة الأكثر دموية" 1652، و "جون ميلتون" و "جون لوك" في كتابة "رسالة في التسامح" 1689 – 1692، وغيرهم، بضرورة التسامح بين المخالفين في الرأي والعقيدة، وحق الاجتهاد، واتخاذ العقل ميزاناً وحكماً ([20]).
ولم تعرف أوروبا المسيحية التسامح الديني والسياسي إلا في القرن السابع عشر ولم تدرك أنه فضيلة إلا منذ القرن السادس عشر، بعد دمرت الحروب الطائفية العديد من المدن والقرى وقضت على مئات الألوف من سكانها. وهنا فقط بدأ الفلاسفة في التساؤل: لماذا حدث ذلك ؟.. لماذا مزق الكاثوليك والبروتستانت بعضهم بعضاً، وهم ينتمون إلى دين واحد، وكتاب واحد ؟.. هل هناك من طريقة أخرى لفهم الدين غير هذه الطريقة المتعصبة الملونة بلون الدم ؟ ([21])
أما الإسلام فقد وضع أسس التسامح و ذلك قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان. فالتسامح وفق المنظور الإسلامي، فضيلة أخلاقية، وضرورة مجتمعية، وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها، فالإسلام دين عالمي يتجه برسالته إلى البشرية كلها، تلك الرسالة التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وتُرسي دعائم السلام في الأرض، وتدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم. فالجميع ينحدرون من نفس واحدة، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً [ ([22]).
المصطلحات ذات الصلة بالتسامح
تتردد عند ذكر مصطلح التسامح مصطلحات أخرى كالرحمة، والعفو, و الحلم، و كذلك تطلق هذه المعاني و يراد بها التسامح، و لأجل قرب المعنى بينها و بين التسامح لابد من تعريفها.
الرحمة
الرحمة لغة: تدور مادّة (ر ح م) حول معنى الرّقّة والعطف والرّأفة، يقول ابن فارس: الرّاء والحاء والميم أصل واحد يدلّ على الرّقّة والعطف والرّأفة. يقال من ذلك رحمه يرحمه إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحم والمرحمة والرّحمة بمعنى .
ويقول الجوهريّ: الرّحمة: الرّقّة والتّعطّف. والمرحمة مثله، وقد رحمته وترحّمت عليه، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضا... ورجل مرحوم ومرحّم، شدّد للمبالغة، والرّحم بالضّمّة: الرّحمة. قال تعالى ] وَأَقْرَبَ رُحْمًا [([23]).
والرّحمة المغفرة، وقوله تعالى في وصف القرآن ]وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ ([24]أي فصّلناه هاديا وذا رحمة. رحمه رحما ورحما ورحمة ورحمة (حكى الأخيرة سيبويه) ومرحمة، وقال اللّه- عزّ وجلّ-: ] وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [ ([25]أي أوصى بعضهم بعضا برحمة الضّعيف والتّعطّف عليه، وترحّمت عليه أي قلت: رحمة اللّه عليه ([26]).
الرحمة اصطلاحاً: قال الجرجانيّ: هي إرادة إيصال الخير. وقال الجاحظ: الرّحمة خلق مركّب من الودّ والجزع، والرّحمة لا تكون إلّا لمن تظهر منه لراحمه خلّة مكروهة، فالرّحمة هي محبّة للمرحوم مع جزع من الحال الّتي من أجلها رحم. وقال الكفويّ: الرّحمة حالة وجدانيّة تعرض غالبا لمن به رقّة القلب وتكون مبدأ للانعطاف النّفسانيّ الّذي هو مبدأ الإحسان ([27]).
لقد جاء الإسلام و مقصده الأساس إلحاق الرحمة بالعالمين، قال تبارك و تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ ([28])، و قال تعالى:] نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ[([29]).
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي"([30]).
وعن أبى هريرة t قال سمعت رسول الله r يقول « إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار »([31])
وعنأنس بن مالك قال سمعت رسول الله r يقول « قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالى يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالى يا ابن آدم إنك لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة » ([32]).
وقد ضرب النبي r مثالاً على رحمة الله للعبد: فعن عمر بن الخطاب t قدم على النبي r سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقى، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي r « أترون هذه طارحة ولدها في النار ». قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال « الله أرحم بعباده من هذه بولدها »([33])
وقد اتصف وتخلَّق الرسولr بخلق ربه من أخلاق الرحمة والعفو، حتى زكاه ربه بها وأثنى عليه فقال تعالى:] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[([34]), و قال تعالى: ]وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ ([35]).
إن رحمة النبي رحمة شاملة وعامة وعالمية، وليست عنصرية تقوم على الأعراق أو الألوان أو المذاهب.. بل رحمة لكل البشر، رحمة عامة ومجردة للعالمين جميعاً، ومن ثم كانت رحمته إنسانية عامة، شملت المسلم وغير المسلم، والمؤمن والمنافق، والكبير والصغير، والرجل والمرأة، والإنسان وغير الإنسان. فهو يعتبر البشرية جميعها أسرة واحدة، تنتمي إلى رب واحد وإلى أب واحد وإلى أرض واحدة..كما قال النبي r: " يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربى على أعجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى "([36]).
لقد استطاع الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان أن يضع مبادئ للتسامح و الإخاء الإنساني، ولأنه رحمة للعالمين. و كانت أول شهادة قالها الراهب النصراني "بحيرا "حين رأى محمداً r في رحلته الأولى إلى الشام مع أبي طالب : " هذا سيد العالمين ! هذا رسول رب العالمين ! هذا يبعثه الله رحمة للعالمين !"([37]).
ويتحدث توماس كارلايل عن الرحمة في شخصية محمد rفيقول: ".. لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير r... العظيم النفس، المملوء رحمة، وخيرًا، وحنانًا، وبرًا، وحكمة، وحجى، ونهى.. أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين ؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة. إذ ترى محمدًا rلم يرض أن يرتفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردًا بنفسه العظيمة.."([38]).
و يتحدث "لين بول" المفكر البريطاني عن خلق الرحمة في شخصية محمدr في إعجاب قائلاً: "إن محمداً r كان يتصف بكثير من الصفات كاللطف والشجاعة، وكرم الأخلاق، حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثر بما تطبعه هذه الصفات في نفسه، ودون أن يكون هذا الحكم صادراً عن غير ميل أو هوى، كيف لا، وقد احتمل محمدr عداء أهله وعشرته سنوات بصبر وجلد عظيمين، ومع ذلك فقد بلغ من نبله أنه لم يكن يسحب يده من يد مصافحه حتى لو كان يصافح طفلاً ! وأنه لم يمر بجماعة يوماً من الأيام رجالاً كانوا أم أطفالاً دون أن يسلم عليهم، وعلى شفتيه ابتسامة حلوة، وبنغمة جميلة كانت تكفي وحدها لتسحر سامعيها، و تجذب القلوب إلى صاحبها جذباً !!"([39]).
ويقول واشنجتون ايرفنج مدللاً على خلق الرحمة في شخصية النبي r بموقفه في فتح مكة وهو القائد المنتصر : "كانت تصرفات الرسول r في أعقاب فتح مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو"([40]).
العفو
العفو لغة: مصدر قولهم عفا يعفو عفوا وهو مأخوذ من مادّة (ع ف و) الّتي تدلّ على معنيين أصليّين الأوّل:ترك الشّيء، والآخر طلبه، ومن المعنى الأوّل عفو اللّه تعالى عن خلقه، وذلك تركه إيّاهم فلا يعاقبهم، فضلا منه تعالى، قال الخليل: العفو تركك إنسانا استوجب عقوبة فعفوت عنه، واللّه سبحانه هو العفوّ الغفور.
وقال الجوهريّ: يقال: عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه، والعفوّ على فعول: الكثير العفو، ويقال: عفوته أي أتيته أطلب معروفه، واعتفيته مثله، وعفو المال: ما يفضل عن الصّدقة، ويقال: أعفني من الخروج معك: أي دعني منه (وهذا راجع إلى معنى التّرك)، واستعفاه من الخروج أي سأله الإعفاء منه، والعافية دفاع اللّه عن العبد، وهي اسم وضع موضع المصدر: يقال: عافاه اللّه عافية([41]).
قال ابن الأثير: من أسماء اللّه تعالى «العفوّ» هو فعول من العفو وهو التّجاوز عن الذّنب وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطّمس، وهو من أبنية المبالغة .
وقال الغزاليّ: والعفوّ صفة من صفات اللّه تعالى، وهو الّذي يمحو السّيّئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنّه أبلغ منه فإنّ الغفران ينبأ عن السّتر، والعفو ينبأ عن المحو، والمحو أبلغ من السّتر. وحظّ العبد من ذلك لا يخفى وهو أن يعفو عن كلّ من ظلمه بل يحسن إليه كما يرى اللّه تعالى محسنا في الدّنيا إلى العصاة والكفرة غير معاجل لهم بالعقوبة. بل ربّما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم، وإذا تاب عليهم محا سيّئاتهم، إذ التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له. وهذا غاية المحو للجناية.
وقال ابن القيّم- رحمه اللّه- تعالى: ومن حكمة اللّه- عزّ وجلّ- تعريفه عبده أنّه لا سبيل له إلى النّجاة إلّا بعفوه ومغفرته- جلّ وعلا- وأنّه رهين بحقّه، فإن لم يتغمّده بعفوه ومغفرته، وإلّا فهو من الهالكين لا محالة فليس أحد من خلقه إلّا وهو محتاج إلى عفوه ومغفرته كما هو محتاج إلى فضله ورحمته ([42]).
العفو اصطلاحا:
قال المناويّ: العفو: القصد لتناول الشّيء والتّجاوز عن الذّنب. وقال الكفويّ: العفو: كفّ الضّرر مع القدرة عليه، وكلّ من استحقّ عقوبة فتركها فهذا التّرك عفو . وقال أيضا: العفو عن الذّنب يصحّ رجوعه إلى ترك ما يستحقّه المذنب من العقوبة، وإلى محو الذّنب، وإلى الإعراض عن المؤاخذة كما يعرض المرء عمّا يسهل على النّفس بذله ([43]).
وقد أمر الله عز وجل نبيه بالعفو في قوله: ]خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [ ([44])، وأمر عباده بالعفو والصفح في قوله ] فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ ([45])،وبَيَّنَ صفة هذا العفو والصفح في قوله: ] فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [ ([46]).
وقد تجلي هذا الخلق القويم في سيرة سيد المرسلين و الذي يؤكد تسامحه، فكان يستخدم العفو والإحسان في حق نفسه فيعفو ويصفح عمن أساء إليه، ويستخدم العدل في حق ربه فلا ينتقم إلا لله عز وجل، وهذا ما روته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قائلةً: (ما انتقم رسول الله r لنفسهإلا أن تنتهك حرمة الله،فينتقم للهبها) ([47]).
وبعد فتح خيبر (محرم سنة 7 هـ‏)، حينما وضعت المرأَة اليهوديةله السم في الشاة، فأكلَ منها النبي r فلميسغها، وحينما علم بالمكيدة والغدر لم يكن منه إلا أن عفا عنها وتنازل عن حقه، فلما تبين له أن هذا السم هو الذي قتل بِشْرِ بْنِالبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ رضى الله عنه، قَتَلَهَا النبي r ببشرِ قِصَاصًا، وقد روى هذه القصة الإمام البخاري رحمه الله من حديث أنس رضى الله عنه (أن يهودية أتت النبي rبشاةمسمومةفأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها ؟ قال: لا) ([48]).
كما عفا عن الرجل الذي جاء يقتله في غزوة ذات الرقاع (ربيع الأول 7هـ‏)، فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أخبر: أنه غَزَا مع رسول الله r قبل نجد، فلما قفل رسول الله r قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله r وتفرق الناس يستظلونبالشجر، فنزل رسول الله r تحت سمرة وعلق بها سيفه، ونمنا نومة،فإذا رسول الله rيدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: (إن هذااخترط عَلَىَّسيفيوأنا نائم، فاستيقظت وهو فييده صلتا، فقال: من يمنعك منى ؟ فقلت: الله ثلاثا). ولم يعاقبه وجلس.)([49]).
و في فتح مكة (رمضان 8 هـ) دخل رسول الله r ظافراً على رأس عشرة آلاف مقاتل من أصحابه، واستسلمتقريش ووقفت تحت قدميه أمام الكعبة تنتظر حكمه فيهم بعد أن أخرجو من دياره وقاتلوه، فما زاد r على أن قال: يا معشر قريش ماذا تظنون أنى فاعل بكم؟قالوا خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال اليوم أقول لكم ما قال أخى يوسف من قبل: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ([50]).
وعفو النبي r عن وحشى بن حرب قاتل عمه حمزة رضى الله عنه: فحينما جاء إلى النبي r مع أحد وفود الطائف سأله رسول الله r: آنت وحشي؟ فقال: نعم، قال: أنتقتلتحمزة ؟ قال: قد كان من الأمر ما بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهكعني؟([51]).
هذه هي سماحة النبي r، و هذا هو عفو النبي r، سماحة و رحمة و عفو للبشرية كلها.
الحلم
الحلم لغة: مصدر حلم فلان أي صار حليما، وهو مأخوذ من مادّة (ح ل م) الّتي تدلّ على ترك العجلة ، يقال: حلمت عنه أحلم فأنا حليم، قال ابن فارس: الحلم خلاف الطّيش، وقال الجوهريّ الحلم (بالكسر) الأناة، وقيل هو: الأناة والعقل وهو نقيض السّفه وجمعه أحلام وحلوم، وفي التّنزيل العزيز أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا. وقولك: حلم (بالضّمّ) يحلم حلما: أي صار حليما. وتقول: تحلّم (مشدّدا) أي تكلّف الحلم، كما تقول: حلّمه تحليما: أي جعله حليما. وأحلمت المرأة: إذا ولدت الحلماء، والرّجل المحلّم: الّذي يعلّم الحلم([52]).
قال الغزاليّ- رحمه اللّه تعالى-: الحليم: هو الّذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثمّ لا يستفزّه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال تعالى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ .
وقال ابن منظور في معناه: والحليم في صفة اللّه عزّ وجلّ- معناه: الصّبور: وقيل: هو الّذي لا يستخفّه عصيان العصاة ولا يستفزّه الغضب عليهم، ولكنّه جعل لكلّ شي ء مقدارا فهو منته إليه .
وقيل حلم اللّه: هو تأخيره العقوبة عن المستحقّ لها، فيؤخّر العقوبة عن بعض المستحقّين. ثمّ قد يعذّبهم، وقد يتجاوز عنهم، وقد يعجّل العقوبة لبعضهم ([53]).
الحلم اصطلاحا:
اختلف في الحلم اصطلاحا على أقوال أهمّها:
الأوّل: قال الرّاغب: الحلم ضبط النّفس والطّبع عند هيجان الغضب.
الثّاني: قال الجاحظ: الحلم ترك الانتقام عند شدّة الغضب مع القدرة على ذلك .
الثّالث: قال الجرجانيّ: الحلم هو الطّمأنينة عند سورة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظّالم (أي مجازاته بظلمه).
الرّابع: قال ابن المناويّ: الحلم هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى أو رفع المؤاخذة عن مستحقّها بالجناية في حقّ مستعظم. أو هو رزانة في البدن يقتضيها وفور العقل([54]).
والحلم صفة لله تعالى، قال تعالى:] لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [ ([55])، و يقول تعالى:] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [ ([56])، و يقول تعالى:] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [([57]).
وقد بدا هذا الخلق جلياً في أحاديث النبي r، فعن أنس بن مالك- رضي اللّه عنه- أنّه قال: قال رسول اللّه r: «التّأنّي من اللّه، والعجلة من الشّيطان، وما أحد أكثر معاذير من اللّه، وما من شي ء أحبّ إلى اللّه من الحلم»([58])
وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أنّه قال: إنّ رجلا أتى النّبيّ r يتقاضاه فأغلظ، فهمّ به أصحابه فقال رسول اللّه r: «دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا». ثمّ قال: «أعطوه سنّا مثل سنّه»، قالوا: يا رسول اللّه، إلّا أمثل من سنّه، فقال: «أعطوه، فإنّ من خيركم أحسنكم قضاء» ([59]).
وعن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: كأنّي أنظر إلى النّبيّ r يحكي: «نبيّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدّم عن وجهه ويقول: ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون» ([60]).
عن أنس بن مالك- رضي اللّه عنه- أنّه قال: كنت أمشي مع رسول اللّه r، وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول اللّه r قد أثّرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته ثمّ قال: يا محمّد مر لي من مال اللّه الّذي عندك، فالتفت إليه رسول اللّه r ثمّ ضحك ثمّ أمر له بعطاء» ([61]).
و في غزوة بنى قينقاع نرى موقف النبي r من المنافقين عامة ومن عبد الله بن أبى بن سلول خاصة ينم عن حلم الأنبياء، ففى هذه الغزوة أَلَحَّ هذا المنافق على النبي r أن يعفو عن اليهود رغم ما صنعوا من غدرهم بالنبي r والمسلمين، ولَمَّا أبطأ النبي r في الرد عليه، أدخل يده في جيب النبي r ودرعه، فقال له النبي r: أرسلني، حتى تغير وجه النبي r، ثم قال النبي r مرة أخرى: ويحك أرسلني، وهو يقول لا والله حتى تحسن في موالي، إلى أن وهبه النبي r أمرهم، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة([62]).
ففى هذه القصة نجد حلم النبي rجلياً حتى مع هذا المنافق، فقد فعل ما لم يفعله أحد من الصحابة من التطاول على النبي r وهو يضع يده على جسد النبي r الشريف ويغلظ له في القول والنبي r في حلم مما يصدر من هذا المنافق مع قدرته على رده.
فهل ثَمَّ ملك تستطيع رعيته أن تفعل معه مثل هذا ؟! فما بالنا بمنافق معلوم النفاق يكيد للإسلام والمسلمين حقداً عليهم، ويؤلب الناس عليهم، ثم يكون الصنيع معه هكذا، ولا يخذله النبي r أمام مواليه من اليهود.
وفي غزوة بنى قريظة كادت تحدث فتنة بين المهاجرين والأنصار فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أنه قال: (كنا في غزاة - قال سفيان مرة: في جيش - فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار،فقال الأنصارى: يا للأنصار، وقال المهاجرى: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول اللهr فقال: ما بال دعوى جاهلية، قالوا: يا رسول الله، كسعرجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنهامنتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبى فقال: فعلوها، أما واللهلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي r،فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي r: دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)([63]
الرفق
الرفق لغة: أصل المادّة يدلّ على موافقة ومقاربة بلا عنف، يقول ابن فارس: الرّاء والفاء والقاف أصل واحد يدلّ على موافقة ومقاربة بلا عنف، فالرّفق خلاف العنف. وفي الحديث «إنّ اللّه- جلّ ثناؤه- يحبّ الرّفق في الأمر كلّه» هذا هو الأصل، ثمّ يشتقّ منه كلّ شي ء يدعو إلى راحة وموافقة. ويقول اللّيث: الرّفق: لين الجانب، ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، وقد رفق يرفق، وإذا أمرت قلت: رفقا، ومعناه: ارفق رفقا.
واصطلاحا:
هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، وهو ضدّ العنف([64]).
قال الغزاليّ في الإحياء: اعلم أنّ الرّفق محمود ويضادّه العنف والحدّة. والعنف نتيجة الغضب والفظاظة،والرّفق واللّين نتيجة حسن الخلق والسّلامة، وقد يكون سبب الحدّة الغضب وقد يكون سببها شدّة الحرص واستيلاؤه بحيث يدهش عن التّفكّر ويمنع من التّثبّت فالرّفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلّا حسن الخلق، ولا يحسّن الخلق إلّا بضبط قوّة الغضب وقوّة الشّهوة وحفظهما على حدّ الاعتدال. ولأجل هذا أثنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الرّفق وبالغ فيه، قال سفيان الثّوريّ لأصحابه: «تدرون ما الرّفق؟». قالوا: قل يا أبا محمّد، قال: أن تضع الأمور في مواضعها: الشّدّة في موضعها واللّين في موضعه والسّيف في موضعه والسّوط في موضعه. وهذه إشارة إلى أنّه لا بدّ من مزج الغلظة باللّين والفظاظة بالرّفق، كما قيل:
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى.
فالمحمود وسط بين العنف واللّين كما في سائر الأخلاق، ولكن لمّا كانت الطّباع إلى العنف والحدّة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرّفق أكثر، فلذلك كثر ثناء الشّرع على جانب الرّفق دون العنف ([65])
وقال الشّيخ عبد الرّحمن بن ناصر السّعديّ: ومن أسمائه تعالى:" الرّفيق" في أفعاله وشرعه. ومن تأمّل ما احتوى عليه شرعه من الرّفق وشرع الأحكام شيئا بعد شي ء وجريانها على وجه السّداد واليسر ومناسبة العباد وما في خلقه من الحكمة إذ خلق الخلق أطوارا ونقلهم من حالة إلى أخرى بحكم وأسرار لا تحيط بها العقول، وهو تعالى يحبّ من عباده أهل الرّفق، ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف. والرّفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقا في أموره متأنّيا، ومع ذلك لا يفوّت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت ([66]).
و قد وردت آيات القرآن الكريم لتؤكد على الرفق، يقول تعالى:] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ ([67]), ويقول تعالى: ]اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [ ([68]).
كما جاءت الأحاديث النبوية لتؤكد على الرفق فعن عائشة- رضي اللّه عنها- أنّ يهود أتوا النّبيّ r، فقالوا: السّامّ عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم اللّه وغضب اللّه عليكم.قال r: «مهلا يا عائشة عليك بالرّفق وإيّاك والعنف والفحش». قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟. قال: «أو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ» ([69]).
و عن عائشة زوج النّبيّ r عن النّبيّ r قال: «إنّ الرّفق لا يكون في شي ء إلّا زانه، ولا ينزع من شي ء إلّا شانه» ([70]).
وعن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت: سمعت من رسول اللّه r يقول في بيتي هذا: «اللّهمّ من ولي من أمر أمّتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به» ([71]).
وعن أبي الدّرداء- رضي اللّه عنه- عن النّبيّ r قال: «من أعطي حظّه من الرّفق فقد أعطي حظّه من الخير، ومن حرم حظّه من الرّفق حرم حظّه من الخير» ([72]).
وعن جرير- رضي اللّه عنه- عن النّبيّ r قال: «من يحرم الرّفق يحرم الخير»([73]).
وعن عائشة- رضي اللّه عنها- أنّ رسول اللّه r؛ قال لها: «يا عائشة أرفقي فإنّ اللّه إذا أراد بأهل بيت خيرا دلّهم على باب الرّفق»([74]).
وعن عائشة- رضي اللّه عنها- زوج النّبيّ r؛ أنّها قالت للنّبيّ r: «هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟». قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني»، فقال: إنّ اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك وقد بعث اللّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثمّ قال: يا محمّد. فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال النّبيّ r: «بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئا»([75]).
وعن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: كأنّي أنظر إلى رسول اللّه r يحكي نبيّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدّم عن وجهه ويقول: «ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون»([76]).
حينما بعث النبي rبعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، أمرهم بالتيسير والرفق بالقوم قائلاً: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولاتختلفا" ([77]).
آيات القرآن الكريم التي تدعو إلى التسامح:
لقد وردت في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تدعو إلى التسامح، يقول تعالى:] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [ ([78] و يقول تعالى:] فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ ([79]) ، ويقول تعالى: ]يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ ([80]), ويقول تعالى: ]خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [ ([81]),
ويقول تبارك وتعالى: ]وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ ([82]).ويقول تعالى: ]وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[([83])، و يقول تعالى:] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ ([84]).
و يقول تبارك و تعالى:] لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[([85]), ويقول تبارك وتعالى: ]آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ ([86]),ويقول تبارك وتعالى: ]قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ ([87]).
و يقول تعالى: ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ ([88])
و يقول تبارك و تعالى:] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[([89])
و يقول تبارك وتعالى: ]وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ ([90]), و يقول تبارك وتعالى: ]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ ([91]).
و يقول تعالى: ]فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ ([92]و يقول تعالى:]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[([93]) .
و يقول تبارك وتعالى:] لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ ([94]و يقول تعالى: ]الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [([95]).
هذه هي بعض الآيات القرآنية التي تدعو و تحث على التسامح و الإخاء الإنساني، فقد شمل الإسلام بتسامحه و يسره ورفقه الناس جميعاً – بصرف النظر عن عقيدتهم -, فتسامح معهم في كثير من القضايا والأحكام, ومنحهم كثيراً من الحقوق الإنسانية.
الأحاديث النبوية التي تدعو إلى التسامح
لقد وردت الكثير من الأحاديث النبوية التي تدعو إلى التسامح و تحث عليه, فعن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- قال: قيل لرسول اللّه r: أيّ الأديان أحبّ إلى اللّه. قال r: «الحنفيّة السّمحة»([96]).
و عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه r: «اسمح يسمح لك»([97]).
و عن أبي بكر- رضي اللّه عنه- قال: أصبح رسول اللّه r ذات يوم فصلّى الغداة ثمّ جلس، حتّى إذا كان من الضّحى ضحك رسول اللّه r، ثمّ جلس مكانه حتّى صلّى الأولى والعصر والمغرب، كلّ ذلك لا يتكلّم، حتّى صلّ العشاء الآخرة، ثمّ قام إلى أهله، فقال النّاس لأبي بكر: ألا تسأل رسول اللّه r ما شأنه؟ صنع اليوم شيئا لم يصنعه قطّ، قال: فسأله، فقال: «نعم، عرض عليّ ما هو كائن من أمر الدّنيا وأمر الآخرة، فجمع الأوّلون والآخرون بصعيد واحد، ففظع النّاس ([98]) بذلك، حتّى انطلقوا إلى آدم عليه السّلام والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر، اصطفاك اللّه عزّ وجلّ، اشفع لنا إلى ربّك، قال: لقد لقيت مثل الّذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح ] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ[ ([99])، قال فينطلقون إلى نوح عليه السّلام، فيقولون: اشفع لنا إلى ربّك، فأنت اصطفاك اللّه واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين ديّارا، فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم عليه السّلام، فإنّ اللّه عزّ وجلّ اتّخذه خليلا، فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى موسى عليه السّلام، فإنّ اللّه عزّ وجلّ كلّمه تكليما، فيقول موسى عليه السّلام: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم، فإنّه يبرأ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، ولكنانطلقوا إلى سيّد ولد آدم، فإنّه أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة، انطلقوا إلى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فيشفع لكم إلى ربّكم عزّ وجلّ، قال: فينطلق، فيأتي جبريل عليه السّلام ربّه، فيقول اللّه- عزّ وجلّ-: ائذن له وبشّره بالجنّة، قال فينطلق به جبريل فيخرّ ساجدا قدر جمعة، ويقول اللّه- عزّ وجلّ-: ارفع رأسك يا محمّد، وقل يسمع، واشفع تشفّع، قال: فيرفع رأسه فإذا نظر إلى ربّه عزّ وجلّ خرّ ساجدا قدر جمعة أخرى، فيقول اللّه- عزّ وجلّ-: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفّع، قال: فيذهب ليقع ساجدا، فيأخذ جبريل عليه السّلام بضبعيه»، فيفتح اللّه- عزّ وجلّ- عليه من الدّعاء شيئا لم يفتحه على بشر قطّ، فيقول: أي ربّ، خلقتني سيّد ولد آدم ولا فخر، وأوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتّى إنّه ليرد عليّ الحوض أكثر ممّا بين صنعاء وأيلة، ثمّ يقال: ادعوا الصّدّيقين فيشفعون، ثمّ يقال: ادعو الأنبياء، قال: فيجيء النّبيّ ومعه العصابة، والنّبيّ ومعه الخمسة والسّتّة، والنّبيّ وليس معه أحد، ثمّ يقال: ادعوا الشّهداء، فيشفعون لمن أرادوا، وقال: فإذا فعلت الشّهداء ذلك، قال: يقول اللّه عزّ وجلّ-: أنا أرحم الرّاحمين، أدخلوا جنّتي من كان لا يشرك بي شيئا، قال: فيدخلون الجنّة، قال: ثمّ يقول اللّه- عزّ وجلّ انظروا في النّار هل تلقون من أحد عمل خيرا قطّ؟ قال: «فيجدون في النّار رجلا. فيقول له: هل عملت خيرا قطّ؟ فيقول: لا، غير أنّي كنت أسامح النّاس في البيع والشّراء، فيقول اللّه- عزّ وجلّ-: أسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي، ثمّ يخرجون من النّار رجلا فيقول له: هل عملت خيرا قطّ؟ فيقول: لا، غير أنّي قد أمرت ولدي إذا متّ فأحرقوني بالنّار ثمّ اطحنوني حتّى إذا كنت مثل الكحل فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الرّيح، فو اللّه لا يقدر عليّ ربّ العالمين أبدا! فقال اللّه- عزّ وجلّ-: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، قال فيقول اللّه- عزّ وجلّ-: انظر إلى ملك أعظم ملك، فإنّ لك مثله وعشرة أمثاله، قال: فيقول: لم تسخر بي وأنت الملك؟ قال: وذاك الّذي ضحكت منه من الضّحى» ([100]).
وعن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللّه عنه- عن النّبيّ r قال: «أفضل المؤمنين رجل سمح البيع، سمح الشّراء، سمح القضاء، سمح الاقتضاء»([101]).
و عن عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه r: «دخل رجل الجنّة بسماحته قاضيا ومتقاضيا»([102]).
وعن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- أنّ رسول اللّه r قال: «رحم اللّه رجلا سمحاإذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»([103]).
عن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت: إن نزول الأبطح ليس بسنّة. إنّما نزله رسول اللّه r لأنّه كان أسمح لخروجه إذا خرج) ([104]) .
وعن عمرو بن عبسة- رضي اللّه عنه- قال: أتيت رسول اللّه r فقلت: يا رسول اللّه، من تبعك على هذا الأمر؟ قال: «حرّ وعبد». قلت: ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام، وإطعام الطّعام». قلت: ما الإيمان؟ قال: «الصّبر والسّماحة» قال: قلت: أيّ الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده». قال: قلت: أيّ الإيمان أفضل؟ قال: «خلق حسن». قال: قلت: أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت». قال: قلت: أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما كره ربّك- عزّ وجلّ-. قال: قلت: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه». قال: قلت: أيّ السّاعات أفضل؟ قال: «جوف اللّيل الآخر. ثمّ الصّلاة المكتوبة مشهودة حتّى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلّا الركعتين حتّى تصلّي الفجر، فإذا صلّيت صلاة الصّبح فأمسك عن الصّلاة حتّى تطلع الشّمس، فإذا طلعت الشّمس فإنّها تطلع في قرني شيطان، وإنّ الكفّار يصلّون لها»([105]).
وعن عبد اللّه بن أبي قتادة؛ أنّ أبا قتادة طلب غريما له فتوارى عنه. ثمّ وجده. فقال: إنّي معسر. فقال: آللّه؟ قال: آللّه. قال: فإنّي سمعت رسول اللّه r يقول: «من سرّه أن ينجيه اللّه من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه»([106]).
وعن حذيفة- رضي اللّه عنه- قال: أتى اللّه بعبد من عباده، آتاه اللّه مالا. فقال له: ماذا عملت في الدّنيا؟ قال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً قال: يا ربّ! آتيتني مالك. فكنت أبايع النّاس. وكان من خلقي الجواز ([107]). فكنت أتيسّر على الموسر وأنظر المعسر. فقال اللّه: أنا أحقّ بذا منك. تجاوزوا عن عبدي». فقال عقبة بن عامر الجهني، وأبو مسعود الأنصاريّ: هكذا سمعناه من في رسول اللّه r ([108])
وعن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه r: «ألا أخبركم بمن يحرم على النّار، أو بمن تحرم عليه النّار: على كلّ قريب هيّن سهل»([109])
وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- عن النّبيّ r قال: «إنّ الدين يسر، ولن يشادّ الدّين أحد إلّا غلبه، فسدّدوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشي ء من الدّلجة»([110]).
وعن أبي مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه r : «حوسب رجل ممّن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شي ء إلّا أنّه كان يخالط النّاس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال اللّه- عزّ وجلّ-: نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه»([111]).
من فوائد التسامح و السماحة
(1) يحبّها اللّه ورسوله والملائكة المقرّبون.
(2) يضفيها اللّه على وجوه المؤمنين لتكون لهم علامة مميّزة في الدّنيا والآخرة.
(3) السّمح محبوب لدى أهله ومجتمعه.
(4) السّماحة في البيع والشّراء باب عظيم من أبواب كسب الرّزق وتكثيره.
(5) السّماحة تجلب التّيسير في الأمور كلّها.
(6) بالسّماحة يغنم الإنسان أكبر قدر من السّعادة وهناءة العيش.
(7) يجلب سمح النّفس الخير الدّنيويّ حيث يميل النّاس إلى التّعامل معه فيكثر عليه الخير بكثرة محبّيه والمتعاملين معه .
(8) السّماحة في التّعامل مع أصحاب الدّيانات الأخرى تجلب لهم الطّمأنينة والأمن فيؤدّي ذلك إلى حبّهم للمتسامحين معهم ومعاونتهم ثمّ الدّخول في هذا الدّين الّذي يقرّ مبدأ التّسامح مع الآخرين وقد حدث ذلك عقب الفتوح الإسلاميّة ([112]).
لقد كان الإسلام هو دين التسامح و الإخاء الإنساني على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان. و قد قال الشّيخ محمّد الصّادق عرجون تحت عنوان: «سماحة المعاملة في تصرّفات القادة والأمراء في فتوح الشّام»: والنّاظر في تصرّفات قادة الفتوحات الإسلاميّة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمرائه وولاته وتلاميذهم من التّابعين وتابعيهم يرى أنّهم كانوا أحرص على الرّفق والسّماحة في تنفيذ العهود والمصالحات ممّا جعل المعاهدين والمصالحين يتعاونون مع المسلمين في صدق وإخلاص؛ نتيجة لما رأوه من العدالة الرّحيمة في معاملة المسلمين لهم.
وقال الشّيخ: تطبيق سماحة الإسلام من أعظم أسباب سرعة انتشاره. وفي هذه السّياسة الحكيمة الرّحيمة أوضح إجابة عن تساؤل المتسائلين عن أسباب السّرعة الهائلة الّتي طوى فيها الإسلام أكثر المعمور من الأرض تحت ظلّه الظّليل. ويتجلّى إبراز هذه المبادئ في أمور:
أوّلا: أنّ هذه المبادئ السّمحة الرّاشدة تنقض الفكرة المتعنّتة الجاحدة الّتي يردّدها أعداء الإنسانيّة، بتصوير فتوحاته غزوا مادّيّا لنهب ثروات الأمم، واغتصاب خيراتها وحرمانها من نعم اللّه عليها فيما أنعم به من مصادر الثّروة الاقتصاديّة. وتصوير هذه الفتوحات بأنّها إكراه للنّاس بقوّة السّلاح على الدّخول في دين الإسلام. لأنّ النّظرة العابرة، بله النّاقدة الفاحصة، في فتوحات الإسلام، تردّ ذلك وتدفع في صدر زاعميه؛ لأنّ هذه الفتوحات، كما دوّنها التّاريخ الصّادق بأقلام جهابذته من أبناء الإسلام، أو غيرهم من طلّاب الحقائق الّذين ينشدونها في مقارّها من واقع الأحداث، مهما كلّفهم ذلك من تعب ومشقّة، أصدق شاهد على عدالة الإسلام وسماحته([113]).
فهذا أبو عبيدة بن الجرّاح أمين هذه الأمّة الإسلاميّة، وعظيم فتوح المصالحات. نقرأ في مصالحاته لأهل الشّام أنّه صالحهم على الإبقاء على معابدهم من البيع والكنائس داخل المدن وخارجها مصونة، لا يهدم منها شي ء، ولا يغيّر من معالمها شي ء. وصالحهم على حقن دمائهم وحفظ حياتهم.
وصالحهم على الدّفاع عنهم وحمايتهم من اعتداء من يهمّ بالاعتداء عليهم. وصالحهم على أنّ من قاتلهم أوناوأهم وجب على المسلمين أن يقاتلوه دونهم، ويدفعوه عنهم بقوّة السّلاح. فهل هذه المبادأ الّتي تلزم المسلمين أن يحافظوا على معابد أهل الذّمّة والمعاهدين داخل المدن وخارجها، وتلزمهم بحماية دمائهم أن تسفك والدّفاع عنهم. يمكن أن يشتمّ منها رائحة غزو ماديّ لنهب ثروات أو جمع أموال؟ أو يتصوّر فيها اعتداء على حرّية الأديان؟.
ثانيا: إنّ هذه المصالحات الّتي تعتمد على العدل والرّحمة. والّتي قامت على الرّفق بأهل الذّمّة كان لها أثرها الخطير الّذي استهدفه الإسلام من فتوحاته.
فقد رأى أهل الذّمّة وفاء المسلمين لهم بشروطهم، وشاهدوا حسن سيرتهم فيهم، وجرّبوا معاملتهم، فوقفوا معهم مخلصين، وصاروا عونا للمسلمين على أعدائهم، فكانوا يخبرونهم بأحوال أعدائهم، ليكونوا منهم على حذر واستعداد لملاقاتهم.
بهذه المعاملة السّمحة، وبهذه السّماحة في المعاملة فتحت بلاد الشّام، ولم تكن هذه السّياسة الحكيمة الرّحيمة في معاملة أهل الذّمّة هي منهج أبي عبيدة وحده، بل كانت المنهج الّذي أقام الإسلام دعائمه، وثبّت في شريعته أعلامه. وأعلى في آفاقها منائره، فهو ليس منهجا خاصّا لأمير فتح المصالحة أبي عبيدة توصّل إليه باجتهاده، وفرضه على ولاته الّذين عملوا تحت إمرته؛ وإنّما هو منهج عامّ في شريعة الإسلام؛ ينبع من مصدريها الأصيلين: القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة المطهّرة ([114]).
الفصل الأول
التسامح الإسلامي و الحرية الدينية
إن من أروع مظاهر التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام هى الحرية الدينية. فقد اختار الله سبحانه وتعالى الإنسان من بين سائر خلقه، واستخلفه في الأرض ليقوم بعمارتها، ولم يتركه سُدى، بل أرشده كيف يقوم بهذه المهمة الأساسية رعاه بالوحي بإرسال الرسل والأنبياء، وإنزال الكتب والصحف، وبيّن له الصراط المستقيم في الحقوق والواجبات، وكل هذا لتحقيق مصالح الناس، و هذه المصالح لا تتحقق والمفاسد لا تدرأ إلا بتوفير ما اصطلحوا على تسميته الكليات الخمس، أو الضروريات الخمس ([115]) ، التي لا تستقيم الحياة وتستقر وتستمر بدونها، وهي: الدين، والنفس ، والعقل، والنسل ، والمال.
ومن بين هذه المصالح الدين، أي الدين الحق - الإسلام -، لأنه المعتبَر عند الله دون غيـره ]إن الدين عند الله الإسلام[، ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [([116])، ولذلك فقد منع الله تعالى بحكمته إجبار الناس على اتباع هذا الدين الحق، أو إكراههم على الدخول فيه:] لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ ([117],بل منح الإنسان حرية الاختيار في ذلك: ]وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [[118]
وفي تاريخ الإنسانية الطويل وقعت أحداث كثيرة بسببها سُلب هذا الحق من الإنسان في فترات عديـدة، مثل ما فعل فرعون حيث تسلط باسم الدين على عقول الناس، وحجر على ملكة الفكر كما نقرأ في قوله تعالى: ]وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ [ ([119]). لذلك أرسل الله تعالى رسله إلى الناس لرفع هذا التسلط وتحرير العقول. و جاء قوله تعالى: ]لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ ([120])مُعْلِنا هذه الحرية إلى قيام الساعة، وفي ظل هذا المبدأ القرآني عاش الناس في الدولة الإسلامية عبر القرون بأمان وسلام بدون إكراه أو اضطهاد.
وفي القرن العشرين جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في عام 1948م. لتنص المادة (18) منه على: "لكل شخص الحق في حرية التفكير، والضمير، والدين، ". وجاء بعده وثائق أخرى دولية في هذا الشأن. و قبل الحديث عن "الحرية الدينية"، لابد من توضيح معنى الحرية, و معنى الدين,و ذلك على النحو التالي:
الحرية:
الحرية لغـة: قال ابن فارس: "الحاء والراء في المضاعف له أصلان: فالأول: ما خالف العبوديـة، وبرئ من العيب والنقص... والثاني: خلاف البرد".([121])
الحرية: الخلوص من الشوائب أو الرق أو اللؤم، وكون الشعب أو الرجل حُرًّا. ([122])
قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (1393هـ): "جاء لفظ الحرية في كلام العرب مطلقا على معنيين، أحدهما ناشئ عن الآخر.
المعنى الأول: ضد العبودية. وهي أن يكون تصرّف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفا غير متوقف على رضا أحد آخر...
المعنى الثاني: ناشئ عن الأول بطريقة المجاز في الاستعمال، وهو تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض". ([123])
الحرية اصطلاحا: "تعني الحرية - عادة - المَلَكَة الخاصة التي تميز الكائن الناطق عن غيره، وتمنحه السلطة في التصرف والأفعال عن إرادة ورويّة دون إجبار أو إكراه أو قصر خارجي، لأن الإنسان الحر ليس بعبد ولا أسير مقيّـد، وإنما يختار أفعاله عن قدرة واستطاعة على العمل أو الامتناع عنه دون ضغط خارجي، ودون الوقوع تحت تأثير قوى أجنبية".([124]) فالحرية هى: الحالة التي يستطيع الأفراد فيها أن يختاروا ويقروا بوحي من إرادتهم، ودونما أية ضغوط من أي نوع عليهم([125]).
الدين
الدين لغة: هو الطاعة والقهر الخضوع والذل التعبد والمجازاة والملك والاقتراض ([126])، فالدين لغة علاقة بين طرفين، الطرف الأول يتمتع بالسلطان والقوة والملك والجبروت والحكم وحق القهر والمحاسبة والمجازاة، والطرف الثاني يقف في الجانب الآخر بالخضوع والطاعة والذل والاستكانة والعبادة والورع، والعلاقة بين الطرفين هي الدين أو المنهج أو الطريقة التي تحدد علاقة الأول بالثاني وبالعكس ([127]).
والدين في الاصطلاح : " هو وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقاد، وإلى الخير في السلوك والمعاملات "، أو أنه " وضع إلهي سائق لذي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل " ([128]).
والدين الحق مصلحة ضرورية للناس، لأنه ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان ومجتمعه، ولأن الدين الحق يعطي التصور الرشيد عن الخالق، والكون، والحياة، والإنسان، وهو مصدر الحق والعدل، والاستقامة، والرشاد ([129]).
لقد أرسى الإسلام مبدأ الحرية الدينية، وحرية الاعتقاد منذ فجر البعثة المحمدية. فالعقيدة أمر فطري ونزعة أصلية في نفس الإنسان، فالدين فطرة في النفس البشرية، والفطرة هي الطبيعة التي خلقها الله في جميع البشر حيث يقول المؤرخ الفرنسى "هنرى برجون" "لقد وجدت جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد جماعة بغير معابد ([130]). فالدين هو أحد السمات الرئيسية التى ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات، فالديانة أكبر عامل في الحياة الإنسانية، وما هى إلا الاعتقاد المسيطر على ذهن الإنسان من أن هناك قوى تحيط بالإنسان وتؤثر فيه. فالإنسان لم يرد فقط أن يلجأ إلى سند يحميه بل أراد أن يوجد لنفسه معبوداً إذا ما فكر فيه سما بنفسه فوق كل ما ينتابه من اضطرا بات مختلفة في حياته اليومية. ولقد دفعت الطبيعة البشرية الإنسان دائماً أن يخلق لنفسه معبودات أعطى لها أشكالاً مختلفة، وقد أندفع في هذا المضمار اندفاعاً لا إرادياً ([131]).
إن الإسلام لم يقم على اضطهاد مخالفيه أو مصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم أو المساس الجائر لأموالهم وأعراضهم ودمائهم وتاريخ الإسلام في هذا المجال أنصع تاريخ على وجه الأرض ([132]). لأن الإسلام يؤمن بالتعدد و الاختلاف ([133])، فالاختلاف بين الناس في شؤون دينهم أو دنياهم أمر قديم، وسيبقى قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ([134]).
فالاختلاف سنة من سنن الله في خلقه؛ يقول سيد قطب: "إن من طبيعة الناس أن يختلفوا؛ لأن هذا الاختلاف أصل من أصول خلقتهم؛ يحقق حكمة عليا من استخلاف هذا الكائن في الأرض.. إن هذه الخلافة تحتاج إلى وظائف متنوعة، واستعدادات شتى من ألوان متعددة؛ كي تتكامل جميعها وتتناسق، وتؤدي دورها الكلي في الخلافة والعمارة، وفق التصميم الكلي المقدر في علم الله. فلا بد إذن من تنوع في المواهب يقابل تنوع تلك الوظائف؛ ولا بد من اختلاف في الاستعدادات يقابل ذلك الاختلاف في الحاجات([135]). يقول تبارك و تعالى: ]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ ([136]).
و لذلك لم يفرض الإسلام على النصرانى أن يترك نصرانيته، أو على اليهودى أن يترك يهوديته، بل طالب كليهما ـ مادام يؤثر دينه القديم ـ أن يدع الإسلام وشأنه، يعتنقه من يعتنقه، دون تهجم مر أو جدل سئ([137])
الحرية الدينية في القرآن الكريم
لقد أعطى الله سبحانه وتعالى المجال للإنسان في هذه الحياة ليمارس حرية الرأي والمعتقد، فلم يفرض عليه الإيمان به عنوة، بل أنار له طريق الهداية، وترك له حرية الاختيار، يقول تعالى: ]إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [ ([138]), و يقول تعالى: ]وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [ ([139]).
ولم يسمح الله تعالى حتى لأنبيائه أن يصادروا من الإنسان حرية رأيه واختياره، فهم يعرضون رسالة الله على الناس، دون فرض أو إكراه ]فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [ ([140])،] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ ([141]).
و لقد استنكر الإسلام فكرة القهر كما نفى القدرة البشرية على الإكراه أو التكليف به، و بالتالي فقد أرسى الإسلام مبدأ النهى عن الإكراه لإدخال الناس فيه، و جعل الدعوة إلي الإسلام بالحجة و البرهان بديلاً عن الإكراه.
لقد وضع الإسلام قواعد واضحة للعائلة البشرية، لذلك احترم الإسلام حرية العقيدة احتراما كاملا، فمنع الإكراه في الدين، إذ نفى القران الكريم بالنص أن يكون الإكراه طريقا للدين، و منع المؤمنين من أن يكرهوا أحدا على الدين, ومنع النبي rبهذا النص المانع. ([142])يقول عز وجل: ]لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [[143]
يقول ابن كثير: أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام, فإنه بيّن واضح, جلي دلائله وبراهينه, لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه, بل من هداه الله للإسلام, وشرح صدره, ونور بصيرته, دخل فيه علي بينة, ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره, فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً, وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار, وإن كان حكمها عاماً(([144])). و عن ابن عباس, قال: كانت المرأة تكون مقلاة, فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده, فلما أجليت بنو النضير, كان فيهم من أبناء الأنصار, فقالوا: لا ندع أبناءنا, فأنزل الله عز وجل]لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [([145])
إنقضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين - قضية اقتناع بعد البيان والإدراك ;وليستقضية إكراه وغصب وإجبار. ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشري بكل قواهوطاقاته.يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، ويخاطب الوجدان المنفعل، كمايخاطبالفطرة المستكنة. يخاطب الكيان البشري كله، والإدراك البشري بكل جوانبه ;فيغير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجئ مشاهدها إلجاءً إلى الإذعان، ولكنوعيهلا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك.وإذاكان هذا الدين لا يواجه الحس البشري بالخارقة المادية القاهرة، فهو من بابأولىلا يواجهه بالقوة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولةالضغطالقاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع ([146]).
وكانتالمسيحية - آخر الديانات قبل الإسلام - قد فرضت فرضا بالحديد والنارووسائلالتعذيب والقمع التي زاولتها الدولة الرومانية بمجرد دخول الإمبراطورقسطنطينفي المسيحية. بنفس الوحشية والقسوة التي زاولتها الدولة الرومانية من قبلضدالمسيحيين القلائل من رعاياها الذين اعتنقوا المسيحية اقتناعاً وحباً ! ولم تقتصروسائلالقمع والقهر على الذين لم يدخلوا في المسيحية ; بل إنها ظلت تتناول في ضراوةالمسيحيينأنفسهم الذين لم يدخلوا في مذهب الدولة ; وخالفوها في بعض الاعتقادبطبيعةالمسيح !فلماجاء الإسلام عقب ذلك جاء يُعلن - في أول ما يُعلن - هذا المبدأ العظيمالكبير: ]لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ ([147]).
وفيهذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان ; واحترام إرادته وفكره ومشاعره ; وتركأمرهلنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه..وهذههي أخص خصائص التحرر الإنساني([148]).
إنحرية الاعتقاد هي أول حقوق "الإنسان" التي يثبت له بها وصف "إنسان". فالذييسلبإنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداءً.. ومع حرية الاعتقادحريةالدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة. وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلوللهافي واقع الحياة.والإسلام - وهو أرقى تصور للوجود وللحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلامراء - هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين ; وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهمأنهمممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين.. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضيةالقاصرةالمعتعسفة وهي تفرض فرضا بسلطان الدولة ; ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة ?!([149])
والتعبيرهنا يرد في صورة النفي المطلق: (لا إكراه في الدين).. نفي الجنس كمايقولالنحويون.. أي نفي جنس الإكراه. نفي كونه ابتداء. فهو يستبعده من عالمالوجودوالوقوع. وليس مجرد نهي عن مزاولته. والنهي في صورة النفي - والنفي للجنس - أعمق إيقاعاً و دلالة.ولايزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى،وتهديهإلى الطريق،وتبينحقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحتواضحةوهو يقول: ]لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [
هذه هي قاعدة النظام الرباني الذي جاء به الإسلام. وعلى هذه القاعدة يقوم نظام أخلاقي نظيف تكفل فيه الحرية لكل إنسان، حتى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام، وتصان فيه حرمات كل أحد حتى الذين لا يعتنقون الإسلام، وتحفظ فيه حقوق كل مواطن في الوطن الإسلامي أيا كانت عقيدته. ولا يكره فيه أحد على اعتناق عقيدة الإسلام، ولا إكراه فيه على الدين إنما هو البلاغ.
جاهد الإسلام ليقيم هذا النظام الرفيع في الأرض ويقرره ويحميه. وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر، والتي يدعي فيها العبيد مقام الألوهية ويزاولون فيها وظيفة الألوهية - بغير حق - ولم يكن بد أن تقاومه تلك النظم الباغية في الأرض كلها وتناصبه العداء. ولم يكن بد كذلك أن يسحقها الإسلام سحقاً ليعلن نظامه الرفيع في الأرض.. ثم يدع الناس في ظله أحراراً في عقائدهم الخاصة. لا يلزمهم إلا بالطاعة لشرائعه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدولية. أما عقيدة القلب فهم فيها أحرار. وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرار، يزاولونها وفق عقائدهم؛ والإسلام يقوم عليهم يحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حرماتهم، في حدود ذلك النظام.
و لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناقه عقيدة؛ ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنما جاهد ليقيم نظاماً آمناً يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعاً، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته .([150])
فالإيمانهو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه ويحرص عليه. والكفر هو الغيالذيينبغي للإنسان أن ينفر منه ويتقي أن يوصم به.والأمركذلك فعلا. فما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان، وما تمنحه للإدراك البشريمنتصور ناصع واضح،، وما تمنحه للقلب البشري من طمأنينة وسلام، وما تثيره فيالنفسالبشرية من اهتمامات رفيعة ومشاعر نظيفة، وما تحققه في المجتمع الإنساني مننظامسليم قويم دافع إلى تنمية الحياة وترقية الحياة.. ما يتدبر الإنسان نعمةالإيمانعلى هذا النحو حتى يجد فيها الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه، يترك الرشد إلىالغي،ويدع الهدى إلى الضلال، ويؤثر التخبط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينةوالسلاموالرفعة والاستعلاء !([151])
لقد أصبح الإنسان حراً حتى أمام أخطر القضايا شأناً، فله أن يختار ما يعتقد، و أن يتقبل عقيدة الحق إن شاء أو يرفض، فحرية الاعتقاد مكفولة في هذا الدين، فالإسلام قد طلب أن يكون الإيمان بهذا الدين عن طريق المعرفة و الإقناع، لا عن طريق التقليد و الإكراه ([152]). فالإسلام لا يقهر الآخرين على اعتناقه، بل إنه لا يكتمل إيمان المسلم إلا بإيمانه بجميع رسل الله و أنبيائه دون تفريق بينهم، و الإيمان بما جاءوا به من الكتب، يقول عز وجل:] آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ ([153]).
فالأديان السماوية جميعها تعد – في نظر الإسلام – حلقات متصلة لرسالة واحدة جاء بها الأنبياء و الرسل من عند الله على مدى التاريخ اﻹنسانى. و من أجل ذلك يمتاز الموقف الإسلامى في أي حوار ديني بأنه منفتح على الآخرين و متسامح إلى أبعد الحدود، فقد أقر الإسلام منذ البداية التعددية الدينية و الثقافية و صارت هذه التعددية من العلامات المميزة في التعاليم الإسلامية، و الأمثلة على ذلك كثيرة و متعددة، فقد تأسس مجتمع المدينة المنورة بعد هجرة الرسول r إليها على التعددية الدينية و الثقافية و مارس المسلمون ذلك – من بعده – عمليا على مدى تاريخهم الطويل.([154])
و لقد خاطب القرآن الكريم أهل الديانات السماوية السابقة، و هم اليهود و النصارى، بألطف العبارات و أجمل الألفاظ فكان وصفهم دائما بلفظ (يا أهل الكتاب)، حيث وردت في واحد و ثلاثين موضعا، و خاطبهم أيضا بلفظ (الذين أوتو الكتاب) و ذلك في ثلاثين موضعاً، و هذا الخطاب فيه الاحترام الكبير.
إن هذا الدين الإسلامي لا إكراه على الدخول فيه، لكمال هدايته، و لوضوح إرشاداته، و لسماحة توجيهاته، فآياته يتضح بها الحق من الباطل، و الهدى من الضلال، فمن يكفر بكل ما عبد من دون الله، و يؤمن بوحدانية الله – تعالى – و بقدرته، فقد ثبت و استقام على الطريقة المثلي،واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له.([155])
فالدين الإسلامي لم يعتمد على منطق العنف المادي أو الإكراه المعنوي كأساس أو سبيل يسلكه في دعوته الناس كافة للإيمان به و اعتناقه بل أقام دعواه للناس إلى سبيل الله على الحكمة و الموعظة الحسنة وفقا للأمر اﻹلهى الصادر في قوله عز وجل:] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [([156])
إن الإسلام يترك أمر هذا الاختلاف في العقيدة لنظر الخالق تعالى وتقديره وحكمه، يقول سبحانه و تعالى: ]وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ[([157]) .
فلقد جاء الإسلام ليبين للناس طريق الهداية و الفوز برضوان الله، فدعاهم إلى اعتناقه بمنطق السماحة و الحرية و الاختيار بما لا تعرفه أية شريعة من الشرائع الوضعية تاركا بذلك لكل ذي عقل حصيف أن يتخير لنفسه ما يشاء بملء حريته (([158])). و لا يقف الإسلام عند حد تقرير المبدأ – لا إكراه في الدين – بل يمنع كائنا من كان أن يحاسب الكفار على كفرهم في الحياة الدنيا، بل جعل ذلك من حق الخالق وحده يحاسب عليه في الحياة الآخرة، يقول عز وجل: ]وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [ ([159])
و قال تعالى: ]و ما على الرسول إلا البلاغ المبين [أي: تبليغكم البين الذي لا يبقي لأحد شكا ولا شبهة، وقد فعل r، بلغ البلاغ المبين، وإنما الذي يحاسبكم ويجازيكم هو الله تعالى، فالرسول ليس له من الأمر شيء، وقد قام بوظيفته.([160])، فليس مسؤولاً عن إيمانكم، وليس مقصراً إذا أنتم توليتم. إنما أنتم المسؤولون المعاقبون بما توليتم وبما عصيتم وبما خالفتم عن أمر الله وأمر الرسول.([161])
بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة. ودور كل داعية إليها بعده.. إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على الله. ولا مفر لهم من العودة إليه، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه. غير أنه ينبغي أن نفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير. فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء، بلا تقصير فيها ولا اعتداء..([162])
لقد قضى الإسلام على التعصب الديني الذي استشرى في كل المجتمعات و جر عليها ويلات كثير من الحروب، فالإسلام ينهى عن التعصب الديني و يأمر بالتسامح مع أهل الكتاب و لا يجيز التطاول عليهم، يقول عز وجل: ]وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ ([163])، فالإسلام قد أباح مخالطة غير المسلمين و مساكنتهم و مؤاكلتهم، بل و السماح للمسلم بالزواج من الكتابيات، و كانت هذه المخالطة أحد أهم أسباب انتشار الإسلام في الماضي و الحاضر.
و حرية العقيدة لا تنفصل عن حرية ممارسة شعائرها و ما قضت به من أحكام لأنهما قسيمان متكاملان و متلازمان. فهذه الممارسة هي التي تنتقل بالعقيدة من مجرد الإيمان بها إلى التعبير عن محتواها بتطبيقها، إذ الإيمان كامن في النفوس و محفوظ في الصدور، و الممارسة هي المظهر الخارجي تكشف عنه و تدل عليه. فالتسليم بحرية العقيدة دون حرية ممارسة أحكامها و شعائرها يعنى إعدام حرية العقيدة بحبسها في الصدور. و مقتضى حرية العقيدة تمكين غير المسلمين من أهل الكتاب من أداء شعائرها الدينية في دور العبادة الخاصة بهم و السماح بإقامتها و ترميم ما يتهدم منها. و كتب التاريخ خير شاهد على ذلك سواء في ذلك ما كتبه المؤرخون المسيحيون و المؤرخون المسلمون. و لم يكتف الإسلام بكفالة حرية العقيدة و قسيمتها حرية الشعائر الدينية في خصوص العبادات بل تمتد هذه الحماية إلى أحكام المعاملات الواردة في الديانات السماوية السابقة على الإسلام، و لذلك صاغ الفقهاء القاعدة الذهبية الحكيمة في علاقة المسلمين بغيرهم و التي توضح هي التي أسندها الكاساني إلى حديث نبوي شريف، وهى قول النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث " فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين " ([164]) .
إن حرية التدين لا تتكون للرجل الحر من منع الإكراه فقط، بل لابد أن يكون أساس العقيدة تفكيرا سليما، يحكم العقل من غير تقـليد، و لا خضوع لأهواء جامحة مسيطرة، و بذلك تتكون حرية الاعتقاد من عناصر ثلاثة: أولها: تفكير حر غير مأسور بتعصب لجنسية أو تقليد، أو شهوة أو هوى، فكثيرا ما تحكم الأهواء و الجنسية باسم الدين. وثانيهما: منع الإغراء أو الإكراه للحمل على العقيدة، فليس بمتدين حر من يعتقد اعتقادا تحت تأثير إغراء المال أو المنصب أو الجاه، و إنه من أشد أنواع الإكراه تسليط المخدرات و المسكرات. و ثالثهما: العمل على مقتضى العقيدة و تسهيل ذلك لكل معتنق لدين من غير إرهاق([165]).
و قد حمى الإسلام هذه العناصر الثلاث، فمنع الإكراه و الإغراء ليتحرر الفكر، و منع التقليد، بل دعا الناس إلى النظر الحر في الكون و ما يشتمل عليه من أسرار، ليستنبطوا بالنظر عظمة الخالق المبدع، و لا تكاد تفتح المصحف حتى ترى نور القرآن بين يديك يحث على السير و النظر في الكون. و لقد نهى الإسلام عن التقليد الأعمى من غير دليل و لا برهان، فنعى على الذين يتبعون آباءهم من غير دليل، و قال سبحانه في ذلك: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [ ([166])، و يقول تعالى: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [ ([167])، و يقول عز وجل: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [ ([168])
فالإيمان يجب أن يكون عن طريق التفكير الحر لا عن طريق التقليد، و لما كان ذلك فقد نعى على المشركين التقليد، لأن التقليد و حرية العقيدة نقيضان، فالإيمان يجب أن ينبثق عن يقين و اقتناع لا عن تقلد و إتباع.و لحرية العقيدة جانب آخر و هو حرية غير المسلم في إقامة شعائره الدينية، و هو نتيجة حتمية تترتب على ما قرره الإسلام من إزالة الحقد و نفى الإكراه من جهة، و مبدأ إطلاق حرية الاختيار من جهة أخرى، فقد جعل الإسلام من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها و القيام بفروض عبادتها. و لقد عمل الإسلام على حماية عقيدة الذين يستظلون بظله، أو يعقدون معه عهدا أو لا يثيرون عليه حربا، بل إنه سهل لهم القيام بشعائر دينهم، و قد قرر فقهاء المسلمين فيما استنبطوه من نصوص قرآنية و نبوية، و من أعمال الرسول r و صحابته قاعدة تقول: أُمرنا بتركهم و ما يدينون و بهذه القاعدة المجمع عليها من فقهاء المسلمين حميت حرية العقيدة في ظل الإسلام، فلا يضار غير المسلم فيما يعتقد، و يقيم شعائره الدينية حراً غير مضطرب.([169])
هذا هو دستور الإسلام و المسلمين – القرآن الكريم – يؤسس للتسامح و الحرية الدينية، و ذلك قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان.
الحرية الدينية في السنة النبوية
لقد حرص الرسول r و هو المعلم و القدوة على تطبيق حرية العقيدة - بما يتفرع عنها من مبادئ – بنفسه ليضرب بذلك المثل لمن بعده من أتباعه و إلى أن تقوم الساعة على صدق و مثالية منهج الإسلام في كفالة تلك الحرية و حماية حقوق الكافة بشأنها، و هو الأمر الذي توضحه عملا تطبيقات الرسول r.
ففي مجال قول الحق تبارك و تعالى:] لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [([170])فقد رفض رسول الله r إكراه ولدين نصرانيين لأحد المسلمين - من الأنصار من بنى سالم بن عوف - في المدينة على الدخول في الإسلام رغما عن إرادتهما حيث أمر الرسولr أباهما أن يخلى سبيلهما، و ذلك برغم ما كان متوافرا لدى الرسول r من مقدرة على إجبارهما على اعتناق الإسلام، و الاحتفاظ بهما عنوة في المدينة، و توسل أبوهما إلى الرسول r ﻹنقاذهما من عذاب الآخرة و النار.و قال الطبري في سبب نزول هذه الآية، أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إذا ولدت ولدا أن تجعله في اليهود تلتمس طول بقائه، قال: فجاء الإسلام و فيهم منهم فلما أجليت النضير، قالوا يا رسول الله: أبناؤنا و إخواننا فيهم، فسكت عنهم رسول الله r فانزل الله هذه الآية الكريمة.فقال رسول الله r قد خير أصحابكم فان اختاروكم فهم منكم و إن اختاروهم فهم منهم.([171])
إن حرية العقيدة حق أساسى لغير المسلمين، و قد طبق الرسول r هذا المبدأ. فعندما قدم وفد نجران على رسول الله r دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منعهم فقال رسول الله r دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم ([172]).
و جاء في كتاب النبي r لأهل نجران: ((ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأرضهم وملتهم وغايبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته)) ([173]).
وجاء في كتابه r إلى أساقفة نجران: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي إلى الأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ومن تبعهم، ورهبانهم:إن لهم ما تحت أيديهم، من قليل وكثير من بِيَعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوارَ الله ورسوله. لا يُغَيَّر أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته. ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه. على ذلك جوار الله ورسوله أبدا ما نصحوا واصطلحوا فيما عليهم، غير مثقَلين بظلم ولا ظالمين).([174])
وقد جاء في كتابه r إلى ملوك حِمير: (وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم. ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُردُّ عنها وعليه الجزية...).([175])
و لقد بلغ من تسامح الرسول r، أنه صالح اليهود وأقرهم على دينهم، ولم يكره rأحدا على الدخول في دينه، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا، فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وأنه رسول الله حقا، فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين اليهودية أو أكثرهم كما قال النبي r لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا ا لله» وذكر الحديث([176])، ثم دخلوا في الاسلام من غير رغبة ولا رهبة، وكذلك من أسلم من يهود المدينة وهم جماعة كثيرون غير عبد الله بن سلام،لم يسلموا رغبة في الدنيا ولا رهبة من السيف .
وهذا مثالي عملي رائع، طبقه الرسول الكريم r في تعامله مع من عاش معه من الذميين، بل إنه قد جاء في الكتاب الذي كتبه النبي r في أول قدومه المدينة ليرسم به منهجًا ودستورًا في التعامل «هذا كتاب من محمد النبي r بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم.. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم... وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأَثِم فإنه لا يوتغ([177]) إلا نفسه وأهل بيته " ([178]). لقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعبادة ([179]).
و الحق الذي يجب الصدع به أن أعظم الشواهد الواقعية على حرية المعتقد في الإسلام هو ما يرى الآن وبعد فترة حكم دامت أربعة عشر قرناً ما يرى الآن من أماكن العبادة: الكنائس والمعابد والأديرة. منتشرة في كل مكان من بقاع العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وهي شواهد عيان تنطق بحرية المعتقد التي جاء بها الإسلام فلو أن المسلمين كانوا كغيرهم من أتباع الملل والنِحل لما شوهد برج كنيسة واحد ولَمَا سُمِع صوت ناقوس.
وإذا كانت تطبيقات الدولة الإسلامية لهذه المبادئ الإسلامية، قد بلغت، وحققت قبل أربعة عشر قرنا الحد الذي يدهش له الكثيرون في عصرنا الحاضر.. من مثل تحرير جيش الفتح الإسلامى لمصر كنائس نصارى مصر من الاحتلال والاغتصاب الروماني، لا ليحولها إلى مساجد للمسلمين، وإنما ليردها للنصارى اليعاقبة يتعبدون فيها.. فإن عهد رسول الله r مع نصارى (نجران) قد بلغ الذروة في تعامل الدولة الإسلامية مع دور العبادة هذه إلى الحد الذي نص فيه على أن مساعدة الدولة الإسلامية لغير المسلمين في بناء دور عبادتهم هو جزء من واجبات هذه الدولة.. فليست الواجبات فقط هى السماح ببناء دور العبادة، وإنما هى أيضا الإعانة على بنائها، وأن غير المسلمين هم جزء أصيل في الأمة الواحدة، والرعية المتحدة لهذه الدولة، فإن واجباتها حيال دور عبادتهم هى ذاتها الواجبات حيال مساجد المسلمين، فجاء في هذا الميثاق مع نصارى " نجران": "... ولهم إن احتاجوا في مرمة بيعهم وصوامعهم، أو شيء من مصالح أمور دينهم إلى رفد (مساعدة) من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها، أن يرفدوا على ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك دينا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم، ووفاء بعهد رسول الله، وموهبة لهم، ومكرمة لله ورسوله عليهم "([180])
بل إن الرسول r ينهى عن استثارة مشاعر العداء لدى غير المسلمين، قال رسول الله r (لا يقولن أحدكم إني خير من يونس)([181])، وعن أبي هريرة –رضي الله عنه– قال (بينما يهودي يعرض سلعته، أعطى بها شيئاً كرهه، فقال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه وقال: تقول، والذي اصطفى موسى على البشر، والنبي r بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهداً فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لم لطمت وجهه؟ فذكره، فغضب النبي r حتى رأى في وجهه، ثم قال: لا تفضلوا بين أولياء الله. فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصقعتة يوم الطور، أم بعث قبلي ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى)([182]).
و من أبرز معالم التسامح و الحرية الدينية مكاتبات الرسول r للملوك. فقد جعلrالحوار طريقاً للدعوة إلى الله، و كانت مراسلة النبي r لملوك النصارى نوعاً من الحوار؛ لذلك فقد قام r بمكاتبة الملوك والأمراء، ففي أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله r من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام‏.
‏ كتابه rإلى النجاشي ملك الحبشة‏:‏
" ‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي، الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبه ولا ولداً، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله فأسلم تسلم،] قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [،فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك‏ " ‏‏.‏
ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النبي r إلى النجاشي أخذه النجاشي، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وكتب إلى النبي r بذلك، وهاك نصه‏:‏




" بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد‏:‏
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسي، فورب السماء والأرض إن عيسي لا يزيد على ما ذكرت تُفْرُوقا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابك، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين‏" ‏‏([1]).‏
وكان النبي r قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفراً ومن معه من مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهم على النبي r وهو بخيبر‏.
‏ وتوفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك، ونعاه النبي r يوم وفاته، وصلي عليه صلاة الغائب[2]

([1]) صفى الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم ، دار الوفاء، الطبعة التاسعة عشرة، المنصورة، 2007م، ص: 305 .

([2]) صفى الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، ص: 306 .








([1])الآية (110) سورة آل عمران

([2])الآية (46) سورة العنكبوت

([3]) الآية (125) سورة النحل .

([4])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب.

([5]) الآية (4) سورة القلم .

([6]) الآية (107) سورة الأنبياء .

([7]) الآية (158) سورة الأعراف .

([8]) مثل دستور المدينة، و رسائله r إلى الملوك و الأمراء.

([9])محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي و الخلافة الراشدة،دار النفائس,الطبعة الخامسة،1405هـ، 1985م، ص: 488

([10]) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري تاريخ الرسل و الملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية،القاهرة، الجزء الرابع، ص: 192 .

([11])الآية (8) سورة الممتحنة .

([12])ابن قيم الجوزية،زاد المعاد في هدى خير العباد، دار الفجر للتراث، القاهرة، 1420هـ - 1999م،المجلد الثاني، الجزء الثالث، ص: 22.

([13])الآية (190) سورة البقرة .

([14]) هذه وصية أبو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه إلى الشام، انظر السرخسى، شرح السير الكبير، قدم له د. عبد العظيم العناني، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، الجزء الأول، ص: 31، 32

([15]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول،دار الوسيلة للطبع و النشر، جدة، 1418هـ - 1998م، المجلد السادس، ص: 2287 .الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: د.حسين نصار، سلسلة التراث العربي، وزارة الإرشاد و الأنباء، الكويت، 1369هـ - 1969م، الجزء السادس ص : 484 .

([16]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2288 .

([17]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2288 .

([18])إعلان مبادئ بشأن التسامح اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 نوفمبر 1995

([19])د.عصام عبد الله، التسامح، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006م، ص: 21 .

([20])د.عصام عبد الله، التسامح، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006م، ص: 22 .

([21])د.عصام عبد الله، التسامح، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006م، ص: 24 .

([22]) الآية (1) سورة النساء .

([23]) الآية (81) سورة الكهف .

([24]) الآية (52) سورة الأعراف .

([25]) الآية (17) سورة البلد .

([26]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2061 .

([27]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2062 .

([28]) الآية (107) سورة الأنبياء.

([29]) الآيتان (49، 50) سورة الحجر.

([30]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق ، باب: ما جاء في قول الله تعالى: َ"وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ".

([31]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الرجاء مع الخوف

([32]) أخرجه الترمذى في سننه، كتاب الدعوات، باب مغفرة الله لخطايا العبد إلا الشرك .

([33]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب - باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته.

([34]) الآية (128) سورة التوبة.

([35]) الآية (4) سورة القلم.

([36]) أخرجه أحمد في مسنده، والطبراني في المعجم الأوسط .

([37]) أخرجه الحاكم في مستدركه، والطبري، تاريخ الأمم والملوك، الجزء الاول، ص: 520.

([38]) توماس كارلايل ، مكتبة مصر، الأبطال، 51، 52

([39])لين بول: رسالة في تاريخ العرب نقلا عن: عفيف عبد الفتاح طبارة: روح الدين الاسلامي، ص 438.

([40]) واشنجتون ايرفنج: حياة محمد، ص 72 .

([41]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2890 .

([42]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2891 .

([43]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2892 .

([44]) الآية (199) سورة الأعراف.

([45]) الآية (109) سورة البقرة.

([46]) الآية (85) سورة الحجر.

([47]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب المناقب باب صفة النبى

([48]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب الهبة باب قبول الهدية من المشركين

([49]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب الجهاد والسير باب من علق سيفه بالشجر فى السفر عند القائلة

([50]) سبيل الهدي والرشاد، الجزء الخامس، ص: 242 .

([51]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب المغازى باب قتل حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه

([52]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد الخامس، ص: 1735 .

([53]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد الخامس، ص: 1735 .

([54]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد الخامس، ص: 1736 .

([55]) الآية (225) سورة البقرة.

([56]) الآية (263) سورة البقرة.

([57]) الآية (155) سورة آل عمران.

([58])ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه أبو يعلى ورواته رواة الصحيح (3/ 118). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد

([59]) أخرجه البخاري في صحيحه

([60]) أخرجه البخاري في صحيحه

([61]) أخرجه البخاري في صحيحه .

([62]) صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، دار الوفاء، 2007م، ص:218 .

([63]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب التفسير باب قوله تعالى: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم

([64]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2157 .

([65]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2158 .

([66]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2158 .

([67]) الآية (159) سورة آل عمران.

([68]) الآيتان (43، 44) سورة طه.

([69])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب قول النبى يستجاب لنا في اليهود و لا يستجاب لهم فينا

([70])أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر و الصلة و الآداب، باب فضل الرفق

([71])أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الإمام العادل

([72])أخرجه الترمذى في سننه، كتاب البر و الصلة، باب ما جاء في الرفق

([73])أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر و الصلة و الآداب، باب فضل الرفق

([74])أخرجه أحمد في مسنده .

([75])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين و الملائكة في السماء فوافقت إحداها

([76])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان

([77]) أخرجه البخاري فى صحيحه كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من التنازع والاختلاف فى الحرب

([78]) الآية (85) سورة الحجر.

([79]) الآية (89) سورة الزخرف.

([80]) الآية (219) سورة البقرة.

([81]) الآية (199) سورة الأعراف.

([82]) الآية (34) سورة فصلت.

([83]) الآية (109) سورة البقرة.

([84]) الآية (134) سورة آل عمران .

([85]) الآية (256) سورة البقرة .

([86]) الآية (285) سورة البقرة .

([87]) الآيات (1: 6) سورة الكافرون .

([88]) الآية (64) سورة آل عمران.

([89]) الآية (108) سورة الأنعام.

([90]) الآية (46) سورة العنكبوت.

([91]) الآية (125) سورة النحل.

([92]) الآية (15) سورة الشورى.

([93]) الآية (90) سورة النحل.

([94]) الآية (8) سورة الممتحنة.

([95]) الآية (5) سورة المائدة .

([96]) أخرجه أحمد في مسنده.

([97]) أخرجه أحمد في مسنده. وقال الشيخ أحمد شاكر : إسناده صحيح. والسيوطي في الجامع الصغير

([98])فظع من الفظاعة وهو الأمر الشديد الشنيع ومعنى فظع الناس أي اشتد عليهم الأمر وهالهم

([99]) الآية (33) سورة آل عمران .

([100]) أخرجه أحمد في مسنده .

([101])رواه الطبراني في الأوسط . و الهيثمي في المجمع

([102]) أخرجه أحمد في مسنده .

([103])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب السهولة و السماحة في الشراء و البيع .

([104]) أخرجه أحمد في مسنده .

([105]) أخرجه أحمد في مسنده .

([106]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب فضل انظار المعسر.

([107])الجواز: أي التسامح والتساهل في البيع والاقتضاء (أي الطلب).

([108]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب فضل انظار المعسر.

([109]) أخرجه الترمذى في سننه، كتاب صفة القيامة، باب تحرم النّار على كلّ قريب هيّن سهل. وقال: هذا حديث حسن غريب .

([110]) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الإيمان، باب الدين يسر.

([111]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب فضل انظار المعسر.

([112]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2300 .

([113]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2289 .

([114]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السادس، ص: 2290 .

([115]) أبو إسحاق الشاطبى، الموافقات فى أصول الشريعة، خرج أحاديثه: أحمد السيد سيد أحمد على، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006م، الجزء الثانى، ص: 8 . د.محمود حمدى زقزوق ، مقاصد الشريعة الإسلامية و ضرورات التجديد، سلسلة قضايا إسلامية، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة ، شوال 1424هـ - 2003م، ص: 42

([116]) الآية (85) سورة آل عمران.

([117]) الآية (256) سورة البقرة.

([118]) الآية (29) سورة الكهف.

([119]) الآية (26) سورة غافر.

([120]) الآية (256) سورة البقرة.

([121]) مقاييس اللغة، مادة (ح ر ر).

([122]) المعجم الوسيط، الجزء الأول، ص: 165 .

([123])محمد الطاهر ابن عاشور, مقاصد الشريعةالإسلامية، تحقيق محمدالطاهر الميساوي, دار النفائس، الطابعة الثانية، عمان, الأردن, 2001 م، ص ص: 390، 391 .

([124])د. محمد الزحيلي، حقوق الإنسان في الإسلام، دار الكلم الطيب، دمشق، الطبعة الثانية، 1418هـ=1997م، ص : 165.

([125]) الموسوعة العربية العالمية "الحرية" 9/305.

([126])القاموس المحيط 4/225، المصباح المنير 1/279، المعجم الوسيط 1/307 .

([127])موسوعة الأديان الميسرة ص254، المصطلحات الأربعة في القرآن، المودودي ص116، الدين، دراز ص26

([128]) د.عبد الله دراز، الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القــلم، الكويت، الطابعة الثانية، 1390هـ=1970م، ص33.

([129])د.أحمد الريسونى، د.محمد الزحيلى، د.محمد عثمان شبير، حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة، كتاب الأمة،، قطر، المحرم، 1423هـ, ص84 .

([130]) د. عبدالرازق رحيم: العبادات فى الأديان السماوية اليهودية المسيحية الإسلام،الطبعة الأولى، بدون سنة نشر،دار الأوائل للنشر والتوزيع، ص10.

([131]) أدولف إرمان: ديانة مصر القديمة، ترجمة د. عبدالمنعم أبو بكر، د. محمد أنور شكرى، مكتبة الأسرة، سنة 1997، ص4 وما بعدها.

([132]) محمد الغزالى، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، دار نهضة مصر للطباعة و النشر، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2005م، ص: 7.

([133])الاِخْتِلاَفُ لغة: مصدر اختلف . والاختلاف نقيض الاتفاق . جاء في اللسان ما مفاده: اختلف الأمران لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد اختلف . والخلاف: الْمُضَادَّةُ، وخالفه إلى الشيء عصاه إليه، أو قصده بعد أن نهاه عنه . ويستعمل الاختلاف عند الفقهاء بمعناه اللغوي وكذلك الخلاف، الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية، الكويت، الجزء الثانى، ص: 291 .

([134])د. محمد سيّد طنطاوي، أدب الحوار في الإسلام، سلسلة البحوث الإسلامية،مجمع مطابع الأزهر,الطبعة الثانية،القاهرة، 2007م،ص: 16.

([135]) سيد قطب، فى ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة الحادية عشرة، القاهرة، الجزء الأول، ص: 215 .

([136]) الآيتان (119,118) سورة هود .

([137]) الشيخ محمد الغزالى: حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، نهضة مصر للطباعة و النشر، القاهرة، 2005م، ص: 74

([138]) الآية (3) سورة الإنسان .

([139]) الآية (29) سورة الكهف .

([140]) الآيتان (21، 22) سورة الغاشية .

([141]) الآية (99) سورة يونس .

([142]) الإمام: محمد أبو زهرة،العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، بيروت، 1415هـ - 1995م،ص: 29 .

([143]) الآية (256) سورة البقرة.

([144]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق مصطفى السيد محمد و آخرون، مؤسسة قرطبة للطباعة، مكتبة أولاد الشيخ للتراث، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2000م، المجلد الثانى، ص: 444.

([145]) رواه أبو داود فى الجهاد .

([146]) سيد قطب، فى ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة الحادية عشرة، 1985م، الجزء الأول، ص: 291.

([147]) الآية (256) سورة البقرة .

([148]) سيد قطب، في ظلال القرآن، الجزء الأول، ص: 291.

([149]) سيد قطب، في ظلال القرآن، الجزء الأول, ص: 291.

([150]) سيد قطب، في ظلال القرآن، الجزء الأول، ص 270

([151]) سيد قطب، في ظلال القرآن، الجزء الأول ، ص: 292.

([152]) د. محمد الراوي، الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، مكتبة العبيكان، 1995م، ص:363 .

([153]) الآية (285) سورة البقرة .

([154]) د.محمود حمدي زقزوق،التسامح في الإسلام، التسامح في الحضارة الإسلامية، المؤتمر السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2004، ض: 54 .

([155]) د. محمد سيد طنطاوي، هذا هو الإسلام، حوار هادئ مع قداسة بابا الفاتيكان، هدية مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، ذي القعدة، 1427هـ، ص:29.

([156]) الآية (125) سورة النحل .

([157]) الآية (124) سورة النحل .

([158]) د. مصطفى محمود عفيفي، الحقوق المعنوية للإنسان بين النظرية و التطبيق، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، ص: 87 .

([159]) الآية (40) سورة الرعد .

([160]) عبد الرحمن بن ناصر السعدى، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2002م، ج 1، ص ص، 572، 573 .

([161]) في ظلال القرآن، الجزء الرابع ، ص: 2529 .

([162]) في ظلال القرآن، الجزء السادس، ص: 3091 .

([163]) الآية (46) سورة العنكبوت .

([164]) علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1986م، الجزء السادس، ص: 280 .

([165]) الإمام: محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سبق ذكره، ص:30.

([166]) الآية (170) سورة البقرة .

([167]) الآية (104) سورة المائدة .

([168]) الآية (21) سورة لقمان .

([169]) الإمام: محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام، مرجع سبق ذكره، ص ص: 31.

([170]) الآية (256) سورة البقرة .

([171]) أبو جعفر الطبري، تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق د. عبد المحسن التركي، هجر للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 1422هـ - 2001م، الجزء الرابع، ص:546.

([172]) ابن القيم الجوزية، زاد المعاد فى خير هدى العباد، دار الفجر للتراث، القاهرة، 1999م، الجزء الثالث، ص: 22.

([173])د. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص: 178.

([174]) د. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص: 179 .

([175])د. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص:221.

([176]) أخرجه البخاري في صحيحه، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم: (1425).

([177]) يوتغ: يهلك .

([178]) ابن هشام، السيرة النبوية، 2/503، ابن كثير ، البداية والنهاية 4/556–557.

([179]) د.على محمد الصلابي، السيرة النبوية عرض وقائع و تحليل أحداث، مكتبة فياض، المنصورة، 1428هـ - 2007م، الجزء الأول، ص:434.

([180]) د. محمد عمارة،الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي، مؤتمر حقيقة الإسلام في عالم متغير، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية،القاهرة، 2003, ص: 459 .

([181]) أخرجه البخاري في صحيحه.

([182]) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء .



المصدر: طريق الخلاص


hgjshlp tvdqm Ysghldm hgjwhgp








 
  رد مع اقتباس
قديم منذ /22-06-2014, 11:08 AM   #2

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: التسامح فريضة إسلامية

كتابه rإلى المقوقس ملك مصر ‏:‏
"‏بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبــط،] قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ ". واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بَلْتَعَة‏.‏ فلما دخل حاطب على المقوقس قال له‏:‏ إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك‏.‏ فقال المقوقس‏:‏ إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه‏.‏ فقال حاطب‏:‏ ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فَقْدَ ما سِواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصاري، ولعمري ما بشارة موسي بعيسي إلا كبشارة عيسي بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، فكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به‏.‏
فقال المقوقس‏:‏ إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه‏.‏ ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر‏.‏
وأخذ كتاب النبي r، فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله r ‏:‏ " بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد‏:‏ فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلام عليك‏ " ‏‏.‏ ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، والبغلة دُلْدُل، بقيت إلى زمن معاوية، واتخذ النبي r مارية سرية له، وهي التي ولدت له إبراهيم‏.‏ وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري‏([1]).‏
كتابه rإلى كسرى ملك فارس ‏:‏
وكتب النبي r إلى كسرى ملك فارس‏:‏
" ‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فـارس، سـلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك‏)([2])‏‏.‏
كتابه rإلى قيصر ملك الروم ‏:‏
كتب النبي r إلى ملك الروم هرقل ‏:‏ " ‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين] قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [.
و كان هرقل قد أرسل إلى أبى سفيان بن حرب في ركب من قريش، كانوا تجاراً بالشام، في المدة التي كان رسول الله
r مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال‏:‏ أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‏؟‏ قال أبو سفيان‏:‏ فقلت‏:‏ أنا أقربهم نسباً، فقال‏:‏ أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه‏:‏ إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا على كذباً لكذبت عليه‏([3]).‏
ثم قال‏:‏ أول ما سألني عنه أن قال‏:‏ كيف نسبه فيكم‏؟‏ فقلت‏:‏ هو فينا ذو نسب، قال‏:‏ فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل كان من آبائه من ملك‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم‏؟‏ قلت‏:‏ بل ضعفاؤهم‏.‏ قال‏:‏ أيزيدون أم ينقصون‏؟‏ قلت‏:‏ بل يزيدون‏.‏ قال‏:‏ فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه‏:‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل يغدر‏؟‏ قلت‏:‏ لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها ـ قال‏:‏ ولم تمكنني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة ـ قال‏:‏ فهل قاتلتموه‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فكيف كان قتالكم إياه‏؟‏ قلت‏:‏ الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه‏.‏ قال‏:‏ ماذا يأمركم‏؟‏ قلت‏:‏ يقول‏:‏ ‏(‏اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم‏)‏، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة‏.‏
فقال للترجمان‏:‏ قل له‏:‏ سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها‏.‏ وسألتك‏:‏ هل قال أحد منكم هذا القول قبله‏؟‏ فذكرت أن لا‏.‏ قلت‏:‏ لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت‏:‏ رجل يأتسي بقول قيل قبله‏.‏ وسألتك‏:‏ هل كان من آبائه من ملك‏؟‏ فذكرت أن لا‏.‏ فقلت‏:‏ فلو كان من آبائه من ملك قلت‏:‏ رجل يطلب ملك أبيه‏.‏ وسألتك‏:‏ هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله‏.‏ وسألتك‏:‏ أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم‏؟‏ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل‏.‏ وسألتك‏:‏ أيزيدون أم ينقصون‏؟‏ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم‏.‏ وسألتك‏:‏ أيرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه‏؟‏ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب‏.‏ وسألتك‏:‏ هل يغدر‏؟‏ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر‏.‏وسألتك‏:‏ بماذا يأمر‏؟‏ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه‏.‏
ثم دعا بكتاب رسول الله r فقرأ، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال‏:‏ فقلت لأصحابي حين أخرجنا‏:‏ لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشَة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنا بأمر رسول الله r أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام‏([4]).‏
كتابه rإلى المنذر بن سَاوِي ‏:‏
وكتب النبي r إلى المنذر بن ساوي حاكم البحرين كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول الله r ‏: " ‏أما بعد، يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلى في ذلك أمرك‏ ".‏
فكتب إليه رسول الله r ‏:‏" ‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطيع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك‏.‏ ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية‏ " ‏([5]).‏
كتابه rإلى هَوْذَة بن على صاحب اليمامة ‏:‏
وكتب النبي r إلى هوذة بن على صاحب اليمامة‏:‏ (‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهي الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك‏)‏([6])‏‏‏.‏
هذه هي رسائل النبي r، و التي تؤكد تسامحه، و اعترافه بالأخر و بحقوقه في الحرية الدينية.
لقد كانت سياسته r مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود؛ وبهذه السياسة الحكيمة استطاع r أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيفًا في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركًا ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله r وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوبًا عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذن في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه, فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف([7]).
و لقد فقه المسلمون هذا ووعوه، فتركوا لرعاياهم من غير المسلمين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر التعبدية، ولم يأمروا أحداً باعتناق الإسلام قسراً وكرهاً. و قد اقتدى الصحابة رضى الله عنهم بالرسول r، فقد أوصى أبو بكرt أسامة بن زيد بتركهم أحراراً في عقائدهم، وأمره بأن لا يقتل الرهبان، وأن يتركهم أحراراً في ديارهم وصوامعهم. وعاهد خالد بن الوليد أهل الحيرة على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصراً يتحصنون فيه، وعلى ألا يُمنعوا من ضرب نواقيسهم أو إخراج الصلبان في يوم عيدهم. وكذلك فعل عمر مع الفرس، وقد أوصى سعد بن أبى وقاص بإبعاد معسكره عن قرى أهل الصلح و الذمة، وألا يجعل بلادهم ميداناً لحربه حتى لا يصابوا بشرور الحرب ([8]).
وعاهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهل تفليس، وجاء في المعاهدة معهم: "... هذا كتاب من حبيب بن مســلمة لأهل طفليس - من أرض الهرمز -: بالأمان لكم ولأولادكم ولأهاليكم وصوامعكم وبِيَعكم ودينكم وصلواتكم..."([9])
كما عاهد أهل بيت المقدس وجاء في المعاهدة معهم ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمر أمير المؤمنين أهل أيليا من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنه لا تُسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود..." ([10]).
و دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس و جاء كنيسة القيامة فجلس في صحنها و حان وقت الصلاة فقال للبترك أريد الصلاة فقال له: صل موضعك فامتنع و صلى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفرداً، فلما قضى صلاته قال للبترك: لو صليت داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدي و قالوا هنا صلى عمر، و كتب لهم أن لا يجمع على الدرجة للصلاة و لا يؤذن عليها ([11]).
وبعد التوقيع على العهدة العمرية رأى عمر أن يقوم بجولة في المدينة ليعرف ما أصاب سكانها من حيف أو ضيم خلال الحصار والقتال، آتاه رجل من النصارى له ذمة مع المسلمين في كرم عنب، فشكا أمره إلى الخليفة قائلا: (يا أمير المؤمنين، كرمى كان في أيديهم، فلم يستبيحوه ولم يتعرضوا له. وأنا رجل لى ذمة مع المسلمين وقعوا فيه. فدعا عمر- رضى الله عنه- ببرذون له فركبه عريان من العجلة، ثم خرج يركض في أعراض المسلمين، فكان أول من لقيه (أبو هريرة) يحمل فوق رأسه عنبا، فقال له: وأنت أيضا يا أبا هريرة! فقال: يا أمير المؤمنين، أصابتنا مخمصة شديدة (جوع) فكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا، فتركه عمر ثم أتى الكرم، فنظره، فإذا هو قد أسرعت الناس فيه (مسلمون وغيرهم) فدعا عمر الذمى وقال له: كم كنت ترجو غلة كرمك هذا؟ فقال الذمى كذا، قال: فخل سبيله، ثم أخرج عمر ثمنه الذي قال، فأعطاه إياه ثم أباحه للمسلمين ([12]).
وتضمن كتابه t لأهل عانات عدم التعرض لهم في ممارسة شعائرهم وإظهارها: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم".([13])
ما هذه العظمة، و ما هذا التسامح ؟ إنها عظمة و تسامح الإسلام؛ فعمر بن الخطاب يطبق قول النبي r " فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين "؛ لأنهم إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا ([14]).
و يروى أن عمر بن الخطاب عندما ذهب ليعقد معاهدة السلام و الأمن مع القائمين على إيليا، رأى رضي الله عنه – هيكلاً لليهود قد ستره التراب و لم يبق منه إلا أعلاه، فجاء بفضل ثوبه، و أخذ بعض التراب المتراكم فيه، فاقتدى به جيش المسلمين، فزال كل ما ستر الهيكل من تراب، و بدا واضحاً ليقيم اليهود عنده شعائرهم الدينية ([15]).
ونجده tوقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهاً عنها، فيسأل عمراً عن ذلك فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض، مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت، ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عمر لم يرض ذلك، وأمر عمراً أن يهدم البناء الجديد من المسجد ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت!([16])
وحين فتح خالد بن الوليد دمشق -في عهد عمر بن الخطاب -كتب لأهلها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله e والخلفاء والمؤمنين".([17])
ولما فتح خالد بن الوليد t الشام صالح الروم جاء في هذا الصلح: على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة, وعلى أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلوات, وعلى أن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم ([18]) .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار".([19])
و في مصر أعطى عمرو بن العاص أهلها الأمان على كنائسهم و صلبهم. و يذكر حنا النيقى أن المسلمين في مصر وافقوا على ألا يحتلوا أية كنيسة، و على ألا يتدخلوا في شئون الأقباط بأية صورة من الصور، و يذكر أن عمرو بن العاص لم يمد يده إلى شيء من أملاك الكنائس، و لم يأت بعمل من أعمال النهب و التدمير، بل حافظ على الكنائس إلى آخر أيامه ([20]).
و بلغ من تسامح المسلمين، أن بُنيت الكنائس في مصر بعد دخول المسلمين و صارت بلداً إسلامياً، ففى القرن الأول الهجرى بنيت كنيسة " مار مرقص " بالإسكندرية سنة 39هـ، كما بنيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم في ولاية مسلمة بن مخلد على مصرين عامى 47هـ - 68هـ، و قد سمح والى مصر - عبد العزيز بن مروان - حين أنشأ مدينة حلوان ببناء كنيسة الفراشين و سمح لبعض الأساقفة ببناء ديرين ([21]). كما سمح لكاتبه أثناسيوس ببناء كنيسة في قصر الشمع، فلم يكتف أثناسيوس بواحدة بل شيد اثنتين هما كنيسة مارجرجس و كنيسة أبى قير داخل قصر الشمع و أقام ثالثة بالرها ([22]).
إن غير المسلمين يقرون على دينهم ويكونون من دينهم على ما كانوا عليه، لا يمنعون من شيءٍ منه. وقال الفقهاء المسلمون بتأمين المسلمين لحقوق رعاياهم في العبادة، فقرروا أنه " يحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعاً من عمل في إجازة، لحديث النسائي: (وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت) ([23]).
ومن مظاهر التسامح الديني في حضارتنا الاشتراك بالأعياد الدينية بمباهجها وزينتها. فمنذ العهد الأموي كانت للنصارى احتفالاتهم العامة في الشوارع تتقدمها الصُلبان ورجال الدين بألبستهم الكهنوتية. وقد دخل البطريرك ميخائيل مدينة الإسكندرية في احتفال رائع وبين يديه الشموع والصُلبان والأناجيل، والكهنة يصيحون: قد أرسل الرب إلينا الراعي المأمون الذي هو مرقس الجديد. وكان ذلك في عهد هشام بن عبد الملك.
وجرت العادة أيام الرشيد بأن يخرج النصارى في موكب كبير وبين أيديهم الصليب وكان ذلك في يوم عيد الفصـح.
ومن الغريب أن مثل هذه المظاهر من الود ظلت حتى في الحروب الصليبية حيث كان الغرب يشن أقسى الحملات التاريخية على بلاد الإسلام باسم الصليب([24]).
لقد كان لمبدأ الحريَّة الذي قرّره القرآن في أكثر من موضع, ونصَّ عليه دستور الجماعة الإسلامية نصًّا صريحًا, وجرى عليه نبينا محمَّد e في تسيير أمور المدينة, كان لهذا المبدأ الأثر الأكبر في انتشار الإسلام فيما بعد, لأنَّ الإسلام ظهر في عصر اضطهادات دينيَّة, وأنَّه لمَّا جاء العرب ودخلوا البلاد تحت راية الإسلام, لم يفعلوا أكثر من عرض الإسلام على النَّاس, وتبصيرهم بفضائله, ثمَّ تركوهم بعد ذلك أحرارًا في اعتناقه إذا شاءوا, كان هذا مثار عجبٍ ودهشة كثير من أصحاب الديانات الأخرى, فتاقت نفوسهم إلى معرفة الإسلام, وانجذبوا إليه. ([25])
شهادات المنصفين
لا شك أن حسن الطباع, وروح التسامُح, ونبل الأخلاق, التي تحلَّى بها المسلمون في ريادتهم للحضارة الدينية, كانت العون الأكبر على سمو الحضارة الإسلاميَّة في كل البلاد, التي فتحها المسلمون, وعاش الناس حياتهم, سعادةً وهناءً. يذكر ذلك اليكسي جورافسكي الروسي في كتابه: الإسلام والمسيحيَّة فيقول: «إنَّ ظهور الدين الإسلامي وترسُّخه السريع والقوي في أراضٍ آسيوية وإفريقية واسعة, في أثناء مسيرة الفتوحات العسكرية الدينية للعرب, حدَّد بصورة حاسمة مصائر المسيحية الشرقية التي قابلت الدين الجديد (الإسلام) دون مقاومة بل وبالترحاب في كثيرٍ من المناطق».([26])
وأضاف الممي نقلاً عن جورافسكي أنَّ مردَّ ذلك الموقف إلى عدة عوامل, ذكر منها: تسامُح الإسلام إزاء القضايا المتعلِّقة بإقامة طقوس العبادة المسيحية, وبسبب حماية المسلمين للمسيحيين من تعديات وملاحقات إمبراطورية بيزنطة غير المتسامحة مطلقًا.([27])
وقد عزا المستشرق غوستاف لوبون سرعة انتشار الإسلام بين الشعوب الأخرى إلى هذه المعاملة الحسنة من قبل المسلمين لغيرهم فقال: «وساعد وضوح الإسلام البالغُ, وما أمر به من العدل والإحسان, كلَّ المساعدة على انتشاره في العالم, ونفسِّر بهذه المزايا سبب اعتناق كثير من الشعوب النصرانية للإسلام, كالمصريين الذين كانوا نصارى أيَّام حكم قياصرة القسطنطينية, فأصبحوا مسلمين حين عرفوا أصول الإسلام. كما نفسِّر السبب في عدم تنصُّر أية أمَّة بعد أن رضيت بالإسلام دينًا, سواء كانت هذه الأمة غالبة أم مغلوبة».([28])
ويُضيف غوستاف لوبون أيضًا قوله: «وسيرى القارئ, حين نبحث في فتوح العرب وأسباب انتصاراتهم, أنَّ القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن, فقد ترك العربُ المغلوبين أحرارًا في أديانهم, فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانيةِ الإسلامَ, واتخذوا العربية لغة لهم, فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين ما لم يروا مثله من سادتهم السابقين, ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل».([29])

و يسجّل هذه الشهادة بقوله: «رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أنَّ مسامحة محمَّد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله, كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته. وقد اعترف بذلك التسامُح بعض علماء أوروبة المرتابون أو المؤمنون القليلون, الذين أنعموا النظر في تاريخ العرب»([30]).
ويضيف لوبون قوله: «لم تقلَّ براعة الخلفاء الأوَّلين السياسية عن براعتهم الحربية التي اكتسبوها على عَجَلٍ, وذلك أنَّهم اتَّصلوا منذ الوقائع الأولى بسكَّان البلاد المجاورة الأصليين الذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة, والذين كانوا مستعدِّين لأن يستقبلوا بترحابٍ وحُبُور أي فاتح يُخفِّف وطأة الحياة عنهم, وكانت الطريق التي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة, فعرفوا كيف يُحجمون عن حمل أحدٍ بالقوَّة على ترك دينه, وعرفوا كيف يبتعدون عن إعمال السيف فيمن لم يُسلم, وأعلنوا في كلّ مكان أنّهم يحترمون عقائد الشعوب وعُرفها وعاداتها, مكتفين بأخذهم, في مقابل حمايتها, جزيةً زهيدةً تقلُّ عما كانت تدفعه إلى ساداتها السابقين من الضرائب».([31])
كما أضاف غوستاف لوبون قوله: " وكان العدلُ بين الرعية دستور العرب السياسيّ, وترك العربُ الناسَ أحرارًا في أمور دينهم, وأظلَّ العربُ أساقفةَ الروم ومطرانَه اللاتين بحمايتهم, فنال هؤلاء ما لم يعرفوه سابقًا من الدعة والطمأنينة". و يقول روبرتسون في كتابه: تاريخ شارلكن: " إنَّ المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامُح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنَّهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسّك بتعاليمهم الدينية". و يقول ميشود في كتابه: تاريخ الحروب الصليبيَّة: "إنَّ القرآن الذي أمر بالجهاد مُتسامح نحو أتباع الأديان الأخرى, وقد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب, وحرَّم محمَّد قتل الرهبان لعكوفهم على العبادات, ولم يمسّ عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس " ([32]) .
ويؤكّدُ ذلك المستشرق الإنجليزي توماس آرنولد في كتابه: الدعوة إلى الإسلام إذ يقول: «ولكننا لم نسمع عن أية محاولة مدبَّرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام, أو عن أي اضطهاد منظَّم قُصِد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطَّتين لاكتسحوا المسيحيَّة بتلك السهولة التي أقصى به فرديناند Ferdinand وإيزابلا Isabella دين الإسلام من إسبانيا. أو التي جعل بها لويــــس الرابع عشر Louis XIV المذهـــــب البروتستنتي مذهبًا يُعاقَب عليه متّبعوه في فرنسا, أو بتلك السهولة التي ظلَّ بها اليهود مُبعَدين في إنجلترا مدة خمسين وثلثمائة سنة. وكانت الكنائس الشرقية في آسيا قد انعزلت انعزالاً تامًّا عن سائر العالم المسيحي, الذي لم يوجد في جميع أنحائه أحدٌ يقف في جانبهم باعتبارهم طوائفَ خارجين عن الدين. ولهذا فإنَّ مجرَّد بقاء هذه الكنائس حتَّى الآن ليحمل في طيَّاته الدليل القوى على ما قامت به سياسة الحكومات الإسلاميَّة بوجه عام من تسامُح نحوهم».([33])
وعن الجزية يقول توماس آرنولد: " وهناك شواهد كثيرة تبيَّن أن المسيحيين قلَّما كانوا في عهد الفتوح الإسلاميَّة الأولى يشكون ممَّا يضعف من قوَّة دينهم, والواقع أنَّ تمسُّكهم بدينهم القديم هو الذي عرَّضهم لدفع الجزية... لكنَّ هذه الجزية من البساطة بحيث لم تكن تثقل كاهلهم, وذلك إذا لاحظنا أنها أعفتهم من الخدمة العسكرية الإجبارية التي كانت مفروضة على إخوانهم من الرعايا المسلمين". ([34])
ويضيف توماس آرنولد في موضع آخر, عن الدولة العثمانية قوله: «وكان يكون من الغريب حقًّا, لو أنَّ الغيرة التي دفعت العثمانيين في ذلك الحين إلى هداية الناس واستمالهم للإسلام لم تحملهم قطّ على مجاوزة حدود التسامُح الذي رسمته قوانينهم الخاصّة بهم. ومع ذلك فقد قال الذين وقعوا في الأسر بينهم اثنين وعشرين عامًا: (إنَّ الأتراك لم يرغموا أحدًا على ترك دينه)».([35])
ويسجل المؤرِّخ الأمريكي لوثروب ستودارد شهادته في ذلك بقوله: «وكان الخليفة عمر يرعى حرمة الأماكن المقدسة النصرانية أيما رعاية, وقد سار خلفاؤه من بعده على آثاره, فلا ضيِّقوا على النصارى, ولا نالوا بمساءة طوائف الحجاج [النصارى] الوافدين كلّ عام إلى بيت المقدس من كلِّ فجٍّ من أفجاج العالم النصراني».([36])
وهذه شهادة المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها: شمس العرب تسطع على الغرب, حول حرِّية المُعتقد, فتقول: «(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) هذا ما أمر به القرآن الكريم, وبناءً على ذلك فإنَّ العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام. فالمسيحيُّون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة التعصُّب الديني وأفضعها, سُمح لهم جميعًا دون أيِّ عائق يمنعهم, بممارسة شعائر دينهم. وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسُّوهم بأدنى أذى».([37])
وتواصل هونكه شهادتها بقولها: «أوليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ, وبعد فضائع الإسبان واضطهادات اليهود؟
إنَّ السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجّوا بأنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية. فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: (إنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتَّة, وهم لا يستخدمون معنا أي عنف)». ([38])
وهذه شهادة المؤرِّخ ول ديورانت في قصة الحضارة يقول: «لقد كان أهل الذمَّة المسيحيون, والزردشتيون, واليهود, والصابئون, يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامُح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحيَّة في هذه الأيَّام, فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم, واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم... وكانوا يتمتَّعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم»([39]).
و يضيف ول ديورانت واصفاً هذه الحقيقة التاريخية الناصعة حيث يقول: «وعلى الرغم من خطَّة التسامُح الديني الذي كان ينتهجها المسلمون الأولون, أو بسبب هذه الخطة, اعتنق الدين الجديد معظم المسيحيين, وجميع الزردشتيين, والوثنيين إلا عددًا قليلاً جدًا منهم, وكثيرون من اليهود في آسيا, ومصر وشمالي أفريقية.
ثم انتهى الأمر باتِّباعهم شريعة القرآن, واعتناق الإسلام. وحيث عجزت الهلينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام, وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها, وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحيَّة خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي, في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلاميَّة, وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له, واستمسكوا بأصوله إخلاصًا واستمساكًا أنساهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى, واستحوذ الدين الإسلاميّ على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدَّة من الصين, وأندونيسيا, والهند, إلى فارس, والشام, وجزيرة العرب, ومصر وإلى مراكش, والأندلس; وتملك خيالهم, وسيطر على أخلاقهم, وصاغ حياتهم, وبعث فيهم آمالا تخفِّف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها, وأوحى إليهم العزَّة والأنفة... يوحِّد هذا الدين بينهم, وألَّف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية».([40])
وهذه شهادة البطريرك عيشويابه الذي تولَّى كرسي البطريركية من سنة 647ــ 657هـ يقول: " إنَّ العرب الذين مكّنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون؛ إنهم ليسوا بأعداء للنصرانيّة, بل يمتدحون ملْتنا, ويوقِّرون قسِّيسينا وقدِّيسينا, ويمدُّون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا" ([41]).
وهذه شهادة المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري في كتابها: دفاع عن الإسلام شهادتها في ذلك بقولها: «كان المسلمون لا يكادون يعقدون الاتفاقات مع الشعوب حتَّى يتركوا لها حرِّية المعتقد, وحتَّى يحجموا عن إكراه أحد من أبنائها على الدخول في الدين الجديد, والجيوش الإسلاميَّة ما كانت تُتبَعُ بحشد من المبشرين الملحاحين غير المرغوب فيهم, وما كانت تضع المبشِّرين في مراكز محاطة بضروب الامتياز؛ لكي ينشروا عقيدتهم, أو يدافعوا عنها.
ليس هذا فحسب, بل لقد فرض المسلمون في فترة من الفترات على كلّ راغب في الدخول في الإسلام أن يسلك مسلكًا لا يساعد من غير ريب على تيسير انتشار الإسلام؛ ذلك أنهم طلبوا إلى الراغبين في اعتناق الدين الجديد أن يمثلوا أمام القاضي, ويعلنوا أنَّ إسلامهم لم يكن نتيجة لأي ضغط, وأنهم لا يهدفون من وراء ذلك إلى كسب دنيوي». ([42])
وحول التسامح, وأغراض الجزيَّة تسجِّل المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري شهادتها في كتابها: دفاع عن الإسلام بقولها: «مُنحت تلك الشعوب حرِّية الاحتفاظ بأديانها القديمة وتقاليدها القديمة, شرط أن يدفع الذين لا يرضون الإسلام دينًا ضريبةً عادلة إلى الحكومة, تُعرف ب (الجزية), لقد كانت هذه الضريبة أخفَّ من الضرائب التي كان المسلمون مُلزمين بدفعها إلى حكوماتهم نفسها, ومقابل ذلك مُنح أولئك الرعايا المعروفون ب (أهل الذمَّة) حمايةً لا تختلف في شيء عن تلك التي تمتعت بها الجماعة الإسلاميَّة نفسها, ولمَّا كانت أعمال الرسول r والخلفاء الراشدين قد أصبحت فيما بعد قانونًا يتَّبعه المسلمون, فليس من الغلو أن نُصِرَّ على أنَّ الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامُح الديني, بل تجاوز ذلك ليجعل التسامُح جزءًا من شريعته الدينية».([43])
وفي هذا يقول ريتشارد ستيبز عن الأتراك: إنهم «سمحوا للنصارى جميعًا: الإغريق منهم واللاتين, أن يعيشوا محافظين على دينهم,وأن يصرّفوا ضمائرهم كيف شاؤوا, بأن منحوهم كنائسهم؛ لأداء شعائرهم المقدّسة في القسطنينيّة, وفي أماكن أخرى كثيرة جدًا, على حين أستطيع أن أؤكّد بحقّ ــ بدليل أثني عشر عامًا قضيتُها في إسبانيا ــ أنَّنا لا نُرغَمُ على مشاهدة حفلاتهم البابويّة فحسب, بل إنّنا في خطر على حياتنا وأحفادنا».([44])
ثمَّ يسجل إتيين دينيه شهادته بقوله: «المسلمون على عكس ما يعتقده الكثيرون, لم يستخدموا القوة قطّ خارج حدود الحجاز؛ لإكراه غيرهم على الإسلام, وأنَّ وجود المسيحيين في أسبانيا لدليلٌ واضحٌ على ذلك, فقد ظلّوا آمنين على دينهم طوال القرون الثمانية التي مَلَكَ المسلمون بلادهم, وكان لبعضهم مناصبُ رفيعةٌ في بلاط قرطبة, ثمَّ إذا بهؤلاء المسيحيين أنفسهم يصبحون أصحاب السلطان في هذه البلاد, فكان أول همٍّ لهم أن يقضوا قضاءً تامًا على المسلمين».([45])
وينقل شكيب أرسلان جملة للأب ميشون استشهد بها المنصفون كثيرًا في كتاباتهم عن الإسلام وهي: «إنَّ من المحزن للأمم المسيحية أن يكون التسامح الديني الذي هو أعظم ناموس للمحبَّة بين شعب وشعب هو ممَّا يجب أن يتعلَّمه المسيحيون من المسلمين».([46])
ثمَّ ينقل أرسلان عن المستشرق برون قوله: «إنَّ من أحسن فضائل المسلم أنَّه متسامحٌ مع من يخالفه في الدين تسامحًا عمليًا»([47]).
ومن ذلك ما سجله رينو وهو يتحدث عن غزوات المسلمين في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط, حيث قال: «إنَّ المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى, كما أنَّ النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير».([48])
ــ وهذاالمستشرق الإنجليزي روم لاندو يسجّل شهادته في كتابه: الإسلام والعرب حينما قال: «على نقيض الإمبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض المسيحيَّة على جميع رعاياها فرضًا, اعترف العرب بالأقليات الدينية, وقبلوا بوجودها. كان النصارى واليهود والزرادشتّيون يُعرفون عندهم ب (أهل الذمَّة), أو الشعوب المتمتِّعة بالحماية. لقد ضُمنت حريَّة العبادة لهم من طريق الجزية... التي أمست تُدفع بدلاً من الخدمة العسكرية. وكانت هذه الضريبة مضافًا إليها الخراج, أقل في مجموعها من الضرائب التي كانت مفروضة في ظل الحكم البيزنطي. كانت كلُّ فرقة من الفرق التي تُعامل كملَّة, أي كطائفة نصف مستقلَّة استقلالاً ذاتيًا ضمن الدولة. وكانت كلَّ ملَّة تخضع لرئيسها الديني».([49])
أما اللورد كرومر, العميد البريطاني في مصر زمن الاحتلال البريطاني في التاريخ المعاصر الذي عاش فيها أربعًا وعشرين سنة, فيسجّل شهادته, حينما أعلن فرقًا وحيدًا بين المسلم والذمّيّ في مصر, في هذه العبارة: «الفرق الوحيد بين القبطي والمسلم هو أنَّ الأول مصريّ يعبد الله في كنيسة مسيحية, في حين أنَّ الثاني مصريّ يعبد الله في مسجد مسلم».([50])
وهكذا ترد مثل هذه الشهادات, وغيرها كثير, ممَّا تفيض به الكتابات الموضوعيـــــة المنصفة حول مثالية تعامُل المسلمين مع غيرهم. وقد أفاضت تلك الكتابات إلى تسجيل حقائق مهمّة حول واقعيَّة التعامُل مع ذلك الآخر بأنماط ذلك التعامُل, وما آتاه من ثمرات واضحة في إعجاب ذلك الآخر بروح الإسلام, وتقبُّل الانضواء تحت لوائه لدى كثيرٍ من أصحاب الديانات.
ألست ترى أن قول جوستاف لوبون " إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، و لا ديناً سمحاً مثل دينهم " هو إنصاف للحق قبل أن يكون إنصافاً للمسلمين ؟!([51])
هذا هو الإسلام، و هذه هي تعاليمه السمحة في تقرير الحرية الدينية، هذا هو التسامح الإسلامي و الإخاء الإنساني، و لم لا و قد جاء الإسلام من أجل إصلاح الفرد و المجتمع. فانظروا يا أولى الألباب إلى هذه العظمة، و هذا السمو، و هذا الرقى في تعاليم الإسلام الخالدة.

الفصل الثاني
التسامح الإسلامي و المساواة
المساواة في اللغة: مصدر قولهم: ساواه يساويه إذا عادله، قال الرّاغب: المساواة هي المعادلة المعتبرة بالذّرع والوزن والكيل، يقال: هذا الثّوب مساو لذاك الثّوب، وهذا الدّرهم مساو لذلك الدّرهم، (وهذا التّمر مساو لهذا التّمر)، وقد يعتبر بالكيفيّة، ولاعتبار المعادلة الّتي فيه (أي في لفظ السّواء) استعمل استعمال العدل، وتسوية الشّيء (بالشّيء) جعلهما سواء، إمّا بالرّفعة وإمّا بالضّعة، والسّويّ: يقال فيما يصان عن الإفراط والتّفريط من حيث القدر والكيفيّة. وقال ابن منظور: سواء الشّي ء مثله، وجمعه أسواء ([52]).

وقال الفيروز اباديّ: يقال: استوى الشّيئان، وتساويا (تماثلا) وساوى أحدهما صاحبه، وساوى بين الشّيئين، وسوّى بينهما، وساويت هذا بهذا وسوّيته به. وهما سيّان أي مثلان، ولا سيّما زيد أي لا مثيل زيد و«ما» زائدة وفلان وفلان سواء أي متساويان([53]).
فالمساواة في اللغة: المماثلة والمعادلة، يقال: ساواه مساواةً، ماثله وعادله قدراً، أو قيمةً ومنه قولهم: هذا يساوي درهماً أي تعادل قيمته درهماً. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ ([54]).
لفظ سواء في القرآن الكريم:
قال ابن الجوزيّ: ذكر أهل التّفسير أنّ «السّواء» في القرآن الكريم على خمسة أوجه ([55]):
(1) المعادلة والمماثلة، ومنه قوله تعالى: ]سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [ ([56]).
(2) العدل، ومنه قوله تعالى:] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ ([57]).
(3) الوسط، ومنه قوله عزّ من قائل: ]خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [ ([58]).
(4) الأمر البيّن ومنه قوله عزّ وجلّ: ]فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ [ ([59])
(5) القصد، ومنه قوله تعالى ]وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [ ([60]).
المساواة اصطلاحا: تعني المساواة- في المجال الأخلاقيّ- أن يكون للمرء مثل ما لأخيه من الحقوق وعليه مثل ما عليه من الواجبات دون زيادة أو نقصان. قال ابن مسكويه « وأقلّ ما تكون المساواة بين اثنين، ولكنّها تكون في معاملة مشتركة بينهما في شي ء ما أو أكثر». والمساواة قيمة لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع، وهي أشرف نسب العلاقات بين الأشياء، لأنّها هي المثل بالحقيقة، أي أنّها تجعل كلا طرفيها للآخر سواء بسواء ([61])
من صور المساواة في الإسلام:
للمساواة في الإسلام صور عديدة:
(1) المساواة بين الرّجل والمرأة في أداء الواجبات الشّرعيّة والإثابة عليها.
(2) المساواة بين الزّوجات في حقوق الزّوجيّة (في حالة التّعدّد).
(3) المساواة بين الأجناس والأعراق في التّمتّع بالحقوق المشروعة لكلّ منهم.
(4) المساواة بين الأبناء في الهبة والوصيّة ونحوهما
(5) المساواة بين الخصوم في مجالس القضاء وفي سماع الحجّة منهم والقصاص من المعتدي أيّا كانت منزلته.
(6) المساواة في حقّ الكرامة الإنسانيّة، فلا يؤذى أحد بسبب لونه أو جنسه أو مذهبه أو عقيدته.
(7) المساواة في حقّ إبداء الرّأي من المسلم وغير المسلم ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ ([62]).
(8) المساواة في حرمة الدّماء والأموال والأعراض.
(9) المساواة في إيقاع الجزاء بكلّ من ينتهك حدّا من حدود اللّه، فلا يعفى أحد من العقوبة لشرفه أو قرابته من الحاكم فتلك الّتي أهلكت الأمم السّابقة، أمّا في الإسلام فلا أدلّ على المساواة الكاملة في هذه النّاحية من قوله r: " لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطع محمّد يدها" ([63])
(10) المساواة في نيل الجزاء في الدّنيا والثّواب في الآخرة لكلّ من يعمل عملا صالحا.
(11) المساواة بين المسلمين في الحضور لأماكن العبادة كالمسجد الحرام وغيره([64]).
إن الإسلام يؤكد على التسوية بين جميع أفراد البشر مهما اختلفت طبقاتهم وأوضاعهم الاجْتِمَاعِيَّة والسِّيَاسِيَّة وانتماءاتهم العشائرية إذ لا فضل لرجل على رجل، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، يقـول تبارك و تعالــى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[([65]).
و عن أبى نضرة قال: حدثنى من سمع خطبة رسول الله r في وسط أيام التشريق فقال: " يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربى على أعجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى "([66]).
و عن ابن عمر أن رسول الله r خطب الناس يوم فتح مكة فقال: " يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان رجل بر تقى كريم على الله وفاجر شقى هين على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب ". قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[([67])([68]).
فالإسلام لا يرفع غنياً عن فقير ولا شريفاً عن زنيم لأن المال والشرف والنسب والجمال مثلاًُ أرزاق من عوارض الدنيا على البشر، فلا يقبل المنطق السليم التفضيل على أساسها خارج دائرة اختيار الإنسان، وإنما تحصل المفاضلة في دائرة اختياره من عمل ونيّة.
فالشَّرِيعَة الإسْلاميَّة تقرر التكافؤ بين الناس جميعاً في الحقوق والواجبات والمستويات، وهم كذلك كأسنان المشط الواحد لا تزيد سن عن سن ولا تنقص سن عن سن. فقد ورد أن رسول الله r عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قِدح يعدل به، فمر بسواد بن غزية([69]) حليف بني عدي بن النجار وهو مستنصل([70]) (خارج) من الصّف فطعن في بطنه بالقدح وقَالَ: « استو يا سواد » فقَالَ: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، قَالَ: فأقدني-اقتص لي من نفسك- فكشف رسول الله e عن بطنه وقَالَ لـه: «ما حملك على هذا يا سواد»، قَالَ: « يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بل أن يمسّ جلدي جلدك»([71]).
خرج النَّبِيّ r أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن عَبَّاس وعلي حتى جلس على المنبر ثم قَالَ: « أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليّ من أخذ مني حقاً إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس» ثـم نـزل فصلى الظهـر ثـم رجع إلى المنبر فعاد لمقَالَته الأولى([72]).
هذه هي المساواة التي أسسها الإسلام، و طبقها رسول الإسلام r، و الخلفاء الراشدون من بعده. و لبيان عظمة التسامح الإسلامي في المساواة ينبغى الحديث عن المساواة الإنسانية، و التي أقرت حقوقاً لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي.
المساواة في الكرامة الإنسانية
لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، وسخّر له ما في السموات وما في الأرض، وأرسل رسله وأنبياءه هداةً ومبشرين ومنذرين، يدلّون الناس إلى طريق الحقّ الذي يحقّق لهم السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة. فالوحي الإلهي تكريم للإنسان، لأنه يهدف إلى ما فيه الخير لهذا الإنسان، وهو تفضيل له على سائر المخلوقات، فكرامة ([73]) الإنسان من تكريم الخالق جل جلاله، وهي أصيلةٌ في الطبيعة البشرية، لا تُكتسب لتوافر عناصر أو لتضافر عوامل أو لتواتر أسباب. ولم يكرّم دينٌ من الأديان بني آدم كما كرّمهم الإسلام، على اختلاف أعراقهم وألوانهم . قال الرسول r "كلكم لآدم وآدم من تراب"، وقال r أيضاً "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى" ([74]).
ولقد جاء الإسلام ليؤكد أصالة الكرامة الإنسانية ([75])، وليرسّخ في الإنسان إحساسه بكرامته، وليقوي تمسكه بها، وصونه لها، وذوده عنها، لأنها جوهر إنسانيته، ولبُّ بشريته، وأسُّ ذاتيته. فلقد راعت المبادئ الإسلامية في الإنسان أنه أكرم الخلق أجمعين، وأنه يحمل الأمانة العظمى، وأنه مستخلف عن الله سبحانه وتعالى في الأرض، ليعمرها، وليقيم الموازين بالقسط، وليعبد الله وحده لا يشرك به أحداً، فكان الإسلام باعثاً للكرامة الإنسانية، وحافظاً لها، بما جاء به من مبادئ سامية تصون للإنسان حرمته، وترعى كرامته، وتنزله المنزلة التي أنزله الله إياها مكرماً مكفول الحقوق جميعاً([76]).
فالإنسان هو محور هذا الكون، فكل شيء مخلوق ليكون مسخراً لهذا الإنسان
يقول تعالى: ]وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[([77])، و يقول تعالى:] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [([78])، و يقول تعالى:] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [([79])، و يقول تعالى: ]اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ ([80]).
و يقول تبارك و تعالى:] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا [ ([81]) .
قال القرطبى في تفسير هذه الآية: "كرمنا" تضعيف كرم؛ أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من الأطعمة. وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير مركب. وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم. وروي عن ابن عباس؛ ذكره المهدوي والنحاس؛ وهو قول الكلبي ومقاتل؛ ذكره الماوردي. وقال الضحاك: كرمهم بالنطق والتمييز. عطاء: كرمهم بتعديل القامة وامتدادها. يمان: بحسن الصورة. محمد بن كعب: بأن جعل محمدا r منهم. وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقال محمد بن جرير الطبري: بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وقيل: بالكلام والخط. وقيل: بالفهم والتمييز. والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله ([82]).
و قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال: ]لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[([83])، أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه - وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه -وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية ([84]).
و قال الشيخ عبد الرحمن السعدى: " وهذا من كرمه عليهم وإحسانه، الذي لا يقادر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة " ([85])
ومن تكريم الإنسان في الإسلام إعطاء حق المساواة لكل فرد مع الآخرين، فلا يتفاضل أحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [ ([86]وبهذا الحق يتساوى الناس جميعا في تطبيق أحكام الشرع الحنيف، ويحصلون جميعا على فرص متكافئة في العمل والتعليم والعلاج ونحو ذلك، لا فرق بين غني وفقير وشريف ووضيع، وقوي وضعيف، وعربي وعجمي، وفي ظل مجتمع المساواة يسود الإنصاف وتعم العدالة وتنتشر الألفة، ويتلاشى الكبر، ولا أدل على ذلك من هذا التطبيق العملي المتمثل في فرائض الصلاة والصيام والحج حيث يقف المصلون والصائمون والحجاج جميعا أمام الله سواء ([87]).
إن المفهوم الإسلامي للكرامة الإنسانية يتسم بخاصيتي الشمول والعموم، فيكتسب بذلك عمقاً ورحابةً وامتداداً في الزمان والمكان. ولعل من دقائق المعاني التي ينبغي أن نفطن بها ونتنبه لها، أن آية التكريم من سورة الإسراء جاءت في صيغة العموم، فالآية تشير إلى تكريم الله لبني آدم، وليس لجماعة المؤمنين، أو لفئة دون غيرها من الناس، فالتكريم هنا، هو تكريم مطلق المعنى يشمل البشر كافة، وينسحب هذا المعنى إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ويمتد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فمن خلال المنظور الإسلامي، فإن الإنسان مكرم، بصرف النظر عن أصله وفصله، ودينه وعقيدته، ومركزه وقيمته في الهيئة الاجتماعية، إن الله خلقه مكرّماً، ولا يملك أحدٌ أن يجرده من كرامته التي أودعها في جبلَّته وجعلها من فطرته وطبيعته، يستوي في ذلك المسلم الذي يؤمن بالقرآن كتاب الله وبمحمد ابن عبد اللّه رسول اللّه ونبيه، وغير المسلم من أهل الأديان الأخرى، أو من لا دين له. فالكرامة البشرية حقٌّ مشاعٌ يتمتع به الجميع من دون استثناء. وتلك ذروة التكريم وقمة التشريف ([88]).
ولقد تعدّدت مستويات الخطاب الذي يوجّهه الله إلى عباده في القرآن; فمن المؤمنين، إلى أهل الكتاب، إلى معشر المسلمين، إلى بني آدم، وإلى الناس كافّة. ولكل مستوى من الخطاب الإلهي دلالته الموحية والمدى الذي يبلغه معناه، والله سبحانه وتعالى يخبر في هذه الآية بأنه كرم بني آدم كافة، بصيغة الإطلاق والعموم.
إن المفهوم الإسلامي للكرامة الإنسانية هو من العمق والشمول بحيث يرتقي إلى قمة عالية من العدل المطلق، ومن المساواة الكاملة، ومن الحق والإنصاف اللذين لا يشوبهما شائبة. وفي الوقت نفسه، فإن هذا المفهوم ينسجم تماماً مع طبيعة الرسالة الإسلامية الموجهة إلى البشرية قاطبة، ذلك أن الإسلام دين إنساني الدعوة عالمي الرسالة، وهو الرسالة الخاتمة من اللّه سبحانه وتعالى إلى الناس كافّة، إلى أن تقوم الساعة([89]).
لقد قامت مبادئ الإسلام وتعاليمه وقيمه كلُّها على احترام الكرامة الإنسانية وصونها وحفظها، وعلى تعميق الشعور الإنساني بهذه الكرامة. وما دامت الرسالة الإسلامية تتغيّا في المقام الأول، سعادة الإنسان وصلاحه، وتبتغي جلب المنفعة له ودرء المفسدة عنه، فإن هذه المقاصد الشريفة هي منتهى التكريم للإنسان، بكل الدلالات الأخلاقية والمعاني القانونية للتكريم.
والإسلام في إحاطته للكرامة الإنسانية بهذا السياج المانع من كل الآفات والأضرار التي يمكن أن تلحق بالكرامة الإنسانية، يتفوق على جميع القوانين الوضعية والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، بما لا مجال للمقارنة ([90]).
إن الكرامة الإنسانية ترتبط في المفهوم الإسلامي بالحرية وبالمسؤولية، فهي ليست كرامة بدون دلالة عملية تنعكس في سلوك الفرد ومعاملته لأعضاء الأسرة البشرية. ولعل من أعمق البحوث التي عرضت لهذا الجانب من الكرامة الإنسانية ما كتبه عباس محمود العقاد في كتابه "الإنسان في القرآن"، حيث يقول: "إن مكان الإنسان في القرآن الكريم، هو أشرف مكان له في ميزان العقيدة، وفي ميزان الفكر، وفي ميزان الخليقة التي توزن به طبائع الكائن بين عامة الكائنات، هو الكائن المكلف، وهو أصوب في التعريف من قول القائلين (الكائن الناطق) وأشرف في التقدير" ([91]).
إن لتكريم الإنسان في الإسلام قيمة عظمى تدفع المسلم للاعتزاز بكرامته وعدم التفريط فيها مما يجعله يرفض الظلم ويأبى الضيم فيعيش مرفوع الهامة قوي العزيمة رابط الجأش لا يخشى في الحق لومة لائم. كما أن قناعة المسلم بتكريم الله له ولغيره من البشر تجعله يحافظ على أرواح الناس ويبتعد عن إيذائهم أو إرهابهم لأنه مطالب بأن يكرم من كرمه الله ورسوله، ومن يكرمه ربه ينبغي ألا يهينه أحد ] وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [ ([92]). كما أن تكريم الإنسان يدفع المؤمن الحق إلى شكر المولى عز وجل على تلك النعم العظيمة التي حباه بها وفضله على كثير ممن خلق. فمن عرف إكرام الله له، لابد وأن يبتعد عن معاصيه، وإذا غلبه الشيطان فعصى، فعليه المبادرة بالتوبة([93]).
كما أن تكريم الإسلام - ومن ثم المسلمين -لأهل الذمة من المعاهدين والكتابيين وغيرهم يجعل هؤلاء يستشعرون عظمة الإسلام، ويوحد كلمة المجتمع فيصبح آمنا من الدسائس والمكائد التي يلجأ إليها من هضمت حقوقهم أو انتهكت حرماتهم، ويجعل من هؤلاء الذميين عناصر صالحة تعمل وتعطي دون خوف أو وجل.
هذه هى الكرامة ([94]) الإنسانية في ظلال الإسلام،كرامةٌ تمجده، وتعلي مرتبته فوق كل المخلوقات، كرامة مطلقة، لا تتقيد بجنس، أو مكانة اجتماعية، كرامةٌ لذاته لا لاعتقاده، و من حيث هو تكوين بشري، وقبل أن يصبح مسلماً، أو نصرانياً، أو يهودياً، أو بوذياً، وقبل أن يصبح أبيض أو أسود أو أصفر. يقول الشيخ محمد الغزالي: "إن قدر الإنسان في نظر الإسلام رفيع، والمكانة المنشودة له تجعله سيداً في الأرض وفي السماء، ذلك انه يحمل بين جنبيه نفخة من روح الله وقبساً من نوره الأقدس. وهذا النسب السماوي هو الذي رشح الإنسان ليكون خليفة عن الله في أرضه. وهو الذي جعل الملائكة، بل صنوف المخلوقات الأخرى، تعنو له وتعترف بتفوقه" ([95]).
و لأجل هذه الكرامة الإنسانية وضع الإسلام دستوراً للعلاقة بين المسلمين و غير المسلمين هى: ]لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [([96])، فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعًا، ولو كانوا كفارًا بدينه، ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته، ويضطهدوا أهله. بل إنه يبيح مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم،كما أباح مصاهرتهم والتزوج من نسائهم المحصنات العفيفات، و البر كما يقول للفقيه الأصولي شهاب الدين القرافي: " الرفق بضعيفهم، وسدُّ خلَّة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذّلة, واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا منَّا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يُجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرَّض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم... "([97]).
ويقول تعالى: ]الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[([98]).فقد أعلن الإسلام وحدة الأصل الإنساني،فقال الله تعالى:] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [([99]).
فالمجتمع الإسلامي مجتمع يقوم على عقيدة وفكرة "أيديولوجية" خاصة، منها تنبثق نظمه وأحكامه وآدابه وأخلاقه. هذه العقيدة أو الفكرة "الأيديولوجية" هي الإسلام، وهذا هو معنى تسميته "المجتمع الإسلامي" فهو مجتمع اتخذ الإسلام منهاجًا لحياته ودستورًا لحكمه، ومصدرًا لتشريعه وتوجيهه في كل شئون الحياة وعلاقاتها، فردية واجتماعية، مادية ومعنوية، محلية ودولية.ولكن ليس معنى هذا أن المجتمع المسلم يحكم بالفناء على جميع العناصر التي تعيش في داخله وهي تدين بدين آخر غير الإسلام. كلا.. إنه يقيم العلاقة بين أبنائه المسلمين وبين مواطنيهم من غير المسلمين على أسس وطيدة من التسامح والعدالة والبر والرحمة، وهي أسس لم تعرفها البشرية قبل الإسلام، وقد عاشت قرونًا بعد الإسلام، وهي تقاسي الويل من فقدانها، ولا تزال إلى اليوم، تتطلع إلى تحقيقها في المجتمعات الحديثة، فلا تكاد تصل إليها في مجتمع ما، وفي وقت ما، إلا غلب عليها الهوى والعصبية، وضيق الأفق والأنانية، وجرتها إلى صراع دام مع المخالفين في الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون ([100])
و قد بلغ التسامح و الإخاء الإنساني مداه، حين منح الإسلام غير المسلمين مجموعة من الحقوق، والتى تكفل لهم الكرامة الإنسانية و هذه الحقوق هى: الحق في الحماية، الحق في الحياة، و المساواة في العمل و الاكتساب، الضمان الاجتماعي, و غيرها من الحقوق في التفصيل التالي.
الحق في الحماية
إن أول هذه الحقوق هو حق تمتعهم بحماية الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. وهذه الحماية تشمل حمايتهم من كل عدوان خارجي، ومن كل ظلم داخلي، حتى ينعموا بالأمان والاستقرار.
(أ) الحماية من الاعتداء الخارجي
أما الحماية من الاعتداء الخارجي، فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى الإمام أو ولي الأمر في المسلمين، بما له من سُلطة شرعية، وما لديه من قوة عسكرية، أن يوفر لهم هذه الحماية، قال في "مطالب أولي النهى" ـ من كتب الحنابلة ـ: "يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع مَن يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع مَن قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد". وعلل ذلك بأنهم: "جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عقدهم، فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين"
وينقل الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" قول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع": "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسولهr، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". وحكى في ذلك إجماع الأمة. وعلق على ذلك القرافي بقوله: "فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال -صوناً لمقتضاه عن الضياع- إنه لعظيم".
ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية، حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم "قطلوشاه" في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له ([101]).
ومنالمواقفالتطبيقيةلهذاالمبدأالإسلامي، ما كتبه خالد بن الوليدtفي خلافة أبي بكر الصديق t في السنة الثانية عشرة للهجرة لبعض أهالي المدن المجاورة للحيرة في العراق، وكانوا من النصارى, إذ جاء فيه: «... فلك الذمَّة والمنعة؛ فإن منعناكم فلنا الجزية؛ وإلا فلا حتَّى نمنعكم... »([102]).
ويمكن الاستشهاد بتطبيق المسلمين الصريح لهذا لمبدأ من تلك الحادثة التي وقعت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب t ذلك أنه لما حشد الإمبراطور هرقل جيشًا ضخمًا لصد قوات المسلمين في بلاد الشام, فلما علم بذلك أبو عبيدة بن الجرّاح t قائد المسلمين كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم برد ما جُبي من أهل الذمَّة من الجزية والخراج في هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول لهم: «إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جُمع لنا من الجموع، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم, وإنّا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم», فلمّا قالوا ذلك لهم, وردّوا عليهم الأموال التي جبوها منهم, قالوا: «ردَّكم الله علينا، ونصركم عليهم (أي على الروم), فلو كانوا هم، لم يردُّوا علينا شيئًا، وأخذوا كل شيء بقي لنا حتَّى لا يدعوا لنا شيئًا». والتقى المسلمون والمشركون فاقتتلوا قتالاً شديدًا, وقُتل من الفريقين خلق كثيرٌ؛ ثمّ نصر الله المسلمين على المشركين, ومنح أكتافهم وهزمهم وقتلهم المسلمون قتلاً لم ير المشركون مثله؛ فلمّا رأى أهل المدن التي لم يصالح عليها أبو عبيدة ما لقي أصحابهم من المشركين من القتل بعثوا إلى أبي عبيدة فأعطاهم الصلح على مثل ما أعطى الأولين... وأقبل أبوعبيدة راجعًا. فكلما مرّ بمدينة ما لم يكن صالحه أهلها بعث رؤساؤها يطلبون الصلح, فأجابهم إليه وأعطاهم مثل ما أعطى الأولين ([103]).
(ب) الحماية من الظلم الداخلي ([104])
وأما الحماية من الظلم الداخلي، فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان، فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم، بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا، أو يؤخر لهم العقاب مضاعفاً في الآخرة.
وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وتقبيحه، وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة. يقول الرسولr: " من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة" ([105]). ويروي نافع عن ابن عمر قال: «كان آخر ما تكلَّم به النبي e أن قال: «احفظوني في ذمتي».([106])
وقد تنبَّه الخلفــــاء المسلمون لهذه التوجيهات وأكَّدوا عليها في توصياتهم لولاتهم حرصًا على تطبيق شرع الله تعالى, فيما يخص أهل الذمَّة بديار الإسلام, فاشتدَّت عنايتهم بدفع الظلم عن أهل الذمَّة، وكفّ الأذى عنهم، والتحقيق في كل شكوى تأتي من قِبَلِهم. حيث كان الخليفـــة عمر بن الخطاب t يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهـــــل الذمَّة، خشــــية أن يكــــون أحدٌ من المسلمين قـــــد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: «ما نعلم إلا وفاءً»,([107]) أي بمقتضى العهد والعقد الذي بينهم وبين المسلمين، وهذا يقتضي أن كلاً من الطرفين وفَّى بما عليـــه.([108])
وأصيب عُمر t بضربة رجل من أهل الذمَّة ـ أبي لؤلؤة المجوسي ـ فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفةَ من بعده, وهو على فراش الموت, فيقول: «وأوصيه بذمَّة الله وذمَّة رسول الله e أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم, ولا يكلَّفوا إلا طاقتهم»([109]).
الحق في عصمة دمه و ماله و عرضه
إن من أهم واجبات المجتمع المسلم تجاه الآخر هو إقرار حقَّه في عصمة دمه، حيث حرص الإسلام على عصمة دماء غير المسلمين كحرصه على عصمة دماء المسلمين تماما.
يقول الله تعالى مؤكّدًا ذلك: ]وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ [ ([110])،]مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [([111])
وفي سنة النبي المصطفى e إبراز لهذا المعنى بما لا يحتمل التأويل. فقد ثبت في الحديث الشريف أنَّ النبي e قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا».([112])
و قد اهتم الصحابة بحماية أهل الذمَّة، والحفاظ على حقوقهم من الاعتداء عليها, أو النيل منها, بغير وجه حق، سواء أكان هذا الاعتداء من المسلمين أم من غيرهم، وتجلَّى ذلك في صورٍ عديدة. ولا أدلَّ على ذلك من القصَّة المشهورة التي رواها ابن الجوزي في كتابه: مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب عن أنس بن مالك t حين قال: «كنَّا عند عمر بن الخطاب ــ رضوان الله عليه ــ إذ جاء رجلٌ من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك قال: وما لك؟ قال أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت فرسي، فلمارآها الناس قام محمَّد بن عمرو فقال: فرسي ورب الكعبة. فلما دنا مني عرفته فقلت: فرسي ورب الكعبة، فقام إليَّ يضربني بالسوط ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين.
قال ــ يعني أنس t ــ: فوالله ما زاد عمر على أن قال: اجلس. ثمَّ كتب إلى عمرو إذا جاءك كتابي هذافأقبل وأقبل معك بابنك محمَّد. قال: فدعا عمروابنه، فقال: «أأحدثت حدثًا؟ أجنيت جناية؟» قال: لا. قال: فما بال عمر يكتب فيك؟ قال: فقدمعلى عمر.
قال أنس: فوالله إنَّا عند عمر حتى إذا نحن بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه فإذا هو خلف أبيه. فقال عمر: أين المصري؟ قال: ها أنا ذا. قال: دونك الدرَّة فاضرب ابن الأكرمين. قال: فضربه حتَّى أثخنه، ثمَّ قال: أجلها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضلسلطانه. فقال: يا أمير المؤمنين، قد ضربت من ضربني.قال: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه، حتَّى تكون أنت الذي تدعه. أيا عمرو متى استعبدتم النَّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ثمَّ التفت إلى المصري فقال: انصرف راشدًا، فإذا رابك ريب فاكتب إليَّ». ([113])
ومن الشواهد ما فعله أبَّان بن عثمان حين كان أميرًا على المدينة، وقتل رجل مسلم رجلاً من القبط، قتله غيلة، فقتله به، وأبَان معدود من فقهاء المدينة. وما رُوي أنَّ عليًّا أُتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمَّة، فقامت عليه البيِّنة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هدَّدوك وفرَّقوك وفزَّعوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علَيَّ أخي، وعوَّضوني فرضيتُ. قال: «أنت أعلم؛ من كانت له ذمِّتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا» ([114]).
وكما حمى الإسلام غير المسلمين من القتل، حمى أبدانهم من الضرب والتعذيب, فلا يجوز إلحاق الأذى بأجسامهم، حتَّى ولو تأخَّروا أو امتنعوا عن أداء الواجبات المالية المقرَّرة عليهم, كالجزية والخراج، هذا في حين أن الإسلام شدَّد كل التشديد مع المسلمين إذا منعوا الزكاة ([115]).
بل إنَّ الإسلام يعتبر أنَّ مجرَّد انتظار غير المسلم في الشمس تعذيبًا له، ويتضح هذا المعنى جليًا في القصَّة التي رواها أبو يوسف في: كتاب الخراج عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد أنَّه مرَّ على قومٍ قد أُقيموا في الشمس في بعض أرض الشام. فقال: «ما شأن هؤلاء؟» فقيل له: «أقيموا في الشمس». قال: فكره ذلك, ودخل على أميرهم, وقال: «إني سمعت رسول الله e يقول: «من عذَّب الناس عذَّبه الله».([116])
ثمَّ قال أبو يوسف: «وحدَّثنا بعض أشياخنا عن عروة عن هشام بن حكيم بن حزام أنه وجد عياض بن غنم قد أقام أهل الذمَّة في الشمس في الجزية فقال: يا عياض ما هذا؟ فإنَّ رسول الله e قال: «إنَّ الذين يعذّبون النّاس في الدنيا يُعذَّبون في الآخرة».([117])
وفي رواية ثالثة أنَّ عمر بن الخطّاب t هو من مرَّ وهو راجع في مسيره من الشام على قوم قد أُقيموا في الشمس, يُصبّ على رؤوسهم الزيت, فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا عليهم الجزية لم يؤدُّوها, فهم يُعذّبون حتَّى يؤدُّوها. فقال عمر: فما يقولون هم وما يعتذرون به في الجزية؟ فقالوا: يقولون: لا نجد. قال: فدعوهم, لا تكلّفوهم ما لا يطيقون, فإني سمعت رسول الله e يقول: «لا تعذّبوا الناس فإنَّ الذين يعذّبون النّاس في الدنيا يُعذَّبهم الله يوم القيامة», وأمر بهم فخُلّي سبيلهم.([118])
وفي الرفق بأهل الذمَّة ما رواه البيهقي أنَّ عليٌّا t كتب إلى بعض ولاته على الخراج: « لا تضربنَّ رجلاً سوطًا في جباية درهمٍ, ولا تبيعنَّ لهم رزقًا ولا كسوة شتاء ولا صيف, ولا دابة يعملون عليها, ولا تقم رجلاً قائمًا في طلب درهم. قال: قلت: يا أمير المؤمنين إذًا أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال: وإن رجعت كما ذهبت. ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو يعني الفضل».([119])
أمَّا حفظ الأموال, فإن الشريعة الإسلاميَّة بُنيت على مقاصد سامية، منها عصمة أموال الناس وتأمينهم في ممتلكاتهم، فحماية أموال الناس مقصد رئيسي من مقاصد الشريعة الإسلاميَّة. وقد اتفق المسلمون في جميع المذاهب، وفي جميع الأقطار، ومختلف العصور، على أنَّ غير المسلمين لهم حق الملكية الخاصة وأموالهم معصومة وهم في حماية المجتمع المسلم, بجميع مؤسساته..
والتاريخ الإسلاميّ من لدن النبي الأكرم سيدنا محمَّد e وحتَّى الخلافة العثمانية،خير شاهد على أنَّ الإسلام كفل حقَّ عصمة أموال غير المسلمين في المجتمعات الإسلاميَّة، فلقد جاء في معاهدة النبي لأهل نجران: «ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمَّة محمَّد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبِيَعهم، وصلواتهم »... إلى أن قال: «وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير» ([120]).
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي r ثلاثين ومائة فقال النبي r: ((هل مع أحد منكم طعام)). فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها. فقال النبي r: ((بيعاً أم عطية أو قال أم هبة؟)). قال: لا بل بيع فاشترى منه شاة فصنعت, وأمر النبي r بسواد البطن أن يشوى, وأيم الله ما في الثلاثين والمائة إلا قد حز النبي r له حزة من سواد بطنها إن كان شاهداً أعطاها إياه وإن كان غائباً خبأ له؛ فجعل منها قصعتين فأكلوا أجمعون وشبعنا ففضلت القصعتان فحملناه على البعير أو كما قال([121]). فالإسلام لم يحل مال الكافر إلا بطيب نفس منه.
وعن العرباض بن سارية السلمي قال: نزلنا مع النبي r خيبر ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً (المارد العاتي) منكرا؛ فأقبل إلى النبي r فقال: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فغضب يعني النبي r وقال: ((يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد ألا إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن, وأن اجتمعوا للصلاة)). قال: فاجتمعوا ثم صلى بهم النبي r ثم قام فقال: ((أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر, وإن الله تعالى لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن, ولا ضرب نسائهم, ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم)) ([122]).
وعن المقدام بن معد يكربعن رسول الله r أنه قال: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لايوشك رجل شبعان على أريكته (السرير) يقول عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه, وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع, ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها)) ([123]).. فإذا كان الله حرم لقطة المعاهد فمن باب أولى دمه وعرضه وماله.
وعن ابن أبي رواد: أن جيشاً مروا بزرع رجل من أهل الذمة فأرسلوا فيه دوابهم وحبس رجل منهم دابته, وجعل يتبع بها المرعى ويمنعها من الزرع؛ فجاء الذمي صاحب الزرع إلى الذي حبس دابته فقال: كفانيك الله - أو قال كفاني الله بك - فلولا أنت كفيت هؤلاء, ولكن إنما يدفع عن هؤلاء بك([124]). فالتعرض لأهل الذمة والعهد سبب لعقاب الله وسخطه.
وعن رجل من جهينة قال: قال رسول الله r: ((لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم؛ فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك؛ فإنه لا يصلح لكم)). قال: فصحبت الجهني إلى أرض الروم؛ فما رأيت رجلاً أتقى للأرض أن يصيب منها شيئاً منه([125]).
وعن خالد بن الوليد t قال: غزوت مع رسول الله r خيبر فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم فقال رسول الله r: ((ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها, وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير)) ([126]).
وفي عهد عمر كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ــ رضي الله عنهما ــ أن: «امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها». وقدمرَّبناقولعلي:t«إنمابذلواالجزيةلتكوندماؤهمكدمائنا،وأموالهمكأموالنا».وعلىهذااستقرعملالمسلمينطوالالعصور. فمَن سرق مال ذمي قُطعت يده، ومَن غصبه عُزِّر، وأعيد المال إلى صاحبه، ومَن استدان من ذمي فعليه أن يقضي دينه، فإن مَطَلَهُ وهو غني حبسه الحاكم حتَّى يؤدي ما عليه، شأنه في ذلك شأن المسلم ولا فرق.
وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحترم ما يعدُّونه ــ حسب دينهم ــ مالاً, وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين، فالخمر والخنزير لا يُعدَّان عند المسلمين مالاً مُتقَوَّمًا، ولا يجوز للمسلم أن يمتلك هذين الشيئين لا لنفسه ولا ليبيعهما للغير. أما الخمر والخنزير إذا ملكهما غير المسلم، فهما مالان عنده، بل من أنفس الأموال، كما قال فقهاء الحنفية، فمن أتلفهما على الذمي غُرِّمَ قيمتهما ([127]).
و عندما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قومٌ من أهل سمرقند, وشكوا إليه أنَّ القائد قتيبة بن مسلم الباهلي دخل مدينتهم على غدرٍ, وأنه أسكنها المسلمين, فكتب عمر إلى عامله على سمرقند يأمره أن ينصّب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا, فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا, فنصَّب لهم القاضي جميع بن حاضر الباجي, فحكم بإخراج المسلمين, إلا أنَّ أهل سمرقند تصالحوا معهم على البقاء. ([128]) وهي واقعة تؤكّد احترام الإسلام لمبادئ إعلان الحرب, وتوكيده على حفظ حقوق الآخرين.
وقد شكا أحد رهبان النصارى في مصر إلى الوالي أحمد بن طولون أحد قوَّاده، لأنه ظلمه وأخذ منه مبلغًا من المال بغير حق، فما كان من ابن طولون إلا أن أحضر هذا القائد وأنَّبه وعزَّره وأخذ منه المال، وردَّه إلى النصراني. وقال له: لو ادعيتَ عليه أضعاف هذا المبلغ لألزمته به، وفتح بابه لكل متظلم من أهل الذمة، ولو كان المشكو من كبار القوَّاد وموظفي الدولة.([129])
أمّا عن حقِّ ذلك الآخر في حفظ عرضه, فإنَّ المجتمع المسلم بجميع مؤسَّساته مطالب بحفظ حق غير المسلم في حماية عرضه، فالتعرُّض لغير المسلم بكلمة تؤذيه في نفسه, أو في أهله, أو في حسبه, أو في عمله, أو في خادمه, أو سائقه، يعدُّ انتهاكًا لعرضه، ولذلك فإنَّ الإسلام يحمى عِرض غير المسلم وكرامته، كما يحمي عِرض المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحدٍ أن يسبَّه، أو يغتابه، أو يسبَّ متعلَّقاته, من أهله وخادمه, حتَّى جماداته من منزله ودابته, أو يذكره بما يكره، في نفسه، أو نسبه، أو خَلْقِه، أو خُلُقه, أو غير ذلك ممَّا يتعلَّق به. ولم يهتمّ تشريع سماوي ولا أرضي بحفظ الأعراض كما اهتمَّ شرعنا الحنيف. يقول الفقيه الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي: «... فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عِرضِ أحدهم, أو نوع من أنواع الأذيَّة، أو أعان على ذلك, فقد ضيَّع ذمَّة الله، وذمَّة رسوله e وذمَّة دين الإسلام » ([130]).
ومن مفاخر النظام الإسلاميّ ما منحه من سُلطة واستقلال للقضاء، ففي رحاب القضاء الإسلاميّ الحق، يجد المظلوم والمغبون ــ أيًّا كان دينه وجنسه ــ الضمان والأمان، لينتصف من ظالمه، ويأخذ حقه من غاصبه، ولو كان هو أمير المؤمنين, بهيبته وسلطانه ([131]).
هذا هو الإسلام فهل هناك تسامح و إخاء مثل هذا ؟؟!!
المساواة في العمل و الاكتساب
لغير المسلمين حرِّية العمل والكسب، بالتعاقُد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرَّة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين.
فقد قرَّر الفقهاء أنَّ أهل الذمَّة, في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية, كالمسلمين، ولم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا، فإنه محرَّم عليهم كالمسلمين.
كما يمنع أهل الذمَّة من بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين، وفتح الحانات فيها لشرب الخمر, وتسهيل تداولها, أو إدخالها إلى أمصار المسلمين على وجه الشهرة والظهور، ولو كان ذلك لاستمتاعهم الخاصِّ، سدًّا لذريعة الفساد وإغلاقًا لباب الفتنة.
وفيما عدا هذه الأمور المحدودة، يتمتَّع الذمِّيون بتمام حريتهم، في مباشرة التجارات والصناعات والحِرَف المختلفة. وهذا ما جرى عليه الأمر، ونطق به تاريخ المسلمين في شَتَّى الأزمان.
وكادت بعض المهن تكون مقصورة عليهم, كالصيرفة والصيدلة وغيرها. واستمرَّ ذلك إلى وقت قريب في كثير من بلاد الإسلام. وقد جمعوا من وراء ذلك ثروات طائلة معفاة من الزكاة, ومن كل ضريبة, إلا الجزية، وهي ضريبة على الأشخاص القادرين على حمل السلاح، وهي مقدار جدُّ زهيد.([132])
قال آدم ميتز: «ولم يكن في التشريع الإسلاميّ ما يُغلق دون أهل الذمَّة أيَّ باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدرّ الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجَّارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إنَّ أهل الذمَّة نظَّموا أنفسهم، بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلاً يهودًا. على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى. وكان رئيس النصارى ببغداد طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده» ([133]).
ولم يقتصر ضمان حقِّ التكسُّب والعمل في المهن المختلفة لغير المسلمين في المجتمع المسلم على هذا الحدِّ، بل إنَّ غير المسلمين شغلوا كثيرًا من المناصب المهمَّة في الدولة الإسلاميَّة، ولم يكن هذا مخالفًا للمنهج الإسلاميّ, في تنظيره ولا في تطبيقه.
فقد كان لغير المسلمين الحقُّ في تولِّي وظائف الدولة كالمسلمين. إلا ما غلبت عليه الصبغة الدينية, كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات، ونحو ذلك.
فالإمامة أو الخلافة رئاسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي e,ولا يجوز أن يخلف النبيَّ في ذلك إلا مسلم، ولا يعقل أن ينفِّذ أحكام الإسلام ويرعاها إلا مسلم.
وقيادة الجيش ليست عملاً مدنيًا صرفًا، بل هي عمل من أعمال العبادة في الإسلام، إذ الجهاد في قمَّة العبادات الإسلامية.
والقضاء إنما هو حكم بالشريعة الإسلامية، ولا يطلب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به، ومثل ذلك الولاية على الصدقات, ونحوها من الوظائف الدينية . وما عدا ذلك من وظائف الدولة، يجوز إسناده إلى أهل الذمَّة إذا تحقَّقت فيهم الشروط التي لا بد منها من الكفاءة والأمانة والإخلاص للدولة ([134]) .
بل إنَّه بلغ التسامُح بالمسلمين أن صرَّح بعض فقهاء الأحكام السلطانية ــ مثل الماوردي في الأحكام السلطانية بجواز تقليد غير المسلم وزارة التنفيذ. ووزير التنفيذ هو الذي يبلغ أوامر الإمام ويقوم بتنفيذها ويمضي ما يصدر عنه من أحكام.
وقد كان سرجون كاتبًا لمعاوية بن أبي سفيان وهو نصراني. كما تولى الوزارة في الدولة العبَّاسيَّة بعض النصارى أكثر من مرَّة, منهم نصر بن هارون سنة (369هـ) ([135]).
وكان صاحب مصر العزيز بالله العُبيدي قد ولَّى عيسى بن نسطورس النصراني أمر مصر, كما استناب في بلاد الشام يهوديًا اسمه مُنشَّا ([136])
ويسجّل المقريزي شهادةً لوزير ملك المغرب الذي زار مصر في طريقه للحج سنة 700هـ (1301م) أيَّام سلطنة الناصر محمَّد بن قلاوون. ففي هذه الزيارة لم يستطع هذا الوزير أن يميّز بين المسلمين وأهل الذمَّة في مصر, بل إنَّه تعجّب من النعمة التي كان يرفّل بها أهل الذمَّة إذ كانوا يلبسون أفخر الملابس, ويركبون الخيل والبغال, ويتولَّون أرفع المناصب في مصر, فشقَّ عليه أمرهم, وما شاهدهم عليه,فكلَّم السلطان فيهم ([137]).
و يقول توماس آرنولد: «واختار عبدالملك عالمًا مسيحيًا من مدينة الرُّها يدعى أثناس Athansius، مؤدبًا لأخيه عبدالعزيزـ وقد رافق أثناس هذا تلميذه إلى مصر عندما عُيِّن واليًا عليها, وهناك جمع ثروة طائلة، قيل: إنه امتلك أربعة آلاف من العبيد، كما ملك كثيرًا من الدور والبساتين، وكان الذهب والفضة عنده (كأنها الحصى). وكان أولاده يأخذون من كل جندي دينارًا عندما يتسلَّم راتبه. ولما كان جيش مصر قد بلغ حينذاك (30000) جندي, فإنه من الممكن أن نكَوّن فكرة عن الثروة التي جمعها أثناس خلال الإحدى والعشرين سنة التي قضاها في هذه البلاد»([138]).
و يضيف توماس آرنولد قوله: " كذلك كان نصر بن هارون مسيحيًا, وكان كبير وزراء عضد الدولة البُويهي (949 ــ 982م) (337 ــ 371 هـ), الذي حكم العراق وجنوبي فارس. وقد ظلَّت دواوين الحكومة وخاصَّة ديوان الخراج فترة طويلة مكتظَّة بالمسيحيين والفرس. وظلَّت الحال في مصر على هذا النحو حتى زمنٍ متأخِّر جدًا, حيث كان السواد الأعظم من المسيحيين يحتكرون أمثال هذه المناصب احتكارًا يكون تامًا" ([139]).
ويؤكِّد حسين مؤنس في كتابه: عالم الإسلام أنَّ «من يقرأ النصوص التاريخيَّة طوال العصور الوسطى ليجد أنَّ المسيحيين كانوا يعيشون في إخاء تامِّ مع المسلمين, وكانت بين الجانبين مودَّة وتعاون تظهر بأجلى صورها في أواسط أهل العلم والطبّ. فلو أنَّنا تصفّحنا كتابًا مثل طبقات الأطباء لابن أبي أُصيبعة لرأينا كيف كان علماء المسلمين وأطباؤهم يتعاونون مع إخوانهم من علماء النصارى واليهود, ويأخذون عنهم ويقبلون شبَّانهم تلاميذ لهم, بل هم كانوا يتعاونون معًا في تأليف الكتب وفي الأبحاث في موضوعات الطبّ والأدوية خاصَّة. أما ما كان من الصداقة بين الشعراء وأهل الأدب المسلمين والمسيحيين, فأظهر من أن تقف عنده, ويكفي أن نقرأ كتابًا مثل شعراء النصرانية للأب لويس شيخو اليسوعي لنرى كيف نبع من بين نصارى البلاد العربيَّة والإسلاميَّة عددٌ ضخم من الشعراء لا تقلّ مراتب بعضهم عن مراتب أكبر شعرائنا الإسلاميين» ([140]).
وتشير سيّدة كاشف في كتابها: مصر الإسلامية وأهل الذمَّة إلى أنَّ الأقباط قد شغلوا مناصب بعض المباشرين في الخزينة المصرية. أي المشرفين عليها, وأنَّهم كانوا يُعرفون باسم المعلمين الأقباط, كما شغلوا مناصب المباشرين للأمراء, ولكبار الشخصيات في المجتمع المصري, ولمشايخ العربان. وبلغ بعض المعلمين الأقباط أو المباشرين شأنًا كبيرًا في مصر العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وأوائل القرن الثالث عشر الهجري, فتمتَّعوا بالثروة الطائلة, واقتنوا الجواريَ والعبيد ([141]).
وقد بلغ تسامُح المسلمين في هذا الأمر أحيانًا إلى حدِّ المبالغة والجور على حقوق المسلمين، ممَّا جعل المسلمين في بعض العصور، يشكون من تسلط اليهود والنصارى عليهم بغير حق([142]).
وهذه شهادة توماس آرنولد، حين قال::" وكثيرًا ما جمع الأطباء المسيحيون بوجه خاص ثروات ضخمة. ولقوا تكريمًا كبيرًا في بيوت العظماء, فجبريل الذي اتخذه الخليفة هارون الرشيد طبيبًا خاصًا، كان مسيحيًا نسطوريًا، بلغ إيراده السنوي 000,800 درهم من أملاكه الخاصة، فضلاً عن راتب قدره 000,280 درهم في السنة مقابل عنايته بمعالجة الخليفة؛ وكان الطبيب الثاني وهو نصراني أيضًا يتقاضى 000,22 درهم في السنة. وكان المسيحيون يجمعون أموالاً وفيرة من احترافهم الصناعة والتجارة. والواقع أن هذه الثروة هي التي طالما أثارت طمع الدهماء ـ الذي يقوم على الحسد ـ وهو شعور دفع المتعصِّبين من المسلمين إلى انتهاز هذه الفرصة، لاضطهادهم وإيقاع الظلم بهم ([143]).
وقد قال المـــؤرِّخ الغربي آدم ميتز: «من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال ــ الولاة وكبار الموظفين ــ والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلاميَّة، فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام والشكوى من تحكيم أهل الذمَّة في أبشار المسلمين شكوى قديمة» ([144]).
وينقل مصطفى السباعي عن درابر الأمريكي شهادته في ذلك بقوله: «إنَّ المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى النسطوريين ومن اليهود على مجرَّد الاحترام, بل فوَّضوا إليهم كثيرًا من الأعمال الجسام ورقّوهم إلى مناصب الدولة, حتَّى أنَّ هارون الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة حنَّا بن ماسويه, ولم يكن ينظر إلى البلد الذي عاش فيه العالم, ولا إلى الدين الذي ولد فيه, بل لم يكن ينظر إلا إلى مكانته في العلم والمعرفة». كما ينقل السباعي عن مارك سايس قوله في وصف الأمر زمن الرشيد: «وكان المسيحيّون والوثنيّون واليهود والمسلمون على السواء يعاملون في خدمة الحكومة» ([145]). ومن آخر ما سجَّله التاريخ من ذلك ما سارت عليه الدولة العثمانية في عهدها الأخير, بحيث أسندت كثيرًا من وظائفها المهمَّة والحسَّاسة إلى رعاياها من غير المسلمين، وأنَّها جعلت أكثر سفرائها ووكلائها في بلاد الأجانب من النصارى ([146])
الحق في التأمين عند العجز و الفقر و كبر السن
إنَّ احتياجات المرء تزيد, بالضرورة, عند عجزه وشيخوخته وفقره، ويكون الإنسان بصرف النظر عن عرفه ودينه في حاجة إلى رعاية وكفالة اجتماعية من مجتمعه الذي يعيش فيه، والإسلام يقوم بمسؤوليته تجاه رعيته ويضرب أروع الأمثلة في التكافل الاجتماعي.
فالإسلام قد ضمن لغير المسلمين, في ظلِّ دولته، كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونهم، لأنهم رعية للدولة المسلمة, وهي مسؤولة عن كل رعاياها، قال رسول الله e: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع، وهو مسؤول عن رعيته» ([147]).
وقد سجَّل التاريخ الإسلاميّ صورًا ناصعة في تأمين احتياجات غير المسلمين في المجتمع الإسلاميّ, من ذلك في عهد النبي e ما رواه أبوعبيد في كتاب الأموال عن سعيد بن المسيب: أنَّ رسول الله e تصدَّق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تُجْرَي عليهم. ويضيف أبو عبيد أنَّ صفيَة زوج النبي e تصدَّقت على ذوي قرابة لها, فهما يهوديان ([148]) .
وقد استمرَّ هذا النهج من قِبَل الخلفاء والولاة, فقد مرَّ عمر بن الخطاب t بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر, فضرب عضده من خلفه, وقال: من أي أهل الكتاب أنت? فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى? قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله, فرضخ له بشيء ممَّا في المنزل, ثم أرسل إلى خازن بيت المال. فقال: أنظر هذا وضرباءه, فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين). والفقراء هم المسلمون, وهذا من المساكين من أهل الكتاب, ووضع عنه الجزية وعن ضربائه». قال أبو بكر: «أنا شهدت ذلك من عمر ورأيت ذلك الشيخ» ([149]).
وعمر بن الخطاب نفسه t حينما مرّ وهو في الجابية من أرض دمشق على قومٍ من النصارى مجذومين, فرقّ قلبه لحالهم, وأمر بهم أن يعطوا من الصدقات, وأن يُجرى عليهم القوت ([150]).
وفي عقد الذمَّة الذي كتبه خالد بن الوليد t لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى جاء فيه: «وجعلت لهم: أيَّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر, وصار أهل دينه يتصدَّقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام, فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم» ([151]).
وكان هذا في عهد أبي بكر الصِّدِّيق t، وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى أبي بكر الصِّدِّيق ــ رضي الله عنهما ــ, ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يُعَد إجماعًا.
وهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز t يكتب إلى عدي بن أرطاة عامله على البصرة: «أما بعد، فإنَّ الله سبحانَه إنَّما أمر أن تؤخَذَ الجزيةُ ممّن رغِب عن الإسلام، واختار الكفر عِتيًّا وخُسرانًا مبينًا، فَضَعِ الجزيةَ على من أطاق حملَها، وخَلِّ بينهم وبين عمارة الأرض، فإنَّ في ذلك صَلاحًا لمعاش المسلمين، وقوة على عدوهم. وانظر من قِبلكَ من أهل الذمَّة، مَن قد كَبُرَتْ سنُّه وضعفت قوتُه، وولَّت عنه المكاسب، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه. فلو أنَّ رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبُرت سنُّه، وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يَقُوّته حتَّى يفرِّق بينهما موت أو عِتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مرَّ بشيخ من أهل الذمَّة، يسأل على أبواب الناس، فقال: «ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شَبابك، ثم ضيَّعْناك في كِبَرِك». ثم أجرى عليه من بيت المال ما يُصلحه» ([152]).
بهذاتقرَّرالضمانالاجتماعيفيالإسلام،باعتبارهمبدأًعامًايشملأبناءالمجتمعجميعًا، مسلمينوغير مسلمين،ولايجوزأنيبقى فيالمجتمعالمسلمإنسانٌمحرومٌمنالطعامأوالكسوةأوالمأوىأوالعلاج،فإنَّدفع الضَّررعنهواجبديني،مسلمًاكانأوذميًا ([153]).
وكان بعض أجلاَّء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى ولا يرون في ذلك حرجًا([154]). بل ذهب بعضهم ــ كعكرمة وابن سيرين والزهري ــ إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد: «أنه سُئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم... »([155]).
و يسجل التاريخ مشهداً للسلطان صلاح الدين الأيوبي في التكافُل الإنساني، حيث نمى إليه وهو في بيت المقدس أنَّ في المدينة شخصين إفرنجيين مسنَّين يتجاوز عمرهما المئة سنة, وكانا قد حضرا إلى القدس أيام غودفروا دي بويون, فأخذته الشفقة عليهما وقرَّر لهما معاشًا دائمًا, ليكفيهما مؤونة الحاجة طيلة ما بقي من حياتهما([156]).
مجادلتهم بالحسنى
و من أروع حقوق غير المسلمين، الحوار معهم و مجادلتهم بالحسنى؛ فالدعوة إلى الله تعالى على هدي النبي r ، ما هى إلا امتثال لأمر الله تعالى الذي أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هى أحسن، كما في قوله عز وجل:] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[ ([157]). ويقول سبحانه و تعالى:] فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ[ ([158])
وقال تعالى: ]وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [([159]). قال القرطبي: " وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر والسني والمبتدع مداهنة، أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ]فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[([160])، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله تعالى:]وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[([161]) فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى ".([162])
وقال الحسن: "لين القول من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله، وأحبه... قال عطاء بن أبي رباح: من لقيت من الناس فقل له حسناً من القول ".([163])
ويأمر الله عباده أن يقولوا التي هي أحسن: ]وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [([164]). قال القرطبي: " نزلت في عمر بن الخطاب، وذلك أن رجلاً من العرب شتمه وسبه، وهمّ بقتله، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله تعالى فيه وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [، و قال الحسن: "هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله، يرحمك الله.. وعلى هذا تكون الآية عامة في المؤمن والكافر، أي قل للجميع ".([165])
قال ابن كثير:"] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [ ([166])، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.. فأمر تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله:]فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[([167]).
فلقد جعل الإسلام حرية العقيدة ([168]) من أهم حقوق غير المسلمين، بل أنَّه نهى المسلمين أن ينالوا من الآلهة التي يعبدها المشركون بالسبِّ, وفي ذلك أبلغ تكريم لغير المسلمين، فاحترام شعوره نحو الأشياء التي يقدِّسها احترام لكرامته, قال تعالى:] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [([169])
وفي ذلك يقول الإمام القرطبي عن أهل الذمَّة: «فلا يحلُّ لمسلم أن يسبَّ صلبانهم, ولا دينهم, ولا كنائسهم, ولا يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية».([170])
ومن صور كرامة غير المسلمين اعتراف المسلمين بما لديهم من فضائل وصفات حسنة. ومن شواهد ذلك أنه لمَّا ذُكِرت الروم عند الصحابيّ الجليل عمرو بن العاص t, قال: «لئن قلت ذلك إنَّ فيهم لخصالاً أربعًا: إنهم لأحلم الناس ثم فتنة, وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة, وأوشكهم كرة بعد فرة, وخيرُهم لمسكين ويتيم وضعيف, وخامسة حسنة جميلة, وأمنعهم من ظلم الملوك». ([171])
ويطبّق الرسول الكريم r هذا المبدأ حتَّى مع الأموات حيث كان e يأمر بالقيام للجنائز, فعن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - قال مر بنا جنازة فقام لها النبي r وقمنا به. فقلنا يا رسول الله، إنها جنازة يهودى. قال « إذا رأيتم الجنازة فقوموا »([172]).
وقد امتثل لذلك صحابته الكرام ــ رضوان الله عنهم ــ من بعده, فحدث أن مرَّت جنازة بسهل بن حنيف وقيس بن سعد ــ رضي الله عنهما ــ وهما قاعدان بالقادسية, فقاما, فقيل لهما: إنها من أهل الأرض, أي من أهل الذمَّة, فقالا: «إنَّ النبي e مرَّت به جنازة, فقام, فقيل له: إنها جنازةُ يهوديّ, فقال: أليست نفسًا ؟». ([173])
فالإسلام هو دين التعايش([174])، و ليس ثمّة ما هو أبلغ في الدلالة، وأوفى بالقصد من الآية الكريمة ]قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [ ([175])،
في الدلالة على عمق مبدأ التعايش في مفهوم الإسلام.
ذلك أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة، وإذا كان الإسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعاً للتعايش مع بني الإنسان كافّة، ففيه من باب أولى، متسعٌ للتعايش بين المؤمنين باللَّه، وإن كان هذا التعايش لا يعني أننا متفقون في كل شيء، فإذا اشترطتُ ألا أبذل الحسنى إلاَّ لمن كان مثلى تماماً (مسلماً أم غير مسلم)، فمعنى ذلك أنني لا أحب إلاَّ نفسي، وأن الاختلاف معناه العداوة ([176]).
ومن أبلغ صور التسامح مع الآخر، عدم سب الآخر أو لعنه، فعن عائشة - رضى الله عنها - زوج النبي r قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله r، فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فقال رسول الله r " مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله ". فقلت يا رسول الله ولم تسمع ما قالوا قال رسول الله r " قد قلت وعليكم "([177]).
وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي r فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة فلما جلس تطلَّقَ النبي r في وجهه وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه فقال رسول الله r: يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره([178]). وفي شرح الحديث ينقل ابن حجر عن القرطبي قوله: "في الحديث.. جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى... والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا، وهي مباحة, وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي r إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقولٍ، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة...". وعقّب ابن حجر بقوله: " وهذا الحديث أصل في المداراة ".([179]) ومن المداراة مناداة المحاورين غير المسلمين بما يليق بهم من ألقاب يستحقونها، وتحيتهم تحية مناسبة، كقوله r: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ([180]).
ومن المداراة للآخرين الفعل الحسن، كعيادة مريضهم، وإكرام وفدهم، تأسياً بالنبي r في صنيعه مع عدي بن حاتم الطائي وعكرمة بن أبي جهل قبل إسلامهما. قال عدي بن حاتم: "أتيت رسول الله r وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي.. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها ". ([181])
وكان عدي بن حاتم الطائي رجلاً نصرانياً، ذا وجاهة وشرف في قومه، وكان شديد الكراهية لرسول الله r ولكن طبيب القلوب r وضع مبضعه على موضع الداء عند عدي، حتى تحول بفضل الله من مبغض عدائي إلى محب ولي، ولنترك عدياً يحكي لنا القصة، عندما وقعت أخت عدي بن حاتم في أسر المسلمين عاملها رسول الله معاملة كريمة, وبقيت معززة مكرمة، ثم كساها النبي r وأعطاها ما تتبلغ به في سفرها, وعندما وصلت إلى أخيها في الشام شجعته على الذهاب لرسول الله r، فتأثر بنصيحتها وقدم على المدينة ([182]).
ويحكي عدي طرفاً آخر من القصة قال: "دخلت على رسول الله r فقال لي: "يا عدي ابن حاتم، أسلم تسلم" ثلاثاً. قلت: إني على دين، قال: "أنا أعلم بدينك منك" فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم، ألست من الركوسية([183])، وأنت تأكل مرباع([184]) قومك؟" قلت: بلى، قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك" قال عدي: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها. فقال: "أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟" قلت: لم أرها، وقد سمعت بها، قال: "فوالذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز" قال عدي: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد" قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله r قالها([185]) .
لقد سجل التاريخ أن الأقباط قل ساعدوا المسلمين على فتح مصر، ورحبوا بهم لإنقاذهم من الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له على أيدى الرومان، وقد بادر عمرو بن العاص إلى إعادة البابا بنيامين -بطريرك الأقباط - إلى كرسيه بعد أن ظل هاربا في الصحراء لمدة إثنى عشر عاما، كما أعاد للأقباط كنائسهم التى اغتصبها الرومان، وخطب في أول جمعة صلاها بجامعه بالفسطاط قائلا: " استوصوا بمن جاوركم من القبط خيرا، فإن لكم فيهم ذمة وصهرا، فكفوا أيديكم، واعفوا، وغضوا أبصاركم ".
وعند الفتح الإسلامي الذي أنقذ الأقباط من ظلم الرومان، استوعب الأقباط جيدا الدرس الذي تلقوه من الإمبراطورية الرومانية المسيحية، وأدركوا أن اختلاف الدين لا ينال من وحدة الدم والمصير بين أبناء مصر جميعا. وهذا ما يفسر لماذا حارب الأقباط في صفوف المسلمين ضد جميع الغزاة من الصليبيين والفرنسيين والإنجليز والإسرائيليين وغيرهم.
ومنذ التقاء الإسلام والمسيحية على أرض مصر، عاش المسلمون والأقباط كأسرة كبيرة واحدة يسودها الحب والوفاء والإخلاص في كل مناحى الحياة، وذلك باستثناء بعض عهود الضعف والتدهور التى كان الظلم فيها يقع على المسلمين والأقباط معا. وقد لاحظ عميد الاستعمار البريطانى اللورد كرومر الاندماج التام بين المسلمين والأقباط فكتب قائلا: " إنه لا يوجد شيء على الإطلاق يميز بين المسلم والقبطى في مصر، لا في الشكل، ولا في الزى، ولا في العادات أو التقاليد أو أسلوب المعيشة، الشيء الوحيد الذي يميز بينهما هو أن المسلم يعبد الله في المسجد والقبطى يعبد الله في الكنيسة "([186])
هذه هي المساواة في الإسلام، و هذا هو التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام، فالإسلام هو منهج للأخلاق، و منهج الأخلاق هو القرآن الكريم، و المتمثل في سلوك الرسول r]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [([187]).
الفصل الثالث
التسامح الإسلامي وقت الحرب
الحرب([188]) واقع قديم قدم الإنسانية نفسها، حيث عُرفت الحرب كأداة لتسوية الخلافات، منذ العهود الأولى لوجود الإنسان، لو عدنا إلى كتب التاريخ والمخطوطات القديمة، لوجدنا أرقاماً هائلة لأعداد الحروب، حيث يعجز العقل عن تصديق ذلك.
حيث تزودنا الإحصاءات بأن (14000) حرب اشتعلت خلال (5) آلاف سنة من التاريخ، وبلغت الخسائر بالأرواح نحو (5) مليارات من بني البشر، وخلال (3400) سنة الأخيرة، لم يعرف العالم سوى (250) عام من السلام، وجاءت الحرب العالمية الأولى على نحو (10) ملايين نسمة بالإضافة إلى (21) مليون نسمة ماتوا نتيجة الأوبئة التي خلفتها الحرب، وفي الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب العالمية الثانية قتل نحو (40) مليون نسمة نصفهم من المدنيين ([189])
وهكذا من خلال النظر إلى هذه ألأرقام الهائلة، كان لابد من السعي لإيجاد الحلول الوقائية التي تحول دون وقوع الحروب، أو حتى التخفيف منها قدر الإمكان، ومن هنا، كانت البدايات الأولى لظهور ما سمي فيما بعد (القانون الدولي الإنساني) حيث نجد أولى قواعده في الثقافات لبني البشر، حيث نتلمَّس قواعده في مبادئ الفروسية والمروءة ومساعدة الضعيف التي كانت تسود في المجتمعات القديمة.
ثم ظهرت قواعده في الأديان السماوية بدءاً بالدين المسيحي، ثم جاءت الشريعة الإسلامية التي وضعت قواعد وأحكام محددة لتنظيم سلوك الدولة والأفراد على السواء في زمني السلم والحرب.
لقد وضع الإسلام قواعد كان لها اثر كبير في حكم سلوك المسلمين أثناء الحروب التي كانوا يدخلون فيها، حيث أثرت فيهم القواعد والأوامر التي كان يتلقاها المسلمون من الرسول r، وكذلك أوامر الخلفاء الراشدين من بعده، كما أثرت في المقابل على العدو الداخل في الحرب مع الجيوش التابعة للدولة الإسلامية لما لمسه من قواعد ومعاملة مميزة مع أتباعه الواقعين تحت أيدي الجيوش الإسلامية.
جاءت حضارتنا والعالم كله يسير على سنة الغاب. القوى يقتل الضعيف، والمسلّح يسترق الأعزل، والحرب شرعة معترف بها بين جميع الشرائع والديانات والأمم والشعوب، من غير قيدٍ ولا حدّ، ومن غير تفريق بين حرب جائزة وحرب ظالمة، فكل من استطاع أن يغلب أمة على أرضها ويكرهها على عقيدتها، ويسترق رجالها ونساءها، فعل من غير تحرج ولا تأثم. فلم ترضّ حضارتنا أن تقر هذه الشرعة الظالمة التي تردت فيها الإنسانية إلى مستوى الحيوانية الشرسة([190]).
بل أعلنت أن الأصل في العلائق بين الأمم التعارف والتعاون: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ ([191])، وبذلك كان السلم هو العلاقة الطبيعية بين الشعوب:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ ([192])، فإذا أبت أمة إلا الحرب والعدوان على أمة أخرى، كان على هذه الأمة أن تستعد لمجابهة العدوان، فإن ترك الاستعداد يغري بالعدوان ويسرع به: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [ ([193]). فإذا عدلت تلك الأمة عن نية العدوان ورهبت السلم المسلح، كان على الأخرى أن تركن إلى السلم وتحرص عليه: ]وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ ([194] وإن أبت إلا الحرب، فالقوة تدفع القـوة، والعـدوان يـدفع بمثله: ]وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ ([195]).
وهنا تعلن مبادئ حضارتنا تحريم الحروب للغزو ونهب الأموال، وإذلال كرامة الشعوب، إنما الحرب المشروعة ما كانت إلا لغايتين اثنتين([196]):
(1) دفاع عن عقيدة الأمة وأخلاقها.
(2) ودفاع عن حرية الشعب واستقلاله وسلامه، ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ [ ([197])، ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [([198]).
وليست حرية العقيدة هي المطلوبة للأمة التي تعلن الحرب فحسب، بل عليها أن تضمن حرية العقائد كلها، وتحمي أماكن العبادة لكل الديانات: ] وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ ([199]) .
وأروع ما نادت به حضارتنا أن الدفاع عن الضعفاء المستذلين في الشعوب الأخرى واجب علينا كما يجـب الـدفاع عـن حريتنـا وكرامتنا:] وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [ ([200]) .
وإذا كانت هذه الغاية من حروب حضارتنا، لم يجز لها حين تعلن الحرب في سبيل الحق والخير أن تنقلب إلى أداة تصنع الباطل والشر. ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في الحرب أن لا تقاتل إلا من يقاتلها ويعتدي عليها: ]فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [ ([201]).
فإذا قامت الحرب كان علينا أن لا ننسى مبادئنا فنقسو ونفسد ونظلم وننشر الخراب والدمار.. كلا.. فالحرب الإنسانية الخالصة لله يجب أن تظل إنسانية في وسائلها وعند اشتداد وطيسها. ومن هنا جاءت الوصايا التي لم يسبق لها في التاريخ: " إنك ستلقى أقواماً قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا أنفسهم له، و لا تقتلن مولوداً, و لا امرأة، و لا شيخاً كبيراً، و لا تعقرن شجراً بدا ثمره، و لا تحرقن نخلاً، و لا تقطعن كرماً "([202]) .
أريت كيف تكون الحرب الإنسانية التي تشرع في سبيل الله لا للشر والعدوان؟.. وتستمر هذه الحرب متقيدة بهذه المبادئ الإنسانية الرحيمة حتى تنتهي بأحد أمرين: إما الصلح، وإما النصر. أما الصلح فالعهود فيه محترمة، والوفاء بما تضمنته واجب: ]وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [ ([203]). وأما النصر، فهو انتصار الجماعة التي غضبت للحق واستشهدت في سبيله. فلن تفعل حين انتصارها إلا ما يوطد أركان الحق في الأرض، ويمنع البغي والفساد بين الناس:] الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ [ ([204]).
ففي معركة أُحد قُتل أسد الله حمزة، عم النبي وأشهر أبطال العرب، قتله رجل يقال له وحشي، بتحريض من هند زوج أبي سفيان. ولما خر البطل، أخذت هند تفتش عن قلب حمزة حتى احتزته، ثم مضغته مبالغة في التشفي والانتقام! ثم أسلمت هند وأسلم وحشي. فماذا كان من رسول الله؟ لم يزد على أن استغفر لهند، وقبل إسلام وحشي وقال له: إن استطعت أن تعيش بعيداً عنا فافعل. هذا كل ما كان من رسول الله مع قاتل عمه حمزة ومع ماضغة قلبه!
ورأى r في بعض حروبه امرأة من الأعداء مقتولة، فغضب وأنكر وقال: ألم أنهكم عن قتل النساء؟ ما كانت هذه لتقاتل. هذا هو رسول الله المحارب يطبق مبادئه الإنسانية وهو يخوض الغمار ويقود الكتائب.
ولما فتح مكة ودخلها الرسول ظافراً على رأس عشرة آلاف من أبطاله وجنوده، واستسلمت قريش، ووقفت تحت قدميه على باب الكعبة، تنتظر حكم الرسول عليها بعد أن قاومته إحدى وعشرين سنة.. ما زاد r على أن قال: يا معشر قريش: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيراً: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. إذهبوا فأنتم الطلقاء.. إنه أيها الناس محمد الرسول معلم الإنسانية الخير، لا القائد السفاح الذي يسعى لمجده وسلطانه فتسكره نشوة النصر ([205]).
وسيرة أصحابه r وخلفائه من بعده في حروبهم وفتوحاتهم كانت قبساً من هذا النور، وسيراً في هذا الطريق، وتنفيذاً لتلك المبادئ، لم يفقدوا أعصابهم في أشد الأوقات حرجاً، ولم ينسوا مبادئهم في أعظم الفتوحات انتصاراً. ولما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدراً بغير حق. فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضياً ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا. فنصب لهم الوالي (جميع بن حاضر الباجي) قاضياً ينظر في شكواهم، فحكم القاضي وهو مسلم، بإخراج المسلمين! على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، وينابذهم وفقاً لمبادئ الحرب الإسلامية، حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة. فلما رأى ذلك أهل سمرقند، رأوا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها! قالوا: هذه أمة لا تحارب، وإنما حكمها رحمة ونعمة. فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي، وأقروا أن يقيم المسلمون بين أظهرهم. ([206]).
ولما فتحت جيوشنا الظافرة دمشق وحمص وبقية المدن السورية، وأخذوا من أهلها مبالغ من المال صلحاً لقاء حمايتهم والدفاع عنهم، رأى قادتنا بعد أن جمع هرقل لهم الجموع لينازلهم في معركة فاصلة، أن يخلوا المدن المفتوحة ويتجمعوا في مكان واحد ينازلون به الروم مجتمعين. وخرج جيشنا من حمص ودمشق والمدن الأخرى، وجمع خالد أهل حمص وأبو عبيدة أهل دمشق، وغيرهما من القادة أهل المدن الأخرى وقالوا لهم: إنا كنا قد أخذنا منكم أموالاً على أن نحميكم وندافع عنكم، ونحن الآن خارجون عنكم لا نملك حمايتكم، فهذه أموالكم نردها إليكم! فقال أهل المدن: ردكم الله ونصركم، والله لحكمكم وعدلكم أحب إلينا من جور الروم وظلمهم. والله لو كانوا مكانكم لما دفعوا إلينا شيئاً أخذوه، بل كانوا يأخذون معهم كل شيء يستطيعون حمله!
وفي حروب التتار في بلاد الشام، وقع بأيديهم كثير من أسرى المسلمين والنصارى واليهود، ثم تدخل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمير التتار في أمر الأسرى وفكّ أسرهم، فأجابه الأمير إلى فك أسرى المسلمين فقط دون النصارى واليهود، فأبى شيخ الإسلام ذلك وقال له: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة([207])..
قال الشاعر:
ملكنـا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وما عجب هذا التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح
وهكذا نجد أنّ الإسلام وضع نظاماً صارماً لأنسة الحرب. فلقد أبان الإسلام مكانة الأخلاق و أكد على أن الأخلاق من أهم المهمَّاتالتى بعث بها نبيه المصطفي r صاحب الأخلاق الزكية، و مدح الله عز وجل نبيه rبعظمة خُلُقِهِ قائلاً:] وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [([208]). و بين rأن دعوته ما قامت إلا لإتمام مكارم الأخلاق، فقال رسول الله r: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) ([209]).
لقد وضع الإسلام مجموعة من الضوابط التي تؤكد التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام وقت الحرب.و حدد أسباباً بتحققها يجب وقف القتال على الفور وهى: الإسلام، والجزية، والمعاهدة, والقتال في الأشهر الحرم، والهزيمة والاستسلام والأسر. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله r إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا و لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفىء شىء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " ([210])
و لما بعث الرسول r أسامة بن زيد رضى الله عنه في سرية غالب، فحاربهم أسامة رضى الله عنه بجنده حتى هزمهم، وفرَّ رجل منهم وهو ابن مرداس، فتبعه أسامة ورجل من الأنصار، ولما اقتربا من هذا الرجل الفارِّ، وأوشكا على قتله، قال الرجل: لا إله إلا الله، فكف الأنصارى وتركه، أمَّا أسامة فظن أنَّه قال لا إله إلا الله خوفًا من القتل، فطعنه برمحه، فقتله، فلما قدموا المدينة بلغ النبيr ما حدث، فقال: (يا أسامة، أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟!)، فأجاب أسامة: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا (أى: قالها لينجو بها من القتل)، فكرر الرسول r قوله: (أقتلتَه بعدما قال لا إله إلا الله؟) قال أسامة: فما زال يكررها، حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم) ([211]).
.فليس الجهاد في الإسلام تعطشاً للدماء، بل إنه تسامح و خاء و سمو في التعامل مع الآخر. و قد وضع الاسلام مجموعة من الأخلاق الإسلامية و التي تؤكد التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام وقت الحرب، و هذه بعض الأخلاق الإسلامية هي:
(1) عدم الإجهاز على الجرحى
(2) عدم الإفساد في الأرض.
(3) منع التفريق بين الوالدة وولدها في السبى
(4) الوفاء بالعهد وعدم الغدر أو الخيانة
(5) الإحسان في القتل والنهى عن التمثيل والتحريق
(6) النهى عن قتل من أَمَّنَهُ المسلمون
(7) النهى عن قتال وترويع المدنيين ومن ألقى السلاح من المقاتلين
(8) حسن معاملة الأسرى والرقيق والسبى
عدم الإجهاز على الجرحى

و من التسامح الإسلامي عدم الإجهاز على الجرحي، وأرشد النبي r أصحابه في فتح مكة إلى هذا الخلق قائلاً: (ألا لا يُجهَزنّ على جريح، ولا يُتبعنّ مدبر، ولا يُقتلنّ أسير، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن)([212])، فهذا هو منهج أمة الإسلام في التسامح والتعامل مع مخالفيها.

وهذا ما فهمه صحابة رسول الله r وطبقوه فيما بعد في حروبهم مع الخوارج والمرتدين وغير المسلمين، فقد قال أبو أمامة رضى الله عنه: (شهدت صفين فكانوا لا يجيزون علىجريح، ولايطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا)([213]).

عدم الإفساد في الأرض

إن إصلاح الأرض وعمارتها من المقاصد الشرعية، فها هو صالح عليه السلام يقول لقومه: ]وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ[ ([214]). وقال موسي عليه السلام ]عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [([215]).
وقد نهى رب العالمين عباده الموحدين عن الإفساد في الأرض يقول عز وجل ]وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [([216]) .
وقد كان هذا الخلق جلياً في سيرة خاتم المرسلين، فما كان مجاهدوا الإسلام مفسدين في الأرض، سواءاً كان هذا الإفساد بتدمير المنشآت أو تخريب الطرقات أو قتل الدواب أو ما دون ذلك حتى لو كانوا في وقت ضعف لا يملكون قتال الأعداء إلا بهذا السبيل، فإن النبي r ما صنع ذلك بمكة رغم ما لقيه منهم من أنواع العذاب والاضطهاد.
فعن معاذ بن أنس رضى الله عنه أنه قال: (الغزوغزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإماموأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله وأما من غزا فخراورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف) ([217]).
كما نهى عن تضييق المنازل وقطع الطرق فعن معاذ بن أنس رضى الله عنه أنه قال: (غزوت مع نبى الله r غزوة كذا وكذافضيقالناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث نبى الله r منادياً ينادي في الناس أن من ضيق منزلاً أو قطع طريقاً فلا جهاد له)([218]).
منع التفريق بين الوالدة وولدها في السبي
لقد كان النبي r يرشد أصحابه لهذه الرحمة، في المواقف المختلفة من سيره ومغازيه ولذلك فإن النبي r قد قال: (من فَرَّقَ بين والدة وولدها –فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)([219]).
كما ارشد إلى رد البيع حين التفريق بين المرأة وولدها: فحينما باع على بن أبى طالب رضى الله عنه جارية له دون ولدها قد وقعت في سهمه من السبى، وكان هذا البيع سبب في التفريق بين الأم وولدها نهاه النبي r ورد البيع([220]) الذي قد تم لمنافاة ذلك للرحمة بالأم وبالولد الذي يحتاج أمه لتحتضنه وتراعيه فينشب كما ينشب الرجال.
و بين rلجوانب الرحمة في أثناء تفقد السبى، فعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: (قدم على النبي r سبى، فإذا امرأة من السبى قد تحلب ثديها تسقي،إذا وجدت صبيا في السبى أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي r : (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، وهي تقدر على أن لاتطرحه، فقال: لله أرحم بعباده من هذهبولدها)([221]). ليذكر أصحابه بالرحمة التى وضعها الله في قلوب العباد، وأن الراحمون يرحمهم الرحمن.
الوفاء بالعهد وعدم الغدر أو الخيانة
جاء الإسلام مؤكداً على الوفاء بالعهود موضحاً وجوبها والنهى عن الغدر. و بين أن من صفات عباده المؤمنين، الوفاء بالعهود، ورعايتها حتى لا تنقض.قال تعالى: ]وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [([222]). و قال تعالى: ]وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا [([223]).. وقال جل وعلا ]وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [ ([224]).
وقد أبان رسول الله r هذا الخلق في سيرته . فقال النبيr (إني لاأخيسبالعهد، ولا أحبس البرد)([225])، و قال النبي r: (أربع خلال من كن فيه كان منافقا خالصا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،وإذاعاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيهخصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)([226]).

([1]) صفى الرحمن المباركفورى، الرحيق المختوم، ص: 307 .

([2]) صفى الرحمن المباركفورى، الرحيق المختوم، ص: 307 .

([3]) صفى الرحمن المباركفورى، الرحيق المختوم، ص: 308 .

([4]) صفى الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، ص: 309 .

([5]) صفى الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، ص: 310 .

([6]) صفى الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، ص: 310 .

([7]) د.على محمد الصلابي، السيرة النبوية عرض و قائع وتحليل أحداث، مكتبة فياض، المنصورة، الجزء الثانى، ص: 958 .

([8]) د.أحمد محمد الحوفى، سماحة الإسلام، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2003م، 175.

([9]) د. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، د. محمد حميد الله ص (454).

([10]) د. محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص (488).

([11])عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ضبط المتن و الحواشى: خليل شحادة، مراجعة د.سهيل زكار، دار الفكر العربى للطباعة، بيروت، لبنان، 2000م،الجزء الثانى، ص: 268.

([12])عارف العارف، المفصل فى تاريخ القدس، مطبعة المعارف، القدس، 1986م، ص: 100 .

([13]) أبو يوسف، الخراج ، ص: 175.

([14])علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1406هـ - 1986م، الجزء السادس، ص: 280 .

([15]) محمد أبو زهرة، العلاقات الدولية فى الإسلام، مرجع سبق ذكره ، ص: 31.

([16]) د.مصطفي السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام، القاهرة، 1998، ص: 66 .

([17]) البلاذري، فتوح البلدان، ص: 166. ابن زنجويه، كتاب الأموال، الجزء الثاني، ص: 473 .

([18]) أبو يوسف، الخراج، ص: 146 .

([19]) أبو عبيد، الأموال، ص: 138.

([20]) د.أحمد محمد الحوفى، سماحة الإسلام، مرجع سبق ذكره، ص: 198.

([21]) د.حسن على حسن، أهل الذمة في المجتمع الإسلامي،سلسلة دراسات إسلامية، العدد: 120, المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، جماد الآخر 1426هـ, ص: 24.

([22]) د.حسن على حسن، أهل الذمة فى المجتمع الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص: 96.

([23]) أخرجه الترمذي، والنسائي .

([24]) د.مصطفي السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام، القاهرة، 1998، ص: 70 .

([25]) حسين مؤنس. عالم الإسـلام، ص: 172 ــ 173.

([26]) اليكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحيَّة نقلاً عن حسن المِمّي. أهل الذّمَّة في الحضارة الإسلامية، دار الغرب الإسلامي, بيروت: 1998م،ص: 140.

([27]) حسن المِمّي، أهل الذّمَّة في الحضارة الإسلامية، ص: 141.

([28])غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص:125.

([29])غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص:127 ــ 128.

([30]) غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص: 128 .

([31])غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص: 152 .

([32])غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص: 128 .

([33]) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام, ص ص: 98، 99 .

([34])توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام, ص: 77 .

([35]) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام, ص: ص: 183 ــ 184.

2لوثروب ستودارد. حاضر العالم الإسلامي، ص: 13ــ14.

([37]) زيغريد هونكه. شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوربة، دار الآفاق الجديدة، 1993م، ص: 364 .

([38]) زيغريد هونكه. شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوربة،ص: 364 .

([39]) ول ديورانت، قصة الحضارة., الجزء الثالث عشر, ص ص: 130ــ 131

([40]) ول ديورانت، قصة الحضارة., الجزء الثالث عشر, ص: 133.

(([41]))آرثر ستانلي ترتون. أهل الذمَّة في الإسلام. ــ ترجمة وتعليق:حسن حبشي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م، ص ص: 158، 159 .

([42]) لورا فيشيا فاغليري. دفاع عن الإسلام. نقلاً عن: صالح العايد. حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام. ــ ص: 32 ــ 33.

([43]) لورا فيشيا فاغليري. دفاع عن الإسلام. نقلاً عن: صالح العايد. حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام. ــ ص: 37ــ 38.

([44]) د.يوسف القرضاوي. الأقليات الدينيّة والحلّ الإسلامي، ص: 56ــ57.

([45]) إتيين دينيه, محمَّد رسول الله، ص:332. نقلاً عن: صالح العايد. حقوق غير المسلمين، ص:42

([46]) شكيب أرسلان. التعصُّب الأوربِّي أم التعصُّب الإسلامي, في كتاب: لوثروب ستودارد. حاضر العالم الإسلامي. ــ مج 2. ــ ج 3 ص: 211

([47]) شكيب أرسلان. التعصُّب الأوربِّي أم التعصُّب الإسلامي, في كتاب: لوثروب ستودارد. حاضر العالم الإسلامي. ــ مج 2. ــ ج 3 ص: 211

([48]) مصطفى السباعي. من روائع حضارتنا، ص:71.

([49]) روم لاندو في كتابه: الإسلام والعرب. ــ ص: 119. نقلاً عن: عماد الدين خليل, قالوا عن الإسلام. ــ ص: 312.

([50]) كرومر. مصر الحديثة. نقلاً عن سيّدة إسماعيل كاشف. مصر الإسلامية وأهل الذمّة. ــ ص: 17.

([51]) مصطفى السباعي. من روائع حضارتنا. ــ ص:71.

([52]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول،دار الوسيلة للطبع و النشر، جدة، 1418هـ - 1998م، المجلد السابع، ص: 2794 .

([53]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2795 .

([54])الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية، الكويت، 1997م، الجزء السابع و الثلاثون، ص: 151 .

([55]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2795 .

([56]) الآية (25) سورة الحج .

([57]) الآية (64) سورة آل عمران .

([58]) الآية (47) سورة الدخان .

([59]) الآية (109) سورة الأنبياء .

([60]) الآية (77) سورة المائدة .

([61]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2795 .

([62]) الآية (64) سورة آل عمران .

([63]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد .

([64]) صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول، المجلد السابع، ص: 2796 .

([65]) الآية (13) سورة الحجرات .

([66]) أحمد في مسنده .

([67]) الآية (13) سورة الحجرات .

([68]) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب و من سورة الحجرات .

([69]) سواد بن غزية الأنصاري من بني عدي بن النجار، المشهور أنه بتخفيف الواو وحكى السهبلي تشديدها، شهد بدراً وأمره النَّبِيّ r على خيبر. انظر: ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة (2/95) ترجمة رقم (3582).

([70]) مستنصل: أي خارج من نَصَلَ، بمعنى خرج. انظر: ابن منظور: لسان العرب مادة نصل .

([71]) ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الأول، ص: 626.

([72]) ابن الأثير، التاريخ في التاريخ، الجزء الثاني، ص: 154 .

([73]) بالرجوع إلى معاجم اللغة العربية، نجد أن كرم فلان كرماً وكرامة، إذا أعطى بسهولة وجاد (جاد يجود جوداً) فهو كريم. وكرم الشيء عز ونفس، والسحاب جاد بالغيث، والأرض زكا نباتها. أما الكرامة فمعناها في اللغة الأمر الخارق للعادة غير المقرون بالتحدي. وكرم السحاب جاد بمطره، وكرم المطر كثر ماؤه، وكرّم فلانا أكرمه، وفلاناً فضله، المعجم الوسيط، دار الفكر العربي، بيروت، المجلد الثانى، ص: 784. وفي كتاب التعريفات: الكرم هو الإعطاء بسهولة، والكرامة هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، والكريم من يوصل النفع بلا غرض، فالكرم هو إفادة ما ينبغي لا لغرض، فمن يهب المال لعوض جلباً للنفع أو خلاصاً عن الذم، فليس بكريم، علي بن محمد الشريف الجرجاني, التعريفات، مكتبة لبنان، 1990م، ص: 193 . إن من المعاني التي ينطوي عليها الأصل اللغوي للكرامة الزيادة والفضل، والكثرة، والسهولة، واللين، والإعطاء بلا مقابل. وفي كتاب الكليات، رزق كريم، أي كثير، وقول كريم، أي سهل لين، وقد يطلق من كل شيء على أحسنه، الكفوي، كتاب الكليات: معجم المصطلحات والفروق اللغوية، مؤسسة الرسالة، بيروت ، 1992م، ص:772 . والمكارمة: أن تهدي لإنسان شيئا ليكافئك عليه، وهي مفاعلة من الكرم. أمّا الكريم فهو الجامع لأنواع الخير والشّرف والفضائل، ويقال: تكرّم فلان عمّا يشينه: إذا تنزّه وأكرم نفسه عن الشّائنات، والمكرّم المتكرّم على كلّ أحد، والتّكرّم (أيضا) تكلّف الكرم،. وكريمة القوم، كريمهم وشريفهم، الهاء فيه للمبالغة، وفي الحديث: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه» ابن منظور، لسان العرب، مادة: كرم .فالتكريم إذن، هو إسباغ كل هذه الفضائل على المكرَّم .

([74]) أخرجه أحمد فى مسنده .

([75]) بالنظر إلى الكرامة الإنسانية في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان: نجد أنها تتفق في الديباجة على مفردات موحدة، وهي الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ففي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تنص الديباجة على: " لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكّل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم...".
وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تبدأ الديباجة بهذه الصيغة: " إن الدول الأطراف في هذا العهد، إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكّل وفقاً للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلام في العالم...". وهكذا فإن الكرامة الإنسانية في مفهوم الشرعة الدولية هي كرامة أصيلة في أعضاء الأسرة البشرية. وعبارة (الأسرة البشرية) هنا تماثل التعبير القرآني (بني آدم).

([76]) د.عبد العزيز التويجري، الحوار من أجل التعايش، دار الشروق، القاهرة، 1419هـ - 1998م، ص: 123 .

([77]) الآية (14) سورة النحل .

([78]) الآية (65) سورة الحج .

([79]) الآية (20) سورة لقمان .

([80]) الآيتان (12، 13) سورة الجاثية .

([81]) الآية (70) سورة الإسراء .

([82]) أبو عبد الله محمد القرطبى، الجامع لأحكام القرآن و المبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن، تحقيق د.عبد الله عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1427هـ - 2006م ، القاهرة، الجزء الثالث عشر، ص ص: 125، 126 .

([83]) الآية (4) سورة التين .

([84])ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1420هـ - 1999 م، الجزء الخامس، ص: 97 .

([85])عبد الرحمن السعدى، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الجزء الأول، ص: 463 .

([86]) الآية (13) سورة الحجرات .

([87]) صالح بن عبد الله حميد,عبد الرحمن ملوح،موسوعة نضرة النعيم فى مكارم أخلاق الرسول،مرجع سبق ذكره, المجلد الرابع,ص: 1140، 1141 .

([88]) د.عبد العزيز التويجري، الحوار من اجل التعايش، مرجع سبق ذكره، ص ص: 126، 127 .

([89]) د.عبد العزيز التويجري، الحوار من أجل التعايش، مرجع سبق ذكره، ص: 127 .

([90]) د.عبد العزيز التويجري، الحوار من أجل التعايش، مرجع سبق ذكره، ص: 127 .

([91]) عباس محمود العقاد، الإنسان في القرآن، موسوعة عباس محمود العقاد الإسلامية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1971, المجلد الرابع، ص: 232.

([92]) الآية (18) سورة الحج .

([93])صالح بن عبد الله حميد,عبد الرحمن ملوح،موسوعة نضرة النعيم فى مكارم أخلاق الرسول،مرجع سبق ذكره, المجلد الرابع,ص: 1174

([94]) إن كرامة الأمة الإسلامية قد مسها الضر، فهي كرامة مثلوبة، ومهضومة، ومجروحة، تضافرت عوامل كثيرة لتؤدي إلى هذه الحالة من الضعف والعجز والتراجع الحضاري. فأين مكانة الأمة الإسلامية بين الأمم ؟ ! أين تأثيرها فى القرارات الدولية ؟ أين هيبتها و قدسيتها بين الأمم ؟ أين الجيل الفريد والقلة المؤمنة التي صنعها الرسول r علي عينه، و التى فتحت في ثمانين عامًا أكثر مما فتحت الإمبراطورية الرومانية في ثمانية قرون ؟!!!!!! كل ذلك بسبب الفُرقة و التشرذم الذى يأكل جسد الأمة الإسلامية . إن استرجاع هذه الكرامة للأمة الإسلامية، يكمن في عودتها إلى دينها، و اتحادها . فالوحدة الإسلامية هى سبيل المنعة والقوة، وهى سبيل النصر والتمكين والعزة والكرامة، ولقد سجلت أمة الإسلام في التاريخ مكانة مرموقة وسؤدداً عظيماً يوم أن تمسك المسلمون بدينهم، واعتزوا بتعاليم ربهم وتمسكوا بسنة نبيهم r، والتمسوا العزة في دين الله فأعزهم الله سبحانه، وأظهرهم على أعدائهم، فحافظوا على قيادتهم للإنسانية، وريادتهم للبشرية ما بقوا متحدين، متآلفين على قلب رجل واحد، فهابهم أعداؤهم، وحسبوا لهم ألف حساب وحساب، وحين وقع الخلاف بين أبناء الأمة، وتنازعوا فيما بينهم ضاعت هيبتهم من قلوب أعدائهم، وأصابهم الوهن والضعف، فتداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها وذهبت ريحهم وتبددت قوتهم، وأصبحت بلاد العالم الإسلامي لقمة سائغة، يتطاول عليها القاصي والداني، ويتجرأ عليها الضعفاء قبل الأقوياء. فأي خير فيه مسلمو هذا العصر وأعداء الإسلام يعبثون في مهد الإسلام فساداً يحتلون مقدساته، وربما لا نفيق إلا واليهود قد سيطروا على مكة والمدينة من جديد بينما نحن نخوض معارك داحس وغبراء، وبسوس القرن العشرين.. لذلك يخاطبنا رب العزة تبارك و تعالى بضرورة الاعتصام والوحدة والبعد عن الاختلاف والفرقة حتى يعود للأمة مجدها وعزتها وسؤددها، يقول تعالى: ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الآية (103) سورة آل عمران . فما أحوج المسلمين أن يختاروا لأنفسهم وعقيدتهم وأمتهم، موقف الإباء والاعتزاز الذى اختاره الله لهم فى قوله تعالى: ] وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الآية (8) سورة المنافقون .4, و أن يطرحوا " الوهن " الذى حذرهم منه الرسول r، والذى كان وما يزال سبب تراجع الأمة الإسلامية عن دورها الكبير كخير أمة أخرجت للناس وسبب سقوطها فى مستنقع الفقر والعجز والتخلف فأصبحت الأمة تعيش حالة" غثاء السيل ".

([95]) محمد الغزالى، حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام و إعلان الأمم المتحدة، نهضة مصر للطباعة الطبعة الرابعة، القاهرة، 2005م، ص: 11

([96]) الآية (8) سورة الممتحنة .

([97]) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي, الفروق، تحقيق: عمر حسن القيام، مؤسسة الرسالة, بيروت، 1424هـ -2003م،الجزء الثالث، ص: 15.

([98]) الآية (5) سورة المائدة .

([99]) الآية (1) سورة النساء .

([100]) د. يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الاسلامى، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، القاهرة، 1413هـ - 1992م، ص: 5.

([101]) د. يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الاسلامى، ص ص: 9، 10.

([102]) أبو جعفر الطبري، تاريخ الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية، ., الجزء الثالث، ص: 344

([103])أبو يوسف. كتاب الخراج, بيروت: دار المعرفة,كتاب الخراج.، ص ص : 139، 140.

([104]) د. يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الاسلامى، ص:10.

([105]) أخرجه أبو داود فى سننه، كتاب الخراج، باب فى تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات.

([106])أبو الحسنالماورديّ, الأحكام السلطانية والولايات الدينية., دار الكتب العلمية ، بيروت، 1402هـ -1982م، ص: 143.

([107])تاريخ الطبري.، الجزء الرابع، ص: 218.

([108]) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص: 11.

([109])ابن الجوزي, مناقب عمر بن الخطَّاب،تحقيق: أبو أنس المصري السلفي حلمي بن محمَّد بن إسماعيل, دار ابن خلدون, الإسكندرية، 1416هـ -1996م، ص: 209 .

([110]) الآية (33) سورة الإسراء .

([111]) الآية (32) سورة المائدة .

([112]) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهداً بغير جرم .

([113])ابن الجوزي. مناقب عمر بن الخطاب., مرجع سبق ذكره، ص ص:96، 97.

([114]) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص ص: 12، 13 .

([115]) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص ص : 13، 14 .

([116]) أبو يوسف، كتاب الخراج., ص: 125.

([117]) أبو يوسف، كتاب الخراج., ص: 125.

([118]) أبو يوسف، كتاب الخراج., ص: 125.

([119])أبو يوسف، كتاب الخراج., ص: 125.

([120]) د.يوسف القرضاوى، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص ص: 14، 15 .

([121]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، و أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة،باب إكرام الضيف .

([122]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات, وإسناده ضعيف .

([123]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنَّة،باب في لزوم السنةوإسناده صحيح.

([124]) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح.

([125]) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" .

([126]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة،باب النهي عن أكل السباع .

([127]) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص: 15 .

([128]) البلاذرى، فتوح البلدان، حققه: عبد الله أنيس الطباع، مؤسسة المعارف للطباعة، بيروت، 1987م،ص: 593 .

([129]) د. يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ص: 30.

([130]) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص: 16 .

([131]) د.يوسف القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.، ص: 32، 33 .

([132]) د.يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي. ــ ص ص: 22، 23.

([133]) آدم متز، الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى، ترجمة: محمد عبد الهادى أبو ريدة، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2008م، ص: 75

([134]) د.يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي. ــ ص ص: 23، 24.

([135]) د.يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي. ــ ص: 24.

([136]) الذهبي, ســـير أعــــــلام النبــــــلاء، مؤسسة الرسالة، بـــيروت، الطبعة الثانية، 1405هـ -1985م،الجزء الخامس عشر، ص: 168

([137]) المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد مصطفى زيادة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،الطبعة الأولى،القاهرة,1958م، الجزء الأول، ص ص: 909،910.

([138]) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمه إلى العربية د.حسن إبراهيم حسن، د.عبد المجيد عابدين، إسماعيل النحراوى، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1971م، ص ص: 81، 82 .

([139]) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ج ص: 82 .

([140]) د.حسين مؤنس،عالم الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة, 1410هـ -1998م، ص: 254.

([141]) سيِّدة إسماعيل كاشف، مصر الإسلامية وأهل الذمّة الهيئة المصرية العامّة للكتاب, القاهرة: 1993م ، ص: 17.

([142]) د.يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي. ــ ص: 25.

([143]) توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص ص: 82، 83 .

([144]) آدم متز، الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى، مرجع سبق ذكره، ص: 86 .

([145])مصطفى السباعى، من روائع حضارتنا، دار السلام للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 1998م، ص ص: 70، 71 .

([146]) يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ص: 25.

([147])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستقراض، باب العبد راع فى مال سيده و لا يعمل إلا بإذنه . ومسلم في صحيحه،كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل و عقوبة الجائر و الحث على الرفق بالرعية.

([148])أبو عبيد القاسم بن سلاّم، كتاب الأموال، تحقيــــق: محمَّد خليـــــــل هرّاس، دار الكتب العلمية، بيروت, 1406هـ -1986م، ص: 605

([149])أبو يوسف، كتاب الخراج، ص:126.

([150]) البلاذري. فتوح البلدان،ص: 135.

([151])أبو يوسف, كتاب الخراج, ص: 144.

([152]) أبو عبيد. كتاب الأموال، ص ص:50, 51.

([153]) د.يوسف القرضاوي،غير المسلمين في المجتمع الإسلامي, ص: 17.

([154]) أبو عبيد، كتاب الأموال, ص: 606.

([155]) د. يوسف القرضاوي. غير المسلمين في المجتمع الإسلامي, ص: 52.

([156]) سعيد أحمد برجاوي. الحروب الصليبية في المشرق، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الأولى، بيروت، 1414هـ -1984م، ص:397.

([157])الآية (125) سورة النحل .

([158])الآية (15) سورة الشورى .

([159]) الآية (83) سورة البقرة .

([160]) الآية (44) سورة طه .

([161]) الآية (83) سورة البقرة .

([162]) الجامع لأحكام القرآن، الجزء الثانى، ص: 16 .

([163]) جامع البيان، الجزء الأول، ص: 392 .

([164]) الآية (53) سورة الإسراء .

([165]) الجامع لأحكام القرآن، الجزء العاشر، ص: 277 .

([166]) الآية (125) سورة النحل .

([167]) الآية (44) سورة طه .

([168])للمزيد حول الحرية الدينية: انظر: الفصل الأول من هذه الدراسة المتواضعة .

([169]) الآية (108) سورة الأنعام .

([170])القرطبي, الجامع لأحكام القرآن، تحقيق د.عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2006م, الجزء الثامن, ص: 491.

([171]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب تقوم الساعة و الروم أكثر الناس .

([172]) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودى .

([173]) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودى .

([174]) بالرجوع إلى الدلالة اللغوية للتعايش، التي هي الأصل في اشتقاق الاصطلاح، نجد في المعجم الوسيط، تعايشوا: عاشوا على الألفة والمودّة، ومنه التعايش السلمي، وعَايَشَه: عاش معه. والعيش معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب والدخل."المعجم الوسيط"، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الجزء 2، ص: 640 - 639، طبعة دار الفكر. و لقد عرف، في السياسة الدولية، مصطلح (التعايش السلمي) الذي يعني قيام تعاون بين دول العالم على أساسِ من التفاهم وتبادل المصالح الاقتصادية والتجارية. وقد ظهر هذا المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين راحا يتناحران على أساس عقائدي. ومما ساعد على إبراز الدعوة إلى سياسة (التعايش السلمي) الفزعُ الذَّري بعد أن أصبحت القنبلة النوويّة، وهي أداة الدمار الشامل، مشاعةً بين دول المعسكرين. وبعد قيام الجبهة الثالثة وهي مجموعة دول الحياد الإيجابي، أو عدم الانحياز، أكدت الرغبةَ في أن يكون التعايش السلميّ هو السبيل إلى تنسيق العلاقات الدولية في العالم، وإلى نبذ الحرب الباردة وسياسة حافة الهاوية والتلويح باستخدام معدّات الدمار الشامل .انظر أحمد عطية اللَّه، "القاموس السياسي"، الطبعة الثالثة 1968، دار النهضة العربية، القاهرة،ص: 310. وتذهب (الموسوعة السياسية) إلى أن أول من أطلق شعار التعايش السلمي (PEACIFULCOEXISTENCE)، هو نيكيتا خروتشوف، الذي كان لا يعني به تراجعَ بلده الاتحاد السوفياتي عن تحقيق أهدافه المعلنة، بقدرما كان يعني به محاولته تحقيق تلك الأهداف بطريقة تنسجم مع مقتضيات التغيّرات التي طرأت على المسرح الدولي، كوجود ما يُعرف بتوازن الرعب، كما تذهب إلى أن الغرب يُؤْثِرُ أن يكون المقصود بالتعايش السلمي هو ما يُطلق عليه: (عِشْ وَدَعْ غيَرك يَعِشْ أيضاً) انظر"الموسوعة السياسية"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 1974, ص: 108.

([175]) الآية (64) سورة آل عمران .

([176]) د.حسان حتحوت، رسالة إلى العقل العربى المسلم، دار المعارف، الطبعة الأولى، القاهرة، 1998م، ص: 154 .

([177]) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الأدب، باب الرفق فى الأمر كله .

([178]) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس .

([179]) فتح الباري، كتاب الادب، باب لم يكن النبى فاحشا و لا متفحشا .

([180]) أخرجه البخاري فى صحيحه، و أخرجه مسلم فى صحيحه

([181]) أخرجه الترمذي فى سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة فاتحة الكتاب .

([182]) د.على محمد الصلابى، السيرة النبوية عرض و قائع و تحليل أحداث، مكتبة فياض، المنصورة، الجزء الثانى، ص: 971 .

([183]) الركوسية: قوم لهم دين بين النصارى والصابئين لسان العرب 3/1718 مادة ركس

([184]) المرباع هو: ما يأخذه رئيس القبيلة وهو ربع الغنيمة. ابن منظور، لسان العرب مادة ربع .

([185]) أخرجه أحمد في مسنده .

([186]) د. ادوارد الذهبى،حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، مؤتمر الإسلام و الغرب، ص: 353.

([187]) الآية (21) سورة الأحزاب.

([188]) الحربنقيض السلم انظر ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1997، مادة "حرب"

([189]) د. إسماعيل عبد الرحمن – الأسس الأولية للقانون الإنساني الدولي من كتاب القانون الدولي الإنساني تقديم الدكتور: احمد فتحي سرور – دار المستقل العربي – القاهرة – الطبعة الأولى – 2003- ص 15 .

([190]) د. مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام للطباعة، القاهرة، 1998م، ص: 73 .

([191]) الآية (13) سورة الحجرات .

([192]) الآية (208) سورة البقرة .

([193]) الآية (60) سورة الأنفال .

([194]) الآية (61) سورة الأنفال .

([195]) الآية (190) سورة البقرة .

([196]) د. مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام للطباعة، القاهرة، 1998م، ص: 74 .

([197]) الآية (193) سورة البقرة .

([198]) الآية (39) سورة الأنفال .

([199]) الآية (40) سورة الحج .

([200]) الآية (75) سورة النساء .

([201]) الآية (194) سورة البقرة .

([202]) هذه وصية أبو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه إلى الشام، انظر السرخسي، شرح السير الكبير، قدم له د. عبد العظيم العناني، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، الجزء الأول، ص: 31، 32

([203]) الآية (91) سورة النحل .

([204]) الآية (41) سورة الحج .

([205]) د. مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام للطباعة، القاهرة، 1998م، ص: 75 .

([206]) د. مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام للطباعة، القاهرة، 1998م، ص: 78 .

([207]) د. مصطفى السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام للطباعة، القاهرة، 1998م، ص: 79 .

([208]) الآية (4) سورة القلم .

([209]) صحيح الجامع للألباني (2349)، السلسلة الصحيحة برقم (45)

([210])أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب تأمير الإمام الأمراءعلى البعوث ووصيته إياهم بآداب

([211])أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب المغازي باب بعث النبى rأسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة

([212]) رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي، سبيل الهدي والرشاد (5/218) ذكر ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

([213]) صححه الألبانى فى إرواء الغليل (2463).

([214]) الآية (61) سورة هود .

([215]) الآية (129) سورة الأعراف .

([216]) الآية (56) سورة الأعراف .

([217]) أخرجه الإمام أبو داود فى سننه كتاب الجهاد باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا ، وحسنه الألباني

([218]) أخرجه الإمام أبو داود فى سننه كتاب الجهاد باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته، وحسنه الألباني

([219])رواه الإمام الترمذى فى سننه كتاب السير باب في كراهية التفريق بين السبي

([220])أخرجه الإمام أبو داود فى سننه كتاب الجهاد باب فى التفريق بين السبى

([221]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب الأدب باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته

([222]) الآية (8) سورة المؤمنون .

([223]) الآية (34) سورة الإسراء .

([224]) الآية (91) سورة النحل .

([225]) أخرجه الإمام أبو داود في سننه كتاب الجهاد باب فى الإمام يستجن به فى العقود

([226])أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب إثم من عاهد ثم غدر







 
  رد مع اقتباس
قديم منذ /22-06-2014, 11:19 AM   #3

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: التسامح فريضة إسلامية

وها هو النبي r يوضح عاقبة من غدر قائلاً: (لكلغادرلواء ينصب بغدرته)([1]). كما حذر النبي r من ذلك ببيان عاقبة من غدر بالمعاهدين قائلاً: (من قتلمعاهداًلم يرح رائحة الجنة، وإن ريحهاتوجد من مسيرة أربعين عاماً) ([2]).
وفى غزوة بدر (رمضان 2هـ) حينما أراد حذيفة بن اليمان وأبوه الخروج من مكة إلى المدينة ولقيهم مشركو قريش قائلين:تريدون محمداً فقال حذيفة ما نريده ولكن نريد المدينة فأخذوا منا عهد الله ألا نقاتل مع النبي r إذا حضرنا المدينة . فعن حذيفة بن اليمان قال ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا وأبى حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدا. قلنا ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله r فأخبرناه الخبر فقال: « انصرفا نفى بعهدهم ونستعين الله عليهم »([3])
وفى صلح الحديبية (ذو القعدة 6 هـ): نجد النبي r يرد أبا جندل للمشركين وفاءاً لما صار بينهم من صلح وشروط أن من جاءه منهم رده، فقال النبي r: سيجعل الله لهم مخرجا.
كما رد النبي r أبا بصير للمشركين حينما أتي للنبي، وفاءاً بعهده. ولما كان صلح الحديبية، كان كل من أرادَ أن يهاجرَ من مكة يلحق بأبي بصير وأتباعه، لا يذهب للمدينة لما كان من العهد بين المسلمين والمشركين، إذ لا يجوز نقضه، ولا بد من ردهم، وفى ذلك دليل على حفاظ الرعية لعهد إمامها الذي أعطاه.
كما رد النبي r أحد رسل قريش بعد صلح الحديبية وقد جاءه مسلماً، فعن أبى رافع أنه قال: (بعثتني قريش إلى رسول الله r فلما رأيت رسول الله r ألقي في قلبي الإسلام فقلت يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبداً فقالرسول الله r إني لاأخيسبالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قالفذهبت ثم أتيت النبي r فأسلمت قال بكير وأخبرني أن أبا رافع كانقبطيا)([4]).
فها هو النبي r يوضح أنه ما يكون له أن يحبس رسولاً من رسل أعدائه عنده ولو أسلموا لما بينه وبينهم من العهد الذي يجب الوفاء به.
و قد شهد أعداء الإسلام للنبى r بالوفاء وعدم الغدر. فقد شهد له هرقل ملك الروم وأحد علماء النصارى. أبو سفيان رضى الله عنه قبل إسلامه، وكان من كبار مشركي قريش ومن قادهم بعد بدر في حروبهم إلى أن أسلم.
وقد روى الإمام البخاري في حديث هرقل الطويل الذي دار بين هرقل وأبى سفيان أنه: (قال -وهو هرقل-: فهل يغدر ؟ قلت (وهو أبو سفيان): لا، ونحن الآن منه في مدة نحن نخاف أن يغدر، قال أبوسفيان: ولم يمكني كلمة أن أدخل فيها شيئاً أنتقصه به لا أخاف أن تؤثر عنى غيرها)([5])، فحينما أجابه هرقل فيما بعد فقال: (وسألتُك هل يغدر، فذكرتَ أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر)، فهذه شهادة من ملك وعالم من علماء النصارى وفى نفس الوقت من أبى سفيان عدوه قبل الإسلام، والذي لا يستطيع أن ينكر خلقه r الكريم، إذ أنها جلية بادية فيه، ومن شيم الرجال الاعتراف بالحق وعدم الكذب.
الإحسان في القتل والنهى عن التمثيل والتحريق
وقد كان هذا الخلق جلياً في هدى خاتم المرسلين، يقول النبي r: (إن الله كتب الإحسان على كلشيء، فإذا قتلتمفأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتمفأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (([6]))، فلا يجوز القتل بالتعذيب والتنكيل، بل يجب الإحسان كما بين نبى الرحمة r شريعة الرحمن.
كما نهى rعن التحريق بالنار للأعداء. وذلك حينما أرسل النبي r أحد البعوث وأشار rإليهم بتحريق بعض الأشخاص إن وجدوهم، وحينما آن الخروج أتي النبي rصحابته فأخبرهم بأن النار هى مما اختص الله به نفسه، فبِهَا يُعَذِبُ الكفارَ والمنافقين والمشركين والعصاة، فلا يجوز لهم أن يحرقوا من ذكرهم آنفاً، ولكن إن وجدوهما فعليهم بقتلهما، فعن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: (بعثنا رسول الله في بعث فقال:إن وجدتم فلاناً وفلاناً فحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج:إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما)([7]).
كما أمر النبي rباجتناب الوجه في القتال. فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله r قال: (إذاقاتل أحدكمفليجتنب الوجه) ([8])، وقد وردت العلة في حديث آخر أن الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، على صورته تبارك وتعالى، سميعاً بصيراً، فلا يجوز تشويه الخلقة ولو في القتال.
ونهي النبي r عن التمثيلبالأعداء. فقد كانr إذا أَمَّرَ أميراً في بعث من البعوث، أو سرية من السرايا، يوصيه بالوصايا، والتى منها نهيهم عن التمثيل بالأعداء، فعن بريدة بن الحصيب الأسلمي أن رسول الله r كان إذا أرسل سرية أوصاها قائلاً: (اغزوا ولا تغلواولا تغدروا ولاتمثلواولا تقتلوا وليدا)([9]).
وحينما انتصر المسلمون، وأُسِرَ سهيل بن عمرو قال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله ! أنزع ثنيتيه السفليين فيدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا بموطن أبدا، فقال r: (لا أمثل فيمثل الله بي)([10]).
و في غزوة أحد حينما مثل المشركون بجثث المسلمين ومنهم أسد الله حمزة رضى الله عنه، كلم الصحابة النبي r في هذا الأمر فقال لهم: (نصبر ولانعاقب) ([11])، فرغم ما صنعه المشركون من التمثيل بجثث المسلمين إلا أن المنهج ثابت لا يتغير، فليس التنكيل بدافع للحمية والانتقام ولو من المخالفين في الدين.
وبينما نجد النبي r ينهى عن المثلة ويشدد في أمرها، نجد هدى المشركين على النقيض من هدى خاتم المرسلين وصحابته الغر الميامين، فنجد نساء المشركين مثلاً في غزوة أحد يمثلن بقتلي المسلمين، يقطعون آذانهم وأنوفهم وفروجهم ويبقرون بطونهم، ليس ذلك فحسب، بل ويفتخر قادتهم بذلك كما قال أبو سفيان: (يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوممثلة، لم آمر بها ولم تسؤني) ([12]). وقد كان ممن مَثَّلَ المشركون بهم أسد الله حمزة بن عبد المطلب، فحزن عليه النبي حزناً شديداً ونزل في ذلك قوله تعالى:] وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [([13]).
النهى عن قتل من أَمَّنَهُ المسلمون
كان من هدى خاتم المرسلين، وصحابته الغر الميامين، حفظ عهد ولى أمرهم وإخوانهم من المؤمنين إذا أَمَّنُوا أحداً من المشركين، وكانوا بهم مستجيرين. فكان كل من يؤمنه الإمام سواءً كان بعقد الهدنة أو تأمين الرسل أو تأمين المشركين نافذ في أفراد الأمة أجمعين، وكذلك ما يعقده الأفراد من الإجارة للمخالفين. فقد أمر الله عز وجل بتأمين المشركين في كتابه العزيز إن طلبوا ذلك من أجل إرشادهم للحق، قال تعالى: ]وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [([14]).
وكان ذلك جلياً في سيرة سيد المرسلين.فعن على بن أبى طالب رضى الله عنه أن رسول اللهr قال: (ذمة المسلمين واحدة، يسعى بهاأدناهم، فمنأخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه يوم القيامة صرفولا عدل)([15]).
ففى هذا الحديث دليل على أن من أَمَّنَهُ المسلمون، وإن لم يكن من كبرائهم، يكون آمناً، ولا يجوز قتله، فكيف بمن أَمَّنَهُ أشرافهم، وولاة أمورهم، فإن من أخفر ذمة أخيه المسلم فقد استحق اللعن من الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه حجة يوم القيامة على فعله.
و في فتح مكة حينما دخل النبي r وأصحابه مكة فَرَّ رجلان من المشركين واستجارا بأم هانئ، وأراد على رضى الله عنه أن يقتلهما، وتروي لنا القصة أم هانئ بنت أبى طالب رضى الله عنها فتقول: لما نزل رسول الله r بأعلى مكة فر إِلَىَّ رجلان من أحمائي، من بنى مخزوم، وكانت عند هُبيرة بن أبى وهب المخزومي، قالت: فدخل على بن أبى طالب، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقتُ عليهما بابَ بيتي، ثم جئت رسول الله r وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إِلَىَّ فقال: مرحبًا وأهلاً يا أم هانئ، ما جاء بك ؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر على، فقال: (قد أجرْنا من أجرتِ وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما)([16]).
لقد جاء الإسلام بشريعة عادلة ونظم إنسانية تحترم الإنسان وتكرمه وتمنحه الرعاية والحماية والأمان. وقد أبان الفقهاء أن الأمان للأجنبي يتمثل في تحقيق الدولة الإسلامية الأمن والحماية لمن لجأ إليها ([17]).
كما تظهر سماحة الإسلام في دعوته ببر المستأمن، والرفق في معاملته؛ فهذا الفقيه الإمام الشيباني - رحمه الله - يقول: " لا بأس أن يصل المسلم الرجل المشرك قريباً كان أم بعيداً، محارباً كان أم ذمياً، لحديث " سلمة بن الأكوع. قال: صليت الصبح مع النبي r فقال: هل أنت واهب لي ابنة أم قرفة؟ قلت: نعم، فوهبتها له، فبعث بها إلى خاله حزن بن أبي وهب وهو مشرك وهي مشركة . وبعث رسول الله r بخمسمائة دينار إلى مكة حين قحطوا، وأمر بدفعها إلى أبي سفيان بن حرب ليتولى توزيعها على المحتاجين من أهل مكة " ([18]).
وكانت الرسل تأتى لرسول الله r فلا يمسهم بسوء، لا هو ولا أحد من أصحابه، فقد جاءه من الرسل أصناف عدة: مشركون: كرسل قريش في صلح الحديبية، والرجل الذي طلب أبا بصير للعودة به إلى مكة لما بينه وبين قريش من العهد. و مرتدون: كرسل مسيلمة الكذاب ومنهم ثمامة بن أثال رضى الله عنه قبل إسلامه . وأهل كتاب: كرسل الملوك والوفود التى كانت تأتى للسؤال عن الإسلام
فلم يمسهم المسلمون بسوء، وإلا لصارت هذه الأمة أمة غدر لا تأمنها أمة من الأمم، ولما كان لها القبول في نفوس العالمين إن كان لها مثل هذا الخلق المشين، فعلى المسلمين اقتفاء أثرهم والاقتداء بهديهم.
كما عصم الإسلام دماء الرسل والموفدين، وصان شخصيتهم من أي أذى حتى لو اختلفت وجهات النظر في المفاوضة معهم، ولنا في رسول الله r القدوة والأسوة الحسنة في المعاملة الكريمة والحماية والرعاية العظيمة إذ " لما قدم رسولا مسيلمة الكذاب ابن النواحة وابن أثال إلى النبي r فقد قال لهما: " أتشهدان بأني رسول الله؟ قالوا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله r آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلا رسولاً لقتلتكما " ([19])
ويروى عن أبي رافع مولى رسول الله r أنه قال: " بعثتني قريش إلى رسول الله r فلما رأيت رسول الله r ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله r إني لا أخيس بالعهد أي لا أنقض العهد، ولا أحبس البرود أي الرسل، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع " ([20]) . قال الإمام الشوكاني: معنى هذا الحديث دليل على أنه يجب الوفاء بالعهد للكفار يجب للمسلمين، لأن الرسالة تقتضي جواباً يصل على يد الرسل فكان ذلك بمنزلة عقد العهد، وحتى لا يؤول بأن الرسول r قد حبس الرسول أو أن إسلام رسول قريش كان خوفاً على حياته ([21]).
وقد سار على هذا النهج المحمدي الإنساني خلفاء وسلاطين وملوك وأمراء وعظماء حكام المسلمين في المحافظة على حماية الموفدين والديبلوماسيين. قال التابعي الجليل سعيد بن جبير: " جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب t فقال: يا خليفة المسلمين، إن أراد الرجل منا أن يأتي بحاجة قتل، فقال علي t لا، لأن الله تعالى يقول: ]وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [([22])([23]).
فقد استدل الصحابي الجليل خليفة المسلمين علي t بعدم جواز قتل المشرك القادم في حاجة إلى دار الإسلام بتلك الآية، ومن الحاجات التي يقدم إليها المشركون لدار الإسلام تبليغ الرسائل، ولقد نص الحنفية والشافعية والزيدية والحنابلة على أن الرسل لا تقتل ([24]).
و رغم أن ملك الفرس خسرو قطع الخطاب الذي أرسله إليه الرسول r وداسه بأقدامه ونجا حامله من القتل بأعجوبة، كما أن السفراء الذين أرسلهم الرسول r إلى أميري الغساسنة عوملوا أسوأ معاملة، ومبعوث الرسول r إلى حاكم باسورا الروماني قتل على يد هذا الأخير ([25]). فقد أكرم الرسول r مبعوث المقوقس عظيم القبط وقبل هداياه، وأكرم رسول هرقل. وقد أثرت هذه المعاملة الحسنة في بعض الرسل فدخلوا في الإسلام.
النهى عن قتال وترويع المدنيين ومن ألقى السلاح من المقاتلين
إن من محاسن الدين الإسلامي أن جعل الجهاد في دائرة مغلقة لا تتجاوز أهل العدوان والطغيان ممن قاتلوه، ولم تمتد لكل من خالفه، بل فرق بين من قاتله وبين من لم يقاتله، وفى هذا مثال للرفق والرحمة بالضعفاء والولدان.
وقد نهى الله عز وجل عن قتال من لم يقاتل المسلمين، كائناً من كان، ولو كان من رجال الدين من الرهبان والقساوسة والأحبار، و هذا النموذج من أعظم الأمثلة على المعاملة الحسنة لأهل الكتاب، فإنه رغم أنهم أهل كفر وشرك لا ينفعهم ما هم عليه ما لم يدخلوا في دين الله، إلا أن الله عز وجل أمرنا بحسن معاملتهم ما داموا لم يتعرضوا بشيء لأهل الإسلام، ولم يؤذوهم أو يقاتلوهم، فقد قال تعالى: ]لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [([26]).
إن الإسلام ليرفض إساءة معاملة الخلق بسبب الدين، ويدعو إلى العدل مع الناس جميعاً وإلى البر العام والرحمة والعدل في السلم والحرب، فَقَتْلُ هؤلاء من الاعتداء والظلم الذي لا يرضاه الله، قال تعالى:] وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [([27]).
فلا يجوز قتل من لا يقاتل من المشركين مثل: النساء، و الأطفال والصبيان، و الرهبان: المنقطعين للعبادة وغالباً ما تطلق على العباد من أهل الكتاب، و الزَّمْنَى: أصحاب الأمراض المزمنة التى تعوقهم من الجهاد، و الشيوخ، و العُسفاء والأجراء والفلاحون.
لا يجوز قتالهم حتى ولو شارك أهلوهم وأحباؤهم وذووهم في القتال، لذلك نجد النبي r يعلم أصحابه ألا يتعرضوا للمدنيين، ولا يؤخر ذلك البيان لهم عن وقت حاجته، بل متى وجده أنكره لعظم شأنه، فكيف بمن روعوهم واختطفوهم وقتلوهم؟! إن هذا لعجب عجاب.
و قد أنكر النبي r قتل المرأة المشركة. فعن أبو بكر بن أبى شيبة قال: غزونا مع رسول الله r فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس فأفرجوا له فقال « ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل ». ثم قال لرجل « انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له إن رسول الله r يأمرك يقول لا تقتلن ذرية ولا عسيفا »([28]).
ففى هذا الحديث حينما رأى النبي r المرأة المقتولة أنكر ذلك على مرأى ومسمع من أصحابه أجمعين، فأنكر عليهم وأخبرهم أنها ما كانت تقاتل، فَلِمَ تُقتَل؟! ثم عجل بالإرسال لأحد قواده آمراً له بألا يقتلوا الذرية والأجراء، فإن الجهاد ليس دماء ووحشية وهمجية، وإنما الجهاد رحمة بالعباد.
و عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: (وجدت امرأةمقتولةفي بعض مغازي رسول الله r، فنهى رسول الله r عن قتل النساء والصبيان)([29]).
وأماالرهبان والعباد في الصوامع فقد نهى النبي r عن قتلهم في قولهr: (اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلواولا تقتلوا الولدان ولا أصحابالصوامع)([30]).
و قد طبق الصحابة هذا النهى في ساحة القتالففى غزوة أحد (شوال 3 هـ) أخد أبو دجانة سماك بن خرشة رضى الله عنه سيف رسول اللهr بحقه أن يثخن في القوم، فما كان يدع شيئاًً يمر به إلا هتكه، وبينما هو كذلك إذ رأى إنساناً يشجع الناس فأقبل عليه وقد حمل السيف فوق رأسه، فلما علم أنها هند بنت عتبة عدل عنها وتركها ([31])، وقال في ذلك: كرهت أن أضرب بسيف رسول اللهrامرأة لا ناصر لها([32]).
ولما تمكن المشركون من خَبِيب رضى الله عنه وباعوه، فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً حتى اجتمعوا على قتله، وقد طلب خبيب رضى الله عنه من بنات الحارث موسي ليستحد بها ففعلوا، وبينما هم في غفلة من أمرهم إذ وجدوا صبيا من صبيانهم قد أتي خبيباً وجلس في حجره، فلما رأته أحدهم فزعت فزعة عرفها خبيب في وجهها فقال لها: أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيراً مثل خبيب([33]).
فها هو خبيب رضى الله عنه رغم تمكنه من هذا الغلام إلا أنه لم يحاول المساس به أو المساومة عليه رغم وجود السلاح بحوزته، وبَيَّنَ للقوم أن هذا ليس من خلق أهل الإسلام، فكان ذلك الفعل سبباً في ثناء المشركين على خلقه رضى الله عنه، والذي تأصل لديه من خلال المنهج الأخلاقي المستمد من الكتاب والسنة.
كما نَهْى النبي r عن قتال من ألقى السلاح في فتح مكة، فحينما دخل مكة أمر أن ينادى في القوم أنه: (من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن)([34])، فها هو يأمر بالكف عمن حمل السلاح لمواجهة المسلمين ثم ألقاه رغبة في السلام، فإن الإسلام لم يعاقبه بمجرد الوقوف أمامه، بل إنه بمجرد توقفه عن قتال المسلمين فقد حرم قتاله وقتله، وصار كالمدنيين الذين لا يحملون سلاحاً فلا يجوز قتالهم.
حسن معاملة الأسرى والرقيق والسبى
لقد وضع الإسلام للحروب نظامًا متميزًا، وتفصيلًا دقيقًا لأسبابِهَا، ووسائلها وغاياتِهَا، ومن ينظر لأحكام الحرب في التشريع الإسلامي يرى أن الإسلام كان له قدم السبق في تنظيم هذه الظاهرة، فلا عجب ولا غرابة من دين اتسم بالرحمة والإنسانية أن يفرض الرحمة والإنسانية في معاملة أسرى الحرب، في وقت كانت فيه جميع الأمم الأخرى تقتل الأسرى أو تستعبدهم.
لقد أرشد الله عز وجل إلى الإحسان في معاملة الأسرى ([35]) في كتابه العزيز قائلاً: ]وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (٩)إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [ ([36]).
فقد خلد رب العالمين هذا الأمر في كتابه المبين، وحث عباده على الإحسان في معاملة الأسرى، فَأَنَّي لأعداء الإسلام أن ينالوا من هذا الدين بالباطل ويزعمون أنه دين القهر والرعب والإرهاب، وفرض العقائد بالسيف والسنان لا بالدعوة إلى سبيل الرحمن.
وقال تعالى:] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ ([37])
وإن من يتأمل تراث الإسلام في مسألة الأسرى، ويطلع على ما دونه علماء الإسلام عن الأسرى وحقوقهم في الإسلام يلحظ بجلاء أن الإسلام يجنح باستمرار إلى تغليب الجانب الإنساني في معاملة الأسرى، والأهم من ذلك أن الإسلام أخضع معاملة الأسرى لنظام محكم وتشريع مدون، لا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوزه أو التعدي عليه لا سيما تحت ضغط الحالات النفسية المتوترة التي تولدها الحروب والانتصارات.
لقد عامل الإسلام الأسرى معاملة إنسانية رحيمة، فهو يدعو إلى إكرامهم والإحسان إليهم، ومدح الذين يبرونَهُم ويثنون عليهم الثناء الجميل.
فالإسلام بسماحته قرر أنه يجب على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وتلبية إحتياجاته من مطعم ومشرب: فعن عمران بن حصين رضى الله عنه أنه قال: (أسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله r. وأسر أصحاب رسول r رجلاً من بنى عقيل وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسول الله r وهو في الوثاق، قال: يا محمد ! فأتاه فقال: ما شأنك ؟ فقال: بم أخذتني ؟ وبم أخذت سابقة الحاج ؟ فقال: إعظاما لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد ! يا محمد ! وكان رسول الله r رحيماً رقيقا. فرجع إليه فقال: ما شأنك ؟ قال: إني مسلم. قال:لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح، ثم انصرف فناداه فقال: يا محمد ! يا محمد ! فأتاه فقال: ما شأنك ؟ قال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني قال: هذه حاجتك)([38])
فها هو رسول الله r يتفقد الأسرى بنفسه، ويلين لهم في القول، ويتواضع معهم في الحديث، ويطعمهم ويسقيهم متى أرادوا كما فعل مع هذا الأسر، رغم أنهم من كانوا منذ قليل حريصين على قتلهم والحرب مشتعلة بينهم .
بل و تزوج النبي r من الأسرى، فعن عروة بن الزبير عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين - قالت عائشة رضى الله عنها - فجاءت تسأل رسول الله r في كتابتها فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مكانها وعرفت أن رسول الله r سيرى منها مثل الذي رأيت فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث وإنما كان من أمرى ما لا يخفى عليك وإنى وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وإنى كاتبت على نفسى فجئتك أسألك في كتابتى فقال رسول الله r « فهل لك إلى ما هو خير منه ». قالت وما هو يا رسول الله قال « أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك ». قالت قد فعلت قالت فتسامع - تعنى الناس - أن رسول الله r قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبى فأعتقوهم وقالوا أصهار رسول الله r فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها أعتق في سببها مائة أهل بيت من بنى المصطلق([39]). وفي هذا أعظم تكريم لمعاملة الأسرى.
ونهى r عن وطء الحبالي من السبايا حتى يضعن: فمن حسن معاملتهم أن رسول الله r نهى عن وطء السباياحتى يضعن ما في بطونهن، ولو كان سعيهم من أجل النساء والاستمتاع بهن لما كان للاحتياط في الفروج نصيب من دعوتهم، فعن العرباض بنساريةرضى الله عنه أنه قال: (أن رسول الله r نهى عن توطأالسباياحتى يضعن ما في بطونهن)([40]).
ومن الواجبات التي قررها الإسلام كسوة الأسير كسوة لائقة به تقيه حر الصيف وبرد الشتاء، فعن جابر رضى الله عنه أنه قال: (لما كان يوم بدر أُتِيَ بِأُنَاسٍ وأُتِيَ بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي r له قميصا فوجد قميص عبد الله بن أبى يقدر عليه فكساه النبي r إياه فلذلك نزع النبي قميصه الذي ألبسه)([41]). كما ورد أنه r كسا بعض الأسارى من ملابسه.
كما أن الإسلام لم يجعل الإكراه وسيلة من وسائل الدخول في الدين بل جعل وسيلة ذلك استعمال العقل وإعمال الفكر والنظر في ملكوت السموات والأرض، قال تعالى: ]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ ([42])، وقد ثبت أن النَّبِـي r كان يأسر الأسرى ولم يعرف أنه أكره أحدًا منهم على الإسلام، وكذلك كان أصحابه يفعلون، ولعل هذا تفسيرٌ صريحٌ لقوله تعالي:] لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ ([43]) .
ولقد أمسك الصحابة رضوان الله عليهم يوما بأحد أعداء الدين يدعى ثمامة بن أثال، وظل موثوقًا ثلاثة أيام دون إكراه له على ترك دينه والدخول في الإسلام. فعن أبى هريره t قال بعث النبي r خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سوارى المسجد، فخرج إليه النبي r فقال « ما عندك يا ثمامة ». فقال عندى خير يا محمد، إن تقتلنى تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. حتى كان الغد ثم قال له « ما عندك يا ثمامة ». قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد، فقال « ما عندك يا ثمامة ». فقال عندى ما قلت لك. فقال « أطلقوا ثمامة »، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى، والله ما كان من دين أبغض إلى من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلى، والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلى، وإن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة، فماذا ترى فبشره رسول الله r وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل صبوت. قال لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله r، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي r([44]).
وقد حث الاسلام على السَّعْيُ في فكاكهِم. فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله r: " فكوا العانى - يعنى الأسير - وأطعموا الجائع وعودوا المريض " ([45])
وقد برزت حسن معاملة الأسرى في سيرة رسول اللهr من خلال عدة مواقف بما يوضح خلق المجاهدين المسلمين، وأن أخلاقهم لا تنفك عنهم حتى إن تمكنوا ممن كان حريصاً على قتالهم.
ففي غزوة بدر استشار النبي r في أسارى بدر فأشار عليه أبو بكر t أن يأخذ منهم فدية، فهم بنو العم والعفو عنهم أحسن، ولعل الله أن يهديهم إلى الإسلام. وقال عمر t: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها!!
فهوي النبي r ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر. فلما كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله r يبكى هو وأبو بكر فقال: يا رسول الله! من أي شئ تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله r: "أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء ! لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة !" وأنزل الله تعالى قوله: ]مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[([46]).
فعن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله r: "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك، وكذبوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنت في واد كثير الحطب، فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه. [قال: فقال العباس: قطعت رحمك] قال: فسكت رسول الله r فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله r فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، عليه السلام، قال:] رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [([47])، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، عليه السلام، قال:] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[([48])، وإن مثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام، قال: ]وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ [([49])، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام، قال: ]وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [([50])،أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق" ([51]).
وحين أقبل بالأسارى – بعد بدر - فرقهم النبيr بين أصحابه وقال: "استوصوا بهم خيراً"([52])
وهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى. قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله r:" استوصوا بالأسارى خيرا "([53]) . وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها. قال فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها([54]).
و عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: " جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - قال لما كان يوم بدر أتى بأسارى، وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي r له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبى يقدر عليه، فكساه النبي r إياه، فلذلك نزع النبي r قميصه الذي ألبسه "([55])
وهذا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ يحدثنا قال: كنت في رهط من الأنصار - جزاهم الله خيرًا -، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون([56])
هذا هو الإسلام، و هذا هو تسامح و إخاء الإسلام، و هذه هي الأخلاق الإسلامية التي غرسها رسول الإنسانية محمد r في أصحابه وجنده ، قد أثر في إسراع مجموعة من كبراء الأسرى وأشرافهم إلى الإسلام، فأسلم أبو عزيز عقب معركة بدر، بُعيد وصول الأسرى إلى المدينة، وتنفيذ وصية r، وأسلم معه السائب بن عبيد.وعاد الأسرى إلى بلادهم وأهليهم يتحدثون عن محمد r ومكارم أخلاقه، وعن محبته وسماحته، وعن دعوته وما فيها من البر والتقوى والإصلاح والخير([57]).
كما عفى r عن ثمانين أسيرًا في الحديبية. ورأى الرسول أسارى بني قريظة موقوفين في قيظ النهار تحت الشمس فأمر من يقومون بحراستهم قائلاً: "لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح.. قيلوهم حتى يبردوا"، وقد سئل الإمام مالك - يرحمه الله: "أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟" فأجاب قائلاً: "ما سمعت بذلك"([58]). وبذلك يحرم الإسلام تعذيب الأسرى، ويرفض إهانتهم، ويقرر عدم إهمالهم.. كما لا يجوز تعذيب الأسير، ولا إهانته للحصول على معلومات عسكرية منه..
و من سماحته r, رحمته لقتلى العدو و مواراة قتلاهم. فعندما انتصر النبي r على المشركين في معركة بدر نصراً ساحقًا، وقُتل في هذه الموقعة سبعون من صناديد الوثنية، لم يأمر النبي r بالتمثيل بجثث القتلى أو إهانتها، بل أمر رسول اللهr بدفنهذه الجثثفي بئر من آبار بدرالقديمة..
وقد ورد أنه r وقف على القتلى فقال – يعاتبهم في حرقة -: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس»([59])..
ونادى عليهم وهم في البئر قائلاً: «يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب»([60]).
ولما حاول نوفل بن عبد الله – لعنه الله – اقتحام الخندق الذي صنعه المسلمون لتحصين المدينة من حصار التحالف الوثني – في غزو الأحزاب - ومات مقتولاً في الخندق، عندما أصر على اقتحامه في فرقة من المشركين، سأل المشركون المسلمين جثته بمال يعطونه المسلمين، فأرسل المشركون إلى النبي: أن أرسل إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفاً.. فتعفف رسول الله عن هذا المال الخبيث، ونهاهم عن ذلك وكرهه !! وقال: " ادفعوا إليهم جيفتهم فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ"([61]).
هذه هي مبادئ و تعاليم الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، فهل تستطيع الأمم المتحضرة أن تقتدى بتعليمات و تطبيقات سيد الأنام r، حتى تحقق السلم و الأمن الدوليين، أم أنها تكتفى بمجرد الإعلانات و المواثيق المكتوبة فقط، و التى لا تطبق إلا بمعاير معينة، أو بسياسة معينة (الكيل بمكيالين).

الخاتمـة
أحمد الله تبارك و تعالى أن وفقني لإتمام هذا البحث المتواضع " التسامح فريضة إسلامية "، وأصلي و أسلم على رحمة الله للعالمين سيدنا محمد r، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فقد خلق الله كل شيء بحكمته، وأنزل الشريعة برحمته، فهو أحكم الحاكمين، وقد أنزل شرعه المطهر، ليخرج به من الظلمات إلى النور، وليتم عليهم نعمته، قال تعالى مخاطباً رسوله r : ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ ([62])، وقال تبارك و تعالى: ]مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ ([63])
فهذه الشريعة المطهرة جاءت لتحقق مصالح العباد في العاجل و الآجل؛ فهى خير كلها، و عدل كلها، و رحمة كلها، و حكمة كلها،أحكامها تدور على مقاصد عادلة، و حِكم عالية([64]).إنها الشريعة التي ارتضاها الله تبارك و تعالى فأتمها وأكملها:] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا [ ([65]).
إن الإسلام، دين الرحمة بالناس أجمعين، يقول تعالى: ]هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ ([66])،و يقول تعالى:] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [([67])، وهو دين الخير للعالمين مؤمنهم وكافرهم، فروح الإسلام تُمكن له من إقرار السلام في الأرض، و من تأليف الأجناس و الألوان، و من إشاعة السماحة و الود و التراحم بين بنى البشر، و من تنقية جو الحياة من سموم التحاسد الفردى، و التطاحن الطبقى، و التناحر العنصرى، كما تمكنه من كف الحروب و المجازر التى تقوم على تلك الأسباب، و على الرغبة في التوسع لمجرد الاستغلال المادى أو العظمة الكاذبة ([68])
إن الإسلام في حقيقته دعوة إنسانية عالمية شاملة، تهدف أول ما تهدف إلى تأليف القلوب، فالناس كلهم إخوة، و هذه الإخوة أباحت مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم، كما أباحت مصاهرتهم والتزوج من نسائهم المحصنات العفيفات، مع ما قرره القرآن من قيام الحياة الزوجية على المودة والرحمة،] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ ([69])
و عن مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال أهديتم لجارنا اليهودى أهديتم لجارنا اليهودى سمعت رسول الله r يقول « ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه »([70]).
وماتت أم الحارث بن أبى ربيعة وهى نصرانية، فشيعها أصحاب رسول الله r.
إن في الإسلام من التسامح، والسماحة الإنسانية ما لا يملك منصف أن ينكره أ و يراوغ فيه، وهى سماحة مبذولة للكافة ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ ([71])، وليست لأتباع عقيدة معينة، وإنما هى للإنسان بوصفه إنساناً
النتائج
(1) لقد جاءت الآيات القرآنية لتؤكد على التسامح في آيات كثيرة، يقول تعالى: ] فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [ ([72]), و يقول تعالى::] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [([73]).
(2) بين النبي rأن السماحة هي خلق إسلامي، فعن عائشة قالت: قال رسول الله r: " إني أرسلت بحنيفية سمحة"([74]). كما كانت للرسول r مواقف مع غير المسلمين تبين تسامحه r على امتداد الرسالة، ففي فتح مكة يدخلهاr في عشرة آلاف مقاتل، فيقول أحد الصحابة: اليوم يوم الملحمة، فيقول r: بل اليوم يوم المرحمة. و صفح r عن مشركي مكة، و أمنهم على أموالهم وأعراضهم وضمن لهم حرية المعتقد في أقدس البقاع وأشرفها، و قال r " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
(3) من أعظم صور التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام دعوته إلى الإيمان بجميع الأنبياء دون تفريق بين نبي ونبي فكلهم جاءوا بدعوة واحدة، ورسالة واحدة، وهدف واحد. قال تبارك و تعالى:] آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ ([75]).
(4) قرر الإسلام وحدة البشر وأعلن الإخوة الإنسانية بينهم، وأن الناس جميعا ولدوا من أب واحد وأم واحدة، يقول تبارك و تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [ ([76])، وأنهم سواسية لا فرق بينهم لا في اللون ولا في العرق ولا في البلد.
(5) لقد كرم الله- تعالى- الإنسان وشرفه بأن خلق أباه آدم uبيده ونفخ فيه من روحه، قال تعالى:] إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ ([77])، و قال تبارك و تعالى:] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا [ ([78]).
(6) لقد أعلن الإسلام مبدأ الإنصاف، وحسن التعامل مع غير المسلمين، قال تعالى: ]وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ ([79])،و قال تبارك و تعالى:] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [([80])، و قال تعالى: ]لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [([81]).
(7) لقد أرسى الإسلام مبدأ الحرية الدينية منذ فجر البعثة المحمدية، ومنع الإكراه وممارسة الضغط للدخول في دين ما، قال تعالى:] لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ ([82]).
و جاء في كتابه r بين المهاجرين والأنصار واليهود (دستور المدينة) بعد هجرته إلى المدينة: " لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته" ([83])
(8) قرر الإسلام حقوق غير المسلمين، حيث حرص الإسلام على عصمة دماء غير المسلمين كحرصه على عصمة دماء المسلمين تماما. فحرمة الأنفس على إطلاقها مكفولة في الشريعة الإسلامية. يقول الله تعالى مؤكّدًا ذلك: ]مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [([84]). وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: " ألا من قتل نفسًا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا " ([85]).
(9) إن القاعدة الذهبية الحكيمة في علاقة المسلمين بغيرهم و التي توضح هي التي أسندها الكاساني إلى حديث نبوي شريف، وهى قول النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث " فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين " ([86]).
(10) لقد طبق الإسلام مبادئ التسامح و الإخاء الإنساني في أوقات الحروب. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله r إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً "([87]).ورأى r في بعض حروبه امرأة من الأعداء مقتولة،فغضب وأنكر وقال:ألم أنهكم عن قتل النساء؟ ما كانت هذه لتقاتل.
(11) شهد بهذا التسامح و الإخاء الإسلامي الفريد العديد من الباحثين غير المسلمين, من المستشرقين وغيرهم, فهذه المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه تقول: " (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) هذا ما أمر به القرآن الكريم, وبناءً على ذلك فإنَّ العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام. فالمسيحيُّون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة التعصُّب الديني وأفضعها, سُمح لهم جميعًا دون أيِّ عائق يمنعهم, بممارسة شعائر دينهم. وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسُّوهم بأدنى أذى. أوليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ, وبعد فضائع الإسبان واضطهادات اليهود؟
إنَّ السادة والحكام المسلمين الجدد لم يزجّوا بأنفسهم في شئون تلك الشعوب الداخلية. فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: (إنهم يمتازون بالعدل ولا يظلموننا البتَّة, وهم لا يستخدمون معنا أي عنف)". ([88])
لقد كان الإسلام طوال الأربعة عشر قرناً الماضية دين التسامح الأول في التاريخالبشري. فلقد عاش في ظل الإسلام من كانوا من غير المسلمين بحيث أجاز لهم أن يعيشوا في سلام وأمن في فيء الإسلام وأن يتمتعوا بكامل الحرية و التساوي في المعاملة مع إخوانهم من المسلمين في ظل قانونالإسلام الذي حماهم بأشخاصهم هم وممتلكاتهم.
هذا هو الإسلام، و هذا هو التسامح و الإخاء الإنساني في الإسلام، و هذه هي رسالة الرحمة للعالمين ] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ ([89]).
لله الحمد على ما منَّ به عليَّ أولاً وآخراً، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يجعل هذا البحث لوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن ينفعنى بما كتبت وقرأت وسمعت.
و لست أزعم أني أنظر إلى بحثي هذا بعين الرضا التام، فالكمال لله وحده، والعصمة لأنبيائه ورسله، ولكن حسبي أني قد استفرغت فيه أقصى طاقتي، وبذلت فيه أقصى جهدي، فإن كنت قد أصبت فالفضل لله – تبارك وتعالى – وحده، وإن كانت الأخرى فعذري أني قصدت الخير، وشفيعي قول الحق تبارك وتعالى: ] وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [. ([90])
و لا احسبني إلا معيداً لقول العماد الأصبهاني: " إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده، لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
] رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ ([91]).
]سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ ([92])
المصادر و المراجع
1. ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني: الكامل في التاريخ، تحقيق: عبد الله القاضي، الطبعة الثانية، بيروت، دار الكتب العلمية، (1415هـ).
2. ابن تيمية: مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن النجدي وابنه محمد، القاهرة، طبع إدارة المساحة العسكرية، تنفيذ مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، (1404هـ).
3. ابن حنبل، أحمد: الموسوعة الحديثية (المسند)، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الرسالة، (1420هـ1999م).
4. ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، إيران، دار الكتب العلمية، دون ذكر الطبعة والتاريخ.
5. ابن قيم الجوزية: أحكام أهل الذمة، تحقيق سيد عمران، دار الحديث، 1426هـ-2005م.
6. ابن قيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية، تحقيق عواد المعتق، مطابع الفرزدق، الأولى 1408هـ.
7. ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، حققه: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط،الطبعة الأولى، 1399هـ، دار الرسالة
8. ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي أبو الفداء: البداية والنهاية، بيروت، مكتبة المعارف.
9. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامى بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر و التوزيع، الرياض، 1997م
10. ابن منظور: لسان العرب، بيروت، دار صادر، دون ذكر الطبعة والتاريخ.
11. أبو إسحاق الشاطبى، الموافقات في أصول الشريعة، خرج أحاديثه: أحمد السيد سيد أحمد على، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006م
12. أبو الحسن الماورديّ, الأحكام السلطانية والولايات الدينية., دار الكتب العلمية، بيروت، 1402هـ -1982م
13. أبو عبيد القاسم بن سلاّم، كتاب الأموال، تحقيــــق: محمَّد خليـــــــل هرّاس، دار الكتب العلمية، بيروت, 1406هـ -1986م
14. أحمد أمين، يوم الإسلام، دار الكتاب العربى، بيروت، 1952م.
15. أحمد الجهينى: الإسلام و الآخر، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2007م.
16. د.أحمد الريسونى، د.محمد الزحيلى، د.محمد عثمان شبير، حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة، كتاب الأمة،، قطر، المحرم، 1423هـ
17. أحمد بن عبد الرحمن الصويان: الحوار: أصوله المنهجية وآدابه السلوكية، الطبعة الأولى، الرياض، دار الوطن، (1413هـ).
18. أحمد محمد الحوفي: سماحة الإسلام، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2003م
19. أحمد بن محمد الفيومي: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المطبعة الأميرية، القاهرة، ط4، 1921م.
20. آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجرى، ترجمة: محمد عبد الهادى أبو ريدة، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2008م
21. آرثر ستانلي ترتون. أهل الذمَّة في الإسلام. ــ ترجمة وتعليق:حسن حبشي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م
22. البلاذرى، فتوح البلدان، حققه: عبد الله أنيس الطباع، مؤسسة المعارف للطباعة، بيروت، 1987م
23. البيهقي، الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو أحمد. البيهقي: معرفة السنن والآثار عن الإمام أبي عبد الله محمد بن أدريس الشافعي، تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية.
24. الذهبي, ســـير أعــــــلام النبــــــلاء، مؤسسة الرسالة ــ ط2. ــ بـــيروت
25. الراغب الأصفهانى، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: محمد سيد كيلانى، دار المعرفة، بيروت
26. الترمذي، محمد بن عيسى: الجامع الصحيح، تحقيق محمود محمد، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلمية، (1421هـ2000م).
27. الجوهري: تاج اللغة وصحاح العربية المسمى الصحاح، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1419هـ، 1999.
28. السرخسى: شرح السير الكبير، قدم له د. عبد العظيم العناني، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م.
29. السيد أحمد المخزنجي، العدل و التسامح في ضوء الإسلام، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006م.
30. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم: المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد،‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، القاهرة، دار الحرمين، (1415هـ).
31. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم: المعجم الصغير (الروض الداني)، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، الطبعة الأولى، بيروت، عمان، المكتب الإسلامي، دار عمار، (1405هـ/1985م).
32. الطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى): تاريخ الطبري تاريخ الرسل و الملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية،القاهرة.
33. الطبرى (أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى): جامع البيان عن تأويل آى القرآن، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركى، دار هجر للطباعة والنشر و التوزيع و الإعلان، الطبعة الأولى، القاهرة، 1422هـ - 2001 م .
34. القرطبى (أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي): الجامع لأحكام القرآن،، تحقيق د.عبد الله عبد المحسن التركى، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 2006.
35. توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام,ترجمه إلي العربية: د.حسن إبراهيم حسن، د.عبد المجيد عابدين، اسماعيل النحراوي، مكتبة النهضة المصرية، 1971م.
36. حسن المِمّي: أهل الذّمَّة في الحضارة الإسلامية، دار الغرب الإسلامي, بيروت: 1998م
37. د.حسن على حسن: أهل الذمة في المجتمع الإسلامي، سلسلة دراسات إسلامية، العدد (120)، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، جماد الآخر 1426هـ - يوليو 2005م.
38. د.حسين مؤنس،عالم الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة, 1410هـ -1998م
39. زيغريد هونكه. شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوربة، دار الآفاق الجديدة، 1993م
40. سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، 1405هـ - 1985م، الطبعة الحادية عشرة.
41. سيد قطب، السلام العالمى و الإسلام، دار الشروق، الطبعة الرابعة عشرة، القاهرة، 2006 م
42. سيِّدة إسماعيل كاشف، مصر الإسلامية وأهل الذمّة الهيئة المصرية العامّة للكتاب, القاهرة: 1993م
43. شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: د. عمر عبد السلام، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتاب العربي، (1407هـ /1987م).
44. صالح بن عبد الله حميد، عبد الرحمن ملوح، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول،دار الوسيلة للطبع و النشر، جدة، 1418هـ - 1998م
45. د. صبحي الصالح: الإسلام ومستقبل الحضارة، الطبعة الثانية، دمشق، بيروت، دار قتيبة، ودار الشورى، (1990م).
46. صفى الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، دار الوفاء، الطبعة التاسعة عشرة، المنصورة، 2007م
47. عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية وأسسها، دار القلم، دمشق.
48. عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ضبط المتن و الحواشى: خليل شحادة، مراجعة د.سهيل زكار، دار الفكر العربى للطباعة، بيروت، لبنان، 2000م.
49. د.عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن اللويحق، مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى، 1423هـ - 2002م
50. عبد العزيز عبد الله الحميدي: التاريخ الإسلامي مواقف وعبر، دار الدعوة، الإسكندرية،، الطبعة الأولى 1418هـ- 1998م
51. د.عبد العزيز عثمان التويجرى، الحوار من أجل التعايش، دار الشروق، 1998م
52. د.عبد الله دراز، الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القــلم، الكويت، الطابعة الثانية، 1390هـ=1970م
53. عبد المتعال الصعيدى: الحرية الدينية في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 2001م.
54. علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1986م
55. د. على جمعة: التسامح الإسلامى في نصوص الشرع الشريف، مؤتمر التسامح في الحضارة الإسلامية، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة،1425هـ - 2004م.
56. علي عبد الواحد وافي: المساواة في الإسلام، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2007م.
57. علي عبد الواحد وافي: حقوق الإنسان في الإسلام، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، سلسلة قضايا إسلامية، العدد: 159، القاهرة، مايو 2008م.
58. علي بن محمد الجرجاني: التعريفات، تحقيق د. عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة.
59. د.على محمد الصلابى، السيرة النبوية عرض و قائع و تحليل أحداث، مكتبة فياض، المنصورة، 1428هـ - 2007م
60. عمر سليمان الأشقر، تاريخ الفقه الإسلامي، دار النفائس، لبنان، 1991م
61. محمد أبو زهرة: العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، بيروت، 1415هـ - 1995م
62. محمد بن إسماعيل البخاري: صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، 1415هـ 1995م، مطبوع مع فتح الباري لابن حجر العسقلاني.
63. د. محمد الراوي: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، مكتبة العبيكان، 1995م
64. محمد الغزالى: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، دار نهضة مصر للطباعة و النشر، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2005م
65. محمد الغزالى: حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، نهضة مصر للطباعة و النشر، القاهرة، 2005م
66. محمد الغزالى: فقه السيرة، دار الشروق، القاهرة، 2000م.
67. مسلم بن الحجاج مسلم: صحيح مسلم، دار الخير، دمشق، بيروت، ط1، 1414هـ:، 1994م، مطبوع مع شرح صحيح مسلم للنووي.
68. محمد الخضري: تاريخ التشريع الإسلامي، المكتبة التجارية الكبرى، مطبعة السعادة، الطبعة السادسة، 1373هـ- 1954م
69. د.محمد الدسوقي: نحو رؤية إسلامية في القانون الدولي الإنساني, المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، سلسلة قضايا إسلامية، العدد: 156، القاهرة، فبراير 2008م
70. د. محمد الزحيلي، حقوق الإنسان في الإسلام، دار الكلم الطيب، دمشق، الطبعة الثانية، 1418هـ=1997م
71. محمد الطاهر ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون.محمد حسين فضل الله: في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي، دار الملاك، ط1، 1414هـ، 1994م.
72. محمد الطاهر ابن عاشور, مقاصد الشريعةالإسلامية، تحقيق محمدالطاهر الميساوي, دار النفائس، الطابعة الثانية، عمان, الأردن, 2001 م.
73. محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1405هـ- 1985م
74. د. محمد سيد طنطاوي: أدب الحوار في الإسلام، د.ط، القاهرة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، (1997م).
75. د. محمد سيد طنطاوي: هذا هو الإسلام، حوار هادئ مع قداسة بابا الفاتيكان، هدية مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، ذي القعدة، 1427هـ.
76. محمد عمارة: الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي، مؤتمر حقيقة الإسلام في عالم متغير، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية،القاهرة، 2003
77. محمد كمال المويل: الحوار في القرآن الكريم، الطبعة الأولى، دمشق، دار الفارابي للمعارف، (1320هـ/2000م).
78. محمد ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، المكتب الإسلامي، الرابعة 1405هـ.
79. محمد ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، المكتب الإسلامي، الأولى 1399هـ
80. محمد ناصر الدين الألباني: صحيح السيرة النبوية، المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى.
81. محمد بن يعقوب الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط6، 1419هـ، 1998م.
82. محمد بن يوسف الصالحي الشامي: سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، تحقيق وتعليق الشيخ عادل احمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1414 ه‍ - 1993
83. د.محمود حمدى زقزوق: الإسلام و قضايا الحوار، مكتبة الأسرة و القاهرة، 2007م.
84. د.محمود حمدى زقزوق: التسامح في الإسلام، المؤتمر العام السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية " التسامح في الحضارة الإسلامية "، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة،1425هـ - 2004م.
85. د.محمود حمدى زقزوق: حقائق إسلامية في مواجهة حملات التشكيك، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية،القاهرة، 1427هـ
86. د.محمود حمدى زقزوق، مقاصد الشريعة الإسلامية و ضرورات التجديد، سلسلة قضايا إسلامية، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، شوال 1424هـ - 2003م.
87. د.محمود محمد عمارة: من أجل حوار لا يفسد للود قضية، سلسلة البحوث الإسلامية، الكتاب التاسع، السنة الثامنة و الثلاثون، الأزهر الشريف، 1428هـ - 2007م.
88. د.مصطفي السباعي، من روائع حضارتنا، دار السلام، القاهرة، 1998
89. د. مصطفى محمود عفيفي، الحقوق المعنوية للإنسان بين النظرية و التطبيق، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى
90. ول ديورانت، قصة الحضارة.,مكتبة الأسرة، القاهرة، 2001م.
91. د. وهبة الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة، دار الفكر، 1981م.
92. د.يوسف القرضاوى: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع و التفرق المذموم، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2001م.
93. د. يوسف القرضاوى، غير المسلمين في المجتمع الاسلامى، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، القاهرة، 1413هـ - 1992م
الفهرس

الموضوع الصفحة

المقدمة........................................... ...................................

2
فصل تمهيدى: التسامح و الإخاء الإنساني في القرآن و السنة.......................
5
التسامح لغةً .................................................. ...............

5
التسامح اصطلاحاً.......................................... ....................

5
تاريخية مفهوم التسامح .................................................. ......

6
المصطلحات ذات الصلة بالتسامح ...............................................

8
الرحمة .................................................. .......................

8
العفو .................................................. .......................

11
الحلم .................................................. .......................

13
الرفق .................................................. ......................

16
آيات القرآن الكريم التي تدعو إلى التسامح ......................................

19
الأحاديث النبوية التي تدعو إلى التسامح ......................................

21
من فوائد التسامح و السماحة ...............................................

24
الفصل الأول: التسامح الاسلامي و الحرية الدينية ...............................

26
الحرية الدينية في القرآن الكريم ..................................................

29
الحرية الدينية في السنة النبوية .................................................. .

37
شهادات المنصفين .................................................. ............

48
الفصل الثانى: التسامح الإسلامي و المساواة .....................................

55
المساواة في اللغة .................................................. .............

55
المساواة اصطلاحاً .................................................. ...........

56
من صور المساواة في الإسلام .................................................. .

56
المساواة في الكرامة الإنسانية .................................................. ..

58
الحق في الحماية .................................................. ..............

67
الحق في عصمة دمه و ماله و عرضه .............................................

69
المساواة في العمل و الاكتساب ..................................................

74
الحق في التأمين عند العجز و الفقر و كبر السن ...................................

78
مجادلتهم بالحسنى .................................................. .............

81
الفصل الثالث: التسامح الإسلامي وقت الحرب ...............................

86
عدم الإجهاز على الجرحى .................................................. ...
93
عدم الإفساد في الأرض................................................... .......

93
منع التفريق بين الوالدة وولدها في السبى..........................................

94
الوفاء بالعهد وعدم الغدر أو الخيانة ..............................................
94
الإحسان في القتل والنهى عن التمثيل والتحريق ..................................

96
النهى عن قتل من أَمَّنَهُ المسلمون.................................................
98
النهى عن قتال وترويع المدنيين ومن ألقى السلاح من المقاتلين ......................

100
حسن معاملة الأسرى والرقيق والسبى ............................................
102
الخاتمة .................................................. .......................

109
النتائج .................................................. .....................

110
قائمة المراجع .................................................. ................

114

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك


([1]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب إثم الغادر للبر والفاجر

([2]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الجزية والموادعة باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله r

([3]) أخرجه أحمد في مسنده، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (6781) من حديث حذيفة بن اليمان.

([4]) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الجهاد باب فى الإمام يستجن به فى العقود

([5]) أخرجه البخاري فى صحيحه كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبى r الناس إلى الإسلام والنبوة

([6]) صحيح مسلم (1955)

([7]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب الجهاد والسير باب التوديع

([8]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب العتق باب إذا ضرب العبد فليتق الوجه

([9]) صحيح مسلم كتاب كتاب الجهاد والسير باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصية إياهم بآداب الغزو وغيرها

([10]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.

([11]) السلسلة الصحيحة (2377)

([12]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من النزاع والخلاف فى الحرب وعقوبة من عصى إمامه

([13]) الاية (126) سورة النحل

([14])الآية (6) سورة التوبة

([15])أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب فضائل المدينة باب حرم المدينة

([16]) أخرجه الإمام البخاري فى صحيحه كتاب الصلاة باب الصلاة فى الثوب الواحد متلحفا

([17]) د.محمد الصادق عفيفي، الإسلام والعلاقات الدولية:، دار الرائد العربي، بيروت 1406هـ. ، ص: 317.

([18]) السير الكبير، الجزء الأول، ص: 69.

([19]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد . أحمد في مسنده .

([20]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد . أحمد في مسنده .

([21])نيل الأوطار: الشوكاني، جـ8، ص30.

([22])الآية (6) سورة التوبة

([23]) القرطبى، الجامع لأحكام القرآن، الجزء الثامن، ص: 139.

([24]) السرخسي، الجزء العاشر، ص: 92.

([25]) زاد المعاد، الجزء الأول، ص: 30.

([26]) الآيتان (8، 9) سورة الممتحنة .

([27]) الآية (190) سورة البقرة .

([28]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب قتل النساء في الحرب.

([29]) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد ، باب قتل [النساء في الحرب

([30])أخرجه أحمد في مسنده

([31]) سبيل الهدي والرشاد، الجزء الرابع، ص: 192.

([32]) تاريخ الطبري، الجزء الثاني، ص: 510 .

([33]) السيرة لابن هشام، الجزء الثالث، ص: 246.

([34]) أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب الجهاد و السير, باب فتح مكة .

([35])الأسير: هو المأخوذ فى الحرب، فهو المقاتل من الكفار يظفر به المسلمون حياً . المعجم الوسيطالأسرى جمع أسيرٍ، ويجمع أيضاً على أسارى وأسارى. والأسير لغةً: مأخوذٌ من الإسار، وهو القيد، لأنّهم كانوا يشدّونه بالقيد. فسمّي كلّ أخيذٍ أسيراً وإن لم يشدّ به. وفي الاصطلاح: عرّف الماورديّ الأسرى بأنّهم: الرّجال المقاتلون من الكفّار، إذا ظفر المسلمون بهم أحياءً. وهو تعريفٌ أغلبيٌّ، لاختصاصه بأسرى الحربيّين عند القتال، لأنّه بتتبّع استعمالات الفقهاء لهذا اللّفظ يتبيّن أنّهم يطلقونه على كلّ من يظفر بهم من المقاتلين ومن في حكمهم، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها، أو من غير حربٍ فعليّةٍ، ما دام العداء قائماً والحرب محتملةٌ. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية، الكويت، 1986م، الجزء الرابع، ص ص: 194، 195 .

([36]) الآيات (8: 10) سورة الإنسان .

([37]) الآية (70) سورة الأنفال .

([38]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النذور، باب لا وفاء لنذر في معصية الله .

([39])أخرجه أبو داود في سننه كتاب العتق باب في بيع المكاتب

([40])أخرجه الترمذى في سننه كتاب السير، باب ما جاء في كراهية وطء الحبالى من السبايا

([41])أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب الكسوة للأسارى

([42]) الآية (99) سورة يونس .

([43]) الآية (256) سورة يونس .

([44]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي 4372, باب وفد بني حنيفة و حديث ثمامة

([45])أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فكاك الأسير

([46])الآية (67) سورة الأنفال

([47])الآية (36) سورة إبراهيم

([48])الآية (118) سورة المائدة

([49])الآية (88) سورة يونس

([50])الآية (26) سورة نوح

([51]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، الجزء الرابع، ص ص: 88، 89 .

([52]) ابن كثير، البداية و النهاية، الجزء الثالث، ص: 307 .

([53]) ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الأول، ص: 644 .

([54]) ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الأول، ص: 644 .

([55]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب كسوة الاسارى

([56]) الواقدى، المغازى، الجزء الأول، ص: 119 .

([57]) علي محمد الصلابي، السيرة النبوية، الجزء الثاني، ص: 41 .

([58]) وهبة الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، 1998م، ص: 414 ..

([59]) ابن القيم الجوزية، زاد المعاد ، الجزء الثالث، ص: 187 .

([60]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازى، باب دعاء النبى على كفار قريش .

([61]) أخرجه أحمد في مسنده .

([62])الآية (107) سورة الأنبياء .

([63])الآية (6) سورة المائدة .

([64])يقول ابن قيم الجوزية: " إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ص أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيمالذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم وهي العصمة للناس وقوام العالم وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقى من رسومها فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة " ابن قيم الجوزية, إعلام الموقعين عن رب العالمين، دراسة وتحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة 1388هـ/1968م، الجزء الثالث، ص: 3 .

([65]) الآية (3) سورة المائدة .

([66]) الآية (20) سورة الجاثية .

([67]) الآية (107) سورة الأنبياء .

([68]) د.سيد قطب، السلام العالمى و الإسلام، دار الشروق، الطبعة الرابعة عشرة، القاهرة، 2006 م، ص: 159 .

([69]) الآية (5) سورة المائدة .

([70]) أخرجه الترمذى في سننه، كتاب البر و الصلة، باب ما جاء في حق الجوار .

([71]) الآية (107) سورة الأنبياء .

([72]) الآية (85) سورة الحجر .

([73]) الآية (125) سورة النحل .

([74]) أخرجه أحمد في مسنده .

([75]) الآية (285) سورة البقرة .

([76]) الآية (1) سورة النساء .

([77]) الآيتان (71, 72) سورة ص .

([78]) الآية (70) سورة الإسراء .

([79]) الآية (46) سورة العنكبوت .

([80]) الآية (125) سورة النحل .

([81]) الآية (8) سورة الممتحنة .

([82]) الآية (256) سورة البقرة .

([83]) ابن كثير، البداية و النهاية، الجزء الثالث، ص: 375 .

([84])الآية (32) سورة المائدة .

([85])أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب الديات، أخرجه النسائى فى سننه، كتاب القسامة .

([86]) علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1986م، الجزء السادس، ص: 280 .

([87]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد و السير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصية إياهم بآداب الغزو وغيرها .

([88]) زيغريد هونكه. شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوربة، دار الآفاق الجديدة، 1993م، ص: 364 .

([89]) الآية (107) سورة الأنبياء .

([90])الآية (82) سورة النساء .

([91]) الآية (286) سورة البقرة .

([92]) الآيات ( 180: 182) سورة الصافات .







 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
التصالح, فريضة, إسلامية

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشورى فريضة وضرورة وحق للمسلمين نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 19-05-2013 07:26 AM
الشورى فريضة وضرورة وحق للمسلمين نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 19-05-2013 07:26 AM
رموز نظام مبارك يعرضون بعض ثرواتهم مقابل التصالح مزون الطيب الأخبار 0 14-03-2012 12:49 PM
التسامح في الإسلام نور الإسلام هدى الإسلام 0 08-02-2012 11:40 AM
بوسنى يسافر إلى مكة سيراً على الأقدام لأداء فريضة الحج نور الإسلام هدى الإسلام 0 08-01-2012 04:55 PM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 02:00 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32