تذكرني !


 



المكتبة العامة كتب ومراجع وبحوث ود اسات في مختلف العلوم والمعارف

مفهوم السوق في الفقه الإسلامي

مفهوم السوق في الفقه الإسلامي سامر مظهر قنطقجي / دكتوراه في المحاسبة تقديم الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /11-01-2012, 06:52 PM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي مفهوم السوق في الفقه الإسلامي



سامر مظهر قنطقجي / دكتوراه في المحاسبة

تقديم
الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً ، وأسبغ على عباده نعماً ظاهرة وباطنة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً. وجعل المال والبنين زينة الحياة الدنيا ليبلوَ الخلق أيهم أحسن عملاً. وقسم الرزق بين عباده ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا. ووهب لنا العقل لنميّز الخبيث من الطيب ويبين لنا أن المال سعادة للإنسان ما دام يستخدم في طاعة الله وأنه شقاء ووبال على الناس إذا استخدم في غير ذلك.
والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين معلّم الناس الخير ومرشدهم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم ، وينهاهم عن كل ضارّ فحارب الفساد والغش والتدليس وكتم العيوب واستغلال الناس بعضهم بعضاً فكان أسوة حسنة في جميع أقواله وأعماله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. ورضي الله عن الصحابة والتابعين من الفقهاء والعلماء الذين أناروا الدرب باجتهاداتهم وتطبيقاتهم.
وبعد فهذا هو العدد الثاني من سلسلة فقه المعاملات ، فإن كانت الآراء الواردة في هذا البحث مطابقة للشريعة الإسلامية فذلك توفيق من الله ، وإن لم تطابق فذلك خطأ مني وأسأل الله المغفرة وحسبي أني اجتهدت. اللهم تقبل عملي هذا واجعله خالصاً لوجهك الكريم واجعل فيه المنفعة والخير للمسلمين ، آمين.


الإهداء
- إلى كل من وقر الإيمان في قلبه وصدّقه العمل...
- إلى كل تاجر يخشى الله في السرّ والعلن...
- إلى كل من يبحث عن الرزق الحلال والاستثمار المشروع...

أهمية البحث
تتأرجح التجارب الاقتصادية في العالم مداً وانحساراً بحثاً عن الأفضل. ففي التجربة الشيوعية تدخلت الدولة مركزياً بكل شيء ، بينما كان تدخلها بدرجة أقل في التجربة الاشتراكية ، ولم تتدخل في ظل الرأسمالية. مما أدى في نهاية القرن العشرين (الذي شهد ولادة وفشل التجربتين الشيوعية والاشتراكية) إلى تحول مراكز هاتين التجربتين إلى النظام الرأسمالي.
إلا أنه مع بداية القرن الواحد والعشرين وحصول التغير العالمي الذي عُرف بسياسة تفرّد القطب الواحد الذي ساعد في تسريع توجه الاقتصاد العالمي نحو ما يسمى بالعولمة. بدأ الاقتصاديون يواجهون محدودية النظام الرأسمالي وعدم قدرته على الاستمرار بنفس المكونات والأسس. فالاحتكار مثلاً مسموح في ظله ، لكن أن يصل إلى حد ابتلاع النظام نفسه فهذا هو الخطر بعينه. وهذا ما فعلته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً بتقسيم شركة البرمجيات مايكروسوفت. كما أن تداعي الشركات الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 بسبب التلاعب المالي والمحاسبي لتلك الشركات بالرغم من اعتمادها على التنظيم الجيد واستخدام الأدوات المتطورة كل ذلك دلّ على عجز تلك المكونات والأسس على تنظيم الأسواق بمفردها، وهذا ما يشكل تراجعاً واضحاً في بنية النظام. فالفسد هو "إيدز الأنظمة" الاقتصادية المذكورة كلها ، وإطلاق العنان للمال وحده للتفكير والتخطيط والعمل لا يعني سوى المزيد من الفوضى والأنانية والفساد وما الرشوة وبيع الأدوية الفاسدة للشعوب الفقيرة وتجارة الرقيق والأطفال وتغذية النبات بالهرمونات لزيادة الإنتاج وإطعام الحيوانات بأعلاف مصنعة ومعدلة جينياً ، وإنتاج الأسلحة المدمرة للإنسان والبيئة لعشرات السنين وغيرها إلا بسبب الجشع وحب الذات والبحث عن المصالح المادية دون الأخذ بأي اعتبارات أخرى.
لذلك فقد بدأ الاقتصاديون في العالم بالاقتناع بأن علم الاقتصاد كعلم مستقل عن العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يمكن أن يقود إلا إلى مزيد من الدمار. فالرغبات والحاجات هي إنسانية قبل أن تكون اقتصادية ، والاقتصاد يجب أن يكون في خدمة الإنسان وليس العكس. والتعبير عن المشاكل الاجتماعية بأرقام ومعادلات صماء ليس هو الحقيقة ، لذلك كان جديراً على برامج التنمية والتطوير أن تستوعب كل المشاكل المسؤولة عن تفكك المجتمعات والانحلال الخلقي فيها ، وأن تسعى إلى جعل المواطنين إيجابيين أو على الأقل غير سلبيين تجاه الحكومات وسياساتها.
ومن الضروري جداً تنظيم سلوك الأفراد والمجتمعات قبل صياغة القوانين وتنظيم الأسواق.وفي هذا المضمار لابد لنا من أن نتعرض إلى تجربة سباقة سادت الدنيا شرقاً وغرباً بأخلاق وسلوك تجارها وصدقهم وبرّهم. فحققوا بذلك عالمية الإسلام في جميع الأسواق التي تعاملوا معها واتجروا فيها ، بل لقد كان ذلك سبباً مباشراً في إسلام العديد من البلدان ، والتاريخ شاهد على ذلك.


المقدمة
لقد بيّن رسول الله e العلاقة بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين الدولة الإسلامية بقوله: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار"[i][1]. ونهى عن الاحتكار والغش والبيوع التي تؤدي إلى المنازعات بين الناس. وأُسندت مراقبة ذلك إلى محتسب السوق ، وطُلب منه التدخل لتطبيق شرع الله وتحقيق مصلحة الناس وحاجاتهم إذا لزم الأمر فهي دولة تحقق الحرية الاقتصادية للناس وتضبط مصالحهم سواء كانوا جماعات أو أفراداً. وهي تتدخل عند الحاجة لمنع الاحتكار والظلم وفض النزاعات بين الأطراف جميعا ًوتؤمن تدفق المعلومات الصحيحة دون أي تسلط فردي أو جماعي ضماناً لحرية الأسواق وتأمين الرضا لروادها دون مخالفة الثوابت الشرعية.
والسوق بوصفه المكان الذي تمارس فيه عمليات البيع والشراء وتبادل السلع ، وفيه يهدف الناس إلى تحقيق الربح كل حسب موقعه البائع والشاري ، كذلك فإن الوقت يلعب دوره لأن تلك العمليات قد لا تتم في الحال ، وقد تحدث خلال ذلك تقلبات في الأسعار يمكن أن تؤدي إلى خلافات ومنازعات.
وعليه فإن البحث يهدف إلى بيان دور السوق ومحدداته في الفقه الإسلامي من خلال ما نصت عليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة واستنباطات الفقهاء خلال أربعة عشر قرناً خلت لعلنا نستفيد من تجارب أسلافنا وطرق تعاملهم.
إن السوق هو المكان الذي تساق إليه السلع وما شابهها حيث يجتمع البائعون والمبتاعون (المشترون) فيه، فيتبادلون السلع بالسلع أو السلع بالنقود ، عاجلاً أو آجلاً بأشكال ووسائل دفع حسب ما يقتضيه الحال. وللسوق محتسب له مهام بيّنها ابن تيمية بقوله: "ومهمة المحتسب مشارفة السوق والنظر في مكاييله وموازينه وتحديد الأسعار ومنع الاحتكار ومنع الغش والتدليس فيما يباع ويشترى من مأكول ومصنوع ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن السابلة من الغادين والرائحين إلى نحو ذلك من الوظائف"[ii][2].
ولقد علل الغزالي ظهور الأسواق والمخازن[iii][3] بسبب حاجة الناس لما عند بعضهم البعض ولتبادل الخدمات فيما بينهم. واعتبر أن شدة الحاجة عند الأطراف المتبادلة هي التي تحدد عوامل العرض والطلب وبالتالي تحدد سعر التبادل بينهم. وأوضح أنه عند انخفاض الحاجة (الطلب) يقومون بنقل سلعهم إلى أماكن أخرى أكثر طلباً ، وبذلك هم بحاجة إلى من ينقل هذه السلع حيث لا تتوافر وسائل النقل اللازمة للجميع فيكون هذا سبباً لنشوء مهنة أخرى رديفة لأعمال التسوق ، وقد سمّاهم بالتجار المتكفلون بالنقل ، وسمى العلاقة بينهم بعقد الإجارة. ويحتاج المتبادلون إلى حكم عدل يتوسط بين المتبايعين مما يعني حاجتهم إلى أعيان أموال يطول بقاؤها مما أدى لاتخاذ الذهب والفضة والنحاس كمعادن تستخدم للقياس والتبادل ، ثم نشأت الحاجة إلى ضرب النقود ونقشها مما دعا إلى نشوء دار الضرب والصيارفة ، وهكذا تداعت الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما نراه الآن.
ويرى ابن خلدون أن الأسواق[iv][4] تشتمل على حاجات الناس بشتى أنواعها فمنها الضروري وهي الأقوات من الحنطة وما في معناها كالبقلاء والبصل والثوم وأشباهه ، ومنها الحاجي والكمالي مثل الأدم والفواكه والملابس والماعون والمراكب وسائر المصانع والمباني. ثم يوضح ابن خلدون أثر العرض والطلب على تحديد السعر بازدياد عدد السكان ودرجة كون السلع من الضروريات أم من الكماليات. كما يتعرض أيضاً لسوق الأعمال والصنائع. وقد أرجع أسباب الغلاء فيها إلى ثلاثة أسباب: أولها: كثرة الحاجة. وثانيها: اعتزاز أهل الأعمال لخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش. وثالثها: كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصناع في مهنهم فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها فيعتز العمال والصناع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك. وفي هذا السياق فإن المنافسة كما يراها الغزالي[v][5] ليست بحرام بل هي إما واجبة وإما مندوبة وإما مباحة ، شرط أن تعتمد على حرية التعامل وتفاعل قوى العرض والطلب لتحديد الأسعار مع وضع ضمانات تكفل توفير هذه الحرية بمنع الغش والغرر والاحتكار وأنواع من الوساطة يترتب عليها التأثير في حرية الأسواق وقيام الدولة بمراقبة التعامل في الأسواق لتوفير حرية المنافسة وعدم الإخلال بها أو التقييد منها[vi][6].

المبحث الأول
مقومات السوق
للسوق مقومات أساسية لا بد منها هي: المكان والزمان والسلع والخدمات ووسائل الدفع وأدوات القياس والبائعين والمشترين والقائم على السوق. وسوف نشرح كلاً منها بشيء من التفصيل.
أولاً – المكان: وهو البقعة من الأرض التي تتجمع فيها المقومات المذكورة. وقد يتبدل مفهومه اتساعاً وضيقاً، قرباً و بعداً ، كمّاً وكيفاً حسب طبيعة الأعمال المنوطة. فشبكة الانترنيت هي سوق إلكترونية تهدف الحصول على المعلومات والخدمات من شتى بقاع العالم ، والبورصة هي سوق للأموال سواء كانت للأسهم أو للسلع المتخصصة أو للعملات أو للمعادن الثمينة أو غيرها ، وأمكنة بيع البضائع والسلع بالجملة والمفرق المنتشرة في جميع بلدان العالم بشتى أنواعها واختصاصاتها هي كلها أسواق. وكان الخلفاء يكثرون من التجوال بالأسواق ويراقبونها باستمرار نظراً لأهميتها ودورها في النشاط الاقتصادي فهي كالرئة من الجسم وهي مؤشر حيوي على سلامة الحياة الاقتصادية. وهذه هي سنة الأنبياء والرسل ) وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق([ الفرقان :7] )وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق([ الفرقان :20]. ولقد ذكر القرطبي في تفسيره بأن دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعيشة.
ثانياً - الزمان: ويقصد به الوقت الذي تمارس فيه الأعمال في الأسواق. فلا بد من زمان محدد يجتمع خلاله الناس ليمارسوا أعمالهم من بيع وشراء وتبادل وسداد. فقد يكون التسليم آنيا والسداد آجلا أو يكون التسليم مؤجلاً والسداد حالاً. وقد تنشأ خلافات بين الأطراف نتيجة الفروقات الزمنية بالسداد أو بالاستلام والتسليم.
ثالثاً - السلع والخدمات: وهي ما يتاجر به الناس في كافة المجالات. ويجب أن تكون حلالاً غير محرمة لا بطبيعتها و لا بتعاملها ، إضافة إلى ضرورة تأمين حرية انتقالها ووصولها إلى الأسواق و حماية أشكال ملكها وحيازتها. ومن ذلك تراضي الأطراف المتبادلة دون إذعان، فالبيّعان بالخيار ما لم يتفرقا )يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم([ النساء :29].
رابعاً - وسائل الدفع: وهي عبارة عن وسائل تداول قيم السلع والخدمات بين البائعين والمشترين وقد أُطلق عليها الأثمان من الدنانير والدراهم والفلوس ، إضافة إلى آلية التداين والإقراض. ولابد من الإشارة إلى العملات الاسمية التي كان الفقهاء يستعملونها كالدينار الجيشي والدراهم السوداء وهي تقابل اليوم حقوق السحب الخاصة.
خامساً - أدوات القياس: وهي الموازين والأوزان والمقاييس والمكاييل وغيرها. وقد اهتم فقه المعاملات بعدالتها ودقتها فضبط المثمنات من موزونات ومقيسات ومكيلات ، والأثمان من الدنانير والدراهم والفلوس ، والأسعار النقدية والسلعية ووضع أسساً عادلة لاستمرار التوازن بين العرض والطلب ، فضلاً عن الدور الذي يقوم به المناخ الاجتماعي الملائم الذي تربى عليه المسلم منذ نعومة أظافره.
سادساً - البائعون والمبتاعون (المشترون): وهم عماد السوق سواء كانوا تجارا أو مستهلكين. ولما كانت غاية المسلم هي عبادة الله U فإن للسوق أخلاقا على مريديه التخلق بها، كما كان رسول الله e فهو "لم يكن فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح"[vii][7]، كما أنه e حث روّاد السوق على استغلال هذا العمل بنية ذكر الله تعالى وتعبده فقال e: "من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة"[viii][8].
ولقد أوجب الشرع الإسلامي على رواد السوق صفاتاً وآداباً وأخلاقاً عليهم التحلي بها وهي:
q الصدق: لقوله e "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"[ix][9].
q الأمانة: وهي عكس الخيانة ، لقول الله عز وجلّ ) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون([المؤمنون :8] وقوله أيضاً:) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها([النساء:58]. وقوله e في الحديث القدسي: "يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما"[x][10]. ومن المعروف أن الثقة والأمانة المتبادلة بين معاشر التجار هي عماد التجارة وأساسها، فإن شاعت الخيانة أحجم التجار عن التداول فيما بينهم أو قلصوا العمل إلى أدنى الدرجات مما يؤثر على السيولة المالية في السوق ، وسوف يعم التعامل النقدي على غيره من الأنواع وستكثر النزاعات وغالبا ما تضيع الحقوق وتتخلخل الحياة الاقتصادية في المجتمع كله.
q الإفصاح: لقول رسول الله e "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدق البيعان وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما"[xi][11]. ومحق البركة قد يكون بضياع الربح أو رأس المال أو كليهما معاً أو قد يصاب صاحبهما بمرض أو داء يذهب بما لديه.
q النصح:لقول رسول الله e"الدين النصيحة"[xii][12]. وبالنصح تجاوز الإسلام ما وصلت إليه الأمم في أدبياتها المحاسبية، لأن النصيحة تعني تجاوز حد الإفصاح الذي يقصد به عدم إخفاء بيانات قد تؤدي بالطرف الآخر إلى اتخاذ قرارات خاطئة. فالمسلم مأمور بإبداء النصح، وفي هذا دعم للسلوك الفردي من خلال إبداء رأيه على شكل اقتراحات وهذه درجة أعلى في سلم الصدق والإفصاح.
q البرّ: قسّم رسول الله e التجار إلى صنفين إثنين إما فاجر وإما تقيّ برّ، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبرّ وصدق"[xiii][13]، والبرّ درجة إيمانية أعلى يوصف بها المحسن في عمله.
q الاعتدال في الربح: كان عليّ بن أبي طالب tيتجول في أسواق الكوفة ويقول: "معاشر التجار خذوا الحق تَسلموا ، ولا تردّوا قليل الربح فتحرموا كثيره". وهذه دعوة لزيادة معدلات دوران رأس المال بعدم المغالاة في رفع الأسعار خاصة إن كان المال المتجر به كثيراً . كما يقول ابن خلدون: "وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير إلا أن المال إذا كان كثيراً عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير"[xiv][14]0
q المسامحة: وهي مفهوم يتسامى بالإنسان إلى درجة أخلاقية وروحية عالية. فالمسامحة نوع من أنواع الكرم مطلوب من البائع والشاري وقاضي الدين. ولقد خاطب رسول الله e البائع قائلاً: "زن وأرجح"[xv][15]. وأمر قاضي الدين بالإحسان في أدائه فقال: "خيركم أحسنكم قضاء"[xvi][16]. كل ذلك دون شرط مسبق حتى لا يتحول الإحسان إلى ربا. وقد يكون الإحسان على شكل مكافأة مالية أو كلمة شكر أو دعاء أو هدية. ولا يخفى على أحد ما لهذا التصرف من أثر اجتماعي حسن بعيد المدى ، فهو يشجع الناس على مساعدة بعضهم البعض ، إضافة إلى أثرها في تقليص الغش والغبن والاحتيال إلى الحد الأدنى. أما إعسار الطرف المدين عن السداد فقد حث الله Uالدائن على الانتظار بقوله: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون([البقرة:282] ويبين أن التصدق على المعسر بالدين المعدوم أو المشكوك فيه أفضل في الثواب وأوقع في النفس. وقد شمل هذا كله حديث رسول الله e "رحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا اقتضى"[xvii][17].أو المشكوك بهأ
سابعاً - القائمون على السوق[xviii][18]: وهم الذين فوضهم ولي الأمر بالإشراف على الأسواق لتأمين العمل بشكل منتظمٍ ، سواء سمي المحتسب كما ورد في الفقه الإسلامي أو وزارة التموين أو وزارة الاقتصاد أو المصرف المركزي أو البورصة أو صندوق الاستثمار أو اللجان المحاسبية الدولية أو غيرها. فحينما هاجر رسول الله eإلى المدينة المنورة فإن أول ما أمر به هو بناء المسجد ثم سأل عن السوق فدلّوه على سوق لليهود فأمر بإشادة سوق خاصة بالمسلمين. فكان المسجد والسوق أول ما بناه رسول الله e في أول دولة إسلامية وفي هذا دلالة واضحة على الاستقلالية الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين. ثم قال e "هذا سوقكم فلا يُنتقص و لا يُضربن عليه خَراج"[xix][19] مما يدلّ على أن هناك شروطاً يجب توافرها في السوق أولها: عدم إكراه من فيه على شيء مما سنذكره فيما بعد ، وثانيهما: عدم فرض الضرائب عليه. لكن السوق بالرغم من كل ذلك يبقى مرتعاً خصباً لأصحاب النفوس الضعيفة التي لا تقيم وزناً لمفاهيم الخير ولا للقيم السامية فيغتنمون الفرص للقيام بالغش والتدليس والتلاعب. لذلك ضبط الإسلام أشكال البيوع ، وحدد معالم الضعف فيها ووصف لها العلاج المناسب ولفظ الخبيث منها وذلك للمحافظة على سوق سليمة معافاة لا تتأثر بالأزمات الضارة بالحياة الاقتصادية العامة. فأحدث وظيفة المحتسب لمراقبة السوق وأحواله ومنع الغش في البيوع ومحاولات التأثير على الأسعار كتلقي الركبان والنجش ومنع البيوع المحرمة كالربا والغرر. ويُذكر أن عمر بن الخطاب t شاهد في إحدى جولاته جابر بن عبد الله t وبيده درهم "فقال له: ما هذا ؟ فقال: أريد أن أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه (أي اشتهوه). فقال عمر : أو كلما اشتهيتم اشتريتم ! ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره! أين تذهب عنكم هذه الآية ) أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها([الأحقاف:20]"[xx][20]. ويلاحظ أن عمر t قصد مراقبة السوق وضبط الطلب بغية المحافظة على الأسعار ، وكأنه سعى إلى كبح جماح الغلاء وترشيد الإنفاق. وإنما ذكر الآية الكريمة للتحكم بسلوك الفرد المسلم لأنه ملتزم بشرعه مراعياً للجماعة. وفيه أيضا محاربة للجشع والاستهلاك الإسرافي كونه ربط الشراء بالشهوة. وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم حيث نهى عن الإسراف والتقتير ودعا للقوام بينهما بقول الله عز وجل) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما([الفرقان:67].
إذن من أهم مهام محتسب السوق:
تأمين الرضا والحرية لرواد السوق ، لقوله e "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"[xxi][21].
مراقبة الإفصاح والبيان في البيع ، لقوله e فإن صدقا وبيّنا.
التدخل في حال الترويج بالدعاية الكاذبة أي بصفات ليست موجودة أصلاً في السلعة ، لقوله e "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، قال أبو ذر t خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"[xxii][22].
مراقبة الميازين والمكاييل ومنع التلاعب بها لقول الله تعالى )فأوفوا الكيل و لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها([ الأعراف :85]. وقوله أيضاً:)والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان([الرحمن: 7].
تنظيم أعمال الوساطة والسمسرة في السوق وذلك بمنع تلقي الركبان وعدم الكذب وإظهار العيب ونهي بيع الحاضر لباد حتى تتبين جميع الظروف المتحكمة بالعرض والطلب.
تهيئة كل ما يضمن حرية الانتقال والدخول والخروج من السوق وإليها. لذلك قال ابن تيمية في تعريفه: "ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن السابلة من الغادين والرائحين" حفاظا على حرية رواد السوق لتأمين الرضا لهم في اتخاذ القرار الأنسب وحفظ حقوقهم.
منع الاحتكار والبيوع المنهي عنها ، ومعالجة مشكلة التسعير. وهو ما سنتعرض له في المباحث القادمة بشيء من التفصيل.

المبحث الثاني
الاحتكار
الاحتكار هو "إشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء"[xxiii][23]، أو "رصد الأسواق انتظارا لارتفاع الأثمان"[xxiv][24]، أو "إشتراء القوت وقت الغلاء وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتضييق"[xxv][25]، أو "كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار"[xxvi][26]. وقد نهى رسول الله e عن الاحتكار بقوله: "لا يحتكر إلا خاطئ"[xxvii][27]. وشدد على عدم التضييق على الناس بأقواتهم فقال "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه"[xxviii][28]. وحث على الجلب وهو عكس الاحتكار فقال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون"[xxix][29]. و للغزالي نظرة شاملة في تفسير الإتجار بالأقوات الضرورية بقصد احتكارها ، وبين أن الإنسان أهم من المال. فذكر في كتابه إحياء علوم الدين أن "التجارة في الأقوات مما لا يُستحب لأنه طلب ربح، والأقوات أصول خلقت قواما، والربح من المزايا، فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها"[xxx][30].
والاحتكار سواءً كان على مستوى الفرد أو الجماعة أو المنظمات فهو منهي عنه (كسلوك بعض النقابات أو الاتحادات المهنية كالكارتل[xxxi][31] والتروست[xxxii][32]) مما يتوجب على القائم بأعمال السوق منعه. وهذا ما بيّنه ابن تيمية بقوله: فمنع البائعين الذين تواطؤوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولاً ، وكذلك منع المشترين إذا تواطؤوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولاً[xxxiii][33]. وذكر أيضا الاحتكار الصناعي والزراعي والإنشائي فقال:"ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية". ووصف هذا السلوك بالعدوان وهو أعظم من التعدي على سوق بعينه كتلقي الركبان أو بيع النجش.
ويترتب على القائم بأعمال السوق التصدي لمثل هذه التكتلات، كما يترتب عليه إجبار الناس على القيام بمثل هذه الأعمال لكفاية الناس من الحاجة لغيرهم. وهذا يعتبر من ضوابط إدارة السوق والمنظمات التسويقية. فقد روي أن عمر بن الخطاب t دخل السوق ذات مرة ولم ير فيه إلاّ النبط (الأجانب)، فلما اجتمع الناس أخبرهم بذلك وعذلهم (لامهم) في ترك السوق. فقالوا: إن الله أغنانا عن السوق بما فتح علينا. فقال t: والله لئن فعلتم (أي تركتم السوق) ليحتاج رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى نسائهم. وهذا دلالة على مدى تدخل القائم على السوق فهو يحلل ويتوقع فينصح ويرشد خشية الوقوع في المفاجآت. ولقد أدرك عمر t مدى أهمية استقلالية الأسواق فقال مقالته تلك.


المبحث الثالث
التسعير
السعر هو الثمن الذي تتم على أساسه عملية التبادل بين البائع والمشتري. والأصل أن يتحدد تلقائيا دون تدخلٍ بناء على عوامل العرض والطلب. ولا يمكن أن تتم أي عملية تبادل في السوق دون تحديد السعر بغض النظر عن كونه وحدات نقدية أو عينية.
وقد ميّز ابن عابدين بين الثمن والقيمة فقال: "الثمن هو ما تراضى عليه المتعاقدان سواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة هي ما قوّم به الشيء بمنزلة العيار من غير زيادة و لا نقصان"[xxxiv][34]. فالأول أي الثمن يكون برضى الطرفين ومن الممكن أن يُغبَن أحد الطرفين ويرضى بسبب حاجته ، وقد يعبر ذلك عن سوق احتكارية. أما الثاني أي القيمة فتمثل العوض المعيار حسب عوامل العرض والطلب في سوق منافسة كاملة. ويذكر أبو جعفر الدمشقي آلية تحديد القيمة المتوسطة و تبدل السعر حسب درجته فقال[xxxv][35]: الوجه في التعرّف على القيمة المتوسطة أن تسأل الثقات الخبيرين عن سعر ذلك في بلدهم على ما جرت به العادة أكثر الأوقات المستمرة، والزيادة المتعارفة فيه والنقص المتعارف والزيادة النادرة والنقص النادر وقياس بعض ذلك ببعض ، مضافا إلى نسبة الأحوال التي هم عليها من خوف أو أمن ومن توفّر وكثرة أو اختلال وتستخرج بقريحتك لذلك الشيء قيمة متوسطة أو تستعملها من ذوي الخبرة والمعرفة والأمانة منهم. فإن لكل بضاعة ولكل شيء مما يمكن بيعه قيمة ، قيمة متوسطة معروفة عند أهل الخبرة به ، فما زاد عليها سمي بأسماء مختلفة على قدر ارتفاعه ، فإنه إذا كانت الزيادة يسيرة قيل تحرك السعر ، فإن زاد شيئا قيل قد نفق ، فإن زاد أيضا قيل ارتقى ، فإن زاد قيل غلا ، فإن زاد قيل قد تناهى فإن كان مما الحاجة إليه ضرورة كالأقوات سمي الغلاء العظيم والمبير. وبإزاء هذه الأسماء في الزيادة أسماء النقصان ، فإن كان النقصان يسيرا قيل هدأ السعر ، فإن نقص قيل قد رخص، فإن نقص قيل قد بار ، فإن نقص قيل قد سقط ، وما شاكل هذا الاسم.
وقال ابن تيمية عن تقديره لسعر السوق أو ما أسماه عِوض المثل أو قيمة المثل وأجرة المثل: "إن عِوَض المثل هو الذي يقال له السعر فالأصل فيه اختيار الآدميين وإرادتهم ورغبتهم"[xxxvi][36].
أما القاضي عبد الجبار فقد عرّف الثمن بأنه تقدير البدل الذي تباع به الأشياء على وجهة التراضي. ويلاحظ أنه عبر عنه بكلمة البدل بغض النظر عن التكلفة وطبقا لظروف السوق. وقد رد أسباب الرخص إلى العوامل التالية[xxxvii][37] :
§ كثرة الشيء ووفرته.
§ زيادة العرض فإذا عدل الناس إلى متاع آخر أدى ذلك إلى انخفاض قيمة المتاع الأول. وكذلك إذا تلفت البهائم فيزداد عرض علفها.
§ قلة الحاجة: كنقصان الطلب بسبب الاكتفاء ، أو تغير عادات المستهلكين وأذواقهم.
§ قلة المحتاجين: كالوباء والهلاك (أي بسبب انخفاض عدد السكان).
كما رد أسباب الغلاء إلى عوامل السوق أو فعل فاعل. فعوامل السوق هي:
§ قلة الشيء مع الحاجة إليه.
§ كثرة المحتاجين إليه.
§ زيادة الحاجة والشهوة : بسبب المجاعة وعدم الشبع أو تغير عادات المستهلكين كالترف مثلاً. وقد ذكرنا سابقاً قول عمر بن الخطاب t لجابر بن عبد الله t "أوكلما اشتهيتم اشتريتم".
§ الخوف من عدم الحصول عليه: ويعود ذلك إلى عوامل نفسية وتوقعات المستهلكين.
أما الأسباب التي تعود لفعل فاعل فقد تكون:
§ طبيعية (ظروف خارجة عن الإرادة).
§ أو حكومية (عوامل سياسية).
§ أو مصالح شخصية (عوامل اقتصادية كالاحتكار).
ويرى ابن تيمية أن ارتفاع السعر لقلة الرزق (العرض) أو كثرة الخلق (الطلب) هو ارتفاع عادل ، كما يراه أمراً ضرورياً لكي تقوّم به المبيعات[xxxviii][38].
ولقد عزل الخليفة القاهر أحد عماله لأنه قدّر ثمن الفواكه أكثر من سعر السوق ، ثم جبى الضرائب نقدا على أساس هذا التقدير. وأمره بأن يأخذ الخراج مقاسمة سواء كان ذلك على خراج الشجر أو خراج الغلات[xxxix][39]. وعندما طلب الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله e أن يسّعر لهم قال: "إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بظلمة ظلمته إياها في دم ولا مال"[xl][40].
ويرى ابن قدامة بأن "التسعير هو سبب الغلاء لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون ومن عنده بضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ، ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها فتغلوا الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين ، أي جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم ، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراما"[xli][41].
أما القاضي عبد الجبار فأجاز التسعير إذا كان فيه نفع ومصلحة وذلك من باب المعروف والنصيحة في الدين. "وأجازه إذا تواطأ الناس على السعر لنفع لهم ما لم يؤّد إلى مضّرة عظيمة فالمالك مسلط على ملكه فله أن يبيع بسعر مخصوص وأن يمتنع من بيعه ما لم يؤد إلى ضرر عام"[xlii][42].
وأجاز ابن تيمية التسعير في حالات محددة : "كالأزمات والمجاعات والاضطرار إلى طعام الغير والاحتكار والحصر وحالة التواطؤ بين البائعين أو بين المشترين"[xliii][43] ، ولعل علياً بن أبي طالب t قد وضع حدودا للسعر في كتابه إلى واليه على مصر الأشتر النخعي بقوله : "ليكن البيع بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع". ووصف ابن تيمية عملية التسعير بأنها صيانة لحقوق المسلمين فقال: "إن مصلحة الناس إذا لم تتم إلاّ بالتسعير سّعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وتمت مصلحتهم بدونه لم يفعل[xliv][44]. فمثلاً إذا احتاج الناس لصناعة ما كالفلاحة أو الخياطة أو ما شابه ذلك فإن لولي الأمر (المحتسب) أن يجبر أهل هذه الصناعات على ما يحتاج إليه الناس من صناعتهم ، ويقدر لهم أجرة المثل ولا يحق للصانع المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل وهذا من التسعير الواجب.
كما لا يحق لأحد أن يبيع بسعر أخفض أو أعلى من الأسعار المتوسطة السائدة في السوق حتى لا يفسد على الآخرين ، فقد روي عن عمر بن الخطاب t أنه قال لحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. وسواء باع بخمسة والناس يبيعون بثمانية أو باع بثمانية والناس يبيعون بخمسة فإن ذلك ممنوع لأنه يفسد على أهل السوق وربما أدى ذلك للشغب والخصومة[xlv][45]. ومن الفقهاء من رأى بأن لا يُجبَر الناس على البيع إنما يُمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده ولي الأمر على حسب ما يرى فيه من مصلحة البائع والمشتري على حد سواء ، ولا يمنع البائع ربحاً ، ولا يسوغ منه ما يضر بالناس.
تقاطع الاحتكار مع التسعير: أوضح ابن تيمية كيفية تقاطع الاحتكار مع التسعير بقوله: "إذا امتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلاّ بزيادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلاّ إلزامها بقيمة المثل فيجب أن يلتزموها بما ألزمهم الله به"[xlvi][46]. أما آلية تحقيق ذلك ، فيقول ابن تيمية "ينبغي على الإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يُجبرون على التسعير"[xlvii][47]. والرضى عامل مهمّ في زرع الثقة والطمأنينة بين روّاد السوق حيث يؤدي ذلك إلى الازدهار ونمو التبادل واستقرار الأسعار وبالتالي انتعاش الحركة التجارية. أما العكس أي إكراه البائعين على البيع بسعر معين دون النظر إلى التكاليف فإنه يؤدي إلى "فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس"[xlviii][48]. وتلجأ البورصات حاليا إلى ما يشبه ذلك لتحديد أسعار الصرف. "أما أسعار الصرف الخاصة بالعملات الأجنبية فيتم تحديدها يومياً من قبل الوسطاء المقبولين أو المعتمدين من قبل البورصة المعنية أي المصارف بما فيها المصرف المركزي"[xlix][49]. وقد سبق ابن تيمية في آرائه ما يطبق اليوم في البورصات العالمية ب 700 عام تقريباً ، حيث أنه أوجب على ولي الأمر جمع وجهاء السوق واستخراج آرائهم للوصول إلى ما يرضي جميع الأطراف. يقابله في البورصات اليوم آراء الوسطاء المعتمدين والمقبولين. كذلك فإن قرار ولي الأمر عند ابن تيمية يقابله رأي المصارف صاحبة العلاقة. بل زاد ابن تيمية عند تحديده للسعر بالمنازلة أي المساومة دون الإكراهلقد تنبه ابن تيمية إلى التكتلات من نقابات وكارتل وتروست ودورها في التلاعب بالأسعار ،كما أشار إلى تسعير الأعمال والأجور فقال: "ولا ُيمكَّن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير الأعمال"[l][50].ولقد حذر رسول الله e من التلاعب بالأسعار بقوله "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله تبارك وتعالى أن يُقعده بِعظْم من النار يوم القيامة"[li][51].
وأخيرا لابد من الإشارة إلى دور المعايير المحاسبية في تنظيم الأسواق وذلك بنشرها بيانات ومعلومات تفيد في ضبط وتحريك الأسعار وتساعد في معرفة ووصف الوضع الذي تمارس به المنشأة أعمالها، ومدى التوقعات التي من الممكن الوصول إليها. فالأرباح الموزعة هي من المؤشرات الهامة في تحديد سعر السهم ، كما أن معدلات التشغيل ومعدلات الأجور تساعد في تحديد المستوى العام للأجور ، ومن المؤكد بأن بيع السلع والخدمات يتأثر بالمعلومات التي تنشرها هذه القوائم.
أثر الأسعار على حالة الأسواق:أشار ابن خلدون إلى سلسلة العمليات والإجراءات المتتالية التي تؤدي إلى فساد حالة السوق بفساد التسعير فيها ، واستفحال ذلك كلما طال الأمد حتى يؤثر ذلك في جميع نواحي الحياة. فقال[lii][52]: "فإذا كان الرخص في أسعار السلع والعرَض من مأكول أو ملبوس أو متموَّل فسد الربح والنماء بطول تلك المدة ، وكسدت سوق ذلك الصنف ، فقعد التجار عن السعي فيها ، وفسدت رؤوس أموالهم واعتبر ذلك أولاً بالزرع ، فإنه إذا اُستديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلة الربح فيه وندرته أو فقده ، فيفقدون النماء في أموالهم أو يجدونه على قلة، ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولاً. وكذا يفسد حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعاً ، فإنها تقل جبايتهم من ذلك ويعجزون عن إقامة الجندية التي هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها فتفسد أحوالهم. وكذا إذا استديم الرخص في السكر أو العسل فسد جميع ما يتعلق به وقعد المحترفون عن التجارة فيه وكذا الملبوسات إذا استديم فيها الرخص".
إذن الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بالأصناف الرخيصة وكذلك الغلاء المفرط. وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق.


المبحث الرابع
بيوع منهي عنها
لقد ذكرنا سابقاً أن من واجب القائم بأعمال السوق منع البيوع التي فيها غرر أو ربا أو ضرر أو ما اقترن منها بشرط غير ملائم.
q البيوع التي فيها غرر: نهى رسول الله eعن "بيع الملامسة و المنابذة"[liii][53] أي أن ينبذ كل طرف ثوبه للآخر دون النظر لثوب صاحبه ، أو أن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل[liv][54]. وعن "بيع الحصاة" كأن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن. و"بيع حبل الحبلة" كبيع الناقة بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها أو أن يبيع ولد الناقة الحامل في الحال. ونهى كذلك e عن تلقي الركبان قبل دخولهم الأسواق ومعرفة الأسعار بقوله:"ولا يتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبع حاضر لباد ، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو يخير النظر من بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر"[lv][55]. ونهى عن "بيع النجش" وهو أن يدفع الرجل في السلعة سعراً وهو لا يريد شراءها ، إنما ليزيد في السعر فيقتدي به من يريد الشراء فيدفع أكثر مما تستحق. وعن بيع الحاضر للباد "لا يبيعن حاضر لبادٍ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"[lvi][56]. وفي هذا تحجيم لأعمال السمسرة غير المجدية إلا إذا وضحت الأسعار طبقاً للعرض والطلب. ونهى أيضاً عن "بيع المحفِّلة أو الُمصَرَّاة" وهي عبارة عن ربط أخلاف الناقة والشاة وعدم حلبها ليجتمع لبنها فيكثر ويظن المشتري أن ذلك من عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. أي إظهار السلعة بما ليس فيها "لا تستقبلوا السوق ولا تحفّلوا و لا ينفق بعضكم لبعض"[lvii][57]. ونهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحه "لا تبتاعوا الثمر قبل أن يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة"[lviii][58]. وعن بيع النخل حتى يزهو. وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. وعن بيع العنب حتى يسود. وعن بيع الحب حتى يشتد. ونهى eأيضاً عن بيع المزابنة وهو أن يباع ثمر النخل بالتمر قبل أن يوزن ، وعن بيع المحاقلة وهو أن يباع الزرع بالقمح أي قبل الحصاد. والدرس وعن بيع الزبيب بالعنب كيلاً. كما نهى عن بيع الُعرية إلا أن يخرصها من التمر أو الرطب. والخَرص هو التخمين حسب خبرة ودراية أهل الاختصاص. وهذا التشدد كلّه مرده لمنع الخلاف والنزاع بين أهل السوق بغية تأمين الحرية والرضا لهم دون خوف. وهذا ما توصلت إليه أسواق البورصة فقد عملت على "وضع قوانين واتخاذ تدابير وإجراءات صارمة مع وجود هيئة مختصة لتطبيقها وبالتالي حماية الفرد المستثمر والاقتصاد ككل من الآثار السلبية للمضاربة"[lix][59].
q البيوع المشتملة على الربا: كبيع المسترسل وهو الشخص الذي لا يساوم ولا يعرف حقيقة السعر"غبن المسترسل ربا"[lx][60]. وربا الفضل أي الزيادة في التبادل مع نفس الجنس لقوله e"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء"[lxi][61]. وربا النسيئة لقوله تعالى
)وذروا ما بقي من الربا([ البقرة :278] وقوله e "لعن الله آكل الربا و مؤكله وشاهديه وكاتبه وقال: هم سواء"[lxii][62]. وبيع العِينة كأن يقول مالك السلعة للآخر الذي يريد الاقتراض منه اشتر السلعة بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثنتي عشرة لأجل.
q البيوع التي فيها ضرر متوقع: كالبيوع التي تؤدي إلى الاحتكار والتضييق على الناس والإضرار بهم. أو إذا كان القصد هو الإفساد في الأرض كبيع العنب لمن سيعصره خمرا. وكذلك البيوع التي تؤدي إلى فوات صلاة يوم الجمعة لقوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع([ الجمعة :9]. والبيع على البيع لقوله e "لا يبع بعضكم على بيع بعض"[lxiii][63]. والتلاعب بسعر الوقت وأن لايخفي منه شيئا[lxiv][64]لرفع الأسعار و إلحاق الضرر بالناس. وكذلك بخس الناس سلعهم وخدماتهم وأشياءهم لقوله تعالى: )فأوفوا الكيل و لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها([ الأعراف :85]. إضافة إلى ذلك ضرورة مراقبة عدم التلاعب بالموازين والمقاييس والمكاييل لقوله تعالى:) والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان([الرحمن:7]. كما نهى الأغنياء عن التأخر في سداد ما عليهم من ذمم لقوله e "مُطل الغني ظلم"[lxv][65] لما لذلك من أثر على التبادل وخاصة على صغار الملاك. وطلب من المدين السعي لوفاء دينه لقوله e ، "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"[lxvi][66]. وطلب ممن يستطيع إحالة دينه أن يفعل خاصة إذا كان المحال عليه مليئاً لقوله e "إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع"[lxvii][67]. كما نهى e أن تباع السلع المشتراة حتى يحوزها التجار إلى رحالهم لقوله e"إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه"[lxviii][68]. ونهى eعن الحلف مع البيع لقوله e"الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة"[lxix][69].كما نهى في حديث آخر عن بيع ما ليس متوافرا لقوله e"لا تبع ما ليس عندك"[lxx][70] لما في لذلك من زيادة احتمالات النزاع وزيادة حالات البيع والشراء الوهمية التي تؤدي في الغالب إلى تدهور الحالة الاقتصادية. وهذا بالفعل ما تنبهت إليه أسواق البورصة فعمدت للتخفيف منها "فالقائمون على العملية يبقون - ولمدة شهر - مدينين وبالتالي يمكنهم بيع وشراء الأصل ذاته عدة مرات وحصد أو قبض الفوارق الحاصلة بين الأسعار المتغيرة يوميا... وبالطبع تجبر - مثل هذه الخاصية التي تساعد على المضاربة - السلطات المعنية على تحديد شروط وقيود لمثل هذه السوق"[lxxi][71].
q البيوع المقترنة بشرط مخالف للأصول الشرعية: كأن تكون السلعة محرمة أصلاً كالميتة والدم ولحم الخنزير لقوله تعالى:) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ([المائدة:90]أو كالخمر والميسر لقوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون([المائدة:90]. وقوله e"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير والأصنام. فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس. فقال: لا هو حرام. ثم قال eقاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه"[lxxii][72].

النتائج والتوصيات

مما سبق نستنتج أن الفقه الإسلامي ، ومن خلال نظرة الإسلام الشاملة لجميع نواحي المجتمع ، كان سباقاً في إدارة دفة الاقتصاد، وناجحاً في دمج الحياة الاقتصادية والاجتماعية معاً بما يضمن كرامة الإنسان وحريته بغض النظر عن معتقده. فقد أظهر الإسلام دور المال وأوضح أهميته ، وبيّن ضرورة عدم تداوله بشكل خاطئ وعدم اكتسابه بطرق غير شرعية كالرشوة أو الربا أو الاغتصاب. إضافة إلى أن الفرد الذي صقله الإسلام ووقر في قلبه الإيمان تشكلت لديه المناعة ضد كل ما يؤدي إلى إحداث ضرر في المجتمع مهما كان نوعه. على عكس الفرد الذي دُرّب وهُيئ للصراع الاقتصادي والتنافس المادي القائم على الأسس الرياضية والإحصائية دون النظر لمصالح المجتمع فإنه يُصبح من الصعب إجباره أو توجيهه نحو حسابات اجتماعية يظهر معها آثار الضرر البيئي والاجتماعي الذي يُحدثه مشروعه في المجتمع وما يحيط به.
إضافة إلى أنه أرسى أسواقاً ذات دعائم متينة بعيدة عن الغش وأساليبه ، وخالية من المنافسات غير الشريفة كالاحتكار أو عرقلة انتقال السلع والأفراد من وإلى السوق ، وهدفها تحديد السعر بناء على الطلب والعرض العادلين من خلال ظروف تنافسية تعكسها حالة البلدان السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي حال ظهور أي خلل في تحديد السعر على غير تلك القواعد يتوجب على القائم بأمر السوق التدخل لمنع تعدي أحد الفريقين على الآخر والسعي إلى التسعير من جديد لإعادة التوازن بين العرض والطلب.
وفيما يلي مخطط مقترح يبين أهمية المعلومات المتاحة لتنظيم الأسواق وتحديد الأسعار حسب العرض والطلب ودور الفقه الإسلامي في ذلك:



[IMG]file:///C:/Users/user/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.gif[/IMG]
















وبناء على ما سبق فإنني أوصي الأخ القارئ بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مناهج الحياة لأنها شريعة الله أولاً ، وفيها من الثوابت ما لا يستطيع حاكم تغييره أو محكوم مما يساعد في ثبات الأحوال واستقرارها ثانياً. وفيها من المتغيرات والاجتهادات ما يجعلها تستفيد من جميع التطورات المحيطة شريطة أن لا تخالف تلك الثوابت ثالثا.
وقد طبقها الناس على اختلاف مذاهبهم اعتقاداً وعملاً على مرّ العصور ، مما أثبت جدارتها وملاءمتها لكل زمان ومكان.
إضافة إلى أن سلوك الفرد المسلم والجماعات المؤمنة يتحدد من خلال رقابة ذاتية مصدرها الإيمان بالله تعالى ورقابة خارجية مصدرها وازع الحاكم الذي أوجب الله تعالى طاعته بقوله:)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا([ النساء :59].
وإن تطبيق قوانين الغير وتشريعاته دون العودة إلى ما لدينا من كنوز ، يؤدي إلى وقوع المخلصين من الناس في ازدواجية هم في غنى عنها لأنهم سيطبقون في آن واحد أحكام شريعتهم وأحكام القوانين الملزمين بها مما يسبب التشويش والاضطراب والظلم أحياناً. كما يؤدي ذلك إلى ظهور طبقة من الناس محتالة على القانون نظراً لسهولة التفلت من رقابة الحاكم.
ويجب على الجهات التي حلت محل المحتسب وهي وزارة التموين أووزارة الاقتصاد أوالمصرف المركزي أوالبورصة أوصندوق الاستثمار أواللجان المحاسبية الدولية وغيرها أن تسعى إلى تطبيق الأحكام الإسلامية لأنها عقيدة أغلبية الناس فمن الواجب العمل بمقتضاها. فوزارة التموين حالياً تقوم بمراقبة ميازين ومكاييل الأسواق وتحارب الغش والتدليس والفساد ، لكنها تتدخل في سياسة التسعير بل وتجبر المنتجين والبائعين عليه مما يعرقل المنافسة والتسابق نحو خدمة المستهلك ، فضلاً عن بعض الذين يتمكنون من الاحتيال على القانون فيضعون الأسعار التي تناسبهم. وعلى كل حال فإن هذه السياسة لم تعد تجدي نفعاً خاصة بعد بدء تطبيق أحكام منظمة التجارة العالمية WTO ودخول المنتجات والسلع والخدمات إلى أسواقنا من كل حدب وصوب.
ومن المفيد تنظيم معايير مهنة الوساطة والسمسرة ومنع التكتلات المؤدية إلى إلحاق الضرر والظلم بالناس وتأمين الحرية والإفصاح اللازمين لرواد السوق من بائعين ومشترين ومنع غبن المسترسل وعدم تلقي السلع والقادمين من خارج البلد قبل أن يعلموا حقيقة الأسعار. وهذا الكلام موجه تماماً للوسطاء والسماسرة لأن الحاضر المقيم في السوق على علم ودراية بالسعر وظروف السوق ، أما الجالب للسلعة من خارج السوق فهو جاهل بهما. ولا يصح حتى أن يتوكل له به (مع أن جنس الوكالة مباح) لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري فنهاه عن التوكل له لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. والهدف من كل هذا هو محاربة ارتفاع الأسعار بفعل فاعل ، والذي هو عامل أساسي من عوامل تفشي التضخم.
ويجب مراقبة ومحاسبة الإدارات المشرفة على الأسواق والتي حلت محل المحتسب. لأن رسول الله e كان يستوفي الحساب على العمال ويدقق عليهم. وهذا ما فعله مع صحابي من الأزد يقال له ابن اللتبية كان قد استعمله على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه فقال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثا"[lxxiii][73]. وبهذا فقد أرسى معياراً لتعريف الرشوة (التي هي أصل كل فساد إداري) بما لا يترك أي لُبسٍ لأحد.
انتهى والحمد لله رب العالمين


المراجع
1. الحسبة في الإسلام، أحمد الحراني الدمشقي "ابن تيمية"، 1967، دار البيان بدمشق.
2. مجموع الفتاوى، أحمد الحراني الدمشقي "ابن تيمية"، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الرياض، 1398.
3. المقدمة ، ابن خلدون ، مطبعة مصطفى محمد بمصر.
4. المغني مع الشرح الكبير ، ابن قدامة ، 13 جزء.
5. حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين.
6. الإشارة إلى محاسن التجارة ومعرفة جيد الأعراض ورديها وغشوش المدلسين فيها ، أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي، دار صادر ببيروت ، طبعة 1 ، 1999.
7. تاريخ العراق الاقتصادي ، الصابي .
8. إحياء علوم الدين ، محمد أبي حامد الغزالي، 1993 الطبعة الثانية ، أربعة أجزاء ، مطبعة دار الخير.
9. سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، المكتبة العلمية.
10. سنن الترمذي ، الجامع الصحيح ، تحقيق أحمد شاكر ، دار الفكر.
11. سنن النسائي ، بحاشيتي السندي والسيوطي ، دار الكتاب العربي ببيروت.
12. صحيح البخاري ، تحقيق د. مصطفى البغا ، دار العلوم الإنسانية ، طبعة ثانية ، 1993.
13. صحيح مسلم ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الحديث ، طبعة أولى ، 1991.
14. الاقتصاد الإسلامي ، د. محمد عبد المنعم عفر، أربعة أجزاء، دار البيان العربي بجدة ، 1985.
15. ضوابط تنظيم الاقتصاد في السوق الإسلامي ، د. غازي عناية، دار النفائس ، بيروت ، 1992.
16. البورصة وأسس الاستثمار و التوظيف ، د. عامر لطفي، منشورات دار شعاع ، 1999.
17. مسند أحمد
18. الشرح الصغير ، أحمد بن محمد الدريدر ، جزئين.
19. المغني في أبواب التوحيد والعدل ، القاضي عبد الجبار.
20. الاقتصاد الإسلامي، د. يوسف القرضاوي، دار الرسالة، 1996 طبعة 1.

الفهرس
الموضوع رقم الصفحة

تقديم 2
أهمية البحث 5
المقدمة 8
المبحث الأول - مقومات السوق 12
المبحث الثاني - الاحتكار 24
المبحث الثالث- التسعير 27
المبحث الرابع - بيوع منهي عنها 37
النتائج والتوصيات 44
مراجع البحث 50


1 [سنن أبي داوود:3016]

2 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، ص30 ج1

3 الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج3 ، ص 396.

4 ابن خلدون، المقدمة، مطبعة مصطفى محمد بمصر ، ص 362.

5 الغزالي ، مرجع سابق ، ج3 ، ص 350.

6 عفر ، د. محمد عبد المنعم ، الاقتصاد الإسلامي – النظام والسكان والرفاه والزكاة - ، ج1 ، ص 156. ، دار البيان العربي بجدة ، 1985.

7 [سنن الترمذي : 1939]

8 [سنن الترمذي : 3350]

9 [سنن الترمذي : 1130]

10 [سنن أبو داوود : 2936]

11 [صحيح البخاري : 2008]

12 [صحيح مسلم : 82]

13 [سنن ابن ماجة : 2137]

14 ابن خلدون ، مرجع سابق ، ص 395.

15 [سنن النسائي : 4515]

16 [صحيح البخاري : 2215]

17 [سنن ابن ماجة : 2194]

18 اشترط البنك الدولي في تقريره عن التنمية في العالم لعام 2002 تحت عنوان "بناء المؤسسات من أجل الأسواق" أن المؤسسات القائمة على السوق حتى تكون قادرة على تحقيق النمو وتحسين حياة الناس فإنها مطالبة بتحقيق أربعة شروط: (1) مكافحة الفساد
(2) التجديد في تصميم السياسات والمؤسسات (3) الاتصال بين المجتمعات الفاعلة في السوق من خلال تدفق المعلومات والتجارة المفتوحة (4) تعزيز المنافسة بين الشركات والأفراد.
وحسبما ذكرنا فقد شمل الفقه الإسلامي وحقق على أرض الواقع أكثر من هذه الشروط فمداخلات عمر بن الخطاب وابن تيمية أوضحت سبل المراقبة المستمرة وتوقع المستقبل والقيام بالتجديد اللازم وكذا محاربة الفساد والإفساد بكل أشكاله كما أن المنافسة مشروطة بمصلحة الجماعة وقد ضمن الفقه الإسلامي حرية انتقال السلع والأشخاص والأموال ومنع رسول الله e أن تفرض الرسوم والضرائب على الأسواق ، كما اشترط الشرع الإسلامي النصح والإفصاح في البيع والشراء بما يضمن تبادل المعلومات بين جميع أطراف السوق بغض النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم.

19[سنن ابن ماجة : 2224]

20 رواه الحاكم.

21 [صحيح البخاري : 1937]

22[صحيح مسلم : 154]

23 ابن عابدين ، رد المحتار ، جزء 5 ص 255.

24 الدريدر ، أحمد بن محمد ، الشرح الصغير ، جزء 1 ص 639.

25 ابن قدامة ، المغني ، جزء 4 ص 244.

26 الغزالي ، إحياء علوم الدين، ج 2، ص314.

27 [سنن ابن ماجة : 2145]

28 [مسند أحمد : 4648]

29 [سنن ابن ماجة : 2144]

30 الغزالي ، إحياء علوم الدين ، مرجع سابق ، ص69.

31 هي تجمعات احتكارية رأسمالية تتقاسم السوق الداخلية بسيطرتها المطلقة تقريبا على كل إنتاج البلاد. نقلا عن الموسوعة الاقتصادية لمجموعة من الاقتصاديين ، دار ابن خلدون ببيروت 1980، ص 407.

32 شكل من أشكال الاحتكارات تتكون من تشكيلة مالية تسيطر على أسهم شركات معينة وتحولها إلى هيئة تشرف عليها مما يحول هذه الشركات إلى المجموعة المسيطرة على الهيئة مثل التروستات التي تجمع شركات تنتج المواد الأولية وتدير المصانع وتنتج منتجات نهائية وشبه نهائية. نقلا عن الموسوعة الاقتصادية ، مرجع سابق ، ص 136.

33 ابن تيميه ، مرجع سابق ص 25.

34 ابن عابدين ، حاشية ابن عابدين ، ج 4 ص 575.

35 الدمشقي ، أبو جعفر ، الإشارة لمحاسن التجارة ، ص 22.

36 ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ج 29، ص 520.

37 القاضي عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد والعدل ، مرجع سابق، ج 11 ص 56-57.

38 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 38.

39 الصابي ، تاريخ العراق الاقتصادي ، ص 183

40 [سنن الترمذي : 1235]

41 ابن قدامة ، المغني مع الشرح الكبير مرجع سابق ، جزء 4 ص 164.

42 القاضي عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد والعدل ، جزء 11 صفحات 55-58.

43 ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، الصفحات 28-77.

44 القرضاوي ، د. يوسف ، الاقتصاد الإسلامي ، دار الرسالة ، 1996 طبعة 1. ص 458.

45 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 39.

46 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 23.

47 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 40.

48 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 41.

49 لطفي ، مرجع سابق ، ص 31.

50 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 32.

51 [مسند أحمد : 19426]

52 ابن خلدون ، مرجع سابق ، ص 398.

53 [صحيح البخاري : 2002]

54 عناية ، د. غازي ، ضوابط تنظيم الاقتصاد في السوق الإسلامي ، دار النفائس ، بيروت، 1992. ص 21.

55 [صحيح مسلم : 2790]

56 [مسند أحمد : 14685]

57 [سنن الترمذي : 1189]

58 [صحيح مسلم : 2829]

59 لطفي ، د. عامر ، البورصة وأسس الاستثمار و التوظيف، منشورات دار شعاع ، 1999 ، ص 81.

60 قاعدة شرعية

61 [صحيح مسلم : 2971]

62 [صحيح مسلم : 2995]

63 [صحيح البخاري : 2020]

64 الغزالي ، مرجع سابق ج 2 ، ص 145.

65 [صحيح البخاري : 2225]

66 [صحيح البخاري : 2212]

67 [سنن النسائي : 4609]

68 [مسند أحمد : 14777]

69 [صحيح البخاري : 1945]

70 [سنن الترمذي : 1153]

71 لطفي ، مرجع سابق ، ص 37 . نقلا عن de mourgues, M. “Economie Monetaire institutions et mecanismes”,1984.

72 [صحيح البخاري : 2082]

73 [صحيح البخاري:2407]

المصدر: طريق الخلاص


lti,l hgs,r td hgtri hgYsghld


شاركنا برأيك في هذا المحتوى عبر الفيسبوك







 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مفهوم الرقابة الإدارية مزون الطيب المكتبة العامة 0 08-03-2012 07:24 PM
البيع في الفقه الإسلامي نور الإسلام المكتبة العامة 0 11-01-2012 06:54 PM
إيجار المال الشائع في الفقه الإسلامي نور الإسلام المكتبة العامة 1 11-01-2012 06:20 PM
دور الباحث في الاقتصاد الإسلامي بين علم الفقه وعلم الاقتصاد نور الإسلام المكتبة العامة 1 11-01-2012 06:00 PM
دعـــــــــــاء السوق وفضله نور الإسلام هدى الإسلام 0 09-01-2012 04:40 PM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 06:09 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32