تذكرني !


 



هدى الإسلام مواضيع إسلامية عامة

المغول بين الانتشار والانكسار

• اسم الكتاب: المغول بين الانتشار والانكسار • المؤلف: د. علي محمد الصلابي • الصفحات: 408 • الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة – القاهرة –

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /09-11-2013, 07:01 PM   #1

 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً


 
الصورة الرمزية نور الإسلام
مدير عام

نور الإسلام غير متواجد حالياً

افتراضي المغول بين الانتشار والانكسار


• اسم الكتاب: المغول بين الانتشار والانكسار
• المؤلف: د. علي محمد الصلابي
• الصفحات: 408
• الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة – القاهرة – مصر
• الطبعة الأولى مايو 2009 = جمادى الأولى 1430هـ

المغول بين الانتشار والانكسار 4e11a2ec-dbea-49bc-8




حمل هذا الشهر (مايو 2009م = جمادى الأولى 1430 هـ) إلى المكتبات صدور كتاب (المغول بين الانتشار والانكسار) للمؤرخ الإسلامي البارز الدكتور علي محمد الصلابي.
وهذا الكتاب هو الحلقة الخامسة من "موسوعة الحروب الصليبية" للمؤلف، والتي بدأت على الترتيب، بـ "دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي"، و "الدولة الزنكية ونجاح المشروع الإسلامي بقيادة نور الدين محمود"، و "صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس"، و "الأيوبيون بعد صلاح الدين والحملات الصليبية من الرابعة إلى السابعة".
وكما يبدو من عناوين الكتب، فهي تأريخ للأمة في هذه العصور، واستعراض "صراع المشاريع" كما يحب المؤلف أن يسميه، وهو الصراع الذي كانت الحروب الصليبية وجهًا واحدًا منه، وهو وجه المشروع الصليبي، بينما لم يفت المؤلف أن يتعرض للمشروع الباطني والمشروع الشيعي والمشروع السني كذلك.
يُعيد الدكتور علي الصلابي كتابة التاريخ الإسلامي مرة أخرى، مع العناية باستقراء الأحوال الاجتماعية والفكرية، وبهذا تحتل كتب الدكتور الصلابي أهمية خاصة في العالم الإسلامي، يضاف إلى هذا تلك الطاقة البحثية المثيرة للإعجاب والتي يتمتع بها المؤلف، ثم عدم احتكار دار نشر لكتبه بما يجعلها محل تنافس الدور؛ فيرجع هذا على الكتاب بانخفاض السعر، ويعود بالنفع على صغار طلاب العلم وفقراء الباحثين.
ولا يُنتظر من كتاب يعنى بإعادة كتابة التاريخ تقديم نظرة فلسفية عميقة، أو طرح ما يمكن تسميته "اكتشافًا" جديدًا، إنما هي محاولة أخرى؛ لترتيب التاريخ كمعلومات وحوادث بشكل جديد مع عناية المؤلف بتسليط الضوء على "سنن قيام الدول وسقوطها" كما تراءت له، مع تركيز خاص لا يكاد يفلت منه كاتب على ما يراه المؤلف طريق النهوض لواقعه الآن في تلك اللحظة وهذا المكان.
وفي هذه الحالة ما يجعل الكتاب ذو أهمية خاصة لأن يقرأ التاريخ أكثر مما يقرأ رؤية المؤلف التي هي غير معدومة بطبيعة الحال، وهو حينئذٍ أكثر انفلاتًا من رؤية المؤلف الخاصة.
وباستعراض سلسلة الحروب الصليبية، والتي نتوقع أنه بقي منها كتاب أخير سيؤرخ لفترة انتهاء الوجود الصليبي في ديار الشرق، نستطيع أن نقول: إن الدكتور الصلابي ممن يرى أن الحل كامن دائمًا في قوة مادية (حربية) تحوطها قوة حضارية، ولذا سيتكرر كثيرًا أن نراه يقف في أسباب سقوط الدول على "فشل الدولة في إيجاد تيار حضاري"، كما وقف دائمًا على "دور العلماء" في صناعة النهضة الفكرية، وإيجاد تيار فكري، قد يتطور ليصبح حضارة، وقد يتوقف عند التحصين الدفاعي أو إذكاء الروح المقاتلة.
وبعبارة المؤلف نفسه "أي برنامج سياسي توسعي طموح، يحتاج لعقائد وأفكار وثقافة تدفعه، فالحرف هو الذي يلد السيف، واللسان هو الذي يلد السنان، والكتب هي التي تلد الكتائب".
وفي كتاب المغول بين الانتشار والانكسار يسير الكتاب مع التاريخ جاعلاً إياه أربع محطات كبرى: الدولتين، والحدثين.
أما الدولتان فهما: دولة المغول، ودولة المماليك، وأما الحدثين فهما: سقوط بغداد، ومعركة عين جالوت.
وبين المحطات الكبرى سيتوقف الكتاب عند محطات فرعية أخرى.
***
يبدأ الكتاب بالاشتباك مع المستشرقين ومن تبعهم في اعتبارهم عصر المماليك عصر انحطاط وجمود وتأخر، وهو يهاجم هذا القول في عنف، إذ عصر المماليك هو العصر الذهبي في العمارة الإسلامية، و لا أدل على هذا من آثارهم في القاهرة التي قيل بأنها مدينة الألف مئذنة، والتي كانت عاصمة الإسلام في عهدهم، وكذلك آثارهم في دمشق: المدارس والبيمارستانات (المستشفيات)، كما كان عصرهم عصرًا ذهبيًّا في الإنتاج الفكري إذ يصح أن نسميه عصر الموسوعات العلمية والأدبية؛ وهي الموسوعات التي حفظت لنا التراث الإسلامي، كما أن انتصارهم على "برابرة الشرق والغرب: المغول والصليبيين" في أربعة وأربعين عامًا فقط دليل لا يقبل الشك عن التقدم العلمي والحربي في عصرهم.
وهو بهذا يضع المماليك في مصاف الدول الإسلامية، التي تجري عليها سنة الأمم والدول، طفولة ثم فتوة ثم اكتهال، ولا يَستبعِد أن يكون هذا التشويه فيه جانب من التعمد لأن المماليك هم من أنهوا تمامًا الوجود الصليبي من كل أرض المشرق، وهو التواجد الذي بدا أحيانًا وكأنه حقيقة باستمراره قرنين من عمر الزمان.
وهو يري أن "قادة المماليك قدموا للأمة أعمالاً جليلة في الفداء والبطولة، فقد استطاعوا أن يقاوموا طوال فترة حكمهم عدوين غاشمين، كانت لهما أطماع في البلاد الإسلامية دينية وسياسية واقتصادية هما المغول والصليبيون، غير أنهم جميعًا لم يستطيعوا تحقيق رغباتهم، ولا الوصول إلى أهدافهم".
***
يبدأ المؤلف رحلته من بداية دولة المغول، ويتوقف قليلاً ليناقش أن الاسم الصحيح لهم هو "المغول" وليس "التتار"، إذ أن الشعوب والقبائل المنتشرة في تلك المناطق تسمى "المغول"، أما "التتار" فهو اسم لإحدى هذه القبائل التي تزعمت لفترة شعوب المغول، ولكن جنكيز خان لم يكن من قبيلة التتار، بل حاربها وانتصر عليها في سياق توحيده لتلك الممالك في ثوب واحد، هو ثوب الدولة المغولية التي ستصبح بعد قليل إمبراطورية عظمى.
وعاشت شعوب المغول في تلك المنطقة في وسط آسيا، التي يمكن أن نقول: إن مركزها الآن هي منغوليا الحالية، وهي مناطق ذات طبيعة مناخية قاسية، ويتألفون من الجنس التركي بشكل أساسي كما توجد فيهم قبائل من غير الجنس التركي.
ويعيشون حياة اجتماعية طبقية مؤلفة من ثلاث طبقات: النبلاء والحكماء، وطبقة الأحرار، وطبقة العامة والرقيق، وغالب حياتهم الاقتصادية قائمة على الرعي، والسياسية قائمة على تسلط القبائل الكبرى وغاراتها على القبائل الضعيفة، والدخول في تحالفات بين القبائل في صورة تقترب مما كان في عهد الجاهلية العربية.
ويجد المؤرخون صعوبة في استكناه دين المغول على وجه الوضوح، ولكن المتوفر من المعلومات يقول بأنهم يؤمنون بإله واحد، ويتعبدون للشمس ومظاهر الطبيعة الأخرى، وللكهنة عندهم مقام رفيع ومقدس، وانتشرت فيهم مظاهر الوثنية المعهودة في المجتمعات الشبيهة من تقديس أرواح الأجداد، والإيمان بالقوى الخفية والسحر، وما إلى ذلك. وباستقراء عقائدهم ونصوصهم نجد أنها بقايا دين توحيدي صحيح طال على أتباعه الزمان فانحرف بالهوى والتقادم إلى مظاهر وثنية.
إن تاريخ المغول بهذا القليل الذي نعرفه عنه يقترب كثيرًا من حال العرب في الجاهلية، وقد تمت محاولات لتوحيد هذه القبائل غير أنها لم تجد ظروفًا مواتية، ولا شخصية كشخصية جنكيز خان.
وبعد هذا الاستعراض السريع لتاريخ المغول، وقبل أن يولد جنكيز خان الذي كتب للعالم تاريخًا آخر، يتوقف بنا د. الصلابي ليستعرض بإيجاز أيضًا أحوال العالم الإسلامي قبيل الغزو المغولي.
***
قبيل الاجتياح المغولي كان العالم الإسلامي منقسمًا إلى مناطق عدة، ولم تكن للخلافة في بغداد إلا السلطة الروحية الرمزية، وإذا اقتصرنا على استعراض حال الشرق الإسلامي إذ ذاك فسنجد الدولة الخوارزمية الكبرى، وإلى الشرق منها الأرض التي تقع فعليًّا في نفوذ طائفة الإسماعيلية الباطنية، وفي بغداد وما حولها تستقر الخلافة العباسية التي لا تسيطر على كثير من الأراضي، ثم مصر والشام منقسمة بين الأيوبيين من خلفاء صلاح الدين، وفي الشمال بقايا من نفوذ دولة السلاجقة الآفلة.. وهكذا، ولا نستطيع أن نطلق على واحدة من هذه الدول وصف القوة إلا الدولة الخوارزمية الكبرى.
وكان الصراع موجودًا بين كل هذه الدول، واستُخدم الإسماعيليون الباطنيون كمرتزقة في إطار عمليات اغتيال وتصفية في الخلاف بين الخلافة العباسية والدولة الخوارزمية، وفوق التقسم والتصارع كانت الموبقات منتشرة بين طوائف كثيرة في العالم الإسلامي: كالخمر التي كثر فيها الشعر بل كثرت فيها التآليف، وكذلك انتشرت مجالس اللهو والطرب والغناء مع ما فيها من محرمات، وأسواق الجواري والرقيق، ولكن المؤلف يعود فيؤكد أن مجتمع العامة كان مجتمعًا إسلاميًّا محافظًا فيه الدين والتقوى والخطباء والوعاظ ومنه العلماء والزهاد والعباد.
إنه استعراض، يكاد يقول في صراحة: ما أشبهنا اليوم بحالنا قبيل السقوط منذ ثمانمائة عام.
يعود د. الصلابي بعدئذ ليبدأ التاريخ مع جنكيز خان منذ ولادته، والذي لا تختلف أحواله عن عادة أحوال الشخصيات الكبرى في التاريخ، من حيث صعوبة المنشأ وامتلاك مواهب وملكات القيادة والزعامة، وما تلبث الأيام تمضي وتسفر عن صيرورة جنكيز خان زعيمًا لقبائل المغول، بالاختيار أول الأمر ثم بحروب ألزمت باقي القبائل بالتوحد تحت لوائه، حروب لم تنقصها فظائع وحشية أثارت رعبًا هائلاً ساعده في حروبه التالية، وبعد مرحلة التوحيد بدأت مرحلة التوسع الرهيب، والتي بدأت على الجبهة الصينية الشمالية بابتلاع المملكة الذهبية التي كانت تحكم الصين، ولم تلبث الإمبراطورية المغولية حتى سيطرت على هذا الجزء الفسيح من شرقي ووسط قارة آسيا، وبدا المشهد وكأن التوسعات توقفت عند حدود البلاد الإسلامية.
***
ويُجمل د. علي الصلابي مقومات نجاح مشروع المغول في رأيه وأولها: شخصية جنكيز خان نفسها التي كانت تتمتع بمواهب إدارية ونفسية وعقلية فائقة، ثم قانون "إلياسا" الذي وضعه جنكيز خان مكتوبًا ومنظمًا، وهو خليط من عادات وحكم قديمة عند المغول ومن قوانين جنكيز خان نفسه، ذلك "الدستور" حول المغول من شعوب متناثرة كالقطعان إلى كيان واحد يحكمه نظام واضح، ثم السياسية الحربية التي تتلخص في الرعب والذبح والقسوة، واستغلال أسرى المعارك السابقة في المهمات العسكرية، واعتماد أسلوب الصدمة الأولى، واهتمامهم بزرع العملاء وجمع الأخبار عن الخصم، ولم يفت المغول كذلك الاستفادة من خبرات وحكماء الأمم المغلوبة، فكانوا إذا دخلوا بلدًا فصلوا بين الصناع والمهرة وأصحاب الفنون وأرسلوهم إلى العاصمة منغوليا ثم أبادوا باقي الناس، وآخر عنصر وضعه المؤلف في مقومات نجاح المشروع المغولي هو اعتمادهم أسلوب القيادة الجماعية، أو ما يصح تسميته "الشورى" والمتمثلة في المؤتمر السنوي العام الذي يحضره قادة المغول ليتسعرضوا ما تم في السنة الماضية، ثم ليقرروا سياسة العام القادم بهذا الشكل الجماعي الحقيقي.
***
كانت الدولة الخوارزمية هي أول الحدود الإسلامية من جهة المغول، ولم يبد أن صدامًا سيقع بين الطرفين، غير أن جنكيز خان أرسل رسالة رقيقة لعلاء الدين خوارزم شاه يقترح فيها تبادل التجارة بين الدولتين، فوافق علاء الدين خوارزم غير أن عددًا من تجار المغول لما دخلوا الأرض الإسلامية قتلهم علاء الدين خوارزم لسبب غير معروف على وجه الدقة تاريخيًّا. قيل. إنهم كانوا جواسيس للتتار وقيل غير ذلك، وحاصل الأمر أن جنكيز خان أرسل مستفسرًا ومطالبًا أن يسلم إليه السلطان "ينال خان" والي مدينة "أترار" الذي قتل التجار، فما لبث علاء الدين إلا أن قتل الرسول نفسه، وهكذا بدأ الاشتباك.
استعرض د. علي الصلابي مسيرة الغزو المغولي داخل أراضي الدولة الخوارزمية، وهي المسيرة التي تثير العجب أحيانا وتذكر بكلمة ول ديورانت حول عجائب الأقدار التي تربط تاريخ ومصير الشعوب بنتائج الحروب، إذ أن المشهد العسكري فقط يوحي بأن خطة فاشلة كانت هي السبب في هذا الانهيار العجيب والمتسارع للدولة الخوارزمية، فلم يفكر السلطان علاء شاه في مواجهة المغول بجيش قوي ولمرة واحدة، بل وزع قواته لتحمي المدن الكبرى الرئيسية، وما ينتصر المغول على مدينة فيذبحون أهلها ويرتكبون ما هم معروفون به من وحشية غير مسبوقة، إلا وتكون النتيجة الطبيعية هي ازدياد قوة المغول ومعنوياتهم وتخوف وضعف المعنويات عند المدينة التالية، وعلى الرغم من الانهيار السياسي السريع لسلطان الخوارزميين علاء شاه فإن الاجتياح المغولي لم يكن سهلاً، على غير ما يتصور كثير من الناس عن سيل المغول الذي لم يقف أمامه شيء، بل رغم أن هذه الدولة صارت بلا قائد ولا قيادة ولا جيوش، فلقد ظهرت معادن الشعوب التي قاومت في عدد من الحواضر بأقصى ما يمكن لمثلهم أن يفعلوا في تلك الظروف، ولا أشك أن مثل هذه الشعوب لو توفرت لها قيادات مخلصة، أو لو كانت الخلافة العباسية في بغداد على مستوى اللحظة وتناست ما كان بينها وبين الخوارزميين وأرسلت أمدادًا، لتغير التاريخ فعلاً، وكم خسرت الأمة من عواصم وحواضر وبشر وعلم وحضارة بسبب قادة قصيري النظر، ما لبثوا أن ذاقوا من الكأس التي تركوا العباد والبلاد يذوقونها!
وبعد استيلاء التتار على أملاك الخوارزميين يتوقف بنا د. الصلابي ليستعرض أسباب سقوط الخوارزميين، وكان أولها هو فشل الدولة الخوارزمية في إيجاد تيار حضاري يثري الأراضي الشاسعة ويمتص حركات الفتن، ثم انتشار الظلم والقهر وسجن العلماء أو ما يمكن أن نلخصه بـ "الفرعونية"، وكذلك وجود مراكز قوى في الدولة، تستطيع أن تشل قرارات السلطان نفسه مثل أم السلطان علاء الدين، وسيطرة طبقة العسكر على الدولة، وسوء الإدارة الحربية التي وزعت القوات واهتمت بالدفاع، والهزيمة النفسية التي وُجدت عند الخوارزميين، وانتشار أخلاق التتار ووحشيتهم لدى الجنود الخوارزمية وهو ما تبدى لما تشتتوا ودخلوا كقوة في صراعات الأيوبيين فيما بعد، ومن الأسباب كذلك وجود خليفة قصير النظر في بغداد وهو الناصر لدين الله، لم يحاول أن يدفع عن بلاد المسلمين، وختم بعامل غياب العلماء عن صناعة القرار في ذلك الحين.
***
وعند هذه اللحظات، وبعد أن صارت إمبراطورية جنكيز خان تفوق إمبراطورية الإسكندر بأربعة أضعاف، توفي جنكيز خان، وتوزعت مملكته بين أبنائه، وانتخب الابن "أوكتاي" خانا أعظم، لم يلبث كثيرًا حتى خلفه ابنه الأكبر كيوك (وكان مسيحيًّا) ثم خلفه منكو خان، الذي يمكن وصفه بالعلماني المتسامح؛ حيث كان عهده يشهد تسامحًا في ممارسة كل الأديان لشعائرها التعبدية، وفي عهد منكو خان هذا استمر الزحف المغولي إلى ديار الإسلام بقيادة أخيه الأصغر هولاكو.
انطلق هولاكو إلى ما بعد نهر جيحون ليقضي على قلاع الإسماعيلية، ثم انطلق بعدها إلى بغداد، وهنا تُبْطِئ حركة السير التاريخية عند المؤلف؛ ليتناول أمر بغداد بالتفصيل منذ تحرك الجيوش المغولية إليها وحتى سقوطها وأثر هذا السقوط، حتى تأخذ هذه المرحلة وحدها سدس الكتاب تقريبًا.
وهذا السقوط هو الذي ما يزال قائمًا في الضمير رغم ثمانية قرون، ورغم تجدد الأحزان من بعده، وما يزال قادرًا على أن يثير الأحزان في قلب كل مسلم، وكل محب للعلم والفكر، بل كل محب للكتب والحضارة، فلقد كانت بغداد في ذلك الزمن أعظم مدن العالم جميعًا، ولم يكن ينافسها في المكانة والعظمة مدينة أخرى على وجه الأرض: أبهة وحضارة وعلمًا وثقافة، لقد كانت عاصمة الدنيا، وكان في سقوطها عبرة لقوم يعقلون.
ولخص د. الصلابي أسباب سقوط الخلافة العباسية في عشرين عاملاً، ربما يُنتقد عليه بعضها أو قلَّ بعض تفاصيلها، لكن اللافت فيها أن تسعة عشر سببًا منها كانت عوامل من داخل الدولة، مثل: التشتت والضعف والتناحر، وغياب القيادة المناسبة، وبطانة السوء. وسبب واحد خارجي هو "قوة التتار"، لكن اللافت للنظر في تأريخ تلك الفترة هي وجود فرق وجيوش إسلامية كاملة تحارب مع التتار، وتُقَدِّم لها الخدمات والمساعدات والدعم بكل إخلاص، بل بعض الأمراء قَدَّمُوا لهولاكو التهنئة حين استولى على بغداد (ألا يجبرنا هذا على تذكر بعض من يهنئون إسرائيل بذكرى تأسيسها؟).
وترتب على سقوط بغداد عدد من الآثار أهمها انتقال عاصمة الإسلام لتكون القاهرة؛ إذ نُصِّب فيها خليفة عباسي، واستيقظ في الأمة "قانون التحدي" – كما يسميه المؤلف- إذ سرت تيارات المقاومة في الجسد الإسلامي، ولا يفوت المؤلف أن يُنَبِّه إلى أن عام سقوط الخلافة العباسية كان نفسه عام مولد عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية، إحدى أعظم الدول الإسلامية عبر التاريخ.
***
وإلى هنا يبدأ العرض من المشهد الآخر من دولة المماليك، ويستعرض د. الصلابي أصل المماليك، وكيف تطور بهم الحال من مراتب الخدمة والجند إلى مراتب الدولة والسلطان، واستعرض حالهم على وجه الخصوص في مصر منذ عصر الأيوبيين، وكيف كانوا عماد الجيش الأيوبي، لا سيما في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي استكثر منهم وجعلهم عماد جيشه.
لقد كان المماليك فرقًا عسكرية يبدأ تدريبهم من الصغر وفق "برنامج" تربوي وعسكري صارم، وفي مناطق مغلقة تشبه إلى حدٍّ كبير نظام "الكليات العسكرية" في أيامنا الآن، وهو ما جعلهم قادة وساسة مهرة، كما نبغ منهم علماء وفقهاء وشعراء وأدباء.
برزت جهود المماليك بشكل كبير في مواجهة الحملة الصليبية السابعة على مصر بقيادة الملك لويس التاسع، تلك التي انتهت بالهزيمة الساحقة وبأسر لويس التاسع نفسه، فكانت إحدى المعارك الخالدة والفاصلة في التاريخ الإسلامي كله، ولا شكَّ أن هزيمة مصر أمام هذه الحملة كانت تعني استمرار الاكتساح المغولي إلى حدٍّ لا تُعرف نهايته، ولا يُعرف تأثيراته على التاريخ كله: تاريخ الإسلام، وتاريخ المسيحية، وتاريخ الشرق والغرب جميعًا. وهذه المعركة كانت أول إنجازات المملوك بيبرس البندقداري، الملك الظاهر فيما بعد.
أثناء الحملة -وكما هو معروف- توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكانت زوجته شجرة الدر "رجل" المرحلة، إلى أن انهزمت الحملة وجاء تورانشاه بن الملك الصالح ليتسلَّم الحكم، وإن استعراض تلك النقاط التاريخية الحرجة بإيجاز يبدو عملاً في غاية الصعوبة والحرج؛ إذ أحب تورانشاه أن ينفرد بالحكم كشأن الملوك والسلاطين ففعل ما لم يقبله المماليك ولا شجرة الدر، بل ما أخافهم منه ودفعهم إلى قتله، وذلك ما حدث، وعبثًا حاولت شجرة الدر أن تحكم بنفسها لكن لا الناس يقبلون ولا العلماء ولا خليفة بغداد –الذي لم يكن سقط بعد- فتزوجت من عز الدين أيبك المملوك، الشخصية التي حسبها من حولها ضعيفة، فإذا بالأيام تثبت أنه قوي الشكيمة، استطاع إزاحة خصومه الأقوياء (مراكز القوى) من المماليك، وأن ينفرد دون شجرة الدر بالحكم، ثم استطاعت شجرة الدر قتله والتخلص منه، ولم يكن من مناص وقتها وبحسب الظروف إلا أن يتولى ولده الصغير عليّ، وهو ما وضع أم علي – الزوجة الأخرى لأيبك- في موقع السلطان، وما لبثت أن قَتَلَتْ هي الأخرى شجرة الدر.
وبعد غابة من الظروف والتنافسات والمغول يتقدَّمون ويدقُّون الأبواب، ظهر على الساحة الفارس العظيم والبطل الخالد سيف الدين قطز، واستطاع أن يتولى السلطنة بسياسة تثير الإعجاب، وأن يُعِدَّ لمواجهة المغول إعدادًا أثبتته الأيام، واجه في البداية الأمراء الأيوبيين في الشام الذين حاولوا أخذ مصر باعتبارها من إرث الأيوبيين، وعبثًا حاول التقرب إلى صاحب دمشق وأمير الشام الناصر يوسف؛ ليتحالفوا معه ضد التتار، إن فترات الأزمة التي تمر بها الأمة كاشفة حقًّا عن معادن الناس، لقد كان أواخر الأيوبيين نماذج في غاية السوء والضعف وقصر النظر، ولقد ضاعت منهم البلاد ثم ضاعوا، مأسوفًا على البلاد غير مأسوف عليهم.
وبوجود سيف الدين قطز وسياسته الحكيمة في تقريب الأعداء وإزالة الخصومات، ومحاولة إنشاء التحالفات، تمت له نخبة رائعة من الأمراء والقُوَّاد، ثم بوجود العز بن عبد السلام سلطان العلماء تم تجييش الأمة كلها خلف قيادتها، وفي تلك اللحظة بدأت انكسارات المغول.
عرض د. الصلابي لتلك الفترة، متوقفًا كثيرًا عند دور العز بن عبد السلام، ومتوقفًا أكثر عند عوامل النصر في عين جالوت، وعند شخصية السلطان سيف الدين قطز.
وبعد النصر الخالد في عين جالوت، وتطهير البلاد الشامية من المغول وتعقُّب فلولهم، اغتيل سيف الدين قطز على يد الرجل الثاني في المماليك بيبرس البندقداري، وهو الاغتيال الذي رَسَّخ مبدأ "الحكم لمن غلب" في دولة المماليك، وهو الاغتيال الذي بدأت به دولة الظاهر بيبرس ركن الدين، إحدى أزهى الفترات في التاريخ المصري والإسلامي نهضةً وعلمًا وجهادًا وقوة.
وهكذا الناس، من أراد أن يراهم خيرًا صافيًا عجز، ومن أراد أن يراهم شرًّا مكثفًا عجز، والناس أبناء عصورهم، ويظلُّ الحكم الوحيد الدقيق والعادل يوم القيامة.
***
كعادة كتب د. علي الصلابي يعجبك منها طاقة بحثية، واهتمام برصد عوامل النهوض وعوامل السقوط، وكعادة جميع الكتب لا يُتَفق على كل ما فيها، ولكنك لا تملك إذا صدر لهذا الرجل كتابًا إلا أن تقرأه.
المصدر: طريق الخلاص


hgly,g fdk hghkjahv ,hghk;shv hgjjhv








 
  رد مع اقتباس
إضافة رد
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المغول, التتار

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الانتصار للقرآن للباقلاني كتاب الكتروني رائع نور الإسلام العلوم الإسلامية 0 15-01-2012 11:25 AM

 

 

 

 

 
 

 

 

     

 

     
 

  sitemap

 


الساعة الآن 06:32 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32