المرأة في القرآن

د. منقذ السقار

المرأة في القرآن
   قالــوا: القرآن يمتهن المرأة ، ويحط من منزلتها بالعديد من تشـريعاته التي قدمت الرجل على المرأة، فالقرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل: ?الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ? (النساء: 34)، وأصر على تقديم الرجل عليها بقوله: ?وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ? (البقرة: 228).
   والجـواب: إن المتفوه بمثل هذا جاهل بالتكريم الذي خص الله به النساء في شريعته وسنة نبيه ?.
   ولعل من المناسب قبل الخوض في تفاصيله أن نلقي نظرة على وضع المرأة عند الأديان التي سبقت الإسلام، ففي سفر الجامعة، وهو من الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى نقرأ: “فوجدت أمرَّ من الموت : المرأة التي هي شباك ، وقلبها أشراك، ويداها قيود، الصالح قدام الله ينجو منها. أما الخاطئ فيؤخذ بها … رجلاً واحداً بين ألف وجدت، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد” (الجامعة: 7/26).
    وفي سفر اللاويين حديث مسهب في غاية القسوة على المرأة حال حيضتها؛ حتى أن مجرد مسها ينجس الماس إلى المساء، كما ينجس كل من مس فراشها أو شيئاً من متاعها ( انظر اللاويين 15).
    وأما سفر الخروج فيجيز للأب بيع ابنته “و إذا باع رجل ابنته أمةً لا تخرج كما يخرج العبيد” (الخروج 21/7) ، وطبق هذا الحكم بوعز في عهد القضاة؛ حين اشترى جميع أملاك أليمالك ومحلون، ومن ضمن ما اشتراه راعوث المؤابية امرأة محلون (انظر راعوث 4) (458).


   وفي المسيحية كانت المرأة على موعد مع إساءة أكبر، فقد حمل بولس المرأة خطيئة آدم ، ولأجل ذلك يأمرها فيقول: “لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلّم، ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن المرأة أغويت ، فحصلت في التعدي ” (تيموثاوس(1) 2/11-14)، فسبب هذه الإهانة وقوعها (حواء) في إغواء الشيطان.
   وفي سفر حكمة يشوع بن سيراخ يؤكد على دور المرأة في خروج الجنس البشري من الجنة: “من المرأة نشأت الخطيئة، وبسببها نموت أجمعون” (ابن سيراخ 25/24).
   وقد ترك هذا الاتهام للمرأة أثراً بالغاً في الحياة المسيحية، عبّر عنه الأب ترتليان في القرن الميلادي الثالث بقوله عن المرأة: “إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله (الرجل) “.
   ويقول أيضاً مخاطباً النساء بعد حديثه عن دور حواء في الخطيئة الأولى: “ألستن تعلمن أن كل واحدة منكن هي حواء ؟!… أنتن المدخل الذي يلجه الشيطان..لقد دمرتن الرجل صورةَ الله ” .
   ويقول الأب سوستام عن المرأة: “إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها ، وخطر على الأسرة و البيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة”.
   وفي الغرب عقدت مؤتمرات غريبة لبحث أمر هذا الكائن ( المرأة ) ، فعقد مؤتمر في مدينة ماكون الفرنسية 586م للنظر هل للمرأة روح أم لا؟ وقرر المؤتمر أن المرأة إنسان, ولكنها مخلوقة لخدمة الرجل، وأنها خِلو عن الروح الناجية، واستمرت هذه النظرة السلبية إلى المرأة حتى عهد قريب(459).
   لكن أبشع ما تعرضت له المرأة من الاضطهاد حدث في ظل سيطرة الكنيسة على أوربا في القرن السادس عشـر والسابع عشـر؛ حيث انعكست الصورة السوداوية التي تنظر بها الكنيسة إلى المرأة بظهور فكرة اجتاحت أوربا، وهي وجود نساء متشيطنات ، أي تلبسهن روح شيطانية، فهن يعادين الله ، ويعادين المجتمع ، تقول كارن ارمسترنج في كتابها “إنجيل المرأة” : “لقد كان تعقب المتشيطنات بدعة مسيحية، وكان ينظر إليها على أنها واحدة من أخطر أنواع الهرطقات… ومن الصعب الآن معرفة عدد النساء اللائي قتلن خلال الجنون الذي استمر مائتي عام، وإن كان بعض العلماء يؤكد أنه مات في موجات تعقب المتشيطنات بقدر ما مات في جميع الحروب الأوربية حتى عام 1914م… يبدو أن الأعداد كانت كبيرة بدرجة مفزعة”(460).
   أما إذا عدنا إلى حال المرأة عند عرب الجاهلية؛ فإنا سنجد أن حالها لم يكن أفضل بكثير مما عند الأمم الأخرى ، فقد انتشـر في بعض قبائلهم وأد البنات ومنعهن من الميراث، ويصور لنا عمر بن الخطاب – بكلمات جامعة – حال المرأة عند العرب قبل الإسلام، فيقول: (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً؛ حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) (461).
   لقد قرر الإسلام تساوي الذكر بالأنثى في إنسانيتهما وكافة الأمور العبادية، ولم يميز بينهما في شيء إلا حال التعارض مع الطبيعة التكوينية والنفسية والوظيفية للذكر أو الأنثى.
   فأما تساويهما في الإنسانية، فقد قرره النبي ? بقوله: «إنما النساء شقائق الرجال» (462)، كيف لا يتساويان وهما معاً أصل الجنس البشـري ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ? (الحجرات: 13)، ويشملهما جميعاً تكريم الله للجنس البشري ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ? (الإسراء: 70).
   ويقرر القرآن أهلية المرأة للإيمان والتكليف والعبادة، ومن ثم المحاسبة والجزاء ? مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ? (النحل: 97)، فهي كالرجل سواء بسواء، وهذا التساوي يسري في المسؤولية الشـرعية ? فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ? (آل عمران: 195)، حيث إن الله يساوي بين الرجال والنساء في ثواب وعقاب أفعال الإنسان، بلا تمييز لجنس أو لون ? إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ? (الأحزاب: 35 ).
   ويبرأ الإسلام من تفضيل الذكر على الأنثى، ويعد النبي ? بالجنة من أكرمها ولم يفضل الذكور عليها: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها؛ أدخله الله الجنة» (463).
   وما زال ? يوصي بحق المرأة ويحذر الرجل من الاغترار بقوته وظلمها، فيشهد الله على تأكيده على حقها: «اللهم إني أحرج (أي أشدد) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (464)، فمثل هذا يتناقض مع القول بظلم الإسلام للمرأة .
   ولسوف نعرض تفصيلاً لأهم ما يثار حول المرأة في الإسلام وما زعمه المبطلون من انتقاص الإسلام كرامتها وأنه ظلمها.
   
أولاً: القوامة وظلم الزوجة
   قالـوا: القرآن ظلم المرأة حين جعل القوامة في المجتمع للرجل دون المرأة: ? الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ? (النساء: 34).
   والجـواب: إن نظرة سريعة إلى المنهج الإسلامي في التعامل مع المرأة ستكشف عن القدر العظيم للمرأة في الإسلام، فما زال النبي ? يوصي بحسن عشرة النساء، ففي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي ? فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم [أي مثل الأسيرات عندكم] .. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشَكُم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كِسوتهن وطعامهن» (465).
   وأمر النبي ? بحسن العشرة للنساء والصبر على ما يصدر منهن من أذى اللسان، فإن المرأة بحسب جِبِلَّتها تأخذ حقها بلسانها، فقد قال ?: «واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً» (466).
   ولما كانت الأسرة كسائر المؤسسات المجتمعية والاقتصادية تحتاج إلى قائد يقودها؛ فإن القرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل دون المرأة ? الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ? (النساء: 34)، فالآية تحدد صاحب المسؤولية الأولى في الأسرة، وهو الرجل، إذ أي مجتمع إنساني – صغر أم كبر – لا يخلو من قيِّم مسؤول يقود من تحت ولايته بما يمتاز به عن الآخرين، ككبر سنه أو امتلاكه حصة أكبر في الأسهم أو خبرة وأقدمية في العمل، لكن – على كل حال – لابد من وجود مدير أو مسؤول أول أو قائد لهذه المؤسسة.
   وفي حالتنا هذه نحن أمام أحد خيارين: إما أن تكون المسئولية الأولى للمرأة، أو أن تكون للرجل.
   إن نظرة بسيطة تتفحص عالمنا – الذي ما فتئ ينادي ويصـرخ بالمساواة العمياء بين الرجل والمرأة – لتكشف لنا عن حقيقة تميز الرجل عنها في مختلف بلدان الداعين إلى المساواة، لذلك أسأل القارئ الكريم: كم نسبة الوزيرات إلى الوزراء في دول العالم الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين؟ وكم نسبة الملوك والرؤساء من النساء في تلك البلاد؟ وكم نسبة نساء الدولة والبرلمان وقادة الأحزاب إلى الرجال في هذه الدول؟!
   لا ريب أننا جميعاً متفقون على تقدم الرجل – في كل هذا – على المرأة وبفارق كبير ، فكيف وقع هذا عند من يدعون المساواة؟.
   إن الدول الإسكندنافية حققت أعلى الأرقام العالمية في تولية المرأة مناصب قيادية، لكنها لم تتجاوز نسبة الـ30 %، لماذا؟
   القرآن يجيبنا: ? الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ? (النساء: 34)، نعم لقد خلق الله الرجال لغاية، وأعطاهم من المَلكات والإمكانات ما يعينهم عليها ، ومن ذلك مسؤولية القيادة في الأسرة والمجتمع، لأنه مسؤول عن رعاية البيت ونفقته، فالزوجة دُرة مصانة، ليس واجباً عليها ولا مطلوباً منها أن تكدح وتشقى بالعمل لتضمن مكاناً لها في بيت الزوجية، فهذا ليس من واجباتها، ولا هو متناسب مع أنوثتها وطبيعتها الحانية العاطفية التي فطرها الله عليها لتناسب مهمتها السامية في إدارة بيتها وتربية أبنائها وإعطائهم حقهم من الحنو والرعاية «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته .. والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها»(467).
   والمرأة مكفولة النفقة، أمّاً كانت أو زوجة، أختاً كانت أو ابنة «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك»(468)، فواجب الرجل الإنفاق على الأسرة عموماً ، وعلى الزوجة خصوصاً، ولو كانت ذات مال ووظيفة، فقد أمر النبي ? بذلك: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»(469).
   والعلاقة الزوجية جملة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء ? وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ? (البقرة: 228) ، وهذه الدرجة (القوامة) ليست لقعود جنس النساء عن جنس الرجال، بل تفضيل متناسب مع ما أودعه الله في الرجل من استعدادات فطرية تلائم مهمته وتتناسب مع إنفاقه على الأسرة.
   وقوامة الرجل على المرأة والأسرة لا تعني تفرده بالقرار، فها هو ? أكمل الرجال وسيدهم يستشير أم سلمة في مسألة تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، فقد أمر أصحابه يوم الحديبية أن يحلقوا رؤوسهم ويحلوا من عمرتهم؛ ليعودوا إلى المدينة المنورة، فكرهوا ذلك ولم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: (يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالِقَك فيحلِقَك، فخرج، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا حالِقه فحلَقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضاً حتى كاد بعضُهم يقتل بعضاً غماً) (470).
   بقي أن نهمس في آذان أصحاب هذه الأبطولة، فنسألهم: من القيم على الأسرة في كتابكم الرجال أم النساء؟ وما رأيكم في قول بولس: “الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل” (كورنثوس (1) 11/8-9)، وهذا النص وأمثاله يفيد قوامة الرجل، ويفيد أيضاً ما لا نقبله، ونراه إزراء بالمرأة التي لم تخلق للرجل، فهي ليست كسائر ما سخره الله لنا من متاع، بل هي كالرجل مخلوقة لعبادة الله وعمارة الأرض بمنهجه تبارك وتعالى.
   
ثانياً: الأمر بضرب الزوجة
   قالــوا: القرآن ظلم المرأة حين أجاز لزوجها أن يضـربها: ? وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ? (النساء: 34).
   والجـواب: سبق لنا التعرف على منهج القرآن في التعامل مع المرأة، ورأينا ما فيه من التكريم والإجلال الذي عزَّ أن نجد مثيله في كتب الآخرين، فهذا هو الأصل في معاملة المرأة ، والنبي ? كان نموذجاً لهذا الأصل «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»(471)، وصفته أم المؤمنين عائشة: (ما ضرب رسول الله ? شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل)(472).
   وهكذا، فالأصل تكريم المرأة، لكن للقاعدة شواذ، فالإنسان مكرم، لكن اللص والمجرم يهان، والأصل- في الإنسان- حفظ حياته، أما القاتل فيقتل، والأصل في المرأة تكريمها، لكن الناشز المستخفة برباط الزوجية تُضرب وتؤدب إذا لم تنفع معها وسائل الإصلاح ، ولو قَتلت تُقتل.
   وقد أذن القرآن الكريم للزوج بتأديب زوجه، بل أوجب عليه ذلك، فلو كانت زوجة الواحد منا لا تصلي مثلاً أو امرأة ناشزاً؛ فإن الزوج يندب إلى وعظها، ثم هجرها إن أصرت على النشوز وتدمير الحياة الأسرية، فإن لم ترعوي فإن الله أذن له بضربها ضرباً خفيفاً غير مبرح.
   وهذا التأديب- كما سبق – ليس أصلاً في معاملة المرأة، بل هو خاص بالزوجة الناشز سيئةِ الخلق والدين، وهو نوع من الرحمة بها والوقاية لها من حساب الله وعقابه، قال تعالى: ? فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ? (النساء: 34)، فالضـرب آخر وسائل الإصلاح، ويكون بعد الوعظ والهجر واستفراغ الجهد في التقويم والإصلاح.
   وحين نتحدث عن الضرب تدور في مخيلة البعض النماذج السيئة التي يئن العالم في شرقه وغربه منها ، فقد أصبح العنف مع النساء والقسوة معهن مرضاً عالمياً مزرياً بالإنسان اليوم، وهو بالطبع مما يحرمه القرآن الذي لا يأذن بالضرب المبرح، فالجائز في ضرب الناشز ؛ الضـرب غير المبرح، وقد مثلوا لها بضربها بالسواك، وهو عود صغير لو ضرب به طفل لما تأذى، وقد قال النبي ? منبهاً على قدر الضرب المسموح به: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (473).
   أما الضرب المبرح الذي يترك أثراً على الجسد فهو حرام، وبخاصة إذا كان على الوجه، فقد لعن النبي ? من ضرب الحيوان على وجهه، فما بالنا بالزوجة : «أما بلغكم أني قد لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها» (474).
   ولما دخل معاوية القشيريُ على النبي ? سمعه يؤكد على حقوقها ويقول: «لا تضربِ الوجه، ولا تقبِّحْ، وأطعمْ إذا أُطعمت، واكسُ إذا اكتسيت، ولا تهجُر إلا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض؛ إلا بما حل عليهن» (475).
   وذماً من النبي ? لأولئك الذين يضـربون زوجاتهم وقف ? على المنبر يوصي بالنساء، فيقول: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه» (476).
   وذات مرة جاء إلى النبي ? رجل يشكو زوجته، فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة فذكر من طول لسانها وإيذائها؟ فقال ?: «طلقها». فقال: يا رسول الله، إنها ذات صحبة وولد؟ قال: «فأمسكها وأْمُرها، فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربَك أَمتَك» (477)، فنهاه ? عن ضربها رغم سوء معاملتها وخلقها.
   وخشية من وقوع بعض الأزواج في الظلم والتعدي والتعسف في التأديب قال ?: «لا تضربوا إماء الله»، لكن بعض الزوجات أسأن إلى أزواجهن، إذ لا يصلح حالهن إلا التأديب، فجاء عمر إلى رسول الله ? فقال: ذئِرنَ النساءُ على أزواجهن (أي نفرن واجترأن)، فرخص ? في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ? نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ?: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» (478).
   وهكذا نرى وصاة النبي ? لكل حر شريف أن يتقي الله تعالى في زوجه، وأن يعف لسانه ويكف يده بالأذى عنها، كما كان يفعل رسول الله ? الذي ما ضرب زوجاً ولا قبحها، وأما أولئك المسيئون الذين يضربون زوجاتهم فحسبهم حكم النبي ? عليهم أنهم ليسوا من خيار المؤمنين، فخيرهم خيرهم لأهله، ورسول الله ? خيرنا لأهله.
   لقد أوجب القرآن العشرة بالمعروف حال الحب والكراهية ? َعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ? (النساء: 19)، فإن وقع طلاق ثم انتهت عدتها؛ فإما أن يمسكها بمعروف أو يسـرحها بإحسان ? الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْـرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ? (البقرة: 229).
   وهذه العشرة بالمعروف للزوجة تصبح ميزاناً للخيرية عند الله يستبق فيه المسلمون إلى محبة الله ورضاه، فقد قال ?: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»(479)، وفي رواية: «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلقاً وألطفُهم بأهله»(480).
   
ثالثاً: تعدد الزوجات
   قالــوا: القرآن ظلم المرأة حين أباح للرجل أن يتزوج عليها، وفي هذا إضرار بمصلحتها.
   والجـواب: قبل التعرف على حكم الإسلام في المسألة نقرر أن الإسلام لم يكن أول من شرع هذه الشرعة التي شرعتها الأمم والملل قبل الإسلام، فقد عرفت الأمم جميعاً التعدد، لكنها ترددت بين نوعيه: تعدد الزوجات وتعدد الخليلات، فقد أجاز الإسلام الأول منهما، وحرم الثاني لما فيه من إزراء بالمرأة وظلم فادح لها ، فهو يجردها من جميع الحقوق الزوجية، فالعشيق لا يلتزم للخليلة بما يلتزم به الزوج لزوجاته من نفقة وسكن ورعاية للزوجات ولأبنائهن من غير تفريق بينهم.
   والرسالات السماوية قبل الإسلام أباحت تعدد الزوجات، ويكفي في إثبات ذلك أن نذكر أن العهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى يقر بأن إبراهيم كان متزوجاً من ثلاث زوجات (سارة وهاجر وقطورة)، وأما يعقوب فكان متزوجاً من الأختين (ليئة وراحيل)، والأَمتين (زلفة وبلهة)، (انظر التكوين 29)، ويذكر الكتاب المقدس أن داود كان له سبع زوجات، وأن ابنه سليمان النبي: “كانت له سبع مائة من النساء السيدات، وثلاث مائة من السراري” (سفر الملوك (1) 11/3)، فالتعدد مشروع في شرائع التوراة ومن غير ضوابط ولا شروط.
   وأما المسيحية فهي تحرم تعدد الزوجات رغم أنه لم يرد عن المسيح ما يبطل هذه الشريعة التوراتية، فالمسيح يقول: “ما جئت لنقض الناموس أو الأنبياء، بل لأكمل” ( متى 5/17).
   بل إن العهد الجديد يشير إلى مشـروعية التعدد، حيث يقول بولس في (تيموثاوس (1) 3/12): ” فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعلَ امرأة واحدة … ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة” ، ويفهم منه منع تعدد الزوجات للشماس، وجوازه لغيره.
   و قد بقيت قضية تعدد الزوجات صيحة تنادي بها فرق مسيحية شتى مثل اللا ممعدانيين “الأنانا بابتيست” في ألمانيا في أواسط القرن السادس عشر للميلاد ، وكان القس فونستير (1531م) يقول: من يريد أن يكون مسيحياً حقيقياً فعليه أن يتزوج عدة زوجات.
   وبمثله نادت فرقة المورمون في مطلع القرن التاسع عشر، ولم يتخلوا عنه إلا بضغط السلطات المدنية في أواخر القرن التاسع عشر.
   وقد بلغت الدعوة إلى إباحة تعدد الزوجات مبلغاً عظيماً عند مفكري الغرب وعلمائهم؛ وبخاصة بعد أن عانت أوروبا من نقص شديد في عدد الرجال نتيجة للحربين العالميتين التي قتل فيهما أكثر من 48 مليون رجل، وكذلك لانتشار الفواحش والزنا وزيادة عدد اللقطاء(481).
   ولو عدنا للحديث عن عرب الجاهلية لرأينا أن التعدد شائع عندهم من غير ضوابط، فكان لبعضهم عشر زوجات، فقد أسلم غيلان بن سلمة الثقفي، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ?: «اختر منهن أربعاً» (482)، وأما عميرة الأسدي فيقول: أسلمت وعندي ثماني نسوة , فذكرت ذلك للنبي ? فقال: «اختر منهن أربعاً» (483).
   وهكذا فالتعدد موجود قبل الإسلام، ومن غير ضوابط، وذلك لواقعية هذه الشرعة، وحاجة بعض الأزواج إلى الزواج بغير زوجته لمرضها أو لعدم قدرتها على الإنجاب أو توقفها، أو لغير ذلك من الأسباب، ولولا تعدد الزوجات لما تزوجت الكثير من العوانس والمطلقات وذوات الأمراض.
   لقد كان الإسلام واقعياً حين أقر شريعة التعدد، فتزوج الزوج بأخرى أولى من طلاق الأولى، وأولى من العلاقة المحرمة، فالتعدد المشروع يغلق الباب أمام تعدد العشيقات غير المشروع الذي يجتاح المجتمعات الإنسانية التي ترفض التعدد.
   جاء في إحصائية عن الخيانة الزوجية منشورة في مايو 1980م أن 75% من الأزواج في أوروبا يخونون زوجاتهم، وأفادت إحصائية أخرى أن مليون امرأة تقريباً عملن في البغاء بأمريكا خلال الفترة من (1980م إلى 1990م)، والإحصائيات الأحدث أسوأ وأفظع، فما هو السبب في كل هذا البلاء؟.
   ولنسمع إلى المصلح الشهير مارتن لوثر مؤسس فرقة البرتستانت وهو يجيب: “إن نبضة الجنس قوية لدرجة أنه لا يقدر على العفة إلا القليل .. من أجل ذلك الرجل المتزوج أكثر عفة من الراهب … بل إن الزواج بامرأتين قد يسمح به أيضاً، كعلاج لاقتراف الإثم، كبديل عن الاتصال الجنسي غير المشروع”(484).
   إن البشرية لا غناء لها عن تعدد الزوجات إذا شاءت أن تحيا حياة العفة والطهر، وهذا ما ستقودنا إليه دراسة بسيطة للإحصاءات العالمية التي تشير إلى زيادة مطردة لنسبة النساء، فإذا كان عدد الإناث في الولايات المتحدة الأمريكية يزيد على عدد الذكور بأربعة ملايين امرأة، فإن المجتمع الأمريكي مخير بين القبول بأربعة ملايين بغي أو بأربعة ملايين أسرة شرعية تتعدد فيها الزوجات.
   وهكذا فإن إباحة القرآن لتعدد الزوجات صورة من حكمة الله الحكيم ، إذ واقع الأرض لا يصلح إلا بمثل هذا التشريع، فعدد نساء البشر اليوم يربو على رجالها بأربعمائة مليون امرأة، مما يجعل تعدد الزوجات ضرورة ملحة لكل مجتمع يخشى الفساد ويحذر الانحلال، لذلك تقول الكاتبة الإيطالية ” لورافيشيا فاغليري”: “إنه لم يَقُم الدليل حتى الآن بأي طريقـة مُطْلَقَـة على أن تعـدد الزوجـات هو بالضـرورة شرّ اجتماعي وعقبـة في طريق التّقـدّم .. وفي استطاعتنا أيضا أن نُصـرّ على أنـه في بعض مراحـل التّطـور الاجتماعي عندما تنشأ أحوال خاصة بعينها ، كأن يُقتل عـدد من الذكور ضخم إلى حـدّ استثنائي في الحـرب مثلاً ؛ يُصبح تعـدد الزوجات ضرورة اجتماعية”(485).
   لكن واقعية الإسلام في إباحة التعدد لم تخلَّ بمثاليته في التشريع، فقد حدده بأربع زوجات فقط؛ حتى يقدر الرجل على الوفاء بحقوقهن، كما سيَّج الإسلام هذه الشرعة وزانها بجملة من الآداب والضوابط، التي تلزم المنصف بتبرئة القرآن من مسؤولية الممارسات الخاطئة التي يقع بها بعض المعددين الذين لم يتأدبوا بآدابه، ولم يفقهوا أن تعدد الزوجات ليس شهوة عابرة، بل هو مزيد من المسئوليات التي يجب على الزوج القيام بها والوفاء بكل متطلباتها المالية والاجتماعية والإنسانية.
   ومن آداب الإسلام في هذا الخصوص أنه كتب على الزوج العدل بين نسائه أو الامتناع عن التعدد: ? وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ? (النساء: 3) ، والعدل يشمل السكن والنفقة وغيرها من مستحقات الزوجية.
   وحذر النبي ? من صورة كثيراً ما نراها عند المعددين، وهي الميل إلى إحدى الزوجتين ، فهذا النوع من الظلم توعد الله فاعله بعقوبة خاصة يوم القيامة: «من كان لـه امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى؛ جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» (486).
   ولو عدنا إلى قول القائلين أن تعدد الزوجات فيه ظلم للزوجة الأولى وإهانة لكرامتها، فجوابه: فإن التعدد فيه مصلحة للزوجة الأخرى وإكرام لها، فكيف تفوت هذه المصلحة؟
   ثم إن الزوجة الثانية ستغدو شريكة الأولى بمباركة أسرتها من الرجال والنساء الذين رأوا أن تزوجها من متزوج بغيرها خير لها من أن تكون بلا زوج، وهو صيانة لها ، ويؤهلها لتكون زوجة فاضلة بدلاً من أن تكون خليلة أو عشيقة بلا حقوق ولا كرامة، ثم لا تلبث أن تصير إلى الشارع.
   ولذلك يرى الكاتب الإيرلندي “برناردشو” أن إباحة تعدد الزوجات هو العلاج لمشاكل الغرب ، فيقول: “إن أوروبا لو أخذت بهذا النظام لوفرت على شعوبها كثيراً من أسباب الانحلال والسقوط الخلقي والتفكك العائلي”.
   ويقول المستشرق الشهير “هك فارلين” : “إذا نظرنا إلى تعدد الزوجات في الإسلام من الناحية الاجتماعية أو الأخلاقية أو المذهبية، فهو لا يعد مخالفاً -بحال من الأحوال – لأرقى أسلوب من أساليب الحضارة والمدنية، بل هو علاج عملي لمشاكل النساء البائسات والبغاء، واتخاذ المحظيات، ونمو عدد العوانس المطرد في المدنية الغربية بأوروبا وأمريكا” (487).
   
رابعاً: حقوق المرأة والميراث
   قالــوا: القرآن يغبن المرأة حين يجعل لها من الميراث نصف ما للرجل، وفي ذلك انتقاص من أهلية المرأة، ومعاملتها على أنها نصف إنسان!!..
   والجواب: سبق بيان صور التساوي بين الجنسين في الإنسانية، ورأينا تساويهما في المنزلة عند الله وجزائه وعقابه، واستقر لدينا أن التفاضل بينهما إنما هو لدواع مادية بحتة، فالأصل في المسألة قوله ?: «إنما النساء شقائق الرجال»(488).
   وقبل أن نقف على سبب اختلاف الذكور عن الإناث في المواريث أود تذكير الطاعنين على القرآن بأن كتبهم المقدسة تحرم المرأة من الميراث كلية حال وجود أشقاء لها “فكلم الرب موسى قائلاً … أيما رجل مات وليس له ابن؛ تنقلون ملكه إلى ابنته” (العدد 27/8) ، و يفهم من السياق التوراتي – الذي يؤمن به اليهود والنصارى – أن وجود الابن يمنع توريث الابنة (وانظر يشوع 17/1-3).
    وحين جاء الإسلام كان عرب الجاهلية يحرمون المرأة من الميراث، يقول عمر: (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً؛ حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) (489)، فألغى الإسلام شرعة الجاهلية، وأحل بدلاً عنه نظام الإرث الإسلامي المبني وفق قواعد ثلاثة:
   أولاً: مراعاة درجة القرابة بين الميت والوارث ، فكلما اقتربت الصلة بالميت زاد النصيب في الميراث، وكلما ضعفت الصلة قلَّ النصيب في الميراث، دونما اعتبار لجنس الوارثين، فابنة المتوفى تأخذ أكثر من والد المتوفى أو جده أو أخيه ، وهي تنال نصف التركة لو ورثت مع الأب والأم.
   ثانيـاً: مراعاة موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال، فالأجيال الناشئة تقدم على الأجيال الكبيرة، لأنها تستقبل الأعباء والنفقات من دراسة وزواج وإنفاق على الأبناء، بعكس الكبار الذين غالباً ما تخف نفقاتهم، ومرة أخرى لا أثر للذكورة والأنوثة، فبنت المتوفى ترث (النصف) أي أكثر من أم المتوفى وأبيه، وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التي للابن .
   ثالثاً: مراعاة العبء المالي الذي سيتحمله الوارث، وفق قاعدة الغُنم بالغُرم، فكلما كانت الأعباء عليه أكثر فإنه يرث أكثر، وبسبب هذا يتفاوت الذكر والأنثى، لأن الأعباء المالية على الذكر أكثر، فالذكر مكلف بإعالة الأنثى؛ زوجة كانت أم أختاً أم بنتاً، فهي ترث من أبيها، ويرعاها أخوها وزوجها وابنها(490).
   ولو شئنا أن نضرب مثلاً بأخ وأخت ورثا عن أبيهما، فلو ورث الذكر عن أبيه 100 ألف والأنثى 50 ألفاً، فالأخ مطلوب منه أن ينفق على عائلته كساء وغذاء وسكناً، بينما أخته مكفولة النفقة في بيت زوجها، وإذا كان الأخ يدفع مهراً، فإن الأخت تأخذ مهراً، علاوة على النفقات الأخرى التي يختص بها الرجال دون النساء، كتحمل دفع دية قتل الخطأ مع العصبة والأقارب، فهذا وأمثاله واجب على الأخ دون أخته الوارثة لنصف ما ورث.
   وهكذا، حين جعل الله للذكر مثل حظ أنثيين من الميراث لم يقض بذلك لهوان النساء أو ظلمهن، بل قسم المال ووزعه تقسيماً مادياً بحتاً يتناسب والمسئوليات المنوطة بكل منهما في المجتمع والأسرة.
   ثم إن الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل لا تعدو ثلاث حالات(491):
   أ) أولاد المتوفى ، فالذكور يرثون ضعف الإناث، لقوله تعالى: ? يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ? (النساء: 11).
   ب) التوارث بين الزوجين ، حيث يرث الزوج من زوجته ضعف ما ترثه هي منه، لقوله تعالى: ? وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ? (النساء: 12).
   ج) يأخذ أبو المتوفى ضعف زوجته (أم المتوفى) إذا لم يكن لابنهما وارث، فيأخذ الأب الثلثين وزوجته الثلث.
   وفي مقابل هذه الحالات الثلاث فإن الأنثى ترث مثل الذكر في حالات، كما في مسألة الكلالة ? وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ ? (النساء: 12).
   كما قد قضى عمر بالتساوي بين الأخوة لأم ذكوراً وإناثاً، قال الزهري: “ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله ?، ولهذه الآية التي قال الله تعالى: ? فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ ? (النساء: 12)”(492).
   ومرة أخرى ساوى القرآن بين الوالدين في إرثهما من ولدهما؛ إذا كان له ولد ? وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ? (النساء: 12).
   وهناك أحوال كثيرة ترث الأنثى فيها أكثر من الرجل، فتقدم الابنة مثلاً على الأب والأخ والعم والخال، بل قد ترث هي، ولا يرثون.
   وهكذا فالتفاوت في قسم الميراث بين الذكور والإناث ليس مطرداً، وهو متعلق بمنظومة الإسلام الاجتماعية ومقتضياتها في توزيع المسؤوليات والنفقات، ووفق هذه الالتزامات يتوزع الإرث بين الذكور والإناث.
   ونختم الرد على هذه الأُبطولة بشهادة المستـشرق غوستاف لوبون، حيث يقول: “والإسلام قد رفع حال المرأة الاجتماعي وشأنها رفعاً عظيماً بدلاً من خفضها، خلافاً للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقاً إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوربية”.
   ويقول: “وتعد مبادئ الميراث التي نص عليها القرآن بالغة العدل والإنصاف.. ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنجليزية أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات – اللائي يُزعم أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف – حقوقاً في الميراث لا نجد مثلها في قوانيننا”(493).
   
خامساً: شهادة المرأة
   قالــوا: جعل القرآن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في قوله: ?وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ? (البقرة: 282)، فزعموا أن في ذلك انتقاصاً للمرأة، واستهانة بها.
   والجـواب: الأمر الوارد في الآية ليس موجهاً إلى القاضي والحاكم، كما يظن الكثيرون، إنما هو لصاحب المال الذي يداين آخر، فأمره الله بكتابة الدَيْن لحفظه ؛ فإن عجز عن ذلك، فليستشهد عليه شهيدين من الرجال، أو رجلاً وامرأتين، حتى لا يضيع حقه بنسيان المرأة الواحدة لمثل هذا الأمر، الذي لا تضبطه النساء عادة.
   وقد عللت الآية السبب الذي لأجله طلب الله من صاحب الدين الاستيثاق لماله بشهادة امرأتين أو رجل واحد ? أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ? (البقرة: 282)، أي خوف نسيانها فحسب، لأن المسائل المالية مما لا تضبطه النساء ولا تعنى به عادة. وضلالها وخطؤها ينشأ من أسباب مادية بحتة، لعل أهمها قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد، مما قد يجعلها غير حافظة لكل دقائقه وملابساته.
   لكن هذا لا يعني أن شهادة المرأة في المحاكم والقضاء بنصف شهادة الرجل، فالقاضي يقضي بما يتيـسر له من الأدلة، عملاً بقوله ?: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» (494)، وقد يقضي القاضي بشهادة رجل واحد أو بشهادة امرأة واحدة، أو بأقل من ذلك، كما يوضحه ابن القيم بقوله: “إن البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وهي تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص في بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكولاً [امتناعاً عن اليمين] .. فقوله ?: «البينة على المدعي» ، أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكم له”(495).
   ويقول وهو يرد هذه الشبهة: “فإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، قيل: القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها.. وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم، وإنما أرشدنا إلى ما يُحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تُحفظ بها الحقوق”(496).
   ويقول مبيناً علة التمييز بين شهادة الرجل والمرأة: “والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله، ولا ريب أن الظن المستفاد من شهادة مثل أم الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد دونهما ودون أمثالهما”(497).
   ومما يشهد لصحة هذا الفهم أن مجمل الشهادات تتساوى فيها شهادة الذكر والأنثى ، ففي شهادات اللعان بين الأزواج تتساوى شهادة الرجل وزوجته، فشهاداتها الأربع في اللعان تعدل شهادات زوجها الأربع، وذلك مقرر في قوله تعالى: ? وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ? (النور: 6-9).
   ولن يفوتنا التنبيه إلى أمر مهم، وهو تساوي شهادة المرأة بالرجل في أهم الشهادات التي لا مدخل فيها للعاطفة الغالبة على المرأة أو قلة الخبرة، أي حين يكون الاعتماد على مجرد الذكاء والحفظ، وذلك في الأمور الدينية، فتقبل رواية المرأة للحديث كالرجل تماماً، ومثله في سائر العلوم.
   وقد جعل الشارع شهادة المرأة معتبرة في بعض المسائل التي قد لا يقبل فيها شهادة الرجال، كالأمور النسائية التي لا يطلع عليها الرجال عادة، كإثبات الولادة وحيضة المطلقة وطهرها في قوله: ? وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ? (البقرة: 228).
   وفي الصحيح أن النبي ? قبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع، ففي حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فذكر ذلك للنبي ? ، ففرق بينهما(498).
   إن التشريع القرآني الذي جعل شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في مسائل الدَيْن وأمثالها لم يصنعه إجحافاً بحقها أو استهانة بمقامها وإنسانيتها، وإنما هو مراعاة لقدراتها ومواهبها، وإلا فإن أهليتها كأهلية الرجل تماماً في كثير من المعاملات كالبيع والشفعة والإجارة والوكالة والشركة والوقف والعتق…
   
سادساً: طلاق المرأة
   قالــوا: القرآن ظلم المرأة حين أذن بالطلاق بين الزوجين، والمفروض أن تكون الحياة الزوجية على التأبيد، وقالوا بأنه ظلم المرأة حين جعل الطلاق بيد الرجل، دون المرأة.
   والجـواب: أن الطلاق شرعة موجودة عند كل الأمم بلا استثناء، وما من أمة ولا شرعة إلا وأباحت الطلاق ولجأت إليه كحل لا مفر منه في إنهاء الخلافات المستعصية بين الأزواج، فالعهد القديم يبيح الطلاق، والعهد الجديد كذلك يبيح الطلاق بعلة الزنا، وإن حرمه فيما عدا ذلك، لكن هذا التحريم أدى إلى مفسدة عظمى، فكان سبباً في انتشار الزنا والعلاقات المحرمة بدون زواج، حيث يعيش الرجل مع المرأة سنين طويلة قبل أن يتزوجا، ولا يمنعهما عن الزواج إلا خشية وقوع الفراق، فلا يتزوجان إلا بعد أن ينجبا عدداً من الأبناء، ويتأكدا من ديمومة زواجهما واستغنائهما عن الانفصال.
   إن الطلاق ضرورة اجتماعية معروفة في الشرائع قبل الإسلام، وهي مقررة اليوم في كافة القوانين المدنية، فكيف يطالب المرء بإمساك زوجة لا يطيقها ، وقد قيل: “إن من أعظم البلايا مصاحبة من لا يوافقك ولا يفارقك”.
   ويقرر الإسلام أن الأصل في الحياة الزوجية الديمومة التي تحرسها المودة والرحمة التي يجعلها الله بين الزوجين ? وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ? (الروم: 21)، فقد رغب القرآن في ديمومة النكاح، وحثَّ الزوج في الإبقاء على العلاقة الزوجية حتى حال الكراهية بين الزوجين ? وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ? (النساء: 19).
   كما أوصى النبي ? الزوج بحسن تبعل المرأة، وجعل ذلك ميزاناً لخيريته بين المؤمنين: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (499)، وأوصاه بالمحافظة على رباط الزوجية وإن وجد في زوجته ما يكره، فليأنس بغيره مما يحب: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» (500).
   وكره الإسلام الطلاق ففي المروي عن النبي ? أنه قال: «أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق» (501)، ورغم ضعف إسناده فمعناه صحيح، وهو أمر لا يخفى على من تدبر الآية التي جعلت التفريق بين الزوجين بعض كيد السحرة والشياطين: ? فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ? (البقرة: 102)، فلا يليق بالمسلم أن يوافق مراده مراد الشياطين بلا حاجة ماسة لذلك.
   ولحماية الأسرة من الوصول إلى الفراق بالطلاق أوجب الإسلام حسن العشـرة بين الزوجين حتى في حال الكراهية ? وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ? (النساء: 19)، وخيَّر الزوج بعد طلقتين بين المعروف والإحسان ? الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ? (البقرة: 229).
   وشرع القرآن للزوجين إصلاح ما يفسد بينهما من علاقة، وحثهما على وأد الشقاق والنفور بكل طريق يؤدي إلى الصلح ?وَإِنِ امْرَأَةٌ خَـافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ? (النساء: 128)، فإذا لم يستطع الزوجان أن يصلحا ما بينهما بنفسيهما ولم يحققا الوفاق بوسائلهما الخاصة؛ فإن الله يأمرهما بعرض الأمر على مجلس عائلي يتكون من حكمين، أحدهما من أهله، والآخر من أهلها، ليبحثا أسباب الشقاق، ويسعيا لإحلال الصفاء والوئام محل النفور والخصام: ?وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا? (النساء: 35).
   فإن استحالت الحياة بين الزوجين فإن الإسلام أذن للزوج بطلاق المرأة مرتين من غير أن يخرجها من بيتها قبل انتهاء عدتها، وأن يكون طلاقه لها في طهر لم يجامعها فيه ، فهذا الشرط يمنع الطلاق حال الحيض وامتناع العشـرة الزوجية، وهو شرط لا يتحقق في الحياة الزوجية إلا مع النُفْرة الشديدة المانعة لديمومة الحياة الأسرية.
   ويضع القرآن للمطلقة حقاً على زوجها، وهو المتعة ? وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ? (البقرة: 241)، وهو مبلغ من المال يجبر فيه خاطرها ولم يحدد القرآن مقداره، بل قال: ? وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ ? (البقرة: 263).
   وقد وضع الإسلام – كما الشرائع السابقة – الطلاق بيد الرجل لحكم لا تخفى:
    أولاً: عاطفية المرأة تؤدي إلى تسرعها في الأمور، بينما الرجل بعقليته الغالبة أقدر على تحمل مثل هذا القرار والتروي في اتخاذه.
   ثانياً: الطلاق يحمل الزوج تبعات مالية كخسارة ما دفعه من مهر مقدم، وما يلزمه من مهر مؤجل ونفقة العدة وأجرة الرضاعة والحضانة إن كان له طفل أو أطفال من زوجته المطلقة، وهذا كله مما يحمل الزوج على التأني وعدم العجلة في تطليق زوجته، وربما تزول أسباب طلاقها في حالة تأنيه وعدم عجلته، إضافة إلى أن الخسائر المالية ستلحق به بسبب قراره، لا بسبب قرار يتخذه غيره.
   ويحفظ الإسلام للمرأة حقوقها المالية حين الطلاق، فلا يجيز للزوج أن يأخذ شيئاً مما أعطاها إياه؛ ولو كان كثيراً ?وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا? (النساء: 20).
   وإذا كان القرآن يعطي الزوج قرار الطلاق فإنه يجيز للمرأة أن تطلب من القاضي أن يطلقها من زوجها بعد أن تبدي الأسباب الموجبة لذلك ، كما يجيز فقهاء الإسلام لها أن تشترط في عقدها حقها في طلاق نفسها إن شاءت، فإذا رضي الزوج بهذا الشرط وانعقد العقد بهذا الشرط؛ صار لها حق تطليق نفسها؛ بإرادتها.
   كما يعطيها القرآن فرصة معادلة للطلاق للتخلص من رباط الزوجية، وهي الخلع الذي تردُّ فيه بعضاً مما دفعه الزوج، وتحصل على طلاقها ? فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ? (البقرة: 229)، فهذا يحفظ للزوج حقه المالي، ويحفظ لها حقها في فسخ النكاح الذي ترى أنها تتضرر به.
    لذا لما جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي ? ترغب في طلاق زوجها قالت: إني لا أعتب عليه في خلق ولا في دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال لها ?: «أتردين عليه حديقته؟» [كان مهراً أعطاها إياه] قالت: نعم، فقال ? لثابت: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة»(502).
   وفي كل ما سبق ما يبرئ ساحة شريعة القرآن من غبن النساء الذي ألحقه الزاعمون به، ويؤكد واقعية هذه الشريعة ومثاليتها في آن واحد.
***

التعليقات مغلقة الان.

التعليقات مغلقة.