الرق والاسترقاق في القرآن الكريم

د. منقذ السقار

الرق والاسترقاق في القرآن الكريم
   قالــوا: شرَّع القرآن الرق واستعباد البشر للبشر، وأجاز هذه الشرعة رغم ما يكتنفها من ظلم للإنسان وامتهان له وحجر على حريته.
   وفي الجواب نؤكد أن الرق قديم في المجتمعات الإنسانية، وتقره جميع الشرائع السابقة على الإسلام، ففي أسفار العهد القديم والجديد – التي يؤمن بقدسيتها اليهود والنصارى – أوامر صريحة تبيح الاسترقاق وتأمر به، ومن ذلك ما جاء في سفر اللاويين: ” وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم، منهم تقتنون عبيداً وإماء، وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون، ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكاً لكم، وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك، تستعبدونهم إلى الدهر” (اللاويين 25/44-46).
    وطوال تاريخ الإنسانية – وحتى منتصف القرن الميلادي العشـرين – امتلأ العالم بالعبيد، الذين كانوا يستعبدون لأتفه الأسباب، كالعجز عن سداد دين أو خسارة مال في قمار.
    وفي بعض المجتمعات كان عدد العبيد أكثر من عدد الأحرار، ففي حين كان عدد سكان أثينا 20 ألفاً من الأحرار؛ فإنه كان فيها 400 ألف رقيق، وحين قررت بريطانيا في العصر الحديث إلغاء الرق عام 1823م تم تحرير ما يربو على 800 ألف من رقيقها(503)، ولعل القارئ يكتفي بهاتين الصورتين ليدرك حجم الاسترقاق في التاريخ الإنساني قبل الإسلام وبعده.


   إن الحديث عن الرقيق يذكر العالم دائماً بواقع مرير مليء بالاضطهاد والظلم، لكن الإسلام غير مسؤول عن هذا الواقع، لأنه بريء منه، فلم يقتل المسلمون العبيد في حلبات المصارعة الرومانية حتى يتسلى السادة بموتهم بين أنياب الوحوش، ولا منعوهم من دخول كنائس السادة البيض، فحال العبيد عند المسلمين كما سنرى تفصيله يختلف عن الواقع الإنساني القائم قبل وبعد الإسلام.
   ونسوق قبل هذا التفصيل شهادة غوستاف لوبون: “إن الذي أراه صادقاً هو أن الرق عند العرب [أي المسلمين] خير منه عند غيرهم، وأن حال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوربا، وأنهم يكونون جزءاً من الأسرة”(504)، فهيهات بين من يعتبر العبد جزءاً من الأسرة وبين من يستمتع برؤيته بين أنياب الأسود.
   إن الباحث في نصوص القرآن والسنة لن يجد فيهما نصاً واحداً يحث على الاسترقاق أو يأمر به، بل على العكس من ذلك جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تأمر وتحث على إعتاق الرقاب، وتجعله من فاضل العبادات، وتقرنه بالإيمان بالله وصالح الأعمال ? لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ? (البقرة: 177)، وكذلك قوله تعالى: ? وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشـْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ? (النساء: 36)، وقوله: ? فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( فَكُّ رَقَبَةٍ ? (البلد: 11-13).
   ومن رحمة الإسلام بالعبيد وحرصه على فكاكهم أن القرآن جعل عتاق الرقيق مصرفاً من مصارف الزكاة المفروضة على المسلمين ? إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? (التوبة: 60)، فقوله: ?وَفِي الرِّقَابِ ? أي في إعتاقهم.
   كما حث النبي ? على العتاق حين جعله سبباً في فكاك المعتِق من النار: «من أعتق رقبة؛ أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار؛ حتى فرجه بفرجه»(505).
   ولحرص الإسلام على تجفيف منابع الرق جعل فكاك الرقاب وسيلة في التطهير والتكفير عن خطايا معينة، كقتل الخطأ ? وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ? (النساء: 92)، والحنث في اليمين ? لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? (المائدة: 89)، وظهار الزوجة ? وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ? (المجادلة: 3).
   والإسلام حين أبقى على الرق، فإنه جفف ينابيعه بمنع وسائل الاسترقاق المتعددة، وقصرها على وسيلة واحدة ، وهي الأسر في الحرب، واعتبر ما سواها من الظلم المتوعد عليه بخصومة النبي ? يوم القيامة القائل: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه ولم يوفه أجره »(506).
   ومسألة جواز الاسترقاق بالحرب ليست أمراً لازماً بالضرورة؛ إذ لم يأمر بها القرآن الكريم، لكنها حالة أذن الإسلام فيها للإمام أن يسترق أو يعفو أو يأخذ الفداء، وهذا الخيار يتيح للإمام المسلم أن يواجه معاملة الأمم الأخرى لأسرى المسلمين بمثله، فالأمم التي تسترق المسلمين في حروبها يسترق المسلمون أسراها.
   لكن النبي ? كان أحرص الناس على فكاك أسرى المشـركين وعدم استرقاقهم، وشواهد ذلك في سيرته ? كثيرة ، منها قول ابن عباس: (أعتق رسول الله ? يوم الطائف من خرج من رقيق المشركين)(507).
   لقد أبقى الإسلام على الرق؛ لأن إلغاءه المفاجئ إضرار بالسادة والعبيد على السواء، فأما العبيد فسيخسرون موارد رزقهم وكفالة مواليهم لهم ، وهذا يذكرنا بثورة العبيد على الرئيس الأمريكي إبراهام لنكون حين أصدر أمره بتحرير العبيد، فثاروا عليه لما فقدوا الرعاية والغذاء والسكن، فالمجتمع لم يكن مؤهلاً لمثل هذا التغير الاجتماعي الكبير.
   وأما السادة فتحرير العبيد يفقدهم أموالهم، إذ العبيد – يومذاك- مال قد لا يملك السيد غيره، كما في حديث عمران بن حصين عن الرجل الذي (أعتق ستة أعبد عند موته؛ ولم يكن له مال غيرهم)؛ فبلغ ذلك النبي ? فلام فعله(508) ؛ لما فيه من إضرار بورثته.
   وقد تنبأ الإسلام بنهاية الرق حين جعل لعتق الرقيق بديلاً في العقوبات التي شرع فيها العتاق، كما في قوله: ? فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ? (النساء: 92)، ومثله في قوله: ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ? (المائدة: 89)، فقد تنبأ القرآن بنهاية الاسترقاق والرقيق بفضل شرائعه التي لا نجد لها مثيلاً عند الأمم الأخرى.
   ومن هذه الشرائع أن الأمَة إذا ولدت لسيدها عتقت بعده، وأن أولادها منه أحرار كأبيهم، ولعل من الطريف أن نذكر هنا أن خلفاء بني العباس كانوا جميعاً من أبناء الإماء إلا أبا العباس السفاح والمهدي والأمين(509).
   يقول غوستاف لوبون: “لا يكاد المسلمون ينظرون إلى الرق بعين الاحتقار، فأمهات سلاطين آل عثمان -وهم زعماء الإسلام المحترمون- من الإماء، ولا يرون في ذلك ما يحط من قدرهم”(510).
   وحين أبقى الإسلام الرق فإنه ضمن للرقيق ما لا تجده في حضارة أخرى أو دين آخر، ومن ذلك أن أمر السيد بمساواة رقيقه بنفسه في مطعمه ومشـربه ، وأن يؤمن له حاجاته الضرورية، فامتلاكه للرقيق مسؤولية وغُرم قبل أن يكون غُنماً، وإذا شئنا أن ندلل على هذه المسألة فلنقف على بعض مظاهر هذه المأثرة الحضارية الفريدة عند المسلمين.
   رأى المعرور بن سويد أبا ذر الغفاري ( وعليه حُلة، وعلى غلامه حُلة، فسأله عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً، فشكاني إلى النبي ? ، فقال لي ? : «أعيرته بأمه .. إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم»(511)، وفي حديث آخر قال ?: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق»(512).
   إن عظمة النبي ? في معاملة رقيقه زيد بن ثابت جعلت زيداً يختار البقاء على العبودية عند النبي ? على المضـي حراً مع والديه؛ فكافأه النبي ? بتبنيه، فكان يسمى زيد بن محمد إلى أن ألغى القرآن الكريم التبني، فصار ينسب لأبيه حارثة(513).
   ونعود للقول: إن الإسلام صان الرقيق عن كثير مما يتلبس الرق – عند الأمم الأخرى- من الظلم والمهانة، فالعبد إنسان له من الحقوق على سيده ما يسأل عنه الله يوم القيامة.
   فالعبد لا يجوز قتله ولا تعذيبه «من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن أخصاه أخصيناه»(514)، كما لا يجوز اتهامه والطعن في حقوقه الذاتية كسائر الأحرار «من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جُلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال»(515).
   وضرب الرقيق – ولو لطمة واحدة – كاف لضمان عتاقه من سيده عند من يخاف الله ويرجو ثوابه، فقد أعتق ابن عمر مملوكاً له، ثم أخذ من الأرض عوداً أو شيئاً فقال: ما فيه [أي إعتاقي للعبد] من الأجر ما يسوى هذا [أي العود] إلا أني سمعت رسول الله ?: «يقول من لطم مملوكه أو ضربه؛ فكفارته أن يعتقه»(516).
    وهذا المعنى النبيل أكده النبي ? في قصة أبي مسعود البدري حين طلع عليه رسول الله ، وهو يضرب غلامه بالسوط فقال: «اعلم أبا مسعود، للهُ أقدر عليك منك عليه» فقال أبو مسعود: يا رسول الله، هو حر لوجه الله. فقال ?: «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار»(517).
   ويحكي مثل هذا سويد بن مقرن المزني: ( لقد رأيتنا سبعة إخوة؛ ما لنا خادم إلا واحدة، فلطمها أحدنا، فأمرنا النبي ? أن نعتقها)(518).
   ونهى ? عن تعذيب العبيد وتكليفهم ما لا يطيقونه: «من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله»(519).
   وأوصى النبي ? بحسن معاملة الرقيق حتى حال إساءتهم، فقد قعد بين يديه ? رجل، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يَكذبونَني ويخونونَني ويعصونَني؛ وأشتمُهم وأضربُهم، فكيف أنا منهم؟ فقال ?: «يحسب ما خانوك وعصوك وكَذّبوك، وعقابُك إياهم، فإن كان عقابُك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابُك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل».
    فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويهتف لما يعلم من حاله مع مملوكيه، فقال رسول الله ? : «أما تقرأ كتاب الله ? وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ? (الأنبياء: 47) ».
    فقال الرجل: والله يا رسول الله، ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهُم(520).
   كما حذر النبي ? وتوعد الذين يسيئون معاملة الرقيق بالحرمان من الجنة، وهي أغلى مطلوب ومرغوب، فقال: «لا يدخل الجنة بخيل ولا خِب ولا خائن ولا سيئ الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون إذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله عز وجل، وفيما بينهم وبين مواليهم»(521).
   ولإنسانية الرقيق وحرصاً على مشاعرهم تهدد ? من يفرق شمل الأسرة المملوكة بقوله: «من فرق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»(522).
   وما زال النبي ? يوصي بالعبيد لضعفهم، ولم ينس الوصاة بهم حتى وهو على فراش الموت، في اللحظات الأخيرة من حياته ?، يقول أنس بن مالك: كانت عامة وصية رسول الله ? حين حضـره الموت: «الصلاة، وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله ? يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه(523).
   ولئن كانت الأديان الأخرى تغلظ للعبد في عقوبته على الذنب ما لا تغلظه على السيد ؛ فإن الإسلام يخفف عقوبة العبد ويجعلها دون عقوبة الحر ؛ مراعاة لحاله وضعفه الذي قد يوقعه بالمعصية، ومن ذلك تخفيف عقوبة الزنا إلى النصف من عقوبة الحر ? فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ? (النساء: 25).
   وفي حديث ابن عباس أن عبداً من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي ? فلم يقطعه، وقال: «مال الله عز وجل سرق بعضه بعضاً»(524).
   وحين أساء حاطب بن أبي بلتعة إلى رقيقه، وقصر في إطعامهم؛ سرقوا ناقة رجل من مزينة، فرفع الأمر إلى عمر، فعفا عنهم، وقال لحاطب: (أراك تجيعهم، والله لأغرمنّك غُرماً يشق عليك)، فأمره أن يدفع للمزني ضعف ثمن الناقة التي سرقها رقيقه، وعفا عنهم ، ولم يطبق عليهم حد السرقة(525).
   وأخيراً فإن الحضارة الإسلامية قدمت نموذجاً فريداً في معاملة العبيد، فكان منهم العلماء، كـسالم ( مولى أبي حذيفة ، والأمراء كسلمان الفارسي أمير المدائن، وزيد بن حارثة قائد جيش المسلمين في مؤتة، وبلال خازن بيت المال الذي يقول عنه الخليفة عمر بن الخطاب: (أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا)(526) أي بلالاً.
   ولعل القارئ يأذن لي في خاتمة هذا الفصل باستطراد طريف يحكي منزلة العبيد وعطاءهم الحضاري الكبير في أمة الإسلام ، فقد دخل الزُّهري على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة.
    قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ فقلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية قال: إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قلت: نعم.
   قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أن يسود الناس.
    قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال في الأولين معه.
    قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدمشقي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال.
   ثم قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي فقال: كما قال.
    ثم قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي فقال: كما قال.
    ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
    قال: فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب.
    قال: ويلك يا زهري فرجت عني، فوالله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، وإن العرب تحتها.
    قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط(527).
   وهكذا يتبين لكل باحث عن الحق تميز الإسلام وسموه في التعامل مع الرقيق وحرصه على تجفيف منابعه، وتبين براءة الإسلام والقرآن مما تعهده الأمم من ظلم وطغيان وإضرار بحقوق العبيد.
   *

التعليقات مغلقة الان.

التعليقات مغلقة.