أباطيل حول شخص النبي عليه السلام .. قصة الغرانيق

د. منقذ السقار

   قالــوا: النبي [?] يعرض له الشيطان كما يعرض لغيره من الناس، فيختلط عليه القرآن بغيره، واستدلوا لهذه الفرية بقصة الغرانيق التي أوردها المفسرون في سياق تفسيرهم لقوله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? (الحج: 52).
   والقصة – كما ذكرها المفسرون – تتلخص في أن النبي ? كان في مجلس قريش، فنزلت عليه سورة النجم، فقرأها على المشركين حتى إذا بلغ قوله تعالى: ? أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ? (النجم: 19-20)، فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتَجى).
   ففرحت قريش، وسجدوا مع النبي ? في آخرها، وقالوا: لقد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر (282).
   والجـواب: أول ما يجدر التنبيه عليه أن ورود هذه الروايات في كتب المفسرين أو قصاص السير لا يعني صحتها ولا توثيقها بحال من الأحوال، وقد نبه على ذلك غير واحد من العلماء، ومنهم الطبري في تاريخه بقوله: “ما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتِي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِي إلينا”(283)، ومثله قول الكمال ابن الهُمام: “كتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة”(284).
   وممن أورد هذه القصة ابن إسحاق في سيرته، مع اعتقاده ببطلانها، وعنه نقلها من نقل، يقول أبو حيان: “سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية ، فقال: هذا من وضع الزنادقة ، وصنف في ذلك كتاباً”(285) ، فإيراده رحمه الله هذه الروايات في كتابه ليس توثيقاً لها، بل هو على عادة قصاص السير في ترك التحري في أخبار السير وقصصها.
   وإن قصة الغرانيق من أضعف ما رواه المفسـرون في تفاسيرهم ، فجميع أسانيدها ضعيفة أو منقطعة، وهي في جملتها موقوفة على جماعة من التابعين الذين لم يشهدوا القصة، ولم يرووها عمن حضـرها من الصحابة، فهي موقوفة على التابعين سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية.


   ولم تتصل أسانيد هذه القصة إلى الصحابة إلا فيما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس(286) ، وما رواه البزار من طريق أمية بن خالد بإسناده إلى ابن عباس مع تنبيهه إلى شك الراوي في رفعها إلى ابن عباس، فقال: “عن ابن عباس فيما أحسب”، وهذا كما قال البزار: “هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ( بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير”(287). فهذا يؤكد الشك في الرواية المرفوعة المسندة بإسناد مقبول.
   ويجدر بالذكر أن البخاري ذكر في صحيحه من رواية ابن عباس قصة سجود المشركين ولم يذكر شيئاً عن موضوع الغرانيق(288)، ومثله في رواية أبي داود عن ابن مسعود، وكذلك رواية أحمد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي، وكان ممن حضر يومئذ مع المشركين (289).
   وقد رد المحققون من أهل العلم قصة الغرانيق، وبالغوا في التحذير من روايتها وبيان ضعفها، قال ابن كثير: “لم أرها مسندة من وجه صحيح”، وقال: “وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات “.
   وقال ابن خزيمة: “إنها من وضع الزنادقة”.
   وقال أبو حيان الأندلسي: “قال البيهقي: هي غير ثابتة من جهة النقل، وقال ما معناه : إن رواتها مطعون عليهم وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثة شيء مما ذكروه فوجب اطّراحه. ولذلك نزهت كتابي عن ذكره فيه”.
   وأما القرطبي فقال: “وضعف الحديث مُغنٍ عن كل تأويل”.
   وكذلك ضعفها ابن حزم بقوله: “والحديث الذي فيه: وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى. فكذب بحت لم يصلح من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به ، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد” (290).
   وقال القاضي عياض: ” هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم” (291).
   قال الرازي: “وأما أهل التحقيق فقد قالوا : هذه الرواية باطلة وموضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول”(292).
   وإضافة إلى الضعف الذي يكتنف سند القصة؛ فإن في متونها من التناقض والخلل ما يكفي لردها وإبطال الشبهة المثارة من خلالها، ومن ذلك:
   1- ما نبه العلماء عليه من تعارض روايات قصة الغرانيق الضعيفة وغير المتصلة بالإسناد إلى من حضر الواقعة، يقول القاضي بكر بن العلاء المالكي: “لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سِنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فيها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي ? لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ? قرأها، فلما بلغ النبي ? ذلك قال: والله ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة” (293).
   قال الباقلاني: “وهذا الخبر من أخبار الآحاد، مضطرب الرواية، مختلف الألفاظ”(294).
   2- أن العرب لا تطلق كلمة (الغرنوق) على الأصنام، بل هو اسم لطائر مائي أبيض أو أسود، وفي ذلك يقول الأصمعي:
           يظلّ تغنّيه الغرانيق فوقه          آباء وغيلٌ فوقه متآصر(295)
   ومثله قول ابن السكيت: الغرانيق: طير مثل الكراكي، الواحد غرنوق، وأنشد:
          أو طعم غاديةٍ في جَوفِ ذِى حَدَبٍ          من ساكن المُزْن يجري في الغَرَانيق(296)
   ومن معاني الغرنوق المذكورة في قواميس العرب: الشاب الأبيض الناعم ، ومنه قول الليث :
           ألا إنَّ تَطْــلاَبِي لمثـــلك زَلــةٌ          وقد فات ريعانُ الشباب الغُرانِقِ
    كما يطلق في لغة العرب أيضاً على النبات اللين(297).
   ولا تشابه بين سائر هذه المعاني العربية والأصنام، وغاية ما وجدته في هذا الصدد ما نقله الزبيدي بصيغة التمريض والتضعيف، وهو قوله: “وقيل: هو الكركي، شبهت الأصنام بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء على حسب زعمهم” (298).
   ونقل المفسرون عن الحسن أن المقصود بالغرانيق العلى؛ الملائكة المرتفعة في السماء ، وهؤلاء ترتجى شفاعتهم، إذ هم ممن أذن الله لهم في الشفاعة ، كما جاء في السياق القرآني في سورة النجم في قوله تعالى: ?وكم من ملكٍ في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى? (النجم: 26).
   3- أن السياق القرآني في سورة النجم التي ذكروا أن هذه الكلمات ألقيت على النبي ? فيها يندد بأصنام المشركين ومعبوداتهم ?أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ( تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ? (النجم: 19-23)، فلو كان النبي ? نطق بتلك الكلمات فإن في السياق ما يبين براءته من الأصنام وكفره بها، فلو كان المشركون سمعوا من النبي ? مدحاً لأصنامهم وهو يقرأ آيات سورة النجم المشنعة على هذه المعبودات الباطلة لقالوا له: ما بالك تشتم آلهتنا وتذكر أنها معبودات باطلة نعبدها نحن وآباؤنا من غير سلطان من الله، ثم أنت تقول: شفاعتهن ترتجى! لكن شيئاً من ذلك لم يكن، لأن القصة مختلقة وغير صحيحة.
   يقول ابن كثير: ” استحالة هذه القصة نظراً وعرفاً، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي ? ولا من بحضـرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه” (299).
   4- لا علاقة بين أسطورة الغرانيق المكية وآيات سورة الحج المدنية، والتي ورد فيها قول الله تعالى: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? (الحج: 52)، فقد ربط بينهما من وصفهم القاضي عياض بأنهم “المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم” (300).
   ولو أغمضنا الطرف عن مدنية سورة الحج ومباينتها للأسطورة المكية؛ فإن في تمام آيات سورة الحج ما يرد على القادحين بوحي القرآن، ففي تمام الآية السابقة أن الله يحفظ آياته ويحكمها؛ وأنه يبطل عنها ما يلقيه الشيطان ? فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? (الحج: 52)، فبإحكام الله لآياته يزول كل لبس وتنجلي كل شبهة إلا عند أصحاب القلوب المريضة الذين تصور الآيات افتتانهم بهذا الذي ألقاه الشيطان وأبطله الله ? لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الله لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ? (الحج: 53-54).
   5- تتعارض روايات الغرانيق مع عصمة الله أنبياءه عليهم السلام من تسلط الشيطان عليهم وتخليط باطله بالوحي المنزل إليهم، فالله يثبت أنبياءه عليهم السلام ويمنعهم مما يعرض لغيرهم من عوارض الضعف البشـري الذي يخل بمنصب النبوة والرسالة، ومن مثل ذلك قول الله تعالى لنبيه ?: ? وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ( إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ? (الإسراء: 73-75)، فتثبيت الله تعالى له نفى عنه المقاربة والميل إلى الكافرين.
   وقد امتن الله على نبيه ? بهذه العصمة الإلهية، فهي بعض فضل الله عليه ? وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ? (النساء: 113).
   يقول ابن كثير: “قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ? ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ? أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه ? ، أو يقول ذلك النبي ? من قبل نفسه عمداً – وذلك كفر – أو سهواً ، وهو معصوم من هذا كله” (301).
   وثمة سؤال يطرح نفسه : إذا بطلت قصة الغرانيق وظهر خطأ المعنى الذي تداوله المفسرون فما معنى الآية التي في سورة الحج ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? (الحج: 52)؟.
   وفي الإجابة نقول: إن معنى الآية يدور على فهم معنى قوله تعالى: ?إذا تمنى?، وقد ذكر جمهور المفسرين أنه بمعنى (قرأ) أو (تلا)، وهذا التأول للتمني بمعنى التلاوة جائز من الناحية اللغوية، ويتساوق مع روايات الغرانيق الضعيفة التي أوردوها في كتبهم، وقد يشهد له قوله: ? ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ ?.
   لكن المعنى الذي اختاره جماعة من المحققين أن قوله: ?إِذَا تَمَنَّى? على ظاهره، من الأمنية كما ذهب إليه الفراء والكسائي وغيرهما(302).
   قال الرازي بعد أن ذكر ارتباط معنى التمني بالتلاوة بسبب روايات الغرانيق الباطلة: “وأما إذا فسـرناها [أي قوله: ?إِذَا تَمَنَّى ?] بالخاطر وتمني القلب؛ فالمعنى أن النبي ? متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور؛ يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي؛ ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته” (303).
   ثانياً : سحر النبي ?
   قالــوا: تعرض النبي [?] للسحر، وهذا يلقي بظلال الشك على ما أتى به من أخبار، إذ قد يكون بعض ما يقرأه على أنه من القرآن إنما هو من تأثير السحر، وهذا يوجب الشك في كل القرآن.
   وقالــوا: إن سحر النبي يدل على تسلط الشيطان عليه، وهذا يقدح في أهلية الرسول لحمل الرسالة الإلهية، فالقرآن يجزم أن الشيطان لا يتسلط إلا على أوليائه: ? إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ? (النحل: 99-100).
   وفي الجواب نقول: إن الأنبياء بشر ، يعرض لهم ما يعرض لسائر البشر من مرض وهم وحزن وغضب وابتلاء وقتل، ولا يمتازون عنهم إلا بما خصهم الله من الوحي وما يستلزمه ذلك من تأييد بالحجة والبرهان ? قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ? (فصلت: 6).
   وقد تعرض الأنبياء لصنوف البلاء التي صبها عليهم شياطين الإنس والجن ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ? (الأنعام: 112)، لكن هذا التسلط الشيطاني لم يجاوز أجسادهم، ولم يصل – لعصمة الله لهم- إلى أرواحهم؛ لأنهم أولياء الله تبارك وتعالى يصدق فيهم قوله تعالى: ? إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ? (الحجر: 42)، فلم يقع منهم كبير ذنب ولا قبيحه، لأنهم رسل الله، والرسول على قدر المرسِل.
   ووفق هذا المبدأ يرفض المسلمون ما تطفح به كتب أهل الكتاب من اتهام الأنبياء بالزنا أو السكر أو عبادة الأصنام ، فهذا كله إنما يقع بتسلط الشيطان، وهم معصومون منه بقوة الله وحفظه.
   وكذلك كان نبينا ? ، فلم يتسلط شيطان عليه، ولم تقع منه القبائح قبل السحر ولا بعده، وغاية الأمر في حادثة سحره ? أن الشيطان آذاه في جسده، كما تؤذيه – وإخوانه الأنبياء- شياطينُ الإنس، بل والجراثيم ، فيصاب بالأمراض والأذى وغيرهما من العوارض التي لا يسلم منها بشر، لكن ذلك لا يخلُّ – بحال من الأحوال – بأهليته للرسالة وعصمته عن الخطأ في البلاغ عن الله، فما ينقله النبي ? عن ربه ? وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى? (النجم: 3-4).
   ولهذا كان عبد الله بن عمرو يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ? ليحفظه، فنهته قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله ? بشـر يتكلم في الغضب والرضا؟ يقول عبد الله: فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ?، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: “اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”(304)، فهو ? معصوم في كل أحواله من الزلل والغلط.
   والسحر على أنواع بعضها دون بعض، ومن أنواعه سحر التخييل، حيث يتخيل المسحور أنه فعل شيئاً من غير أن يكون قد فعله حقيقة، كما وقع لموسى عليه السلام حين ألقى سحرة فرعون حبالهم وعصيهم ? فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ? (طه: 66).
   وهذا النوع من السحر هو ما أصاب النبي ? حين سُحر، وقد انحصر أثره في علاقة النبي ? الجسدية مع أزواجه، فكان يخيل إليه أنه يجامع نساءه من غير أن يكون ذلك حقيقة ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (مكث النبي ? كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله، ولا يأتي) (305)، قال القاضي عياض: “فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه؛ لا على تمييزه ومعتقده” (306).
   ويجدر التنبيه هنا إلى أنه لا يلزم من تخيله ? أنه فعل الشـيء الذي لم يفعله أن يجزم بتخييله ذاك، فقد يكون تخييله من جنس الخاطر الذي يخطر على باله ولا يثبت(307)، وهو أمر قد يحصل لأي أحد من غير سحر ولا نفث عقد.
   وقد اعتبرت الملائكة ما أصاب النبي ? من السحر من جنس المرض الذي يصيب الأنبياء وغيرهم، فقال «أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟» فاعتبراه مريضاً، وكذلك اعتبره النبيُّ ?، فقد قال في آخر الحديث: « فأما أنا فقد شفاني الله»(308)، وفي رواية: «إن الله أنبأني بمرضي»، وكذلك ورد في حديث عائشة قولُها: (فكان يدور ولا يدري ما وجعه)(309)، وقال ابن عباس: (مرض النبي ?، وأُُخذ عن النساء والطعام والشراب)(310) .
   وفي قصة سحره ? فوائد، منها: قطع ذرائع الغلو في شخصه ?، والإيمان أنه بشر كسائر البشر ? قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ? (الإسراء: 93).
   ومنها الدلالة على نبوته ? (311) ، فقد قالت أخت الساحر لبيد: “إن يكن نبياً فسيُخبر ، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله”(312) ، وقد كانت الأُولى حين أخبر، ثم شفي لما أنزل الله عليه المعوذتين.
  

التعليقات مغلقة الان.

التعليقات مغلقة.