تذكرني !


 


أسم موقعك

العودة   طريق الخلاص > مكتبة طريق الخلاص > العلوم الإسلامية

العلوم الإسلامية حمل كتب وبحوث إلكترونية إسلامية

أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بسم الله الرحمن الرحيم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المقدمة الحمد لله رب العالمين أحمده وأستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /18-06-2015, 11:11 AM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

ورقة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر



بسم الله الرحمن الرحيم
أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المقدمة
الحمد لله رب العالمين أحمده وأستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ًكثيرا.
أما بعد
فقد أمر الله تعالى عباده باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾[الحشر:7]، وجعله تعالى قدوة وأسوة لهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾[الأحزاب:21]، وأخبر سبحانه وتعالى بأن طاعته صلى الله عليه وسلم هي الدليل الحقيقي الدال على محبة العبد لربه بقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[آل عمران:31]، بل جعل طاعته صلى الله عليه وسلم من طاعة الله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾[النساء:80]، وجعل تعالى اتباع رسوله وطاعته وامتثال أمره سبب للدخول في زمرة الذين أنعم الله تعالى عليهم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً﴾[النساء:69]، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "لتأخذوا مناسككم"(1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "وَصَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"(2)، وكذلك الحال والشأن في سائر أمور الشريعة ومن ذلك شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون الأخذ فيها بهدي النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه من جملة ما يدخل في هذه النصوص، ومن خلال التتبع لسنة وسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحواله في هذه الشعيرة تظهر لنا جملة من الأحكام والآداب والسنن التي يتعين مراعاتها للسائرين في هذه الطريق، ولهذا حرص العلماء والدعاة والكتاب على بيان ذلك والعناية به، وأحببت من خلال هذا البحث أن نكون أكثر قرباً من الحبيب صلى الله عليه وسلم من خلال الوقوف على أحواله أثناء قيامه بأداء هذه الشعيرة؛ للتأسي والاقتداء وأخذ العظة والعبرة ليتحول ذلك إلى برنامج عملي في حياتنا وفي دعوتنا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، سائلاً من الله تعالى العون والسداد، وسأتحدث في هذا البحث عن نبذة من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم على النحو التالي:

  1. إخلاصه صلى الله عليه وسلم
  2. ثباته صلى الله عليه وسلم
  3. صبره صلى الله عليه وسلم
  4. توكله صلى الله عليه وسلم
  5. رفقه صلى الله عليه وسلم
  6. رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم
  7. تيسيره صلى الله عليه وسلم في شؤونه كلها ما لم يكن إثما
  8. حزمه صلى الله عليه وسلم
  9. مراعاة المصالح والمفاسد
  10. التأني والتبين
  11. إشهار الخطأ لا المخطئ
  12. تعظيم الحرمات
  13. استغلاله صلى الله عليه وسلم للمواسم والمناسبات وتجمع الناس
  14. سعيه صلى الله عليه وسلم بالدعوة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في جميع أحواله
  15. البدء بالأهم فالمهم وتقديم الكليات على الجزئيات
  16. مراعاة الحال والواقع

أولاً: إخلاصه صلى الله عليه وسلم
الإخلاص تصفية العمل والقول والعبادة مما يشوبها من رياء ومراءاة أو خداع أو كذب، ويأتي في مراتب عديدة، وهي: طرح العمل وعدم رؤيته، فضلاً عن طرح طلب العوض عنه، والخجل من العمل مع بذل الوسع والغاية فيه، مع رؤية التوفيق في العمل المخلص على أنه جود من الله تعالى، ثم إخلاصه بالخلاص منه، أي جعله خالصاً لوجه الله تعالى(3).
وقد تجلى إخلاصه صلى الله عليه وسلم لله تعالى في عبادته وجهاده ونصحه للمسلمين ودعوته وأمره ونهيه، فقد كان الإخلاص رائده في كل ما يقوم به، إذ كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها إخلاصاً، فقد جاء في القرآن الكريم على لسانه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾[الزمر:14]، ومما يدل على إخلاصه وصدقه في دعوته صلى الله عليه وسلم ما ثبت في سيرة ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعة كان سيداً حليماً، فقال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ -وذلك حين أسلم حمزة بن عبد المطلب ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون- فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاستمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، فقال: يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد شرفاً شرفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ولعل هذا الذي يأتي به شعر جاش به صدرك فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون منه على ما لا يقدر عليه أحد، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: افعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[فصلت:1-3] فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت له وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة، فسجد فيها، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك(4)، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض يحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعت لمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فأن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم كنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، فقال: هذا رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم(5).
وعن موسى بن طلحة قال: أخبرني عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مجلسنا فانهه عن إيذائنا فقال لي: يا عقيل ائت محمداً، فانطلقت إليه فأخرجته من كِبْسٍ -قال طلحة بيت صغير- فجاء في الظهر من شدة الحر فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة حر الرمضاء، فأتيناهم فقال أبو طالب: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مجلسهم فانته عن ذلك، فلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء فقال: "ما ترون هذا الشمس؟ قالوا: نعم، قال: ما أنا بأقدر أن ادع ذلك منكم أن تشعلوا منها شعلة" قال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قط فارجعوا(6).
ولما جاءت قريش إلى أبي طالب وقالوا له ما نحن يا أبا طالب وإن كنت فينا ذا منزلة بسنك وشرفك وموضعك بتاركي ابن أخيك على هذا حتى نهلكه أو يكف عنا ما قد أظهر بيننا من شتم آلهتنا وسب آبائنا وعيب ديننا، فإن شئت فاجمع لحربنا، وإن شئت فدع فقد أعذرنا إليك وطلبنا التخلص من حربك وعداوتك فكل ما نظن أن ذلك مخلص فانظر في أمرك ثم اقض إلينا قضاءك، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بن أخي إن القوم جاؤوني فقالوا كذا وكذا، وآذنوني قبل الحرب، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، واكفف عن قومك ما يكرهون من قولك هذا الذي فرق بيننا وبينهم، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه بداء وأنه خاذله ومسلمه وضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه"(7)، وعن جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه بالموقف، فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"(8).
فلم تصرفه صلى الله عليه وسلم الإغراءات ولا العروض ولا الملذات ولا الشهوات عن همه وهمته، ومبتغاه ووجهته، بل ولا حتى المشاق والأتعاب، والتهديدات والترهيب والتخويف، بل كان رابط الجأش، رافع الهامة، قوي العبارة، خالصاً مخلصاً لله تعالى، عاش صلى الله عليه وسلم لله يريد وجه الله همه إرضاء الله تعالى وخدمة دينه وتبليغ شريعته إلى الخلق؛ لإنقاذهم من ظلمات الكفر والجهل في الدنيا ودركات جهنم في الآخرة، فلم يصرفه عن هذا الهدف صارف، ولم يعقه عن تحقيقه عائق.
ثانياً: ثباته صلى الله عليه وسلم
الثبات هو الرسوخ على الأمر، والاستمرار في الطريق، والالتزام بمقتضياته، والصبر على القيام به، وتحمل الأذى في سبيل ذلك، والمداومة على الخير، والسعي الدائم للاستزادة(9).
وقد تجلى ثباته صلى الله عليه وسلم لله تعالى في عبادته وجهاده ونصحه للمسلمين ودعوته وأمره ونهيه، وظهر ذلك جلياً من خلال ما تم إيراده في الفقرة السابقة، إذ ثبت أمام الإغراءات والتهديدات، ولم يتزحزح أو يتراجع، بل حاصروه وأهله في شعب أبي طالب ثلاث سنين حتى بلغ منهم الجهد مبلغه، وأخذوا يأكلون الأوراق والجلود، وكان يُسمع أصوات النساء والصبيان يتصايحون من الجوع، فما فل ذلك من عزيمته صلى الله عليه وسلم، ولا توقف عن دعوته بل استمر وصبر وتحمل وداوم عليها، ووضعوا سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، وحثوا التراب في وجهه، وأدموا قدميه وشجوا وجهه، وكسروا رباعيته، ومع هذا ظل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ماضياً في سبيله يدعوا إلى الله تعالى ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على بصيرة صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا(10).
لقد كان صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة في ثباته، قال رجل للبراء: يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان أصحابه، وأخفاؤهم حسراً -ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جَمْعَ هوازن وبني نصر، فرشقوهم رشقاً ما يكادون يخطئون، فقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب"(11).
ثالثاً: صبره صلى الله عليه وسلم
الصبر خلق فاضل من أخلاق النفس، تمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها، والإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال؛ فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه اتفاقا، ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات(12).
وقد ظهر وبرز صبره صلى الله عليه وسلم في عبادته وجهاده ونصحه للمسلمين ودعوته وأمره ونهيه وحياته كلها، فقد واجهته قريش بالسخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي عليه صلى الله عليه وسلم ونعتوه بالسحر والكهانة والشعر والجنون(13)، ووضعوا الأذى في طريقه، بل على عاتقه وهو يصلي(14)، وأخرجوه وآذوه وحاربوه، فكان صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً، وكان يأمر وينهى، ويوجه ويرشد، ويربي ويعلم، متحلياً بالصبر، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى ومنها: حديث عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم"(15)، وحديث جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: "اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾[الضحى:1-3]"(16)، وحديث سهل بن سعد قال: "جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن(17)، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير، فأحرقته حتى صار رماداً ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم"(18)، وحديث أبي وائل عن عبد الله قال: "لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، قال فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله، قال: ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا"(19)، وحديث جبير بن مطعم رضي الله عنه: "أنه بينا هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه الناس مقبلاً من حنين، علقت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا"(20)، وحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد، فقال ذلك، فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا"(21).
وعن جندب بن سفيان: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض المشاهد وقد دميت إصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت*** وفي سبيل الله ما لقيت"(22).
أما المنافقون فقد كان الصبر عليهم مُرًّا؛ لأنهم يزعمون الإسلام، ويظهرون الولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهم في الحقيقة يبطنون الكفر ويتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الدوائر، وهم عيون للأعداء الخارجيين يتتبعون عورات المسلمين، ويخططون للقضاء عليهم، ولكن ذلك في السر، إذ لا يعلم ذلك أحد إلا الله تعالى ثم رسوله صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى له، ولطالما كان المسلمون يكتشفون رائحة النفاق من أحدهم، فيستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في قتله فيأبى(23)، فعن جابر رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب(24) فكسع(25)أنصارياً فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة"، قال عبد الله بن أبي سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث-لعبد الله-؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه"(26)، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه؛ يعود سعد بن عبادة في بني حارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول -وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي- فإذا المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا فمن جاءك فاقصص عليه، قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، فقال سعد بن عبادة: أي رسول الله بأبي أنت اعف عنه واصفح فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم"(27).
رابعاً: توكله صلى الله عليه وسلم
التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكِلَة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه(28).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواجه العقبات والمحن والضوائق لا سيما إذا قل الناصر والمعين من البشر أو انعدم أو غاب بتوكله على الله تعالى، فجعل من توكله ركناً ركيناً، وحصناً منيعاً يلوذ به في مواجهة طواغيت الكفر والنفاق وشياطين الجن والإنس وكل ما من شأنه أن يكون عائقاً له في تبليغ دين الله، فينتصر بالله ويستعز به سبحانه(29)، ومن الأدلة على ذلك في سنته صلى الله عليه وسلم حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"(30)، قال ا النووي: «معناه ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل:128]، وفيه بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام»(31).
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[آل عمران:173]"(32).
وحديث جابر بن عبد الله قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي: من يمنعك مني ؟ قال قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني ؟ قال قلت: الله، قال: فشام السيف، فهاهو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم"(33)، وحديث أنس بن مالك قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل"(34)، قوله: "عَضُدي"أي: معتمدي فلا أعتمد على غيرك، والعضد الناصر والمعين، و"نصيري" أي: معيني عطف تفسيري، "بك أحول"أي: أصرف كيد العدو وأحتال لدفع مكرهم، "وبك أصول" أي: أحمل على العدو حتى أغلبه وأستأصله(35).
خامساً: رفقه صلى الله عليه وسلم
الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف(36).
والرفيق من أسماء الله تعالى فهو رفيق في أفعاله وشرعه، وهو تعالى يحب من عباده أهل الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، والرفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقاً في أموره متأنيا، ومع ذلك لا يفوت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رفيقاًً في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولين الجانب حسن الخلق، وقد تجلى رفقه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في أحاديث منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن دوساً عصت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال:"اللهم اهد دوساً وأت بهم"(37)، وحديث أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس أذهبت حيث أمرتك ؟ قال قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله"(38)، وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق، قال: يا محمد، فأتاه فقال: "ما شأنك؟ فقال بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال: إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف عنه، فناداه فقال: يا محمد يا محمد -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رقيقاً- فرجع إليه فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقيني، قال: هذه حاجتك، ففدي بالرجلين"(39)، وحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: "أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رقيقاً فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عن من تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم"(40)، وحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لَكِنِّي سَكَتُّ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"(41)، وقال للأعرابي الذي بال في المسجد: "إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن"(42)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم"(43)، وحديث أبي أمامة رضي الله عنه أن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: "أدنه ،فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء"(44)، فرفق النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الشاب وأحسن الرد عليه مع أنه أتى يطلب شيئا يثير الحمية والغضب ويحمل على الزجر والتعنيف، فينبغي على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعية أن لا يفوته مثل هذا التعامل في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكرات.
سادساً: رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم
الرحمة هي إرادة إيصال الخير(45)، والرأفة مبالغة في رحمة مخصوصة هي رفع المكروه وإزالة الضر(46)، والرحمة هي أن يوصل إليك المسار، والرأفة أن يدفع عنك المضار، والرأفة إنما تكون باعتبار إفاضة الكمالات والسعادات التي بها يستحق الثواب، فالرحمة من باب التزكية والرأفة من باب التخلية، والرأفة مبالغة في رحمة مخصوصة هي رفع المكروه وإزالة الضر، فذكر الرحمة بعدها في القرآن مطرداً لتكون أعم وأشمل(47)، وقد وصف الله تعالى في كتابه الكريم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾[التوبة:128]، فهو رءوف ورحيم وشفيق(48)، وقد تجلت رحمته ورأفته وشفقته صلى الله عليه وسلم في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في أحاديث منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل :يا رسول الله ادع على المشركين قال: "إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة"(49)، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه"(50)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قَبَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من لا يرحم لا يرحم"(51)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان! فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة"(52)، وحديث عائشة رضي الله عنها في ذهابه صلى الله عليه وسلم للطائف وسخرية سادتها به وتحريضهم الصبيان على رجمه وأذيته حتى سالت الدماء من قدميه الشرفتين ثم يأتيه ملك الجبال يستشيره في إهلاكهم فتتجلى رحمته ورأفته وشفته صلى الله عليه وسلم بأمته، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال:"لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد، فقال ذلك، فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا"(53)، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، قال: فدعا بعسيب-هو الجريد والغصن من النخل ويقال له العثكال- رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً، وعلى هذا واحدا، ثم: قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"(54)، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: "فيما استطعتم"(55)، قال الإمام النووي: «وهذا من كمال شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته يلقنهم أن يقول أحدهم: "فيما استطعت" لئلا يدخل في عموم بيعة[بيعته] ما لا يطيقه»(56)، ومن عظيم ما تتجلى فيه الرحمة والرأفة النبوية حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر؛ إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن -أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه"(57)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة"(58)، ويوضح ذلك حديث أنس رضي الله عنه: "فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة"(59)، أما من دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو لعنه أو سبه وهو ممن يستحق ذلك فذلك نافذ عليه.
ولم تقف هذه الرحمة والشفقة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند بني البشر بل تعدت رحمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى غيرهم، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: "أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم، فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفاً أو حائش نخل -قال- فدخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه(60)، فسكت، فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه(61)"(62)، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"(63).
سابعاً: تيسيره صلى الله عليه وسلم في شؤونه كلها ما لم يكن إثما
اليسر عمل فيه لين وسهولة وانقياد ورفع للمشقة والحرج عن المكلف بأمر من الأمور لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم(64).
وتيسيره صلى الله عليه وسلم في دعوته وأمره ونهيه نابع من رفقه وشفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم بأمته، بل كان يأمر بالتيسير، قال الإمام البخاري: «باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا"، وكان يحب التخفيف واليسر على الناس»(65) ثم ساق حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل قال لهما: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا، قال أبو موسى: يا رسول الله إنا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع، وشراب من الشعير يقال له المزر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام"(66)، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا"(67)، وحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله"(68)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء -أو ذنوبا من ماء- فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"(69)، وحديث الأزرق بن قيس قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فصلى وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها، فأخذها ثم جاء، فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن منزلي متراخ، فلو صليت وتركت لم آت أهلي إلى الليل، ذكر أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم فرأى من تيسيره(70).
ومن تيسيره صلى الله عليه وسلم على أمته كراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم، ويظهر ذلك في عده أحاديث منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية، ولكن لا أجد حمولة، ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشق علي أن يتخلفوا عني، ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت"(71)، وعنه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه"(72)، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"(73)، وحديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "أن رسول صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان"(74)، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم، قالوا: إنك تواصل قال: لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى"(75).


ثامناً: حزمه صلى الله عليه وسلم
قال الزبيدي: «الحَزْمُ: ضبط الأمر، والحذر من فواته، والأخذ فيه بالثقة»(76)، والحازم من جمع عليه همه وإرادته وعقله ووزن الأمور بعضها ببعض وأعد لكل منها عدة، ولفظ الحزم يدل على القوة والاجتماع ومنه حزمة الحطب، فحازم الرأي هو الذي اجتمعت له شؤون رأيه وعرف منها خير الخيرين وشر الشرين فأحجم في موضع الإحجام وأقدم في محل الإقدام رأياً وعقلاً لا جبناً وضعفاً، فالحزم تدبير الأمور على أحسن ما تكون من وجوهها(77).
وقد تجلى حزمه صلى الله عليه وسلم في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في أنه صلى الله عليه وسلم مع رفقه ولينه ورحمته ورأفته وشفقته وتيسيره كان يأخذ بالشدة في المواطن التي تحتاجها، ويدل على ذلك أحاديث منها: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله"(78)، وحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: "استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن(79) أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر(80)، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: اللهم هل بلغت"(81)، وحديث عائشة رضي الله عنها أن بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله(82)؟ من أشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق"(83)، وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا معاذ أفتان أنت -ثلاثا– اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾[الشمس:1]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾[الأعلى:1]، ونحوها"(84).
رحمة في حزم
قال الإمام ابن القيم: «فصل ومما ينبغي أن يعلم أن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك، فمن رحمة الأب بولده أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة الأم»(85).
تاسعاً: مراعاة المصالح والمفاسد
إن الشريعة الإسلامية مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين(86)، فالشريعة مبناها وأساسها على الْحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، فهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها(87)، وقد تجلت مراعاة المصالح والمفاسد في دعوته صلى الله عليه وسلم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في أحاديث عدة منها:
حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت"(88)، قال الحافظ ابن حجر: «وفي الحديث معنى ما ترجم له[يريد ترجمة البخاري بقوله: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه]؛ لأن قريشاً كانت تعظم أمر الكعبة جداً فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً»(89).
وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾[الإسراء:81]، ﴿جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾[سبأ:49]"(90)، و"النصب" واحد الأنصاب وهي الأصنام التي كانوا ينصبونها ويعبدونها، وقوله: "جاء الحق" يعني الإسلام والتوحيد، "وزهق" أي: بطل واضمحل الباطل وهو الشرك(91)، قال الإمام ابن القيم: «فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها»(92)، فلما فتح الله عليه مكة وصارت دار إسلام وأصبحت زمام الأمور بين يديه وأمن الفتنة وحصول المفسدة الأعظم كسر جميع هذه الأوثان المنصوبة حول البيت العتيق.
وحديث جابر رضي الله عنه إذ يقول: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب(93) فكسع(94) أنصارياً فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة، فسمعها عبد الله بن أبي فقال قد فعلوها والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"(95).
فقتل أهل النفاق الذين يخذلون المؤمنين ويشقون الصفوف ويثيرون الفتنة ويطعنون الأمة من خلفها ولا يألون جهداً في الإضرار بالإسلام والمسلمين مصلحة، إلا أن ما يترتب على تناقل الناس لذلك من الصد عن الإسلام ظناً ممن يسمع ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على قتل أصحابه وأتباعه فهذه مفسدة عظيمة تربو على مصلحة قتل المنافقين، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلهم لذلك.
وحديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا"(96)، فترك صلى الله عليه وسلم كثرة الوعظ والتعليم لدفع مفسدة النفور والفتور والانقطاع(97).
وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل قال: "يا معاذ بن جبل، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك -ثلاثا- قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال: إذا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما"(98)، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة -وأعطاني نعليه قال- اذهب بنعلي هاتين؛ فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لإستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة... فقال: له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر ما حملك على ما فعلت ؟ قال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخلهم"(99)، قال الحافظ ابن حجر: «فكأن قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "أخاف أن يتكلوا" كان بعد قصة أبي هريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ»(100)، ولاطلاعه رضي الله عنه على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريم كما هو ظاهر من قصة أبي هريرة رضي الله عنه، فتبليغ الناس بهذه البشارة وإدخال السرور عليهم بذلك مصلحة، واتكالهم على ذلك وعدم فهمهم وتركهم العمل مفسدة عظيمة، لذا اعتمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه عمر رضي الله عنه في ذلك(101) دفعاً لمفسدة الاتكال وترك العمل التي تربو على مصلحة التبشير.
وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وفيه: "فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله -قال الزهري وذلك لقوله: لا يسألونني خطة(102) يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما...قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به... فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك أخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيلحقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل غما"(103).
قال الإمام ابن القيم: «فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، والثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة، فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى وهذا باب واسع، وسمعت شيخ الإسلام بن تيمية -قدس الله روحه ونور ضريحه- يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم»(104).
وذكر شروط الإنكار فقال: «المثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله»(105).
وقال شيخ الإسلام: «وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام، وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وأن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر وسعياً في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة، وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصياً، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع»(106).
عاشراً: التأني والتبين
التأني: عدم العجلة في طلب شيء من الأشياء، والتمهل في تحصيله، والترفق فيه(107)، والتبين: مرتبة من مراتب وصول العلم يراد بها ما يحصل من العلم بعد الالتباس(108)، ويطلق التأني على التبين والتثبت، قال الإمام النووي: «وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة»(109)، وهما-أي التأني والتثبت- دليل رجاحة العقل وسلامة التفكير، ويثمران الثقة بالنفس، ويقيان المجتمع من مخاطر القرارات السريعة غير المدروسة، ويبعدان عن الشك وهواجس الشيطان، ويحفظان حقوق الأفراد والجماعات ولا يجعلانها عرضة للظن، ويحفظان الأرواح ويصونان الدماء(110)، وقد تجلى تثبته صلى الله عليه وسلم وتأنيه في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في أحاديث عدة منها:
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم، قال فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا محمد والله محمد والخميس، قال: فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الله أكبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"(111)، وفي رواية: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزي"(112)، ففيهما تثبته صلى الله عليه وسلم وتأنيه في الإغارة حتى يظهر له الأمر على حقيقته.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا – قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر فربما سألوه ثم سلم؟ فيقول نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم"(113)، وعنه رضي الله عنه قال: "أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه"(114).
وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل فقال: أمهلوا حتى ندخل ليلاً –أي: عشاءً- كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة"(115)، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين"(116)، قال الإمام الخطابي: «أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا»(117).
وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟! قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"(118)، وفي رواية: قلت: "يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ"(119)، فأنكر عليه العجلة وترك العمل بظاهر الأمر حتى يحصل التثبت في أمره والعلم بمراده في قولها، وحديث الإفك وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنه: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾[يوسف:18]، وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك"(120)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج أشج عبدالقيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة"(121).
ومن تأني النبي صلى الله عليه وسلم وتبينه ما كان يحصل منه من مشاورة لأصحابه في الأمور قبل الإقدام عليها، قال الإمام البخاري: « باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾[الشورى:38]، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾[آل عمران:159] وأن المشاورة قبل العزم والتبين لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾، فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله"، وشاور علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره الله»(122).
فشأن التثبت شأن مهم فكم ضُلل أقوام وفُسق آخرون، وطعن في أناس ونيل من آخرين، وكم عودي من أقوام وحوربوا، وسفكت دماء وصودرت كرامات، وكم كُذب على جهات، والسبب هو عدم التأني والتثبت في الأمور، فهلا كان لنا في حال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم المثل والأسوة، بل هلا التزمنا بقوله تعالى في كتاب العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات:6]، وقد نزلت الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيه بصدقات أموالهم فلما سمعوا به تلقوه فرحاً به فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله فرجع إلى نبي صلى الله عليه وسلم وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله فغضب رسول الله وجهز الجيش لغزوهم فقدم وفد منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أرادوا فأنزل الله هذه الآية(123)، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس تثبتاً وأناةً في الأمور كلها.
الحادي عشر: إشهار الخطأ لا المخطئ
كان من هدية صلى الله عليه وسلم في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر توجيه النقد إلى ذات الخطأ وليس إلى صاحبه، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حدث خطأ من أحد أصحابه أو بعضهم لا يسميهم غالباً(124)، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ومنها:
حديث عائشة رضي الله عنها في عتقها لبريرة واشتراط قومها الولاء لهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة مرة"(125)، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم"(126)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب، فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية"(127)، وفي رواية: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية"(128)، وحديث أنس رضي الله عنه أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"(129)، وحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل قصير أعضل ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك؟ قال: لا والله إنه قد زنى الْأَخِرُ(130)، قال فرجمه ثم خطب فقال: ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح أحدهم الكُثبة، أما والله إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه"(131)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟"(132)، وحديث أنس رضي الله عنه وفيه: "فأخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال رجال يواصلون؛ إنكم لستم مثلي، أما والله لو تماد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم"(133).
قال الإمام النووي في شرحه لأحد الأحاديث السابقة: «وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزير والإنكار في الجمع ولا يعين فاعله فيقال: ما بال أقوام ونحوه»(134)، وقال في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا":«هو موافق للمعروف من خطبه صلى الله عليه وسلم في مثل هذا أنه إذا كره شيئا فخطب له ذكر كراهيته ولا يعين فاعله، وهذا من عظيم خلقه صلى الله عليه وسلم, فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك ولا يحصل توبيخ صاحبه فى الملأ»(135)، وقال غيره: «ذلك احترازاً عن المواجهة بالمكروه مع حصول المقصود بدونه»(136)، وهذا أبلغ وأعم نفعاً لحصول الفائدة فيه لكل سامع، مع ما فيه من حسن المدارة، والستر على الفاعل، وتأليف القلوب(137).
فواعجبا مما نلامسه في هذا الزمان من طعن ولعن، وقدح وجرح، وتفسيق وتبديع، وإشهار وتشهير للأعيان والأشخاص، مع أن هذا على خلاف الهدي النبوي إلا في حق المعاندين أو المجاهرين أو المعلنين للأذية أو المانعين لحق ينكرون فيه نعمة الله عليهم مع مراعاة الأدب في اللفظ كقوله صلى الله عليه: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله"(138)، والجرم الأعظم والمنكر الأكبر في هذا الباب التجزؤ على حملة الدين وحفظته من صحب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ورضي عن جميع أصحابه -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- وكذلك الطعن في العلماء والاستخفاف بهم ونعتهم بنعوت لا تليق بالجهلة فكيف بحملة الشريعة، قال الإمام ابن عساكر: «اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يغشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63]»(139)، وهذا لا يعني ادعاء العصمة لهم، بل كل واحد منهم يؤخذ من قوله ويرد بعد العرض على الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الجلي، ومن أتى بشيء فيه ضعف وشذوذ فينكر عليه بأدب مع إقامة الحجة والبرهان من أهل الشأن والمعرفة، لا أن يتصدر كل أحد للرد على العلماء ثم يقودهم الجهل للطعن فيهم.
الثاني عشر: تعظيم الحرمات والشعائر
الحُرْمَةُ: ما لا يحل انتهاكه(140)، وحرمات الله: كل ماله حرمة وأمر باحترامه من عبادة أو غيرها كالمناسك كلها وكالحرم والإحرام وكالهدايا وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها(141).
وتعظيم الحرمات يعني: اجتناب المرء ما أمر الله تعالى باجتنابه؛ تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، والعلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ، والقيام بحقوقها، وإجلالها بالقلب(142)، والغضب عند انتهاكها وعمل ما لا يحل، فيجتنب معصيته وما حرمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه(143).
ويتجلى المثل التطبيقي في حياة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب في جملة من الأحاديث النبوية الشريفة والتي منها ما يلي:
حديث عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله! ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"(144)، وحديث البراء رضي الله عنه قال: لقيت عمي ومعه راية فقلت له: أين تريد؟ قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله"(145)، وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية وفيه: "والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة(146) يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"(147)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله"(148)، وفي رواية قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله"(149)، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى منكم، ثم أمر بصومه"(150)، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت قِرام فيه صور، فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور"(151)، وحديث علي رضي الله عنه قال: "أهدى إلي النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي"(152)، وفي رواية: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء"(153)، وعنه رضي الله عنه قال: "خرج عبدان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يوم الحديبية- قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله-عز وجل- عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم، وقال: هم عتقاء الله عز وجل"(154).
الثالث عشر: استغلاله صلى الله عليه وسلم للمواسم والمناسبات وتجمع الناس, وسعيه بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بينهم، ومروره بالأسواق للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان صلى الله عليه وسلم يوافي المواسم، ويدعوا الحجيج في منازلهم بعكاظ، ومَجَنَّةَ، وذي المجاز-وهي أسواق كانت في الجاهلية، كانوا يجتمعون فيها يلقون الخطب، وينشدون الأشعار(155)- فقد أخرج أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة، قال:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ"(156)، "وصَعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم على الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: يا بَنِي فِهْرٍ يا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حتى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لم يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَنْظُرَ ما هو، فَجَاءَ أبو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فقال: أَرَأَيْتَكُمْ لو أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: نعم ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إلا صِدْقاً، قال: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بين يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فقال أبو لَهَبٍ: تَباً لك سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا، فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾[المسد:2](157)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني"(158)، قال الإمام القاري: «فيه إيذان بأن للمحتسب أن يمتحن بضائع السوقة ليعرف المشتمل منها على الغش من غيره»(159)، وعن أَنس رضي الله عنه قال: "كان غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النبي صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النبي صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فقال له: أَسْلِمْ فَنَظَرَ إلى أبيه وهو عِنْدَهُ فقال له: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَنْقَذَهُ من النَّارِ"(160)، فانظر إلى استغلاله صلى الله عليه وسلم لمرض هذا اليهودي ليزوره ويدعوه إلى الإسلام ويخرجه من المنكر الأكبر وهو الكفر بالله تعالى، وعنه رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه ؟ قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه- أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ قال: فدعا الله له فشفاه"(161).
الرابع عشر: سعيه صلى الله عليه وسلم بالدعوة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في جميع أحواله في سفره وإقامته، وفي سلمه وحربه، وصحته وسقمه، ويبين ذلك جملة كثيرة من الأحاديث منها على سبيل المثال: حديث ابن عمر قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أين تريد ؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال صلى الله عليه و سلم: هذه السمرة، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً حتى كانت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك فكنت معك"(162)، وحديث عبد الله بن عمرو قال: "تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه، فأدركنا وقد أرهقتنا(163) الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا"(164)، قال ابن حجر: «وفي الحديث: تعليم الجاهل، ورفع الصوت بالإنكار، وتكرار المسألة لتفهم»(165)، وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر"(166) وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعاً بصيرا"(167)، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما قَاتَلَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْماً حتى يَدْعُوَهُمْ"(168)، وحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم"(169)، وحديث عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً له على وَجْهِهِ فإذا اغْتَمَّ بها كَشَفَهَا عن وَجْهِهِ فقال وهو كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ على الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا"(170).
الخامس عشر: البدء بالأهم فالمهم وتقديم الكليات على الجزئيات
إن البدء بالأهم فالمهم وتقديم الكليات على الجزئيات مهم في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد فيه بذل جهد ومشقة، فينبغي على المسلم أن يوجه هذا الجهد إلى إصلاح القضايا الأكثر أهمية، والجرح الأعظم اتساعاً، وأصول الفساد والمنكر، ولا يجب أن يصرف همه وجهده ووقته كله في علاج الجزئيات والفروع البسيطة، إذا كان فسادها ناشئاً عن فساد أصل من الأصول، على أن هذا لا يعني إهمال الجزئيات والفروع، فالدين لله وليس منه شيء يجوز أن يهون من شأنه أو أن يتجاهل أو يهمل، وإنما هناك أولويات شرعية، وسُلَم هذه الأولويات الشرعية يبدأ بتعليم أصول العقيدة، ثم فعل الفرائض وترك المحرمات، ثم أداء السنن وترك المكروهات، وهي كالضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات(171)، فمن رأى على إنسان مجموعة أخطاء فمن الحكمة أن يبدأ بالخطأ الأكبر قبل الأصغر، فلا يلومه على ترك بعض الأذكار المسنونة وهو يخل بواجبات الصلاة أو أركانها، فالبدء بمعالجة المنكر الأهم والتدرج في الدعوة مما كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يراعيه في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فحينما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"(172)، فالحديث فيه مراعاة الأولويات، والبدء بالأهم وتقديمه، ومراعاة الكليات.
قال الإمام النووي: «ولأنه صلى الله عليه وسلم رتب ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهم فالأهم، ألا تراه بدأ صلى الله عليه وسلم بالصلاة قبل الزكاة»(173).
وفي حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إني قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم، وددت أنك يا رسول الله تأتي فتصلي في مصلي فأتخذه مصلى، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأفعل إن شاء الله، قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ قال: فأشرت إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر فقمنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم، قال: وحبسناه على خزير(174) صنعناه..."(175).
قال الإمام النووي: «وفيه البداءة بالأهم فالأهم؛ فإنه صلى الله عليه وسلم في حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة ثم أكل، وفي حديث زيارته لأم سليم بدأ بالأكل ثم صلى؛ لأن المهم في حديث عتبان هو الصلاة فإنه دعاه لها، وفى حديث أم سليم دعته للطعام، ففي كل واحد من الحديثين بدأ بما دعي إليه والله اعلم»(176).
لقد اقتضت حكمة البارئ جلَّ وعلا في دعوة عباده إلى الشريعة أن يتدرج معهم على وجه لا يشق عليهم، مراعياً البدء بالأهم فالمهم، فأول ما نزل آيات العقيدة التي أنبتت الجانب الإيماني في النفوس وعملت على تثبيته، فلما قوي هذا الجانب وتجذر في القلوب أتت الأحكام والتشريعات لتجد أرضية متينة وصلبة مستعدة لتلقي التكاليف والقيام بها بل وحمل هذا الدين والدفاع عنه بالنفس والنفيس(177)، وكذلك باقي أحكام التشريع روعي فيها ذلك، فأركان الإسلام مثلاً قد تدرج الشارع في الدعوة إليها بدءًا بالأهم ثم المهم، فافترض أول شيء بعد التوحيد الصلاة، وذلك لعظيم أهميتها، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأول"(178)، فقولها "ثم هاجر" دليل على تقدم فرض الصلاة، وأنها فرضت قبل هجرته صلى الله عليه وسلم مما يدل على مزيتها على سائر الفرائض والعبادات، يؤكد هذه الأهمية أنه صلى الله عليه وسلم كان يبايع عليها بعد التوحيد، فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"(179)، قال ابن حجر: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة؛ لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس، فبايع جريرا على النصيحة؛ لأنه كان سيد قومه فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفد عبد القيس على أداء الخمس لكونهم كانوا أهل محاربة مع من يليهم من كفار مضر»(180)، فكان صلى الله عليه وسلم يشترط بعد التوحيد الصلاة قبل غيرها ثم شرعت الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، قال ابن عباس: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم»(181).
وكما تدرج الشارع في الدعوة إلى أركان الإسلام مراعياً البدء بالأهم ثم المهم، فقد راعى هذا الجانب في الدعوة إلى أخلاق الإسلام حيث ابتدأ بالدعوة إلى أصول الأخلاق من الصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة مراعياً في ذلك جانب التدرج في الوجوب والعلو حيث حاجة الفرد إليها أمس، وأداؤها عليه أوجب، وقد جاءت الأدلَّة تؤكد اهتمامه صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب في عهد مبكر من دعوته، من ذلك حديث ابن عباس أن أبا سفيان أخبره بحديث هرقل وفيه: قال[هرقل]: فماذا يأمركم؟ قال[أبو سفيان]: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد أباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة..."(182)، وكان ذلك في ابتداء الدعوة، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم وامتد ميدان الدعوة واتسعت البيئة أصَّل الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى ركائز أخرى في أخلاق المسلم من التآخي والتراحم والتعاون وترك التباغض والتحاسد حيث حاجة الأمة المسلمة إلى هذه الأخلاق أشد، فكان صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على التخلق بكماليات الأخلاق ويحذرهم من الأخلاق السيئة التي تفضي بهم إلى التشبه بالمنافقين والتخلق بأخلاقهم(183)، فتقديم الأهم فالمهم شريعة نبوية، كانت جزءا من منهجه في الدعوة العملية وهي جزء من وصيته صلى الله عليه وسلم.
السادس عشر: مراعاة الحال والواقع
مراعاة الواقع يكون بالنظر في وضع المأمورين والمنهيين من حيث العلم والجهل والقدرة العلمية والطاعة والمعصية؛ لأن الخطاب الموجه للعالم لا يستوي مع الخطاب الموجه للجاهل، والخطاب الموجه للطائع الذي تحصل منه هفوة وزلة بخلاف الموجه للعاصي المسرف على نفسه بالمعاصي أو المصر عليها هذا من جهة، ومن جهة أخرى الواقع العام للمأمورين والمنهيين أي البيئة المحيطة أي: واقع حال المجتمع الذي يوجد فيه المأمورون والمنهيون، وما لها من عادات وطبائع واعتبارات لها أثرها على الناس، ولها مكانتها عندهم، والقضايا العامة التي يحياها الناس على كافة المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والفكرية وغيرها من أوجه حياة المجتمعات(184)، وقد راعى الحبيب المصطفى صلى اله عليه وسلم ذلك في دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويدل على ذلك أحاديث منها:
حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت"(185)، فهذا الحديث دليل واضح على اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم لواقع وحال أهل مكة من حيث قرب عهدهم بالجاهلية والكفر وحداثتهم في الإسلام، الأمر الذي يجعلهم لا يتقبلون هدم الكعبة وبناءها على الأساس الصحيح(186)، يقول ابن حجر: «وفي الحديث معنى ما ترجم له[يريد ترجمة البخاري بقوله: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه]؛ لأن قريشاً كانت تعظم أمر الكعبة جداً فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً»(187).
إذاً فبناء الكعبة على الأساس الصحيح معروف ويغير ما وقع من بنائها على غير الأساس الصحيح، وترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مراعاة للحال والواقع ولما يترتب على ذلك من فتنة وضرر أشد وأكبر، واليوم نجد من ينبري للحديث عن مسألة نقاب المرأة وهل الواجب ستر الوجه أم لا؟ وهل يجوز تحديد سن الزواج أم لا؟ وهل قال بذلك أحد الفقهاء ليكون ذريعة للقول به أم لا؟
وفي الأخير نجد أن الذي يتكلم في هذه المسائل ويحاول التأصيل لها -وللأسف- جاهل بالواقع والحال الذي تعيش فيه الأمة، وبالمصدر الذي يضخ للشارع الإسلامي أمثال هذه القضايا بحثاً عن زعزعته وخلخلته ليصل تماماً إلى الحال التي وصل إليها الشارع الغربي، فلن تتقوض أركان هذا المجتمع والأسر التي فيه إلا إذا وصل إلى ما وصل إليه الغرب الذي بدأ ينادي ويحذر من ويلات الهلاك، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك تغيير ما لم يكن صوابا خوف الفتنة، فكيف ننزع من المرأة نقابها ونهتك أدبها وحياءها ونمنعها من الزواج المبكر ثم نأصل لذلك من كتب الفقه، في الحقيقة لا أبالغ حين أقول أن هذا صنيع أرباب البضائع العلمية الكاسدة من الأنصاف والأرباع المتعلمين الذين ليس لهم رسوخ في قواعد وأصول الشريعة الغراء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾[الإسراء:81]، ﴿جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾[سبأ:49]"(188)، وهذا الحديث دليل على مراعاة الحال والواقع، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى الأصنام حول الكعبة فلم يقدم على تكسيرها؛ لأن مكة كانت لا تزال دار شرك وأهلها لازالوا على ما كان عليه الآباء من عبادة الأوثان، فالإقدام على تكسير هذه الأوثان التي يعدونها آلهة سيؤدي إلى فتنة عظيمة، فلما فتح الله عليه مكة وصارت دار إسلام وأصبحت زمام الأمور بين يديه وتغير الحال والواقع, ودخل أهلها في الإسلام وأمنت الفتنة كسر جميع هذه الأوثان المنصوبة حول البيت العتيق.
والمعهود عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعي في فتياه الأحوال والأشخاص والأماكن(189)، إذا يأتيه سائل يسأله عن خير الأعمال فيقول: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"(190)، ويقول لآخر وقد سأله: أي الأعمال أفضل ؟ قال: "الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله"(191)، ويقول لآخر: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا ؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا ؟ قال: حج مبرور"(192)، ويقول لآخر طلب منه الوصية: "لا تغضب"(193)، فأجاب كل سائل بما يتناسب مع والوقع والحال سواء واقع وحال السائل أو الواقع العام الذي يعيشه الناس مكاناً وزماناً، ولهذا أجاب السائل الذي سأله أن يوصيه بما يتناسب مع حاله، فأوصاه بترك الغضب، والآخر جاء في زمن قحط وتشاحن في القلوب فأوصاه بإطعام الطعام، وإفشاء السلام، مراعاة للحال والواقع إذ أن السائل سيبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وآخر يسأله في زمن يعد العدو العدة، ويعق الأبناء الآباء، ويؤخر ناس الصلاة عن وقتها، فيخبره بأن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله تعالى وهكذا.
إن فقهه صلى الله عليه وسلم للواقع في دعوته وأمره ونهيه برز في مراعاة الحال والظروف التي يعيشها المأمورون والمنهيون، ومراعاة الآثار المستقبلية المترتبة على الأمر والنهي، فأين هذا من دعاة التحضر الذين ينظر أحدهم إلى موضع نعله في مشيته، ثم يدعي المرونة والاتساع، في حين لا ينظر أمامه ليرى إلى مسافات بعيدة، فالعالم الحاذق إذا وصل إلى مفترق الطريق نظر إلى مسافة بعيدة ودقق في التحري ليعرف أمن الطريق ثم يسلكه بعد ذلك، أما دعاة التحضر والوسطية المرتخية فينظر أحدهم إلى مسافة قصيرة وأحسنهم حالاً يسأل ماراً عن حال الطريق ثم يسلكه مدعياً أن الواقع هو الذي يقتضي ذلك وقد أخبرهم شخص أو شخصان بأن هذا هو الطريق والمسلك، فأين هذا من هذا! أين هذا من العالم الرباني الذي ينظر إلى أمد بعيد ويستكشف حال الطريق بأكمله ويتحرى ويدقق ويفحص فلا يأخذ إلا عن جمع من الثقات إذا لم يجد الخارطة الواضحة للطريق، مع نضره في المتغيرات التي قد تعتري الطريق وربما غفل عنها الثقات الذين ساروا فيه من أمد بعيد؛ لعدم بروزها أو أمثالها حين مرورهم، فصدق في الفريقين قول الله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[الملك:22]، فالعالم ينظر أولاً في الخارطة الربانية -الكتاب والسنة- ثم إجماع الأمة ثم القياس الواضح الجلي- ثم يجتهد في تحري الصواب مراعياً في كل ذلك قطاع الطريق واللصوص من اليهود والنصارى وعملائهم فيحذر من مكائدهم ودسائسهم التي يضعونها في الطريق بشكل أو بآخر، ويضخونها من خلال المنظمات وغيرها، فمرة كوتا ومرة سيداو وهكذا، فلابد من التنبه والحذر وعدم الاغترار.
أخيراً: هذا قليل من كثير وغيض من فيض، وهو مسوق هنا على سبيل التمثيل لا الإحاطة؛ عل الله سبحانه وتعالى أن ينفع كاتبه وقارئه وسامعه وجميع المحبين للحبيب صلى الله عليه وسلم، وفي الختام أسأل من الله تعالى جل في علاه أن ينفعني وقارئة وأن يصلح أحوال المسلمين، ويوفقنا جميعاً للسير على خطا الحبيب المصطفى والاهتداء بهدية والعمل بسنته، وأن يدفع عنا كل مكر وكيد وتآمر، وأن يتجاوز عما في هذا البحث من خلل أو قصور، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وإن تجد عيبا فسد الخللا

فجل من لاعيب فيه وعلا(194)


وصلى الله وسلم على حبيبنا محمد وعلى آله وأزواجه وجميع أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الصافات:180- 182]
جمع وإعداد/ محمد نعمان محمد علي البعداني
للدورة السابعة لندوة تقوية الإيمان وزيادته ل
من 6-8/5/1431هـ الموافق 20-22/4/2010م
مراجعة الدكتور/ قسطاس إبراهيم النعيمي
الفهرس
العنوان
الصفحة
المقدمة
1
إخلاصه صلى الله عليه وسلم
3
ثباته صلى الله عليه وسلم
5
صبره صلى الله عليه وسلم
6
توكله صلى الله عليه وسلم
9
رفقه صلى الله عليه وسلم
10
رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم
12
تيسيره صلى الله عليه وسلم في شؤونه كلها ما لم يكن إثما
15
حزمه صلى الله عليه وسلم
17
مراعاة المصالح والمفاسد
18
التأني والتبين
23
إشهار الخطأ لا المخطئ
27
تعظيم الحرمات
29
استغلاله صلى الله عليه وسلم للمواسم والمناسبات وتجمع الناس
31
سعيه صلى الله عليه وسلم بالدعوة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في جميع أحواله
32
البدء بالأهم فالمهم وتقديم الكليات على الجزئيا
33
مراعاة الحال والواقع
36
الفهرس
40

(1) أخرجه مسلم، 2/943 برقم: 1297.

(2) أخرجه البخاري، 5/2238 برقم: 5662 .

(3) موسوعة نضرة النعيم، 2/ 127.

(4) سيرة ابن إسحاق، 4/187، 188، قال الألباني: «حسن»، انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي بتحقيق الألباني، 1/106.

(5) سيرة ابن إسحاق، 4/188.

(6) أخرجه الحاكم في المستدرك، 3/668 برقم: 6467، والطبراني في المعجم الكبير، 17/191 برقم: 511، وأبو يعلى في مسنده، 12/176 برقم: 6804، والبزار في مسنده، 6/115 برقم: 2170، قال الألباني: «حسن»، انظر: السلسلة الصحيحة، 1/194 برقم: 92، وصحيح السيرة النبوية، 1/144.

(7) سيرة ابن إسحاق، 2/135، والبداية والنهاية، 3/42، قال الألباني: «ضعيف»، السلسلة الضعيفة، 2/310 برقم: 909.

(8) أخرجه الترمذي، 5/184 برقم: 2925، وابن ماجه، 1/73 برقم: 201، وأحمد في المسند، 3/390 برقم: 15229، قال الألباني: «صحيح»، صحيح سنن ابن ماجة، 1/40 برقم: 166، و السلسلة الصحيحة، 4/591 برقم: 1947.

(9) الثبات للدكتور صالح الرقب، ص/2.

(10) الرائد دروس في الدعوة والتربية،ة 2/ 152، 153.

(11) أخرجه البخاري، 3/1051 برقم: 2709، ومسلم، 3/1400 برقم: 1776.

(12) عدة الصابرين، ص8، 50.

(13) موسوعة نضرة النعيم، ا/ 227، 228.

(14) حديث عبد الله ين مسعود رضي الله عنه قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، وحوله ناس من قريش من المشركين، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة عليها السلام، فأخذت من ظهره، ودعت على من صنع ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم عليك الملأ من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، أو أبي ابن خلف" فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر غير أُمية أو أُبي؛ فإنه كان رجلاً ضخما فلما جروه تقطعت أوصاله قبل أن يلقى في البئر"، أخرجه البخاري، 3/1163 رقم: 3014، والسلى: هي اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة، والجزور و الواحد من الإبل ذكرا كان أم أنثى، وقيل ما ذبح منها، أو ما يصلح للذبح خاصة.

(15) أخرجه البخاري، 3/1345 برقم: 3475.

(16) أخرجه البخاري، 4/1892 برقم: 4667، ومسلم، 3/1421 برقم: 1797.

(17) بالمجن: أي يصب عليها بالترس وهو بكسر الميم السلاح المتوقى به؛ لأنه يواري حامله أي يستره، شرح النووي على صحيح مسلم، 12/148، ولسان العرب، 6/32، و13/94.

(18) أخرجه مسلم، 3/ 1416 برقم: 1790.

(19) أخرجه البخاري، 3/1148 برقم: 2981، ومسلم، 2/739 برقم: 1062، واللفظ لمسلم.

(20) أخرجه البخاري، 3/1147 برقم: 2979.

(21) أخرجه البخاري، 3/1180 برقم: 3059.

(22) أخرجه البخاري، 3/1031 برقم: 2648، ومسلم، 3/1421 برقم: 1796.

(23) موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، 1/106.

(24) قيل معناه مطال، وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة، وقيل مزاح واسمه جهجاه بن قيس الغفاري، وكان أجير عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عمدة القاري ج16/ص88

(25) بفتح الكاف والسين والعين من الكسع وهو أن تضرب بيدك أو برجلك دبر إنسان، ويقال هو أن تضرب عجز إنسان بقدمك، وقيل هو ضربك بالسيف على مؤخره، وقيل كسعته بما ساءه إذا تكلم فرميته على إثر قوله بكلمة تسوؤه، انظر: عمدة القاري 16/88، ولسان العرب 8/309.

(26) رواه البخار 3/ 1296 برقم: 3330، و مسلم 4/ 1998برقم: 2584.

(27) أخرجه البخاري، 5/2292 برقم: 5854، ومسلم، 3/1422 برقم: 1798، عجاجة الدابة: هو ما ارتفع من غبار حوافرها.

(28) جامع العلوم والحكم، 1/436.

(29) الرائد دروس في التربية والدعوة، 2/85، بتصرف.

(30) أخرجه البخاري، 4/1712 برقم: 4386، ومسلم، 4/1854 برقم: 2381.

(31) شرح صحيح مسلم، 15/149، 150.

(32) أخرجه البخاري، 4/1662 برقم: 4287.

(33) أخرجه البخاري، 3/1065 برقم: 2753، ومسلم، 4/1784 برقم: 843، "العضاه" هي كل شجرة ذات شوك، "صلتا" بفتح الصاد وضمها أي مسلولا، "فشام السيف" معناه غمده ورده في غمده.

(34) أخرجه أبو داود، 2/48 برقم: 2632، قال الألباني: «صحيح»، صحيح سنن أبي داود، 2/499 برقم: 2291.

(35) عون المعبود، 7/212.

(36) فتح الباري، 10/449.

(37) أخرجه البخاري، 3/1073 برقم: 2779.

(38) أخرجه مسلم، 4/1805 برقم: 2310.

(39) أخرجه مسلم، 3/1262 برقم: 1641.

(40) أخرجه مسلم، 1/465 برقم: 674 .

(41) أخرجه مسلم، 1/381 برقم: 537، قوله: "ما كهرني" أي: ما انتهرني.

(42) أخرجه مسلم، 1 /236 برقم: 285.

(43) أخرجه البخاري، 6/2539 برقم: 6528، ومسلم، 4/1706 برقم: 2165.

(44) أخرجه أحمد في المسند، 5/256 رقم: 22265، والطبراني في المعجم الكبير، 8/162 برقم: 7679، والبيهقي في شعب الإيمان، 4/362 برقم: 5415، قال الألباني: «وسنده صحيح»، السلسلة الصحيحة، 1/712 برقم: 370، وقال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح»، مجمع الزوائد، 1/341 برقم: 543.

(45) التعريفات، ص146.

(46) كتاب الكليات، ص471.

(47) كتاب الكليات، 471.

(48) موسوعة نضرة النعيم،1/ 146.

(49) أخرجه مسلم، 4/2006 برقم: 2599.

(50) أخرجه البخاري، 1/250 برقم: 250، ومسلم، 1/342 برقم: 470.

(51) أخرجه البخاري، 5/2235 برقم: 5651

(52) أخرجه البخاري، 5/2235 برقم: 5652.

(53) أخرجه البخاري، 3/1180 برقم: 3059.

(54) أخرجه البخاري، 5/2249 برقم: 5705، ومسلم، 1/240 برقم: 292.

(55) أخرجه البخاري، 6/2633 برقم: 6776، ومسلم، 3/1490 برقم: 1867، واللفظ للبخاري.

(56) شرح صحيح مسلم، 13/11.

(57) أخرجه مسلم، 1 /236 برقم: 285، وهو عند البخاري ولفظه عن أنس بن مالك: أن أعرابياً بال في المسجد فقاموا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه"، صحيح البخاري، 5/2242 برقم: 5679، قولهم: "مه مه" هي كلمة زجر ويقال به به بالباء أيضاً، ومعناه اسكت، قيل أصلها ما هذا ثم حذف تخفيفاً، وقيل هي لتعظيم الأمر، وقوله: "لا تُزْرموه" أى: لا تقطعوا، والإزرام القطع، وقوله: "فشنه عليه"أي: صبه عليه، شرح النووي على صحيح مسلم، 3/190،193.

(58) أخرجه مسلم، 4/2007 برقم: 2601، وأخرجه البخاري بلفظ: "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة"، صحيح البخاري، 5/2339 برقم: 6000.

(59) أخرجه مسلم، 4/2009 برقم: 2603.

(60) الذفرى من البعير مؤخر رأسه وهو الموضع الذي يعرف من قفاه، وقال في النهاية: ذفرى البعير أصل أذنه وهي مؤنثة وهما ذفريان وألفها للتأنيث، انظر: عون المعبود بشرح سنن أبي داوود، 7/159.

(61) تكرهه وتتعبه، عون المعبود، 7/159،

(62) أخرجه أبو داود، 2/27 برقم: 2549، وأحمد في المسند، 1/204 برقم: 1745، قال الألباني: «صحيح»، صحيح سنن أبي داود، 2/484 برقم: 2222.

(63) أخرجه البخاري، 3/1284 برقم: 3295، و مسلم، 4/1760 برقم: 2242.

(64) موسوعة نضرة النعيم، 4/ 1400.

(65) صحيح البخاري، 5/2269.

(66) أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5773، ومسلم، 3/1359 برقم: 1733، واللفظ للبخاري.

(67) أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5774، ومسلم، 3/1359 برقم: 1734.

(68) أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5775، ومسلم، 4/1813 برقم: 2327.

(69) أخرجه البخاري، 1/89 برقم: 217.

(70) أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5776.

(71) أخرجه البخاري، 3/1085 برقم: 2810.

(72) أخرجه الترمذي، 1/310 برقم: 167، وابن ماجه، 1/226 برقم: 691، وأحمد، 2/250 برقم: 7406، قال الألباني: «صحيح» صحيح سنن ابن ماجة، 1/114 برقم: 565.

(73) أخرجه البخاري،1/303 برقم: 847، ومسلم، 1/220 برقم: 252.

(74) أخرجه البخاري، 1/380 برقم: 1077، ومسلم، 1/524 برقم: 761.

(75) أخرجه البخاري، 2/678 برقم: 1822، ومسلم، 2/774 برقم: 1102.

(76) تاج العروس، 31/477.

(77) انظر: فيض القدير، 5/402، وبدائع السلك، 1/498.

(78) أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5775، ومسلم، 4/1813 برقم: 2327.

(79)أي: والله لأعرفن، عمدة القاري ،24/124.

(80) معناه تصيح واليعار صوت الشاة، والرغاء صوت ذات الخف، والخوار صوت البقر، شرح النووي على صحيح مسلم، 12/219، وعمدة القاري، 24/124.

(81) أخرجه البخاري، 6/2559 برقم: 6578، ومسلم، 3/1463 برقم: 1832.

(82) قال الإمام الزرقاني: «أي ليست في حكمه وقضائه من كتابه أو سنة رسوله؛ لأن الله لما أمر باتباعه جاز أن يقال لما حكم به حكم الله وقضاؤه، وقد أخبر أن الولاء لمن أعتق، ولا يعلم ذلك في نص الكتاب ولا دلالته» شرح الزرقاني على موطأ مالك ،4/116.

(83) أخرجه البخاري، 1/ 174 برقم: 444، ومسلم، 2/1141 برقم: 1504، واللفظ لمسلم.

(84) أخرجه البخاري، 5/2264 برقم: 5755، ومسلم، 1/339 برقم: 465.

(85) إغاثة اللهفان، 2/174.

(86) منهاج السنة النبوية، 6/118.

(87) إعلام الموقعين، 3/3.

(88) أخرجه البخاري، 2/573 برقم: 1506، ومسلم، 2/968 برقم: 1333.

(89) فتح الباري، 1/225.

(90) أخرجه البخاري، 4/1561 برقم: 4036، ومسلم، 3/1408 برقم: 1781.

(91) كشف المشكل، 1/282.

(92) إعلام الموقعين، 3/4.

(93) قيل معناه مطال، وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة، وقيل مزاح واسمه جهجاه بن قيس الغفاري، وكان أجير عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عمدة القاري ج16/ص88

(94) بفتح الكاف والسين والعين من الكسع وهو أن تضرب بيدك أو برجلك دبر إنسان، ويقال هو أن تضرب عجز إنسان بقدمك، وقيل هو ضربك بالسيف على مؤخره، وقيل كسعته بما ساءه إذا تكلم فرميته على إثر قوله بكلمة تسوؤه، انظر: عمدة القاري 16/88، ولسان العرب 8/309.

(95) رواه البخاري 3/ 1296 برقم: 3330، ومسلم 4/ 1998برقم: 2584، واللفظ لمسلم.

(96) أخرجه البخاري، 1/38 برقم: 68، ومسلم، 4/2172 برقم: 2821.

(97) قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الكتاب والسنة، للرحيلي ص 48.

(98) أخرجه البخاري، 1/59 برقم: 128، ومسلم، 1/61 برقم: 128.

(99) أخرجه مسلم، 1/59 برقم: 31.

(100) فتح الباري، 1/228.

(101) قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الكتاب والسنة، للرحيلي، ص 50، نقلاً عن الأدلة على اعتبار المصالح والمفاسد في الفتاوى والأحكام ، جمع وترتيب أبو عاصم هشام عبد القادر، ص 18.

(102) قال الحافظ ابن حجر: «خُطة: بضم الخاء المعجمة أي: خصلة يعظمون فيها حرمات الله، أي: من ترك القتال في الحرم، فتح الباري، 5/336، وقال الإمام العيني:«بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء أي: حالة، وقال الداؤدي: خصلة، وقال ابن قرقول: قضية وأمراً» عمدة القاري، 14/7، وقال الإمام القاري: «بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة أريد بها المصالحة حال كونهم يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة أراد بها حرمة الحرم والإحرام بالكف فيها عن القتال» مرقاة المفاتيح، 7/558.

(103) أخرجه البخاري، 2/974 برقم: 2581، وأخرجه مسلم، 3/1411 برقم: 1784، عن أنس ولفظه: "أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم فقال: اكتب من محمد رسول الله، قالوا: لو علمنا أنك رسول لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب من محمد بن عبد الله، فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا يا رسول الله أنكتب هذا ؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا".

(104) إعلام الموقعين 3/4، 5.

(105) إعلام الموقعين، 3/4.

(106) مجموع الفتاوى، 28/129، 130.

(107) موسوعة نضرة النعيم، 3/865.

(108) موسوعة نضرة النعيم، 3/901.

(109) شرح صحيح مسلم، 1/189.

(110) موسوعة نضرة النعيم، 3/908.

(111) أخرجه البخاري، 1/221 برقم: 585، قوله: "مكاتلهم" جمع مكتل وهو القفة الكبيرة التي يحول فيها التراب وغيره، و"مساحيهم" جمع مسحاة وهي من آلات الحرث، و"الخميس" يعني الجيش، انظر: فتح الباري، 7/468.

(112) أخرجه مسلم، 1/288 برقم: 382.

(113) أخرجه البخاري، 1/182 برقم: 468، ومسلم، 1/403 برقم: 573.

(114) أخرجه البخاري، 6/2499 برقم: 6430، ومسلم، 3/1317 برقم: 1691.

(115) أخرجه البخاري، 5/2009 برقم: 4949، ومسلم، 3/1527 برقم: 715، واللفظ لمسلم، "تستحد المغيبة"الاستحداد استعمال الحديدة في شعر العانة وهو إزالته بالموسى، والمراد إزالته كيف كانت، ،و"المُغِيْبة" التي غاب عنها زوجها، و"الشَعِثة" لأن التي يغيب زوجها في مظنة عدم التزين، وقيل: منتشرة الشعر مغبرة الرأس، قال النووي: «وليس في هذا الحديث معارضة للاحاديث الصحيحة في النهي عن الطروق ليلاً؛ لأن ذلك فيمن جاء بغتة وأما هنا فقد تقدم خبر مجيئهم وعلم الناس وصولهم وأنهم سيدخلون عشاء، فتستعد لذلك المغيبة والشعثة وتصلح حالها وتتأهب للقاء زوجها»، شرح صحيح مسلم،10/54، وعمدة القاري،20/76.

(116) أخرجه البخاري، 6/2628 برقم: 6766.

(117) فتح الباري، 8/57، 58.

(118) أخرجه البخاري 4/1555 برقم: 4021، ومسلم 1/96 برقم: 96.

(119) أخرجه مسلم 1/96 برقم: 96.

(120) أخرجه البخاري، 4/1780 برقم: 4479، ومسلم، 4/2129 برقم: 2770.

(121) أخرجه مسلم، 1/46 برقم: 17.

(122) صحيح البخاري، 6/2681.

(123) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 9/ 54 برقم: 17754، وانظر: السلسلة الصحيحة للإمام الألباني 8/95 برقم: 3088.

(124) موسوعة نضرة النعيم، 3/ 584.

(125) أخرجه البخاري، 1/174 برقم: 444 ، ومسلم، 2/1141 برقم: 1504.

(126) أخرجه البخاري، 1/261 برقم: 717، ومسلم، 1/321 برقم: 428، واللفظ للبخاري.

(127) أخرجه البخاري، 5/2263 برقم: 5750، ومسلم، 4/1829 برقم: 2356، واللفظ للبخاري.

(128) أخرجه مسلم، 4/1829 برقم: 2356.

(129) أخرجه مسلم، 2/1020 برقم: 1401.

(130) هو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة ومعناه: الأرذل والأبعد والأدنى، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومراده نفسه فحقرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل إنها كناية يكنى بها عن نفسه وعن غيره إذا أخبر عنه بما يستقبح، شرح صحيح مسلم، 11/195.

(131) أخرجه مسلم، 3/1319 برقم: 1692، "نبيب التيس" صوته عند السفاد، و"يَمَنح" أي: يعطى، و"الكُثْبة" القليل من اللبن، شرح النووي لمسلم، 11/195، والمعنى: يعمد أحدكم إلى المغيبة فيخدعها بالقليل من اللبن وغيره فيجامعها، عون المعبود 12/69.

(132) أخرجه أبو داود، 2/665 برقم: 4788، قال الألباني: «صحيح»، السلسلة الصحيحة، 5/97 برقم: 2064.

(133) أخرجه مسلم، 2/775 برقم: 1104.

(134) شرح صحيح مسلم، 15/107.

(135) شرح صحيح مسلم، 9/176.

(136) عون المعبود، 13/100.

(137) التيسير بشرح الجامع الصغير، 2/267.

(138) أخرجه البخاري، 2/534 برقم: 1399، ومسلم، 2/676 برقم: 983، "ينقِم" أي: ما ينكر نعمة الله أو يكره، وإنما ذكره رسول الله بنفسه؛ لأنه كان سبباً لدخوله في الإسلام فأصبح غنياً بعد فقره بما أفاء الله وأباح لأمته من الغنائم، عون المعبود، 5/18.

(139) التبيان في آداب حملة القرآن، ص16

(140) تاج العروس، 31/461.

(141) تفسير السعدي، ص537.

(142) موسوعة نضرة النعيم، 3/ 1030، و تفسير السعدي، ص537.

(143) تفسير ابن كثير، 3/219.

(144) أخرجه البخاري، 3/1282 برقم: 3288، ومسلم، 3/1311 برقم: 1688.

(145) أخرجه أبو داود، 2/562 برقم: 4457، والنسائي، 6/109 برقم: 3332، و أحمد، 4/290 برقم: 18580، قال الألباني: «صحيح»، مختصر إرواء الغليل، 1/467 برقم: 2351.

(146) قال الحافظ ابن حجر: «خُطة: بضم الخاء المعجمة أي: خصلة يعظمون فيها حرمات الله، أي: من ترك القتال في الحرم، فتح الباري، 5/336، وقال الإمام العيني:«بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء أي: حالة، وقال الداودي: خصلة، وقال ابن قرقول: قضية وأمراً» عمدة القاري، 14/7، وقال الإمام القاري: «بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة أريد بها المصالحة حال كونهم يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة أراد بها حرمة الحرم والإحرام بالكف فيها عن القتال» مرقاة المفاتيح، 7/558.

(147) أخرجه البخاري، 2/974 برقم: 2581.

(148) أخرجه البخاري، 6/2491 برقم: 6404.

(149) أخرجه البخاري، 5/2269 برقم: 5775، ومسلم، 4/1813 برقم: 2327.

(150) أخرجه البخاري، 3/1434 برقم: 3727، ومسلم، 2/795 برقم: 1130.

(151) أخرجه البخاري، 5/2265 برقم: 5758، ومسلم، 3/1666 برقم: 2107، والقِرام: الستر الرقيق.

(152) أخرجه البخاري، 2/922 برقم: 2472، ومسلم، 3/1644 برقم: 2071.

(153) أخرجه مسلم، 3/1644 برقم: 2071.

(154) أخرجه أبو داود، 2/72 برقم: 2700، قال الألباني: «صحيح»، صحيح سنن أبي داود، 2/515 برقم: 2349.

(155) الرائد دروس في التربية والدعوة، 3/143.

(156) أخرجه أحمد في المسند، 27 / 148 برقم: 16603، قال شعب الأرنؤوط: «إسناده حسن».

(157) أخرجه البخاري، 4/1787 برقم: 4492، ومسلم، 1/193 برقم: 208.

(158) أخرجه مسلم، 1/99 برقم: 102.

(159) مرقاة المفاتيح، 6/74.

(160) أخرجه البخاري، 1/455 برقم: 21.

(161) أخرجه مسلم، 4/2068 برقم: 2688.

(162) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 12/431، و2 ابن حبان بتحقيق الأرناؤوط، 14/434 برقم: 6505، قال الهيثمي: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ورواه أبو يعلى أيضا والبزار» مجمع الزوائد، 8/292.

(163)- أي: دنا وقتها، ويروى أرهقنا الصلاة أي: أخرناها، شرح السنة، 1/429.

(164) أخرجه البخاري، 1/48 برقم: 96، ومسلم، 1/214 برقم: 241، واللفظ للبخاري.

(165) فتح الباري، 1/266.

(166) أخرجه البخاري، 2/687 برقم: 1844، ومسلم، 2/786 برقم: 1115.

(167) أخرجه البخاري، 6/2437 برقم: 6236.

(168) أخرجه أحمد في المسند، 1/231برقم: 2053، والطبراني في المعجم الكبير، 11/132 برقم: 11269، قال الهيثمي: «رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد ورجال احدها رجال الصحيح»، مجمع الزوائد، 5/304.

(169) أخرجه أبو داود، 4/339، برقم: 5156، ابن ماجه، 2/901، قال الألباني: «صحيح لغيره».

(170) أخرجه البخاري، 1/168 برقم: 425، ومسلم، 1/377 برقم: 531.

(171) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء كتاب الله، ص94، 95، نقلاً عن (من أخلاق الداعية) لسلمان العودة، ص48.

(172) أخرجه والبخاري، 2/544 برقم: 1425، ومسلم، 1/50 برقم: 19، واللفظ لمسلم.

(173) شرح صحيح مسلم، 1/198.

(174) قال النووي: «قال ابن قتيبة: الخزيرة لحم يقطع صغاراً ثم يصب عليه ماء كثير فإذا نضج در عليه دقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وفي صحيح البخاري قال: قال النضر: الخزيرة من النخالة، والحريرة بالحاء المهملة والراء المكررة من اللبن، وكذا قال أبو الهيثم: إذا كانت من نخالة فهي خزيرة، وإذا كانت من دقيق فهي حريرة، والمراد: نخالة فيها غليظ الدقيق»، شرح مسلم، 5/159.

(175) أخرجه البخاري، 5 /2063 برقم: 5086، ومسلم، 1/454 برقم: 33.

(176) شرح صحيح مسلم، 1/245.

(177) قواعد وضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفر الحوالي، ص7.

(178) أخرجه البخاري، 3/1431 برقم: 3720.

(179) أخرجه البخاري، 1/31 برقم: 57، ومسلم، 1/75 برقم: 56.

(180) فتح الباري، 2/7.

(181) تفسير القرطبي، 16/264.

(182) أخرجه البخاري، 3/1074 برقم: 2782.

(183) انظر: التدرج في دعوة النبي لإبراهيم بن عبد الله المطلق، ص 40-46.

(184) الضوابط الفقهية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لناصر خليل أبو ديه، 89، 91.

(185) أخرجه البخاري، 2/573 برقم: 1506، ومسلم، 2/968 برقم: 1333.

(186) الضوابط الفقهية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لناصر خليل أبو ديه، 90.

(187) فتح الباري، 1/225.

(188) أخرجه البخاري، 4/1561 برقم: 4036، ومسلم، 3/1408 برقم: 1781.

(189) انظر: فتح الباري، 3/380، فيض القدير، 2/85.

(190) أخرجه البخاري، 1/ 13 برقم: 12، ومسلم، 1/ 65 برقم: 39.

(191) أخرجه البخاري، 6/ 2740 برقم: 7096.

(192) أخرجه البخاري، 2/ 553برقم: 1447.

(193) أخرجه البخاري، 5/ 2267 برقم: 5765.

(194) قاله الإمام الحريري في خاتمة ملحة الإعراب.





المصدر: طريق الخلاص


Hp,hg hgkfd wgn hggi ugdi ,sgl td hg]u,m ,hgHlv fhgluv,t ,hgkid uk hglk;v H[,hx








 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أجواء, الله, المنكر, الدعوة, النبي, بالمعروف, عليه, والأمر, والنهي, وسلم

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإجابة الدعاء نور الإسلام هدى الإسلام 0 10-02-2015 11:39 AM
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة النبي صل الله عليه وسلم نور الإسلام محمد رسول الله 0 03-05-2013 03:57 PM
رضاعه النبي صل الله عليه وسلم نور الإسلام محمد رسول الله 0 03-05-2013 11:41 AM
هل أنت تحب النبي صلى الله عليه وسلم مزون الطيب هدى الإسلام 0 02-02-2012 03:01 PM
من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم : الصلاة والسلام عليه مزون الطيب هدى الإسلام 0 02-02-2012 02:56 PM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 01:50 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32