تذكرني !


 



العلوم الإسلامية حمل كتب وبحوث إلكترونية إسلامية

الإسلام و القرآن

الإسلام و القرآن الأستاذة الدكتورة زينب عبد العزيز استاذة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /11-01-2012, 02:38 PM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي الإسلام و القرآن


الإسلام و القرآن
الأستاذة الدكتورة
زينب عبد العزيز
استاذة الحضارة الفرنسية
القاهرة 2002

مقدمة:

هل هناك حاجة حقيقية لكتاب جديد باللغة الفرنسية عن الإسلام أو عن القرآن الكريم؟ من المؤكد أنه ليس هناك نقصاً في عدد الأعمال، بما أن المستشرقين والكتاب الغربيين و الكتاب العرب و المسلمين قد أنتجوا كماً مبهراً من النصوص ، كل حسب وجهة نظره الخاصة أو حسب الهدف الذي يناضل من أجله .

و بناءً على هذا، يمكننا أن نصف هذا الإنتاج، في مجموعه و بلا خوف من الوقوع في خطأ إلى ما يلي: تتفق أعمال المستشرقين، بشكل عام، مع الفكر الاستعماري و التبشيري في سعيه الدؤوب للتقليل من قيمة الإسلام، باللجوء إلى المغالطات و التهم الباطلة بهدف دس مشروعه الثقافي؛ أما أغلب الغربيين فقد استسلموا للتعصب المحموم للكنيسة و الذي تأخذ حدته في الازدياد منذ عهد الفتوحات الإسلامية و حتى يومنا هذا، و قليل من هؤلاء هم الذين يتصفون بالموضوعية و الإنصاف؛ و بالنسبة للكتاب العرب أو المسلمين فيشكلون جبهة الدفاع و ذلك الموقف يجعل أعمالهم مزدحمة بالانفعالات و التفاصيل و الهوامش. و هذا الإنتاج الغزير و الذي تضيف إليه وسائل الإعلام موجة أخرى من المعطيات المغلوطة يحير القارئ خاصة أنه في هذه الأيام ليس لديه من الوقت ما يسمح له بالإطلاع على كافة وجهات النظر ، كما أن هذا الإنتاج في مجموعه لا يتمشى مع حقائق كثيرة يصر العديد من الكتاب على إخفائها.

من هنا جاءت الحاجة لسلسلة من الكتب و أولها هذا الكتاب ، نظراً للتداعيات الناتجة عن أحداث سبتمبر عام 2001 بشكل عام و أحداث الفاتيكان عام 1965بشكل خاص. و لم يشهد العالم من قبل مذبحة كالتي شهدها بين هذين التاريخين! لم تكن مذبحة موجهة ضد مجموعة من البشر أو ضد بلد ما ، بل كانت حملة شرسة مليئة بالتحيز و التعالي و الغطرسة ضد ديانة يعتنقها أكثر من مليار شخص في العالم! ديانة تتعرض للنبذ بسبب ذنبٍ وحيد هو أنها في الواقع، بالإضافة لما تحتويه من أدلة ، تعتبر في ذاتها الدليل على أكبر عملية تزييف عرفتها الدنيا و ندفع ثمنها جميعاً، غربيون و شرقيون وهى : تحريف المسيحية !

و تعتمد هذه السلسلة على الحقيقة المجردة حتى تخرج للنور واضحة، دقيقة ومحددة. هذه الحقيقة التي تعمدت أطراف عدة إخفائها و نجحت في ذلك نجاحاً كبيراً الآن أكثر من أي وقت مضى . و الذي يجرؤ على كتابة و نشر هذه الحقيقة يدرك مع الأسف العواقب و الثمن الذي يتحتم عليه دفعه، و كذلك القارئ الذي يسعى للفهم
و الاستيعاب يجب أن يعرف أنه يحتاج إلى جهد جبار حتى يتخلص من الحاجز النفسي الذي تكاتف أصحاب النوايا السيئة منذ قرون لفرضه عليه لإبعاده عن تلك الحقيقة.

و الكتاب ليس عملاً دعوياً بقدر ما هو رسالة من الكاتبة إلى القارئ البسيط الذي يبحث عن رؤية واضحة و صادقة لما يجري حوله و الذي يأبى أن يدفعه مخططو هذه الحملة الوحشية التي ذكرناها - رغماً عنه- ليكون جزءاً من مخطط سوف يهوي بنا جميعاً و بلا استثناء إلى هوة سحيقة.

نبدأ السلسلة بهذا الكتاب الذي يتناول في فصلين : الإسلام و القرآن كأساس للتعرف على ثالث و آخر رسالات التوحيد و التي يبذل أعداؤها كل جهدهم للتخلص منها حتى لو أدى ذلك إلى دمار للعالم و الإنسانية.

و كل ما تهدف إليه الكاتبة هو توضيح الصورة الحقيقية للإسلام و تبرئته من كل التهم الباطلة التي تنسب إليه خاصة هذه الأيام و التي تصفه بأنه دين إرهابي يحض على الإرهاب، و ذلك حتى يستطيع كل من يستحق أن يسمى إنساناً مهما كانت ديانته أن يشارك في إيقاف هذه المذبحة المروعة التي تجري أحداثها في سرعة تصيب الإنسان بالدوار.























الإسلام





الإسلام هو ثالث و آخر رسالات التوحيد أوحى به الله لمحمد[1] بن عبد الله- صلى الله عليه و سلم- ليبلغه للعالم أجمع. انتشر الإسلام في القرن السابع للميلاد بدءاً من شبه الجزيرة العربية إلى شتى بقاع الدنيا. و نستطيع أن نعرف رسالة التوحيد التي يحملها الإسلام في بضع كلمات بأنها مبدأ يحرر العقل الإنساني. فهي تنزه الخالق عن كل تجسيد و تصوير؛ و تنبذ الخرافات و الخزعبلات و تعدد الآلهة و تخلو من الأساطير الخيالية ؛ و هي تنفي أن يكون للإنسان قوة حقيقية بذاته؛ و لكنها تجعله مهيمناً على كل ما استخلفه الله[2] عليه في الأرض؛و رسالة الإسلام تدعو الإنسان للوقوف في وجه الظلم و القهر، و محاربة الاستغلال و الجهل ؛ وهي رسالة تنظم الحياة الاجتماعية و الدينية.

و في عصرنا الحالي يعد الإسلام من أكثر الديانات انتشاراً في العالم . حيث وصل عدد المسلمين إلى ما يقرب من مليار و ربع المليار من مختلف الأجناس و الأمم و الحضارات: من جنوب الفلبين في آسيا على نيجيريا في غرب أفريقيا لا يربط بينهم إلا الإسلام. ويعيش حوالي18% من المسلمين في الغرب و تضم اندونيسيا أكبر غالبية مسلمة في العالم بينما يمثل المسلمون غالبية سكان الشرق الأوسط و القارة الهندية و جنوب شرق آسيا و مساحات شاسعة من افريقيا. و توجد أقليات مسلمة لا يستهان في روسيا و الصين و الأمريكتين و كذلك في أوروبا الغربية و الشرقية.

و جاء الإسلام بعد اليهودية و النصرانية مؤكداً على ما سبقه و مبيناً حقيقة ما غيره أهل الكتاب في رسالاتهم و محتوياً على كل ما يحتاجه الإنسان من توجيهات ضرورية لصلاح الدنيا و الآخرة. و الحقيقة، أنه لا يمكن التجاوز عن التناقضات التي تحويها الأناجيل نتيجة الكم الهائل من التحريف الذي تعرضت له على مر العصور و التي كانت السبب وراء الحرب الشعواء التي يشنها متعصبو الكنيسة ضد الإسلام منذ ظهوره و حتى الآن.

و الإسلام دين متكامل، لا يعرف الدوجماتية أو فرض الأفكار غير العقلانية و هو يشمل كل ما يهم المجتمع الإنساني من إرشادات دينية و اجتماعية و اقتصادية وسياسية و حربية. لهذا يعتبر الإسلام ديناً و نظاماً اجتماعياً في الوقت ذاته، و في ارتباط منطقي. فهو تشريع إلهي عام و أسلوب للحياة يركز على المبادئ الأساسية الثابتة التي تنظم حياة الإنسان بشقيها الروحي و المادي.

و كما يوضح مدلول الكلمة "الإسلام" في اللغة العربية ، فالإسلام لا يعني عبودية الاستعباد و الإذلال كما يصورها و بإصرار المبشرون و المستشرقون، إنما هو عبودية الاعتماد على الله تعالى و طاعته و محبته، بمعنى التسليم التام و الكامل له سبحانه بكل ثقة و يقين.

و الإسلام بصفته نظام كامل و عالمي ينظم الحياة الإنسانية فإنه يمكن أن يوصف بأنه : يتحرك حركة دائبة حول محور ثابت. و هذا الثبات مرجعه إلى أن قوانينه لا تتغير مع تغير" مظاهر" و تطبيقات الحياة الإنسانية من عصر لآخر، لأن التغير يظل محكوماً بالقيم الراسخة التي حملها الوحي الإلهي. و هذا الثبات لا يعني و ليس مرادفاً للجمود، و قد أوضح رينيه جينون الفرق بين المعنيين في كتاباته.

و كمثال على هذا الوصف نجد أن المادة التي يتكون منها الكون- سواء كانت الذرة أو الإشعاع الناتج عن انشطارها أو عن أي تفاعل آخر- هذه المادة ثابتة في تركيبها الأساسي و لكنها مع ثباتها هذا ، تتحرك وتأخذ أشكالاً مختلفة قد تتغير وتتحول. مثال آخر في تركيب الذرة فهي تحتوي على النواة و التي بها مدارات ثابتة
و لكنها تمتلئ بحركة الإلكترونات حولها. أيضاً كل كوكب أو نجم أو مجرة له مداره الذي يدور حوله في حركة منتظمة يحكمها نظام محدد و ثابت.

و كذلك طبيعة النفس البشرية، حيث أن لها قوانينها و محورها الثابت الذي تدور حوله كل أنظمة جسم الإنسان و التي تعمل بنظام و دقة. و كل إنسان يمر في حياته بمراحل مختلفة منذ الميلاد و حتى الشيخوخة، كما أنه يمر بتطورات اجتماعية متنوعة، يصبح بها أكثر أو أقل رقياً حسب اقترابه أو ابتعاده عن إنسانيته، و مع هذه التغيرات تظل طبيعته المتميزة التي فطره عليها الخالق سبحانه ثابتة لا تتغير. وتأمل الكون بشفافية و حيادية يثبت لنا بوضوح أن كل ما يحويه من عجائب و الدقة المتناهية التي يعمل بها يستحيل أن يكونا صدفة... و هذه الحقيقة أدركها في النهاية العديد من العلماء في العصر الحالي.

و هكذا يتضح معنى المقولة التي تصف الإسلام بأنه "في حركة دائبة حول محور ثابت بقانون ثابت". و هذا معيار لا يمكن محوه من معايير التنزيل الإلهي. ولهذا كان هذا المفهوم راسخاً بقوة في الفكر الإسلامي، و لهذا لا يمكن لأحد أن يقرب القوانين و المحاور الثابتة للإسلام بحجة تطويرها أو تكييفها مع العصر الحالي كما يزعم المبشرون و المستشرقون. لأن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية هو أساس عقيدة المسلم و ليس قابلاً على الإطلاق للتغييرأو التطوير.
فحقيقة وجود الله الأبدية و اللانهائية ، و وحدانيته و طلاقة قدرته، و أنه سبحانه وتعالى هو المهيمن على الكون و على جميع المخلوقات و أن هذا الكون كله ملك لله، يحكمه بأمره و بمشيئته سبحانه، كل هذه حقائق يوقن بها كل مسلم يقيناً ثابتاً.

تعاليم الإسلام :
يعتبر القرآن[3] والسنة هما المصدر لتعاليم الإسلام . و القرآن هو كلام الله الذي نزل به جبريل بلسان عربي على محمد(ص) و الذي انتقل بكل دقة و دون أدنى تغيير من محمد(ص) النبي الأمي عن طريق كُتاب الوحي الذين كانوا حوله يسجلون كل ما يوحى إليه و يحفظونه عن ظهر قلب. و كذلك كان كل من يسمعه من العرب يحفظه في ذاكرته لما عرف عنهم من القدرة على حفظ الأشعار و القصائد الطويلة.

بعد ذلك، تم جمع القرآن في أوراق و جمعه على صورة كتاب أو مصحف، و ذلك على مدى عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر و عثمان. و قد تم نسخ هذا المصحف الأول و توزيعه على كل الأمصار الإسلامية ، و هو نفس النص الذي يوجد الآن بين أيدي القراء دون أدنى خطأ في نقله.

و القرآن هو أساس عقيدة المسلم . فهو يتناول علاقة الخالق سبحانه و تعالى بمخلوقاته ، كما يحدد القواعد المتينة لتأسيس المجتمع على العدل و الأمن ، مع وضع الحدود العامة التي تنظم جميع مجالات الحياة و كذلك العبادات في ضوء حقيقة راسخة هي الوحدانية المطلقة لله . فالله واحد، لا شيء يشبهه، و هو وحده الذي بيده مقاليد هذا الكون الشاسع .

و هذه الرفعة والتنزيه المطلق لله تعالى لا تتنافى أبداً مع التكريم والمكانة العالية التي أنعم الله بها على الإنسان ، بجعله خليفة ، مكلفاً بتعمير الأرض.

و الإسلام ينبذ كل أشكال الشرك مثل عبادة الأصنام أو العجل أو الكواكب، ويرفض عبادة إلهين أو فكرة التثليث أو تأليه البشر أو عبادة الملائكة أو الجن. و هو دين لا مكان فيه للوساطة بين الله و خلقه و لا يقبل فكرة تجسيد الله. و فكرة تأليه المسيح مرفوضة تماماً في الإسلام ، لأنه لا يمكن أن يكون أحد مخلوقات الله إلهاً(فالمسيح كأي نبي آخر، لم يكن سوى رجلا بسيطا ، كلفه الله بنقل الرسالة الإلهية). وكل هذه المعاني جاءت في سورة الإخلاص ( السورة رقم 112) ، في أربع آيات : "قل هو الله أحد- الله الصمد- لم يلد و لم يولد- و لم يكن له كفواً أحد".

و جاء الإسلام مصوباً لكل أشكال الضلال و الفوضى التي ملأت ديانتا التوحيد التي سبقته ، نتيجة لما تعرضت له هذه الديانات من تحريف، و جاء حاملاً الرد على كل الانحرافات و الأخطاء التي بها- و بهذا تتضح أحد جوانب عظمة هذا الدين وعظم الدور الذي قام به لتحرير الفكر الإنساني. لأن كل من يعرف ما وصلت إليه أحوال الدنيا في عصور ما قبل الإسلام، يدرك جيداً عظمة و نبل و رحمة هذا الدين.
ومن المعالم الرئيسية التي تدل على عظمة الإسلام، إعلاؤه لقيمة العقل، وضرورة أن يكون هذا العقل يقظاً ، و مدركاً لما حوله، و اهتمامه بحض الإنسان على إعمال عقله، وتحريره من قيود الخرافات و الأوهام، والتخلص من سيطرة المتعصبين من رجال الكنيسة و من الأسرار المفروضة. و لا يخفى على أحد ما امتلأت به العصور الوسطى المسيحية من تعصب و مذابح و أعمال بربرية... و لا أحد يجهل إلى أي مدى لجأ القائمون على سلطة الكنيسة إلى الدخول في حروب وحشية لفرض الرجعية و الفكر المظلم اللاعقلاني، بهدف خنق العقل و المعرفة عن طريق القهر و تحريم الإطلاع على ما يخالف الفكر الكنسي و جعله في كشف الكتب المدانة (الإنداكس)!
و تحرير العقل يرتبط يشكل مباشر مع الدور الذي كلف الله به الإنسان، الذي كان المخلوق الوحيد الذي حمل أمانة تعمير الأرض عن طريق العمل، ومحاولة تحقيق التقدم المفيد للبشرية و تأمل كل شيء في الكون.

و بالإضافة إلى الاعتراف بالوحدانية المطلقة لله و بدور الإنسان كخليفة لله على الأرض، يحض الإسلام على الإيمان بالحياة الآخرة- التي تعد من المغيبات علينا أثناء حياتنا على الأرض - و الإيمان بيوم القيامة و بالحساب الذي يرى فيه كل إنسان ما قدمت يداه من أعمال، صغيرة أو كبيرة، و يلقى جزاءه عليها إن خيراً فخير و إن شراً فشر.

أما عن مكانة المرأة في الإسلام فقد شهدت تطوراً لم يحدث من قبل . فقد أعاد الإسلام للمرأة إحساسها بإنسانيتها و قيمتها ، و لا نبالغ حين نقول أنها وجدت لأول مرة احتراماً لكرامتها . أول شيء قدمه الإسلام للمرأة كان محافظته على حياتها، بتحريم وأد البنات عند ولادتهن و تحريم التعامل مع المرأة كأنها متاع و بضاعة تباع
و تشترى و توَرَث، كما حدد لها الإسلام حقوقها سواء كانت ابنة أو زوجة أو أم، كما أعطى الإسلام للمرأة الحق في قبول أو رفض من يتقدم لخطبتها و كذلك الحق في رفض أن تشاركها امرأة أخرى في زوجها . و هناك أيضاً حق المرأة التي بلغت سن الرشد في التصرف الكامل في أموالها و ممتلكاتها دون تدخل والدها أو زوجها.
و باختصار فإن المرأة في الإسلام تتساوى مع الرجل في الحقوق و الواجبات باستثناء أمرين : الميراث و شهادة المرأة، و تنظيم هذين الأمرين في الإسلام له أسبابه،و ليس فيه تقليل من شأن المرأة بأي حال. فميراث المرأة يختلف اعتماداً على درجة القرابة و النسب، و في مسألة شهادة المرأة فالاختلاف يرجع إلى الخوف من تعرض المرأة للنسيان نتيجة الإرهاق أو السهو. و في بعض حالات الميراث، ترث المرأة مثل الرجل و في حالات أخرى ترث أكثر منه. وهذه واحدة من الحقائق التي كان و مازال المستشرقون والمبشرون و كل من يسير على نهجهم يتجاهلونها. والإسلام حرم أيضاً الزنا و الدعارة ، و فرض على كل من يرتكبهما رجلاً كان أو امرأة عقوبة الرجم أو الجلد.

و من تعاليم الإسلام الإنسانية و الاجتماعية وصيته بطاعة و احترام و رعاية الوالدين و كذلك وصيته بمساعدة الأرامل والأطفال و اليتامى و المساكين والمحتاجين و عدم الجور عليهم و لا أكل حقوقهم بالباطل.

و حين فرض الله الزكاة في الإسلام ، أوجد بذلك نظاماً مالياً و اجتماعياً لو طبقه الناس بأمانة و دقة ، لما بقي على الأرض بائس و لا محروم، لا يملك أي مورد أو دخل. فمفهوم الزكاة يختلف عما فهمه و ترجمه المستشرقون ، فهي ليست من الضرائب أو العشور ،و ليست هبة من الغني إلى الفقير ، و لكنها قدر محدد من المال تحسب كميته بدقة بناء على قيمة محددة من الدخل و يوجه هذا المال إلى أشخاص بعينهم. و قد حدد الله تعالى من تصرف لهم الزكاة و ذلك في الآية رقم 60 من سورة التوبة كما حددت السنة الشريفة نصاب الزكاة .

و تضم تعاليم الإسلام كذلك إرشادات للحفاظ على حرية الفرد، حيث تحرم الاتجار بالبشر من العبيد، و تعطي العبد الحق في استرداد حريته ، كما تحدد مواقفاً عديدة توجب على من يمتلك عبداً أن يعتق رقبته.

العقائد الرئيسية:
الإيمان بالله:
خالق السماوات و الأرض و ما بينهما ، الذي كلف الإنسان بتعمير الأرض وسخر له باقي المخلوقات و رزقه نعماً لا تعد و لا تحصى و لم يطلب منه إلا أن يعبده و يطيعه و ألا يجعل له سبحانه أنداداً. و رحمة الله وسعت كل شيء، فالله يغفر كل الذنوب إلا أن يشرك به ( هناك شرك أكبر و أصغر و شرك في النية بعدم إخلاصها لله ) . و هو سبحانه في عليائه و عظمته أقرب للإنسان من حبل الوريد ، سبحانه ليس كمثله شيء.

الإيمان بالملائكة:
رغم أن الإسلام حرم عبادة الملائكة إلا أنه أكد أننا لابد أن نؤمن بهم ، لأنهم جزء من عالم الغيب. و الملائكة خلقهم الله من نوره و أوجب عليهم طاعته و عبادته. و هم لا يعصون لله أمراً و يفعلون ما يأمرهم به. ومن الملائكة من كلفه الله بكتابة وتسجيل أعمال بني آدم، و هم موجودون على يمين و يسار كل إنسان. و منهم المكلفون بقبض أرواح بني آدم عند الموت.

الإيمان بكتب الله المرسلة:
كل مسلم يجب عليه أن يؤمن بالكتب السماوية السابقة و بأنها مرسلة من عند الله ، و هي التوراة ( العهد القديم) التي نزلت على موسى و الإنجيل( العهد الجديد) الذي نزل على عيسى بن مريم[4]. و الإيمان بهذه الكتب ، كما أُنزِلت ، يعني الإيمان بأنها جاءت من عند الله تعالى ، لأن جميع الرسالات السماوية أكدت على حقيقة واحدة: هي عبادة الله الواحد، الذي إليه نسعى و نلجأ . و الإسلام هو آخر وحي السماء الذي جاء متمماً و خاتماً للرسالات السابقة. و محمد (ص) هو خاتم الرسل و الأنبياء، لأن بعده لن يكون هناك نبياً و لا رسولاً ، حيث جاءت رسالته مصححة و مكملة للرسالتين السابقتين، و هي رسالة صالحة لكل زمان و مكان.

الإيمان بالرسل:
يرتبط الإيمان بالرسل ارتباطاً مباشراً بالإيمان بالرسالات التي أنزلها الله على هؤلاء الرسل. و المسلم يجب عليه ألا يفرق بين أحد منهم من آدم إلى المسيح عيسى بن مريم عليهم السلام،حيث أنهم جميعاً مرسلون من عند الله. ومن هؤلاء الرسل من جاء بالمعجزات، التي تفوق قدرته كبشر، و لكنها كانت بتأييد من الله سبحانه و تعالى بقدرته و مشيئته. و كل مسلم عليه أن يتفكر في قصص هؤلاء الأنبياء و مصير أقوامهم و سوف يجد بها دروساً و عبراً و أدلة راسخة على وحدانية الله تعالى .

و أمام ما قام به أصحاب النفوذ أو المتعصبون من رجال الكنيسة من تحريف في الكتب السماوية السابقة، لا يملك المسلم إلا أن ينظر إلى هذا التحريف بأسف وعدم تقدير، رافضاً بشدة القول بأن المسيح ابن مريم هو ابن الله كما يزعم النصارى، وكذلك القول بأن عزيراً ابن الله كما يزعم اليهود. كما أن المسلم على يقين بأن المسيح عليه السلام لم يصلب. و التواريخ التي تمت فيها جميع هذه التحريفات مذكورة في محاضر المجامع و يمكن لأي شخص يريد التأكد من هذا الأمر أن يرجع إليها بسهولة.

الإيمان بيوم القيامة:
لأن الحياة الدنيا حياة مؤقتة و انتقالية ، فإن الإسلام يهيئ أتباعه للحياة الآخرة ، حياة الخلود و الثواب و العقاب و الجنة و النار ، حيث يحاسب الله الناس على أعمالهم و يزنها عليهم بمثقال الذرة . و هذه المشاهد يصفها القرآن الكريم بالتفصيل ليحض المسلمين على فعل الخير و ترك الشر و على اتباع الصراط المستقيم.

الإيمان بالقدر :
يؤكد الإسلام على حقيقة أن كل شيء في هذا الكون يمضي بإرادة الله ، مع التأكيد على أن للإنسان قدراته و إرادته التي تعينه على أداء ما عليه من واجبات وتجعله مسئولاً عن كل ما يختار أن يقوم به من أعمال.

أركان الإسلام:

بُنِيَ الإسلام على خمسة أركان تمثل روح الإيمان و هي :
1- شهادة ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله. 2- إقامة الصلاة. 3- إيتاء الزكاة .4- صوم رمضان . 5- حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

1- الشهادتين:
حين ينطق شخص ما بالشهادتين ، يصبح مسلماً لأنه قد قبل ما شدد الإسلام في النص عليه كأساس له: و هي وحدانية الله ، و تفرده في الألوهية: فالعبودية لا تجب إلا إليه وحده دون سواه؛ وكل ما في هذا الكون الفسيح ملك يمينه بلا ند و لا شريك . و محمد صلى الله عليه و سلم هو الرسول الذي بعثه الله برسالة الحق لهداية البشرية إلى الدين القويم . و هذه الشهادة هي عماد الإسلام. و هي القاعدة الصلبة لعقيدة التوحيد الراسخة لدينا نحن المسلمون. و التي تمثل الاختلاف الحقيقي أو الشرخ الحاسم بين المسلمين والمسيحيين ،و هو ما يفسر تلك الكراهية البغضاء التي تدفع متعصبي الكنيسة لمحاربة الإسلام بضراوة ليس لها مثيل، و الواقع أن القرآن يحتوي على الأدلة الدامغة على التحريفات المختلفة التي تعرضت لها المسيحية.

2- الصلاة:
الصلاة فرض على كل مسلم كتطبيق عملي للإيمان. و إقامة الصلاة تعد تعبيراً عن التواضع التام من الإنسان، الذي يسلم أمره بالكامل لله تعالى. و المسلم يؤدي الصلاة خمس مرات في اليوم : في الفجر والظهر و العصر والمغرب و العشاء. يبدأ المسلم في تهيئة نفسه للدخول و التركيز في الصلاة بالتطهر بالوضوء. ثم يقف موجهاً وجهه نحو الكعبة و يؤدي الصلاة بقراءة بعض آيات القرآن و ترديد بعض أذكار الصلاة، و الركوع و السجود في الأماكن المطلوبة.و يمكن للمسلم أن يصلي منفرداً أو في جماعة. و صلاة الجمعة و هي صلاة الظهر يوم الجمعة هي الصلاة التي يجب أن يؤديها الرجل في المسجد. أما عن باقي الصلوات، فالأفضل للرجل أن يؤديها في المسجد؛ و من الممكن أن يؤديها في مكان آخر. أما المرأة فلها الاختيار أن تذهب إلى المسجد أو أن تصلي في المنزل. و صلاة الجمعة تسبقها خطبة و هي موعظة يلقيها إمام المسجد و تكون موضوعاتها متنوعة ، فد تتعلق بالأحداث الجارية في المجتمع أو بأي موضوع يهم المصلين.

3- الزكاة:
الزكاة ثاني أركان الإسلام بعد الصلاة. و هما يمثلان الركنين الرئيسيين اللذين يقوم عليهما الإسلام. و كلمة زكاة في اللغة العربية مشتقة من تزكى بمعنى تطهر وتنقى . و إعطاء الإنسان جزءاً من ماله للمحتاجين يعبر عن هذا المعنى. و يوضح القرآن أن الزكاة كانت مفروضة على أمم الأنبياء السابقين كما هي مفروضة على المسلمين. و تقترن الزكاة في آيات القرآن بالصلاة مما يجعلهما تقريباً على قدم المساواة في الأهمية والقيمة. ويحدد القرآن الكريم في الآية 60 من سورة التوبة مستحقي الزكاة: " للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و ابن السبيل." و الزكاة هي أحد الفروض التي يجب أداؤها على كل مسلم.

4- صوم رمضان:
الصوم هو الامتناع عن الطعام و الشراب و مباشرة الأزواج من الفجر و حتى غروب الشمس. عرفت أمم الأنبياء السابقين الصوم، فقد نصت عليه معظم الأديان بشكل أو بآخر. و الصوم عبادة بين العبد و ربه، تدل على إيمان الإنسان و عزيمته، كما يعتبر وسيلة يقاوم بها شهواته. و يستحب في شهر رمضان الإكثار من الصلاة ومن قراءة القرآن و الامتناع عن كل معصية و الإحسان إلى الوالدين و أولي الأرحام.

5- الحج:
الحج فريضة على كل مسلم مرة واحدة في العمر أن استطاع إليه سبيلاً.و المقصود بالاستطاعة : القدرة المالية و البدنية. و قد فرضه الله على المسلمين ليستشعروا رباط العبادة الذي يوحدهم معاً مهما بعدت بينهم المسافات و رغم بعد بلادهم عن الكعبة، المركز الذي انتشر منه الإسلام إلى العالم .و في شعائر الحج إحياء لسنة إبراهيم[5] عليه السلام و نهاية لما كان يمارسه الكفار من شعائر قبل الإسلام. و فترة الحج تكون من يوم الثامن إلى الثاني عشر من شهر ذي الحجة. و قد بلغ عدد الحجاج في عصرنا هذا أكثر من مليوني مسلم كل عام.

و للحج أركان و شعائر محددة وهي : النية ، الإحرام ، الطواف سبعة أشواط حول الكعبة، السعي سبعة أشواط بين الصفا و المروة، المبيت بمنى و عرفة ومزدلفة.
و شروط الإحرام هي : - عدم ارتداء المخيط من الثياب حيث يكتفي الحاج بقطعتين من القماش الأبيض يلفهما حوله -عدم تغطية الرأس-عدم التعطر و التطيب- الامتناع عن مباشرة الأزواج- عدم قتل الصيد.
و تجب الفدية على من يخالف أحد هذه الشروط.
و المرأة تمارس نفس الشعائر بنفس الشروط ما عدا شرط الملبس و الصيد. فلها أن ترتدي ملابسها العادية و يفضل الأبيض من الثياب و عليها أن تكشف وجهها وكفيها.

الشريعة الإسلامية :

الشريعة هي قانون الإسلام الذي أوحى الله به لنبيه محمد (صلى الله عليه و سلم). وهي تحتوي على كل ما يتعلق بالعقيدة و الفقه. ثم أصبح للشريعة معنى أدق حيث تُعنى في الأساس بالفقه.

مقاصد الشريعة:

من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية هي الحفاظ على خمسة عناصر ضرورية لحياة البشر و هي:
الحفاظ على الدين، الحفاظ على النفس ، الحفاظ على العقل ، الحفاظ على المال والحفاظ على النسل و الذرية.

مميزات الشريعة:

تمتاز الشريعة الإسلامية بصفات خاصة لا توجد في الشرائع الأخرى ، فهي محددة و تخلو نصوصها من أي تناقض أو غموض، كما أنها مرنة و متوازنة ، أحكامها ميسِرة و ترفع المشقة عن المسلمين و الشريعة تحقق العدل و المساواة والحرية لكل البشر. و من هذه المميزات:

الشريعة شاملة:

فهي تضم أحكام العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه مثل أحكام الصلاة والصوم و الزكاة؛ و الأحكام التي تنظم علاقات الأفراد داخل الدولة المسلمة وعلاقات الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى.
و من الأحكام التي تنظم علاقات الأفراد: أحكام الأسرة و الزواج و الحقوق الزوجية و حقوق الأبناء و أحكام الطلاق ...إلخ . و هناك أحكام أخرى مثل :- الأحكام التي تنظم المجتمع المدني: أحكام البيع و الشراء و الرهن و التوكيلات و كل ما ينتج عن هذه المعاملات من حقوق مالية.- أحكام القانون الجنائي و هي تختص بالحكم في الجرائم التي يرتكبها أي شخص عاقل قادر على تحمل التكاليف والعقوبات المستحقة عليه.- أحكام تنظم القضاء و إجراءات التقاضي.- أحكام تختص بدستور الدولة و هي تتعلق بالنظام السياسي و قواعده و تحديد سلطة الحاكم على المواطنين و كذلك حقوق و واجبات كل منهما نحو الآخر.- أحكام دولية تنظم علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى و كيفية معاملة غير المسلمين داخل الدولة المسلمة.

الشريعة محددة ، تخلو من التناقضات و الغموض :

أوحى الله تعالى لنبيه محمد(صلى الله عليه و سلم) بالقرآن الكريم على مدى ثلاثة و عشرين عاماً. و يحتوي القرآن على 6326 آية لا يوجد في أيٍ منها حكماً يناقض الآخر أو مبدأ يهدم آخر، بل إن كل أحكام القرآن تتكامل بدقة تحقيقاً لمصلحة العباد و خيرهم مما يعد أحد مظاهر تفرد هذا الكتاب.

الشريعة مرنة و صالحة لكل زمان و مكان:

فهي توفر حلاً لكل مشكلة تظهر في حياة البشر في أي مكان و أي عصر، موضحة رأي الشرع في كل ظرف يجد على حياة البشر بشكل مفاجئ.

الشريعة تيسر و ترفع المشقة:

و هذا هو المبدأ الذي تدور حوله كل أحكام الشريعة الإسلامية. و هناك آيات قرآنية كثيرة تدعو إلى التيسير و رفع الحرج و المشقة و هذه هي روح و حقيقة الإسلام: فهو دين وسط معتدل و متوازن.

العدالة :

تحض كل أوامر القرآن على تحقيق العدالة المطلقة بين البشر و ترفض الظلم حتى ضد الأعداء. و ظلت هذه العدالة متحققة في التاريخ الإسلامي حتى مع غير المسلمين الذين فضلوا العيش في حماية شريعة الإسلام السمحة.

المساواة:

ما إن يبتعد الإنسان عن تعاليم الإسلام ، حتى يضيع منه معنى المساواة. فالقرآن الكريم لا يعرف فكرة "الكيل بمكيالين" التي طبقها بوقاحة سدنة الحكم في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة. و هو يوضح أن التقوى هي المقياس الوحيد الذي توزن به أعمال الإنسان. و الناس متساوون أمام الخالق سبحانه ، مهما اختلفت ألوانهم
أو أوطانهم .

الحرية:

تكفل أوامر القرآن للإنسان حرية الفكر و حرية العقيدة و كذلك حرية التعبير . وفي مجال الفكر، حرر الإسلام العقل من أوهام و خرافات الجاهلية ،و اهتم بهذا العقل الإنساني و حضه على التفكر و ملاحظة ما حوله.

و تتضح الأهمية الكبيرة التي يعطيها الإسلام للعقل في تكرر أفعال مثل يعقلون و يفقهون و يتفكرون و يتدبرون عشرات المرات في القرآن الكريم.

و يبلغ احترام العقل ذروته في الإسلام فنرى أن الله سبحانه و تعالى يكافئ من يبذل أي جهد لإعمال عقله حتى و إن أخطأ. و يتجلى كذلك بشكل كبير في كون أول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي فعل الأمر:" اقرأ"! و كل مسلم مطالب حقاً بقراءة كتاب الله المقروء و هو القرآن و كتاب الله المنظور و هو الكون من حوله .

أما حرية العقيدة فتتضح من خلال الآية 256 من سورة البقرة:" لا إكراه في الدين." و قد تم تطبيق هذا المبدأ بكل أمانة و نبل مع غير المسلمين الذين عاشوا في الدولة الإسلامية. و يزخر التاريخ الإسلامي بالحقائق و الأحداث التي تؤكد ذلك والتي لا يمكن إنكارها.

كفلت الشريعة أيضاً حرية التعبير التي تسمح لكل إنسان أن يعبر عن نفسه كما يشاء و أن يصرح بأفكاره و مشاعره. بل و الأكثر من ذلك أن الشريعة جعلت من حرية التعبير واجباً على كل مسلم و اعتبرت من يمتنع عنها مقصراً في أحد تكاليف الدين.

مصادر الشريعة:

تتميز الشريعة الإسلامية بكل ما سبق ، لكونها جاءت بوحي من الله تعالى و أن مصدرها الرئيسي هو القرآن الكريم . أما المصدر الثاني فهو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . وبالإضافة لهذين المصدرين الرئيسيين والذي يعد الإخلال بأي من أحكامهما مخالفة شديدة ، هناك مصادر أقل أهمية، لكن لها دور تكميلي. مثل الإجماع و هو اتفاق أئمة الإسلام على حكم ما، و القياس و هو تطبيق حكم نصت عليه الشريعة في أحد الأمور على أمر آخر مماثل له لم يرد ذكره بها و ذلك لتشابه الأمرين و تشابه الظروف المحيطة بهما، و هناك أيضاً الاستحسان والمصالح المرسلةو التي لا تتعارض بتاتاً مع الشريعة.

التكافل في الإسلام

يعتبر التكافل بين المسلمين من أهم ملامح الإسلام . فعلى كل أفراد المجتمع أن يساندوا بعضهم البعض، و أن يسهروا على مصالح و منفعة كل فرد و أن يحافظوا على قيام المجتمع على قواعد و أسس سليمة .و يقول النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك الشأن :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً." و هناك ستة أنواع من التكافل في الإسلام:

تكافل معنوي:

فكل إنسان عليه واجب الاحترام و التعاون و المودة نحو أخوته في الإنسانية في كل المجالات. و هناك العديد من الأحاديث النبوية التي تحض على هذا السلوك.

التكافل دفاعاً عن الوطن و الأمة:
يعتبر الدفاع عن الوطن و الأمة واجباً على كل فرد في المجتمع المسلم.

التكافل في معاقبة الجرائم:
فرض الإسلام دفع الدية كفارة للقتل الخطأ. و الأصل في الأمور أن تقع الجريمة على الجاني و لكن جاءت هذه العقوبة بدفع الدية لانتفاء التعمد من الجريمة.

التكافل دفاعاً عن المبادئ:
تقع المسئولية على كل أفراد المجتمع المسلم في حمايته من كل السلوكيات التي تضر بالمجتمع أو بقيمه أو تراثه.

التكافل لحماية الاقتصاد:
يجب على أعضاء المجتمع أن يشعروا بواجبهم في عدم الإتيان بأي فعل يضر الآخرين مثل أعمال النصب و الاحتيال و الشح و التربح و الاحتكار...إلخ و يتعين على الدولة أن تتدخل لمنع كل ما يمكن أن يضر بالمجتمع المسلم أو بأي فرد فيه.

التكافل المادي:
و يبدو واضحاً في الحقوق التي نصت عليها الشريعة للفقراء أو المحتاجين في أموال الأغنياء. و تشمل : الزكاة، الهبات ، العطايا،الصدقات و الفدية و كذلك الوقف و التبرعات و إقامة المؤسسات الخيرية.

هذه هي الخطوط العريضة للتعريف بالإسلام ، كما أوحى به الله تعالى و كما نعيشه في الواقع كثالث و آخر رسالات التوحيد. و إذا ما قصر البعض في واجبات الإسلام، و إذا أساء البعض الآخر إليه و شوه صورته ، فالخطأ ليس في الإسلام و لكن في من يفرط و يسيء !


يناير 2002

القرآن الكريم،
المقاصد والأخلاقيات



القرآنالكريم هو الكتاب السماوي الخاتم للرسالتين السابقتين. و هو يحوي أهم ما جاء فيهما، مما يتعلق بالإيمان و العبادة و نمط السلوك الإنساني. و يمكن القول إجمالا، و دون أن نوفيه كل حقه، أنه: ملتقى للعلماء، و معجم للغويين، و أستاذ معلم في النحو لمن يريد أن يحسن أسلوبه، و أنه موسوعة معارف و قوانين وأحكام: إنه الهداية الحقة الواضحة و المنطقية للبشر كافة؛ انه المعجزة الخالدة المساندة لرسالة النبي محمد عليه الصلاة و السلام و دستور يحوي كل ما يخص الإنسان في دنياه و في آخرته.
و من أهم خصائص القرآن، الوضوح الدقيق لمنطِقه المقنِع، الذي يحتوي على كل عناصر البلاغة، من تهيئةٍ للخطاب، و بحث عن الأدلة و ترتيبها، و طريقة إلقاء شاعرية لا مثيل لها. و ذلك دون الحديث عن الأمثال و الحكم الأخلاقية و التي يظل عمقها و مداها دائمة الفاعلية.
وقد امتد تنزيل القرآن الكريم على مدى 23 سنة، نزلت خلالها الآيات على فترات متقطعة حتى وفاة النبي صلى الله عليه و سلم في عام 632 من الميلاد.
ويحتوي القرآن الكريم كلام الله، المنَزَل على النبي محمد صلى الله عليه و سلم بوحي متفرِّد باللغة العربية بواسطة الملك جبريل عليه السلام. و انتقل تباعاً، كتابة و قراءة، بلا أدنى تغيير فيه . يتكون القرآن من 114 سورة مرتبة ترتيباً تنازلياً، و تنقسم السور إلى آيات، عددها الإجمالي هو 6326 آية. و لم يواجه القرآن أي مشكلات متعلقة بمصداقية النص مثل الكتاب المقدس. لأنه من بين كل ديانات التوحيد، يعتبر الإسلام الدين الوحيد الذي تم تثبيت مصادره منذ البداية. فالقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يتمتع بميزة فريدة، من بين كل الكتب المنزلة: إذ انه لم يخضع لأي تحريف أو تلاعب. لأن الثبات التام لنصه قد تم منذ عهد النبي صلى الله عليه و سلم. لذا فهو يمثل المعجزة الخالدة للإسلام بطابعه المتفرد ، المقنع و الكامل. إنه بمثابة تحدٍّ لكل من ينكر أنه منزّل من عند الله.
وكلمة القرآن تشمل معنيين : أحدها لغوي هو اسم فعل قرأ، بمعنى القراءة مثلما هو وارد في الآية : "إن علينا جمعه و قرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " (سورة القيامة، الآية: 17، 18)؛ والمعنى الآخر هو الاسم العلمنفسه لهذا الكتاب المقدس، المبجل، النقي : "القرآن" ، بمعنى القراءة كما يجب أن تكون.
وبخلاف هذا الاسم العَلم، للقرآن خمسة و خمسون اسماً أو صفة أطلقت عليه على مدار الآيات. من بينها: الكتاب، الكتاب المبين، الكتاب الكريم، كلام الله، النور، النور المبين، الهداية الحقة ، الهدى و الرحمة، الصراط المستقيم، القاطع، النبأ العظيم، تنزيل رب العالمين، المعرفة، العلم، البشير و النذير. وتطلق عليه كذلك عشرة من أسماء الله الحسنى مثل: العزيز، الحكم ، المحيط، الحق، ولكن الأسماء الأكثر شيوعا عند المسلمين هي : القرآن، الكتاب، الفرقان.
وقد أنزِل القرآن بلسان عربي مبين، ذلك أن العربية كانت لغة قوم النبي محمد صلى الله عليه و سلم الذي بعثه الله إليهم رسولاً. و قد جاء في أحد الآيات: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " (سورة إبراهيم، الآية: 4) ، و هذا ما يثبت أن الإنجيل المنزل على سيدنا عيسى، أنزل باللغة الآرامية، لغته و لغة قومه و ليس باللغة اللاتينية أو الإغريقية كما يزعم المحرفون!
و كما أرسل الله كل نبي بلغة قومه، فقد أيده بمعجزات تدعم دعوته. كانت كل معجزات الأنبياء السابقين على المستوى المادي المحسوس مثل عصا موسى، ناقة صالح، الشفاء الذي كان يقوم به المسيح عليه السلام بإذن الله. كل هذه المعجزات انتهت بانقضاء الأزمنة التي جاءت فيها. و معجزة النبي محمد صلى الله عليه و سلم وحدها هي التي كانت على المستوى المعنوي : إنها القرآن الذي سيظل على مدى الزمان و المكان، لأنه النص الإلهي الوحيد الذي بقي سليما دون أدنى تحريف و لو في حرف واحد من حروفه. و أيا كان ما تحقق من تقدم مادي ، يظل القرآن - البيّن الذي لا يقهر- سيظل يكشف عن براهين تردَع كل منكرٍ للحقيقة و منكرٍ للوحي. هذا ما أوضحه تماما موريس بوكاي في كتابه المعنون: "الكتاب المقدس، القرآن والعلم" (La Bible, le Coran et la Science ) حينما قال: "عندما نكون بصدد مراجعة مضمون النصوص الدينية بواسطة المعطيات المؤكدة ، فإنه عدم التوافق بين النص الإنجيلي و التراث المعرفي المعاصر يبدو جليا. بعكس النص القرآني الذي يتضح خلوّه من أي عنصر يمكن أن يثير النقد الموضوعي".
مراحل تحدي القرآن الكريم:
إن التحدي الذي يأتي به القرآن الكريم للمنكرين جاء على مراحل. ففي بداية إنكارهم قال لهم القرآن: "فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين " (سورة الطور، الآية : 34). و عندما عجزوا عن الرد و ادعوا أنه حديث مختلق، سألهم الله: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين " (سورة هود، الآية: 13). و عندما عجزوا عن الرد ، طلب الله منهم أن يأتوا بسورة واحدة "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين " (سورة البقرة، الآية : 23). ثم جاء آخر تحدٍ، بالنظر لعجز المنكرين: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " (سورة الإسراء، الآية 88).
إن حجة النبي التي لا يمكن دحضها تكمن في أن الله أوحى إليه هذا القرآن باللغة العربية التي يجيدها العرب تماما و يلِّمون بكل معانيها و لكنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بحديث مثله و لو بسورة واحدة من ثلاث آيات مثل أقصر سور القرآن.
الجوانب المختلفة لهذا الطابع المتفرد:
و بخلاف الجانب اللغوي و الذي به مصدر ثراء اللغة العربية الخارق ، هذا الجانب الذي مثل تعجيزاً للعرب في زمن الوحي و لا يزال مستمرا حتى أيامنا هذه، دون أدنى تغير في الانطباع الذي يحدثه ، هناك جوانب عديدة تكشف و تثبت هذا الطابع المتفرد و المقنع و الكامل للقرآن الكريم و الذي لم يستطع أحد أبداً أن يقلده في الشكل أو المضمون.
ففي مجال الغيب، لا أحد يمكنه أن يتنبأ بالمستقبل بدقة فائقة . و مع ذلك فهناك أحداث عديدة تنبأ بها القرآن الكريم، منها قصص الأنبياء السابقين و أقوامهم، والمعطيات والمعارف العلمية التي لم تعرف إلا منذ قرن أو منذ عدة سنواتوالتي لا يمكن لأي تقدم علمي أن يكذبها، ذلك دون أن نتحدث عما لم يثبته العلم بعد. إن القرآن يحتوي على معطيات عن بدء الخليقة، عن الدورات السابقة، وعن أخبار الأمم السابقة والقادمة، كما يحتوي على كل أنواع التحريف التي ارتكبت في حق الكتب المقدسة لرسالتي التوحيد السابقتين.
وفي المجال الاجتماعي، يحتوي القرآن على الهداية الحقة لتوجيه الناس نحو الاستقامة و لمعالجة العيوب التي تصيب المجتمعات، على مستوى العبادة والأخلاق وعلى المستوى الاجتماعي. إنه يمثل معيناً لا ينضب من التعاليم. بيد أن النبوءة الراسخة تظل بكل تأكيد، هي أن الإسلام سيتجلّى على كل الديانات الأخرى ! إنها حقيقة نعيشها جميعا - شرقيون وغربيون- أيا كان اختلاف الرؤى أو وجهات النظر. لأنه رغم كل جهود التعصب الكنسي، و رغم مليارات الدولارات التي أنفقتها حملات التبشير و المبشرون، لمحاصرة الإسلام - منذ ظهوره و حتى أيامنا- إلا إن الإسلام يواصل مسيرته و امتداده ! رغم الضغوط الكاسحة التي شبهوها "بوابور الزلط" الذي يحاولون جميعاً سحق الإسلام به. و هنا لا يسعنا إلا أن نكرر ما جاء في القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " ( سورة التوبة ، الآية 33). و هذا ما يسبب- للأسف- ذلك الذعر في الغرب في أوساط المتعصبين المعاصرين الذين يرون أنه مهما تكن الجهود المبذولة للتلاعب في ترجمات القرآن و من أجل تضييق الخناق على تعاليم الإسلام ، و لمنع انتشاره، أو حتى لتنصير الشعوب مستخدمين في ذلك كل أنواع الحيل و الإكراه ، إلا أن الإسلام يواصل انتشاره بقوة و بصورة واضحة.
ولا نملك هنا إلا أن نضيف بكل موضوعية : بدلاً من كل هذه المحاولات لاستئصال الإسلام، ألن يكون أكثر منطقية و أكثر إنسانية و حتى أكثر تحضرا محاولة فهمه على حقيقته ؟! فلا أحد يجهل - في الواقع- أن التدبير الأصّم و الحثيث الشديد العناد- الموجه ضد الإسلام و المسلمين و الذي بدأ منذ ظهور الإسلام و انتشاره، قد تزايد بإيقاع جامح منذ مجمع الفاتيكان الثاني و التي صدرت خلاله بعض القرارات التي تعد هي الموجهة للسياسة الحالية، بعد اتفاق مشترك بين حكام كل من الولايات المتحدة و الفاتيكان و منها :
1- تبرئة اليهود من الصلب (كي يكونوا رسميا أسياد و أرباب كل شيء).
2- اقتلاع الشيوعية في عقد الثمانينيات ( كي لا يتبقى أي نظام سياسي و اقتصادي إلا الرأسمالية اليهودية-الأمريكية).
3- اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات ( كي لا تبقى إلا المسيحية المحرفة التي ستؤول في النهاية إلى يهودية-مسيحية إرهابية).
4- إعادة تنصير العالم ( كأن العالم كان دائما مسيحيا ! ) حتى تبدأ الألفية الثالثة بعد تنصير الأرض في كنف كاثوليكية الفاتيكان.
كل ما يحدث حاليا حول العالم - للأسف- يثبت ذلك دون أدنىتكذيب.
الثورة التي أحدثها القرآن:
إن الثورة التي أحدثها القرآن عند تنزيله مست عددا من الميادين. فقد بدأ بمحاربة تعدد الآلهة سواء الوثنية، أو ما فرضه المتحكمون في الكنيسة من تأليه للمسيح و ذلك في أول مجلس كنسي في نيقيه (سنة 325)، كما أنه هاجم الانشقاق الطائفي و التعصب وضيق الأفق الذين يولدهم التعنت كما هاجم كل ما تسبب في انحراف التوحيد الأول عن طريق الحق.
إنها ثورة تقوم بتحرير العقل البشري، بفضل أخلاقياتأساسها التدليل المنطقي القاطع و المقنع ، حتى يغير الناس سلوكهم، بمحض اختيارهم وبالتفاهم و الرحمة و ليس بالإكراه. و قد كان عديد من العرب قد اعتنق اليهودية أو المسيحية قبل مجيء الإسلام ثم هزتهم بشدة تعاليمه و هدايته الحقة إلى الصراط المستقيم و التي تشمل الجانبين الروحي و الاجتماعي دون أدنى تناقض.
مقاصد القرآن الكريم:
تهدف مقاصد القرآن الكريم إلى رقي البشرية و إصلاح المجتمع. فالقرآن كتاب تربية و تعليم، كتاب يطهر و ينقي بفضل مدى وعمق قِيَمه المنطقية، لأن القرآن لا يحتوي على أي دوجماتية أو فرض للأفكار غير العقلانية. فالتنزيه المطلق لله عز و جل، و التمييز البيّن و التام بين الخالق و خلقه، والإيمان بيوم الحساب، بالبعث، بالثواب والعقاب ما هي إلا مبادئ أساسية.و كذلك توضيح ما يجهل الناس عن النبوة، عن رسالة التوحيد، و عن دور الرسل الذين بعثهم الله للأمم المختلفة، و تفنيد ما شوهه الوثنيون واليهود و النصارى في رسالة التوحيد في ظل حماية قسطنطين لهم ، و كذلك الرفض الجازم للتثليث الذي ما هو إلا شكل من أشكال الشرك غير المفهوم والذي يصعب تخيله؛ وإثبات أن الشفاعة في كليتها ليست إلا لله رب العالمين. فإن كل الأنبياء لم يبعثوا - في الواقع- إلا لنشر الرسالة نفسها: وحدانية الله، الإيمان بالقدر، بالشريعة و بآيات الله.
والإسلام هو دين الفطرة السليمة، دين العقل و الفكر، العلم و الحكمة، دين البراهين و الحجج، دين الضمير و الإحساس،الحرية و الاستقلالية. والإسلام - الذي لا يمارس أي سيطرة على روح الشخص أو عقله- يخرج الناس من غياهب الظلمات التي فرضت عليهم إلى نور العقل.
والعقل الذي لم يرد ذكره بتاتا في الكتاب المقدس يمثل عنصراً أساسياً في القرآن الكريم. فقد ورد ذكر العقل ووظائفه أكثر من مائة مرة على عدة أشكال : "أولوا الألباب"، "أولوا النهى"، "الذين يعقلون"، "الذين يتفكرون"، " يتدبرون"، " يبصرون"، و كلها ليست سوى أسماء مختلفة لأولئك الذين يستخدمون عقولهم. فالأفعال التي تحث على التفكير والتأمل والتدبر والفهم والتصور والسمع والتمييز والترقب تمثل تشكيلة ذات أهمية بالغة. كذلك كلمات مثل العلم والحكمة والمعرفة و مشتقاتها كلها كلمات ذكرت مئات المرات في القرآن الكريم. حتى قلب الإنسان - بصفته عضو الإدراك و التفكير في القرآن- ذكِر وحده مائة و اثنتين و ثلاثين مرة! ذلك دون الحديث عن الآيات المتعلقة بالعلوم و الدراسات. ويمكننا أن نضيف بهذه المناسبة ، أن كون القلب عضواً للإدراك و التفكير كما جاء و صفه في القرآن هو أحد المعطيات التي لم يثبتها العلم بعد.
و بالإضافة لتأكيده على أهمية العقل والعلم و المعرفة، ينفي القرآن كل إكراه في الدين و يهدف إلى الإصلاح الإنساني والاجتماعي والسياسي و الوطني المبني بفضل الوحدة. وهذه الوحدة يحققها القرآن في ثمانية مجالات : وحدة المجتمع والجنس البشري، وحدة الدين، وحدة التشريع القائم على العدالة، الأخوة بين أفراد المجتمع، المساواة في العبادة، وحدة المواطنة السياسية الدولية، وحدة العدالة ووحدة اللغة.
ويمثل سن الخصائص العامة للإسلام فيما يتعلق بالالتزامات الشخصية بالواجبات و الأمور المستحقة مقصداً آخر. و يمكننا وصف هذه الخصائص كما يلي: القسط في كل شيء و من أجل الجميع : تحقيق السعادة في الحياة الدنيا و الاستعداد للحياة الأخرى بعمل الأفضل. تقليص الفروق الاجتماعية القائمة بين الأشخاص، التعارف بشكل أفضل من أجل تقارب إنساني دون تشيّع. الرحمة حتى في تطبيق الفروض، مثلا بالنسبة للمرضى و المسنين الذين لا يستطيعون الصوم يمكن أن يكفِّروا بالصدقة. منع أي مبالغة في العبادة و في تطبيق تعاليمها. التقليل من أي إكراه، لأن التعاليم الشرعية مقسمة تدريجياً: ما هو قطعي فهو عام، وما هو تطوعي فكلٌ يؤدي منه قدر استطاعته. فعلى سبيل المثال عدد الصلوات المفروضة خمسة أما صلاة النافلة فتترك لإرادة و قدرة كل شخص.
ومن مقاصد القرآن معاملة الأشخاص دون قهر أو طغيان لأنه لا أحد لديه الحق في الحكم على غيره حسب المظاهر و لا في التصرف كسيِّد على كل شيء و متحكم في الجميع! كما أنه لا يحق لأحد بتاتاً إيذاء جاره أو تجاوز القوانين لأن ذلك يمس سيادة القانون و القضاء.
ويمثل تِبيان توجيهات الإسلام في السياسة، من حيث طرقها و قواعدها العامة، مقصدا آخر. فالسلطة في الإسلام تعود للأمة، التي هي مجموع الشعب. و قوام هذه السلطة هو الشورى و ليس الاستبداد، ويكون على رأس السلطة الإمام أو الخليفة الذي يطبق الشريعة. والشعب هو الذي له الحق في تعيينه أو عزله. هذه السلطة القانونية و السياسية الممنوحة للشعب، تعود لكون القرآن يخاطب المؤمنين في مجموعهم في الآيات الخاصة بالسلطة و الدولة، وكذلك فيما يخص الأحكام العامة. فالقرآن لا يكتفي فقط بالنصح بالعدالة المطلقة و المساواة بل يعدهما معيارين أساسيين، بينما يمنع الظلم منعاً باتاً. كذلك فإن الفضيلة مأخوذة تماما بعين الاعتبار في كل أحكام القرآن التي تحض على العدل في كل المجالات.
و يعد الإصلاح المالي أحد المقاصد التي تضع حدا لطغيان الثروة و سلطتها ؛ للهجمات الحربية و نكباتها؛ للظلم المفروض على المرأة و الاستحواذ عليها؛ للظلم المرتكب ضد الضعفاء والسجناء والعبيد. فالثروة و المال يعتبران اختباراً يمكن أن يوجه الإنسان نحو الخير أو الشر. لذا يصف القرآن عدة وسائل تبين كيف يهب المرء من ماله، كيف يتعلم أن يعطي لمساعدة جاره وقريبه، وكيف يمتنع عن الشح و التفاخر. وأنْ يتعلم المرء كيف يهب، هو في الحقيقة محور إنساني و أخلاقي ذو أهمية كبرى في القرآن الكريم، فما نحن إلا مؤتمنين على المال، أما المالك الحقيقي لكل شيء فهو الله.
ويمكن إذًا أن نلخص الإصلاح المالي في القرآن الكريم – عموما- في النقاط التالية: قبوله الملكية الفردية بشرط عدم حرمان الغير أو الإضرار بهم و عدم الغش؛ تحريمه الربا و الميسر؛ سماحه بوضع السفهاء تحت الوصاية للمحافظة على مالهم؛ فرضه للزكاة منذ بداية الإسلام؛ تقريره إعالة الزوجة في حالة الطلاق؛ مساعدة المحتاجين وضيافة عابري السبيل؛ إعطاء الصدقات؛ إدانته للإسراف والتبذير والبخل والشح.
و هناك إصلاح النظام الحربي و الذي يهدف لإنهاء الخراب الذي تؤدي إليه الحروب، و المحافظة على مصلحة الجنس البشري. ويمكن أن نلخص هذا الإصلاح كما يلي: محاربة المعتدين هي أول قاعدة مع منع البدء بالهجوم أو الاضطهاد و الجور. و الهدف من وراء هذا القتال - بعد دفع العدوان- هو الدفاع عن الدين دون أي إكراه. وتفضيل السلم على الحرب، لأن السلم هو الحالة الأساسية التي ينبغي أن يعيشها الناس. والبقاء في حالة تأهب من باب الاحتياط. واستعمال الرحمة في وقت الحرب و في معاملة الأسرى. لذلك يلحّ القرآن على قيمة الشرف والنزاهة و يدين المراوغة و التمييز،كما يشيد بالاستقامة، ويحث على المحافظة على العهد، والوفاء بالمعاهدات المبرمة و يحرم الخيانة.
إن وضع المرأة هو واحد من أكبر إسهامات الإسلام، والذي يمنح للمرة الأولى في تاريخ البشرية حقوقًا إنسانية و دينية و اجتماعية لهذا "المخلوق" الذي امتهن كثيرا حتى ذلك الوقت. فقد تدنى وضع المرأة في مجتمعات قبل الإسلام بما فيها مجتمعات أهل الكتاب (اليهود و النصارى) إلى حالة غير إنسانيةو عنصرية. وفقط بمجيء الإسلام منح القرآن للمرأة نفس حقوق الرجل عدا ما يستثنى بحكم طبيعة تكوينها، كما حث الإسلام على تشريفها وعلى إحاطتها بالرحمة و المودة.
فقد كانت المرأة قبل الإسلام مادة للبيع و الشراء، كانت ترغم على الزواج و البغاء، كانت تورث كالتركة، و لم يكن لها الحق في الميراث، حتى أنها كانت تعتبر مادة نجسة، دونية، دون روح ، بتقرير من أحد المجامع الكنسية ! وكان لأبيها الحق في بيعها أو دفنها حية عند ميلادها. بينما أعطاها الإسلام حق التملك ، سمح لها بالميراث، و غمرها بالعطف بجعل الرجل مسؤولاً عن إعالتها، حتى إن كانت غنية، كما منحها الحق في إدارة ممتلكاتها الخاصة، و سمح لها بالبيع و الشراء والتصدق وحماية مالها وأعطاها حق اللجوء للإجراءات القانونية. و هو ما لا تعرفه بعد بعض الغربيات!
وفي هذه الجملة من الأحكام المشرّفة للمرأة، يدين القرآن و يحرم تحريماً قاطعاً البغاء و الزنا و يقرر في حقهما عقوبات صارمة : الجلد أو الرجم. كذلك بالنسبة لتعدد الزوجات الذي كان غير محدود عند اليهود و الوثنيين، يحدده القرآن بأربع زوجات، و يكون بسبب ظروف مثل المرض العضال أو العقم، مع التأكيد التام على العدل و الرحمة: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا " (سورة النساء، الآية 3) و بعد هذه الآية بقليل و في نفس السورة يقول الله تعالى : "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم .." (سورة النساء، الآية 129). إذن الذي يريد حقاًأن يتبع الأوامر الإلهية ما عليه إلا أن يتمسك بالأساس: العدل. والسبيل الواجب اتباعه و الاختيار السليم واضحين تماماً.
ولا يمكن أن نتحدث عن المقاصد الرئيسية للقرآن الكريم دون التطرق إلى تأكيده على الحرية و عتق العبيد أو رؤيته في معاملة الأسرى. و الحقيقة أن قانون البقاء للأقوى كان و ما زال هو السائد في كل المجتمعات القديمة و حتى أيامنا هذه ، و لنذكر- و ليس على سبيل الحصر- الغطرسة الفائقة للسياسة الأمريكية الحالية و عربدتها المندفعة عبر العالم ! فقد أساءت كل الحضارات القديمة معاملة العبيد و فرضت عليهم أقسى الأعمال، فكان الظلم و التمييز هما القاعدة. وقد ظلت هذه الحالة قائمة في اليهودية و المسيحية. و بقي الرق معمولاً به في أوروبا و الولايات المتحدة حتى نهاية القرن الثامن عشر. ولم يلغ من بريطانيا إلا في نهاية القرن التاسع عشر. ولا نكون مبالغين إذا قلنا أن هذه البلدان لم تشرع في مثل هذه الإجراءات إلا لرعاية مصالحها الاستعمارية و الإمبريالية الخاصة. كذلك فإن لا أحد يجهل إلى أي مدي ما زال لون البشرة يؤثر في هذه المجتمعات. بينما نرى مع مجيء الإسلام في القرن السابع نص القرآن على عتق العبيد، لأول مرة في تاريخ البشرية ، مع مراعاة مصلحة المالك و الرحمة بالمعتوق.
أخلاقيات القرآن الكريم:
كان هذا هو الملمح العام لمقاصد القرآن الكريم بخطوطها العريضة. بقيَ أن نعرض أخلاقياته من خلال مفاهيم الواجبات، المسؤولية، العقوبات، النية و السعي والتي هي جميعا مفاهيم مرتبطة بالنظام التربوي للقرآن و تمثل الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام الذي يظهر فيه بوضوح تام الفرق بين ما هو مفروض، ما هو جائز وما هو منهي عنه أو محرّم. و من جهة أخرى فإن أخلاقيات القرآن تمثل قانوناً أو قاعدة عامة ثابتة مطلوب تطبيقها على الإنسانية جمعاء. و ذلك لأن كل مبدأ مذكور في القرآن، يمكن دون تعديل أن يطبقه المرء على نفسه أو على الغير، على الأغنياء كما على الفقراء.
غير أنه من المثير للدهشة أن نرى المستشرقين الذين فتشوا في القرآن عن كثب بغرض مهاجمته يلتزمون صمتاً مطبقاً، و لا نريد أن نصفه بصمت الأموات، فيما يتعلق بأخلاقيات القرآن، بقيمتها الجليَّة و التي لا تقدر، وكذلك فيما يتعلق بالمبادئ الأخلاقية العامة، و التي تدور عناصرها الأساسية حول المعرفة والسلوك. إن مجموع الآيات المتعلقة بهذين المجالين، تمثل تهذيبا للسلوك البشري في الحياة اليومية، و تؤدي إلى راحة الذهن في ما يخص الحياة الأخرى. إنه "تشريع كامل مزدوج الكمال" ، كما يقول الشيخ دراز : أنه مرونة في الصرامة، تقدم في الثبات، و تنوع في الوحدة. مما يسمح للنفس البشرية أن تضمن سعادة مزدوجة من الصعب التوفيق بين شقيها: فهي نوع من الاستسلام في إطار من الحرية، لمحة من الرغد و التيسير أثناء الكفاح، و بادرة تجديد مع الحفاظ على الاستمرارية. وللأسف فإن عدد كبير من الغربيين لم يفهموا اتساع هذه الحكمة و لا عمقها. لأن القرآن يدعو إلى الأخذ بالمنطق السليم ويحث على التفكير و التدبر. إن الضمير الذي يتوجه إليه القرآن مستنير بتعليم إيجابي، فيه الواجبات محددة ومقسمة و قادرة على مواجهة الواقع الحي. فهل يصعب فهم ذلك المعنى إلى هذا الحد ؟ ومع ذلك، فإن قانون الأخلاقيات به فيه وضوح لا ريب فيه. و أحكام ذلك القانون في مجملها موجهة إلى البشرية جمعاء، فنفس القاعدة، كما عرضنا منذ قليل يمكن أن تطبق على النفس وعلى الغير، على الأقارب وعلى الأغراب، على الفقراء وعلى الأغنياء، داخل المجتمع أو خارجه. وكل حكم من هذا القانون يؤخذ على أنه مبدأ قابل للتعميم، يمكن تطبيقه على الحالات المشابهة. مع الإشارة إلى أن الواجب الأخلاقي في القرآن يحكمه شرطان :أن تكون أحكامه في متناول الطبيعة الإنسانية و أن تكون في الوقت ذاته قابلة للتنفيذ، بعيدا عن أي نوع من الاستبداد عند تطبيقها في واقع الحياة الملموس.
وهناك نتيجتان للفروض المبينة في القرآن : المسؤولية والعقاب. و لأن المسؤولية الأخلاقية و الدينية هي مسئولية فردية فهي لا تنتقل من شخص لآخر و لا مجال لأدنى التباس فيها. فكل شخص يتحمل مسؤولية أفعاله كاملة. لا أحد يتحمل تبعات غيره. تنظم الإجراءات القانونية العقوبات المدنية ، أما معاقبة الإنسان على نواياه و ما في ضميره فمردها إلى الخالق.
إن مذهب القرآن الكريم هو خلاصة، أو إذا جاز القول هو خلاصة خلاصات، حيث أن شكله ومضمونه مترابطين ترابطاً وثيقاً في أسلوب متماسك ودقيق. وهو يلبّي كل المتطلبات الشرعية، الأخلاقية، الاجتماعية و الدينية للإنسان. و هذا المذهب في مجموعه تميّزه روح التوافق التي تجعله يجمع في آن واحد بين التحررية والانضباط، بين العقلانية و الروحانية، بين الليونة والصرامة، وبين المحافظة والتقدمية. إنه كيان عضوي تلتحم فيه كل هذه العناصر معاً لتبقى متحدة دون أي تعارض. إنه ليس مجرد وضع للأضداد جنباً إلى جنب ولكنه تكامل إيجابي، يحافظ على النظام ويسمح بالتقدم الإنساني العالمي.
وهذه المفاهيم يرتبط بعضها ببعض: فالعقل يقود للإيمان، و الإيمان يرجع إلى العقل. و الإنسان بقيامه بواجباته و مسئوليته، يسهر على حسن سير الأخلاقيات العامة. إذ إن التقوى بكل تأكيد هي المبدأ الأساسي الذي يجمع بين احترام ما هو مثالي والبحث عن الأحسن.
و حتى نحظى بنظرة شاملة ربما تعطينا فكرة أكثر واقعية عن ما قلناه، لنرجع إلى رسالة الدكتور دراز[6][1] ونقوم بتصنيف للآيات طبقاً للموضوعات التي تتناول الأخلاقيات: الفردية، الأسرية، الاجتماعية، و كذلك التي تخص الدولة و الدين.
1-الأخلاقيات الفردية:
وهي تشمل أربعة أقسام من التعاليم:
أ‌-الأوامر: وتشمل: توجيهات عامة؛ توجيهات أخلاقية؛ الحث على المجهود المعنوي للوصول إلى نقاء الروح؛ الاستقامة، العفة؛ الأدب؛ غض البصر؛ السيطرة على الأهواء؛الامتناع في وقت معين عن الطعام و مباشرة الأزواج؛ كظم الغيظ ؛ الصدق ؛ لين الجانب و التواضع؛ التريث في الأحكام؛ عدم إتباع الظن؛ الثبات و التحمل؛ الإقتداء بالأمثلة الحسنة؛ المحافظة على الوسطية؛ فعل الخيرات ؛ التنافس في فعل الخير؛ حسن الاستماع و اختيار النصيحة الأفضل؛ نقاء النية.
ب‌-النواهي: و تشمل: الانتحار؛ بتر وتشويه الإنسان لجسمه؛ الكذب؛ النفاق؛ تناقض الأعمال مع الأقوال؛ البخل؛ الإسراف؛ التفاخر؛ التعالي؛ التكبر؛ العُجب؛ التباهي؛ تفاخر الإنسان بقوته أو بعلمه؛ التعلق بالدنيا؛ الحسد والطمع؛ الإغراق في ما لا يفيد من الندم أو في الفرحة المبالغ فيها؛ الفجور؛ تعاطي المشروبات الكحولية ؛ كل رجس (مادي أو معنوي)؛ أخذ مال بطريقة غير مشروعة؛ و كذلك إساءة إنفاق المال.
ت‌-المباح: و تشمل الاستعمال المعتدل لما هو طيّب.
ث‌-الإستثناء: و تسمح عند الضرورة القصوى.
2-الأخلاقيات العائلية:
و تشمل أربعة أقسام من التعاليم.
أ- الواجبات نحو الآباء و الأبناء: و تشمل: البر ؛التواضع؛ طاعة الوالدين؛ احترام حياة الأطفال وعدم التفريط فيها ؛ تربية الأطفال و العائلة بصفة عامة على الأخلاق.
ب- الواجبات الزوجية و تشمل: 1- أسس إنشاء الأسرة : معرفة روابط الزواج المحرمة والجائزة؛ تحديد الخصال الضرورية والمستحبة ؛ القبول الحر والمتبادل؛ الصداق؛ شروط تعدد الزوجات. 2-الحياة الزوجية: الروابط المقدسة والمحترمة، السلام داخل الأسرة؛ المودة والرحمة؛ المحافظة على النسل؛ المساواة في الحقوق والواجبات؛ الحوار و القبول المتبادل ؛ التحاور الإنساني؛ الحياة بتوافق، حتى في حالة التنافر؛ المصالحة حتى في حالات النزاع؛ الاحتكام. 3- الطلاق: اعتبار الانفصال أسوأ الحلول؛ تحديد فترة العدّة؛ توفير السكن الملائم والمعاملة الطيبة أملاً في الإصلاح؛ عدم فرض عدة إجبارية على المرأة التي طلقها زوجها قبل الدخول بها؛ وجود خيارين بعد العدة: إما العودة عن اقتناع، أو الانفصال الذي يعطي الحق في زواج آخر؛ عدم ابتزاز المرأة المطلقة؛ عدم اعتبار الطلاق نهائياً إلا بعد المرة الثالثة؛ فرض النفقة للمطلقات اللواتي ليس لهن صداق؛ وكذلك فرض نفقة للمطلقات بشكل عام.
ج- الواجبات تجاه الأقربين: و تشمل إشراكهم معنا في سعادتنا؛ حقهم في الوصية.
د- الميراث: ويشمل تحديد الحقوق المخصصة للذكور، وهي ليست حكراً على أكبر الأبناء أو الأطفال الوحيدين؛ و تحديد قواعد التقسيم.
2
-الأخلاقيات الاجتماعية:
و تشمل 3 أقسام من التعاليم:
أ‌-المحرمات : وتشمل قتل النفس؛ السرقة؛ الاحتيال؛ الربا؛ كل أنواع النهب؛ كل أنواع التملك غير القانوني؛ سلب المال خاصة مال اليتيم؛ خيانة الأمانة وإساءة استغلال الثقة؛ القذف دون دليل؛ الظلم؛ التواطؤ؛ الدفاع عن الظالم؛ عدم الوفاء بالعهود؛ الغدر والخداع؛ تضليل القضاة أو رشوتهم؛ شهادة الزور؛ الازدواجية؛ السب، إساءة معاملة الفقير واليتيم؛ السخرية؛ تحقير الغير؛ التجسس؛ النميمة والقذف؛ العلاقات خبيثة النية و التصديق المتواطئ؛ التشنيع؛ التدخل الضار في أمور الغير؛ عدم التأثر بما يحل بالجماعة من ضرر .
ب‌-الأوامر: و تشمل: رد الأمانة؛ المصادقة على العقود لإبعاد الريبة؛ الوفاء بالعهود و الوعود ؛ شهادة الحق؛ إحلال السلام بين الناس، رفض الشفاعة أو الوساطة لصالح المجرمين؛ التواضع و التعاطف المتبادل؛ فعل الخير خاصة للضعفاء؛ إنماء أموال اليتيم؛ تحرير العبيد أو تسهيل حصولهم على حريتهم؛ العفو وفي كل الحالات عدم التجاوز في معاقبة المسيء؛ دفع السيئة بالحسنة؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ نشر العلم، المودة وإكرام الضيف؛ حب الناس؛ تحقيق العدل مع الإحسان. عدا هذا هناك ثلاثة مواقف تتسم بالشرعية إلى حد ما: الحرص على الحصول على الحقوق، الكرم في حال الغنى، الإيثار. والواجب الصرف يتصدر الوسط.و يعد التصدق واجباً عاماً، الشروط الضرورية في الصدقة: تحديد مصارفها، إخلاص النية، جودتها، طريقة الإعطاء (الأفضل أن تكون سرية و غير مهينة لآخذ الصدقة). الحث على حب العطاء؛ وإدانة اكتناز الأموال.
ت‌- قواعد الأدب: و تشمل: الاستئذان للدخول على الغير؛ غض الصوت و عدم مناداة الكبار من خارج المكان؛ إلقاء التحية عند الدخول؛ رد السلام بأحسن منه؛ التفسح في المجالس؛ اختيار مواضيع محترمة للأحاديث؛ استخدام الألفاظ الأكثر عذوبة؛ الاستئذان عند ترك المجلس.
3-الأخلاقيات في الدولة:
و تشمل قسمين من التعاليم.
أ- علاقة الحاكم و الشعب: و تشمل جانبين: 1- واجب الحكام: مشاورة الشعب، تطبيق القرارات المتخذة بفعالية حسب ما تقتضيه العدالة؛ إرساء النظام؛ المحافظة على المال العام وعدم اختلاسه؛ والامتناع عن جعله منفعة خاصة للأغنياء؛ إعطاء الحرية القانونية للطوائف الدينية المحلية. 2- واجب الشعب: الحفاظ على النظام؛ الطاعة المشروطة؛ الاجتماع على الخير؛ الشورى في الأمور المشتركة؛ تفادي البلبلة والتخريب؛ تجهيز وسائل الدفاع المشترك؛ الرقابة الأخلاقية؛ الامتناع عن التواطؤ أو التحالف مع الأعداء.
ب- العلاقات الخارجية: وتشمل جانبين:1- في الظروف العادية: الحرص على الأمن العام؛ الحض على ثقافة السلام بلا إجبار أو إثارة للكراهية؛ البعد عن التسلط والاضطرابات؛ عدم المساس بأمن الحياديين؛ حسن الجوار و العدل و الخير.2- في حالة العدوان:عدم التخوف من المبادرة باستخدام السلاح؛ عدم القتال في الأشهر الحرم أو في الأماكن المقدسة. هناك حالتان تكون فيهما الحرب شرعية:1- الدفاع عن النفس 2- إغاثة الضعيف الذي لا يمكنه الدفاع عن نفسه. قتال من يقاتلنا فقط؛عدم الفرار من أمام المعتدي؛ الحزم والوحدة أمام العدو؛ التحلي بالصبر والأمل؛ عدم الخوف من الموت لأنه يأتي في أجله؛ لكن الأوْلى هو الخوف من الابتلاءات ونزعات الخائنين؛ عدم الاستسلام ولكن قبول السلام والامتناع عن ملاحقة العدو بعد استسلامه؛ الوفاء بالعهود المبرمة؛ عدم الرد على الغدر بمثله؛ الوفاء ببنود العهد حتى وإن كانت مجحفة. الإشادة بالطموح واعتبار الأخوة الإنسانية قيمة مقدسة تعلو على تبني الأحكام المسبقة القائمة على اختلاف الأعراق والأجناس. و هذه الأخوة هي معيار التقدير.
5- الأخلاقيات الدينية:
و تشمل واجبات الإنسان نحو الله: الإيمان به وبالحقائق التي أقرها سبحانه؛ الطاعة غير المشروطة لله؛ التدبر و التأمل لكلماته و لآياته؛ الاعتراف بنعمه وحمده عليها؛ تحمل ابتلاءاته باستسلام؛ اللجوء إليه؛ عدم القنوط من رحمته ولا أمْن مكره؛ تعليق كل قرار مستقبلي بإرادته؛ الوفاء بعهد الله؛ عدم النطق بما لا يليق من القول في حقه سبحانه؛ اجتناب التورط في أية أحاديث بها تحقير للدين؛ عدم جعل الله عرضة للأيمان؛ الوفاء باليمين و العهد؛ ذكر الله على الدوام؛ تقديسه وتعظيمه؛ أداء العبادات اليومية لوجه الله؛ زيارة الكعبة (على الأقل مرة في العمر)؛ الاستغناء عن الدنيا بأسرها؛ دعاء الله كثيراً خوفاً وطمعاً؛ الإنابة إليه واستغفاره؛ حب الله، حبه تعالى حباً يفوق كل شيء.

يناير 2002



الخاتمة


ليس المجال هنا الحديث عن التحريفات التي تعرض لها الإنجيل العبري أو العهد القديم المسيحي، بإضافة بعض الكتب التي لم تكن موجودة بالعبرية، أو بالحذف و الاستبعاد الذي قامت بها الكنيسة. و هذا الاستبعاد شديد الأهمية بالنسبة لحياة المسيح عليه السلام أو بالنسبة للتعاليم التي قدمها ، فعلى حد قول موريس بوكاي أن الكنيسة: " لم تحتفظ في العهد الجديد إلا بعدد محدود من الكتابات أهمها الأناجيل الأربعة المعتمدة" (ص 5 من المقدمة). و بالفعل فليس من فراغ أو بلا سبب أن تحدد الوثيقة رقم 4 من مجمع الفاتيكان الثاني في وصفها لهذه الكتب القديمة: "إنها تحوي أموراً غير مكتملة و باطلة" ، و في الوقت ذاته لا يفوتها أن تضيف ، في نفس الجملة ، أن هذه الكتب على الرغم من ذلك تعد " الدليل على منهج تربوي الهي حقيقي"!!
لكن رغم هذه المعطيات التي لم يعد أحد يجهلها، و التي تعتبر من أحد الأسباب المباشرة للإلحاد في الغرب فتجدر الإشارة إلى أن اليهودية لا تقبل بأي رسالة جاءت بعدها، وهذا موقف لا يتحدث عنه أحد ، خاصة الكنيسة، حتى بعد أن أعادت لليهود الاعتبار بتبرئتهم من تهمة الصلب؛ و المسيحية لا تأخذ بعين الاعتبار رسالة جاءت بعد عيسى عليه السلام. والديانتان رغم تعارضهما نتيجة الاختلافات و العداءات اللاهوتية ، يتفقان على رفض أي رسالة بعدهما حتى و إن كان لوجودها سببا أو حكمة! إذ أنه على حد قول الأب لولونج: " ما تزال رسالة القرآن و شخصية الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و الفكر الإسلامي الأصيل و المعاصر لا تأخذ حقها من التقدير بشكل غريب في الرأي العام الغربي . وعلاوة على هذا فإن هذا الرأي العام تصوغه أحكام مسبقة صنعها التاريخ و التقليل من الشأن إعلاميا ، ظهرت في عصرنا هذا ، لدرجة تجعله يحسب أنه على علم بأمور ليست لديه معرفة حقيقية بها" (ص 75). و يضيف موريس بوكاي على هذا وعن دراية تامة قائلا : " إن القرآن يحوي كلام الله، بلا أي إضافة بشرية. و وجود المخطوطات التي ترجع إلى القرن الأول من العصر الإسلامي يدل على صدق النص الموجود حالياً " لأنه " في القرآن لا يوجد تعارض بل تناغم بين النص والمعارف الحديثة، تناغم لا يستطيع البشر تفسيره." (ص 2 و3 من المقدمة.)
ومن جهة أخرى، فإن القرآن يوجب على كل مسلم الإيمان بالرسالتين السابقتين، كما أنزلهما الله تعالى ، بعيداً عن أي تحريف.
إذن، فإن فهم الإسلام كما أنزله الله ، يعد ضرورة تفرض نفسها في أيامنا هذه إذا كنا نريد أن نحافظ على النزاهة الإنسانية. لأن استيعاب هذا التميز الذي يتصف به الإسلام، و الذي يعتبر أساسه و معياره في آن واحد وحدانية الله المطلقة و تنزيهه، سوف يسمح باستيعاب السبب وراء رفض الإسلام لكل صور الشرك بالله، أو عبادة البشر، أو عبادة الملائكة والجن والأصنام، و رفضه للوساطة ولكل صور التجسيد لله، و بالأخص رفضه لفكرة تأليه المسيح عليه السلام التي تم طرحها في المجمع الكنسي الأول بمدينة نيقيه سنة 325، لأنه لا يمكن الحط من شأن الخالق و جعله أحد مخلوقاته. و هو ما يفسِّر أساس وسبب الفكرة التي ظهرت في القرون الوسطى و التي جعلت من الإسلام والمسلمين "عدو" للنصرانية. و هي الفكرة التي لا تزال مع الأسف تتغلغل بشكل مُلِّح في الوعي البشري المسيحي بإصرار عنيد.
ويكفي أن نقرأ كتاب فيليب آجي المعنون : "يوميات عميل سرى: عشر سنوات في المخابرات المركزية الأمريكية"Journal d`un agent secret: dix ans dans la C.I.A. ، الذي ظهر سنة 1975، لنرى إلى أي حد تسلل التدخل السياسي في الفاتيكان، كما يكفي أن نقرأ كتاب سيادة لويدجي مارينيلّي المعنون : "كشف الفاتيكان" "Le Vatican mis à nu", و هو كتاب يكشف حقائق متفجرة، يكشف النقائص و الفضائح بجميع أنواعها، التي تتزايد بلا رادع في إدارةٍ هَوَت منذ زمنٍ بعيد في مستنقع السياسة و دسائسها.
إن الإسلام كما رأينا، لا يتنافى على الإطلاق مع العقل، أو الروح العلمية، أو حقوق الإنسان، و ليس كما يتطاول جون كلود بارو في قوله: " انه دين جاء من الصحراء و لا يخلق إلا الصحاري"، وهو بذلك ينضم إلى كل الذين يصرّون بتشبث على التخلص من الإسلام. وهو بالفعل يقولها صراحة في نهاية كتابه ، في سياق مدحه للحداثة: "إن الحداثة الممتدة الدوام لا يمكن إلغاءها، و ليس أمام الإسلام إلا أن يتكيف معها من أجل الصالح الأعظم للبشرية،أو أن يختفي". (صفحة 134)!!
إن هذه الحداثة المزعومة " الممتدة الدوام"، هذه الحداثة " المبنية على موت الإله"، و التي اختلقها الغرب بشتى الوسائل و على حساب خسائر لا حصر لها ، أصبح هو أول من يشتكي منها في أيامنا هذه. لأنها السبب الأساسي في ما يعاني منه من تشتت و خروج عن المسار. لذلك فإن فكرة تكيف الإسلام أو زواله ليست واردة، لأنه لا يمكن أبدا التكيف مع شيء منتحر، أقرح، و يتساقط باليا. إن حداثةً مبنية على إلغاء الخالق لاستبداله بالتقدم المادي، بالمال، و بالأنانية و الفجور، تحت ذريعة الحرية الشخصية، تناقض كل منطق و كل الأخلاقيات.
وبالتأكيد على أهمية العقل، العلم و المعرفة، و بإبراز الإنصاف و العدل و الحرية كمعيار، و بلورة أهمية التكافل بكل أشكاله؛ فإن الإسلام الذي يشمل توجيهات ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية و عسكرية، يثبت أنه دين و نظام اجتماعي كامل،في حركة دائبة داخل نظام ثابت، و حول محور ثابت ، يحترم كرامة الإنسان، و يدعوه لإتباع صراط الاستقامة و الرقي، دون خلط للأوراق.

هذه هي الخطوط العريضة التي تتضح من قراءة القرآن والتي حاولنا استخلاصها في مظاهرها الأساسية : المقاصد و الأخلاقيات، و هي المظاهر التي تبيِّن و تبرهن في آن واحد على أن القرآن ليس مناقضاً للعقل ولا للتفكير العلمي، و لا يمكن أبدا أن يكون موقعه : " أدنى بكثير من بقية النصوص الدينية الكبرىللإنسانية " كما يقول بارو، ومن غير الصحيح أنه غير مكترث بحقوق الإنسان، أو أنه دين حرب أو " دين جاء من الصحراء و لا يخلق إلا الصحاري" مثلما يؤكد بارو في الصفحة 110 من كتابه، حتى وصل إلى ما نقلناه من قبل من خاتمة لكتابه، في تقرير مبرزاً فيه أهمية و قيمة الحداثة الغربية، قائلاُ أنه " ليس أمام الإسلام إلا أن يتكيف معها من أجل الصالح الأعظم للبشرية، أو أن يختفي" !
و بعد بسمة مريرة عابرة،فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من عمل مقارنة بين تاريخ ظهور هذا الكتاب، سنة 1991 ، و القرار المتخذ في مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965، و الذي ينص على اقتلاع الإسلام في التسعينيات. تماما كما تم اقتلاع الشيوعية في الثمانينيات ( هدم سور برلين سنة 1989، و انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1992)، بالتأخر عامين عما حددوه. ولا أحد يجهل في أيامنا هذه أن هذا الانهيار بدأ مع بداية عملية الحوار الجديد مع الماركسية، على ضوء ما حدده الفاتيكان و باختلاق العام المرْيمي (نسبة إلى مريم العذراء) و إعدادات أخرى، لا نذكر منها إلا "الخطة الخمسية" ليوحنا بولس الثاني. وهو ما يسمح لنا بأن نفهم بوضوح أن هذا الكتاب الصغير ل كلود بارو بعامة، و الكثير غيره بخاصةً، تمثل الضوء الأخضر لهذه الموجة الجديدة و الشرسة من الهجوم ، و التي بدأت أيضا تحت ذريعة حوار الأديان، وفي حماية الغطرسة المعربدة وغير الإنسانية لمن يمسكون بخيوط اللعبة، في ظل الصمت المَقِيت و المتعصب لهذه "الأومرتا" المفروضة أو قانون الصمت الرهيب، الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. انها حملة صليبية مقصودة، تفجّرت بالفعل مع التمثيلية المفتعلة للحادي عشر من سبتمبر 2001الشهير. ومن المؤكد أنه لا يوجد ما يصدم في هذه التسمية، لأنه ليس هناك فقط العديد من سيناريوهات الأفلام الأمريكية التي تتخذ جريمةً مدبرة مبرراً لارتكاب جريمة أخرى أكبر بكثير من الأولى، لكن هناك أيضاً دلائل عديدة تكشفت منذ ذلك الوقت ، تثبت صحة هذه التسمية، و لكنهابقيت طيّ الكتمان. إن هذا التاريخ المشؤوم لا يمثل في الواقع إلا بداية تنفيذ التعليمات التي كانت رامية إلى محو الإسلام في التسعينيات بشكل عملي، حتى تبدأ الألفية الثالثة و قد تم تنصير العالم بأكمله تحت حماية الكاثوليكية الفاتيكانية ! من المحزن قول ذلك، و ربما كان من المحزن قراءته ، و لكن ما يدعو للحزن أكثر بكثير هو الحياة في مواجهة هذا الصمت المطبق لهؤلاء ، الذين يراقبون في صمت ، بلا أي رد فعل...
إنها مطاردة حقيقية للبشر، موجهة خصيصا ضد المسلمين ،الذين تم وصمهم بشكل همجي، منذ 14 قرنا، بأنهم "الأعداء".. مما يمثل دليلا ساطعا ومخيفا في آن واحد على الدور غير الإنساني، و الإجرامي لمن يمسكون بخيوط اللعبة. إنها جريمة جديدة ضد الإنسانية، ترتكب تحت أنظار العالم بأسره... ذلك العالم الذي التزم بالصمت أمام جرائم كثيرة أخرى، في عشرات السنين الأخيرة، و لا نذكر منها كمثال إلا جريمة سلب فلسطين: فالكل يعلم تماما متى، و على يد من، و كيف، ولماذا تم انتزاع هذه الأرض، و التي لا تزال تتعرض كل يوم و بشكل منتظم للسلب، تحت سمع و بصر العالم الذي اعتاد على الصمت، و على قبول التحيزات و اعتاد بالأخص على جعل القاهر و المقهور على قدم المساواة ! عالم يدّعى أنه متحضر، متطور، و متفوق !!
و بدلاً من تغذية كل هذه الكراهية تجاه الإسلام و المسلمين، تلك الكراهية المتوارثة عبر العصور، و التي زرعتها كتب الدراسات و وسائل الإعلام بطريقة منهجية إلى أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ ، بل جزءاً تلقائياً من الشخصية الغربية؛ و بدلاً من وضع الباطل والحق على قدم المساواة؛ بل و بدلاً من فرض الباطل بوحشية ليكون أعلى من الحق ؛ على حساب أكثر من مليار من البشر، يذبحون و ذنبهم الوحيد - في عين من يقودون هذه المذبحة- هو أنهم حافظوا على دينهم سليماً، دون أي تحريف .. بدلاً من كل هذا الظلم، ابرزوا قيم الإنسانية و الضمير... فالإسلام لا يفرض نفسه على أحد ، " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (سورة الكهف، الآية 29) هذا ما يقوله القرآن.
والإسلام لم ينزّل إلا لأن رسالتي التوحيد السابقتين تعرضتا للتحريف. فالتوحيد هو أولا: الوحدانية المطلقة لله الذي " ليس كمثله شيء " (سورة الشعراء، الآية 11). و قد انحرف اليهود باتخاذهم العجل إلهًا، وقتلهم الأنبياء والرسل، و لم يبعث المسيح إلا لهداية خراف بني إسرائيل الضالة ( إنجيل متّى 15: 24)- أي لإعادتهم إلي التوحيد. والمسيحيون انحرفوا بتأليههم للمسيح وبفرضهم التثليث، مقيمين بذلك نوعاً من الشرك بالله. وهذا هو ما أدى لكثير من المجازر بين المسيحيين و اليهود أولا، ثم بين المسيحيين بعضهم البعض، ثم بين هؤلاء المحرفين و بين المسلمين.
ألم يحن الأوان لنفهم ، بعد 2000 عام من المجازر، كما قال بحق الأب لولونج (ص73) أن التصدي للإسلام بكل الوسائل, بكل هذا القهر السياسي و كل هذا الاضطهاد الديني, لم يتمكن أبدا من دحض سعي الشعوب نحو الحرية، و تشبثها الثابت بدينها ؟!
إن المشاركة في وقف هذه المجزرة الشاملة، وهذه الحملة الصليبية الجهنمية، متروك لضمير القارئ... لأننا نحن، المسلمون، المدفوعون رغماً عنا نحو المجزرة، لا نملك ببساطة سوى قناعتنا و إيماننا، بلا أي مساندة من أي كائن كان، و لا حتى من أكثرية حكامنا، الذين يعد وجود غالبيتهم العظمى إما قائم أو مدعوم بفضل كبار المحركِّين لهذه اللعبة المرعبة ، التي يشارك فيها ذلك المجتمع "الإنساني" الدولي، بصوت مخروس، و الذي يقال عنه أنه متحضّر ...
يناير2002
المراجع


1- القرآن الكريم.
2- Barreau, Jean-Claude : De l’Islam en général et du monde moderne en particulier.
éd. le Pré aux clercs, Paris, 1991
3- Bucaille, Maurice : la Bible, le Coran et la Science.
éd. Seghers, Poitiers/Ligugé, 1980

4- محمد عبد الله دراز: أخلاقيات القرآن.
نشر. الصحافة الجامعية الفرنسية، باريس، 1951؛ الطبعة الثانية، وزارة البحوث و الشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، الرباط، 1983.
5-محمد الغزالي: المحاور الخمسة للقرآن الكريم.
نشر. دار الشروق، القاهرة، 2000.
6- د. أحمد الحوفي: سماحة الإسلام.
نشر. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1994.
7- سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي.
نشر. دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة عشر 1997.
8- Lelong, Michel, Père : l’Eglise catholique et l’Islam
éd. Maisonneuve/Larose, Paris, 1993
9- محمد الصادق قمحاوي: شبهات مزعومة ضد الإسلام وردها.
نشر. دار الأنوار، القاهرة، 1978.
10- محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي.
نشر. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1994.
11- Thomas, Joseph : le Concile Vatican II éd Cerf/Fidès, Paris, 1989
12- Vatican II, Documents conciliaires éd. le Centurion, Paris, 1966









[1] استبدلت الكاتبة طريقة كتابة المستشرقين لاسم النبي محمد(ص) Mahomet بالطريقة الصحيحة Muhammad على أمل أن يتم تصحيحها في النصوص الفرنسية.

[2] لأن هذه الكلمة Dieu كما ينطق باللغة العربية دون ترجمة إلى كلمة رب باللغة الفرنسية Allah 2- تكتب الكاتبة لفظ الجلالة بالحروف اللاتينية تعبر عن فكرة التثليث و التي فرضها مجلس القساوسة و علماء الدين المسيحي الذين اجتمعوا في مدينة " نيسيه" بآسيا الوسطى عام 325 من الميلاد . مما يمثل نوعاً من الشرك لا يتخيله و لا يقبله المسلمون لان الله واحد لا شبيه له و لا مثيل.

[3] - اختارت الكاتبة أن تكتب كلمة القرآن باللغة الفرنسية بلفظ Qur`ân و هو أقرب ما يكون للنطق العربي على أمل أن تحل محل لفظ Coran
المستخدم في النصوص الفرنسية منذ السبعينات.

[4] دائماً يذكر اسم المسيح مقروناً ب" ابن مريم" في القرآن الكريم للتأكيد على رفض أن يكون لله تعالى ولد ، فهو سبحانه "لم يلد و لم يولد".

[5] - إبراهيم عليه السلام هو الجد الأكبر للمسلمين و قد وصفه القرآن الكريم في سورة آل عمران :" ما كان إبراهيم يهودياً و لا نصرانياً و لكن كان حنيفاً مسلماً و ما كان من المشركين" . و المسلمون هم ذرية إسماعيل عليه السلام الابن الأكبر لإبراهيم ،و الذي يكبر اسحق عليه السلام بثلاثة عشر عاما. و من المدهش أن يظل المتعصبون من رجال الفاتيكان مصرون حتى وقتنا الحاضر على إنكار هذه الذرية و على عدم الاعتراف بالإسلام دين التوحيد الذي أرسله الله ، على الرغم من كل الأدلة الموجودة في نصوص الإنجيل و التي تؤكد على ذلك.


المصدر: طريق الخلاص


hgYsghl , hgrvNk


شاركنا برأيك في هذا المحتوى عبر الفيسبوك







 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إحراق القرآن من صور الحقد والعداء على الإسلام والمسلمين مزون الطيب المقالات 0 23-02-2012 07:39 PM
شيخ الإسلام ابن تيمية يرد : لماذا أنزل القرآن بالعربية ؟ مزون الطيب شبهات وردود 0 26-01-2012 05:17 PM
روكسانه : شعرت بهيبة القرآن الكريم قبل أن أعتنق الإسلام مزون الطيب لماذا أسلموا؟؟ 0 24-01-2012 03:05 PM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 04:50 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32