تهافت الشبهات وتوضيحها

 
مير عقراوي

كاتب بالشؤون الاسلامية والكوردستانية

زعم أحدهم أن هناك مواضيع وشكوكا تثار حول صحة نبوة رسول الله الأعظم محمد بن عبالله صلى الله عليه وآله وسلم ، منها نسيانه للآيات القرآنية وعدد ركعات الصلاة وتحديد ليلة القدر . ولو إن هذه الشبهات والشكوك بالأساس هي مدحوضة على الصعيد الاسلامي والمسلمين ، لأنهم لايرونها إلاّ ترويجا لإشاعات مغرضة وخاطئة من قبل شخص ، أو أشخاص لايهمهم أيّ شيء سوى ترديد وتكرار المغالطات والشبهات والافتراءات لحاجة في نفسه ، أو في أنفسهم . لكن هيهات لبقعة غيمة سوداء غائمة غابرة أن تَصُدَّ وهج الشمس وإشعاعاتها الذهبية الجميلة والرائعة الساطعة على ربوع العالم كله . لهذا قد خصصت هذا الجزء من هذه السلسلة للرد على الشبهات المذكورة ودحضها وتوضيح مدى بعدها عن الحقائق والوقائع الاسلامية .
1-/ شبهة نسيان رسول الله محمد عليه وآله الصلاة والسلام للآيات القرآنية :
كان المشركون في شبه الجزيرة العربية ، وبخاصة في مكة كانوا يتمنون أن يجدوا نقيصة ، أو أمرا مَرَضيا ، أو سلبيا من محمد – ص – كي يجعلوه غرضا وهدفا لهم في حربهم الشاملة ضده . ولما نظروا فيه وعاينوه لم يجدوا فيه نقصا ولاعيبا ، لأنه كان في وسطهم سنين طِوالا فلم يروا منه إلاّ الرجاحة والكمال في النفس والعقل والفكر والصدق والأمانة والمكارم من الأخلاق العالية والسلوكيات النبيلة ، وإنه ظل كذلك حتى آلتحق بربه سبحانه وتعالى راضيا مرضيا .
وهكذا لم يعرف المشركون عن رسول الله محمد – ص – قبل النبوة شيئا بإسم النسيان عنه وحسب ، بل إنهم عرفوا منه العكس ، وهو قوة الذاكرة والنباهة العالية في التفكير والتأمل العميق . أما بعد البعثة النبوية فإنه كان كذلك ، لآ بل أكثر قوة في الذاكرة والحفظ والتلقي والتحليل ، وفي التفكير والاستشراف للمستقبل ! .
لقد كان محمد كإنسان يمتاز بهذه الخصائص الفريدة والميزات الكبيرة ، لكن بعد أن أكرمه الله تعالى بمكرمة النبوة العظيمة تعززت لديه قواه ومداركه العقلية والفكرية والتفكيرية والتحليلية والحفظية كما يقول سبحانه في خطابه الكريم الموحى اليه ؛ { سنقرؤك فلا تنسى } . وقد تجلّى ذلك وثبت بأروع آيات الإثبات اليقيني المطلق بعد بدء الدعوة الاسلامية وحيدا وفردا واحدا فقط في مجتمع الجزيرة العربية . وعقب عقد ونصف ساد الاسلام وتحول العرب من طور الى طور مختلف آخر يختلف كل الاختلاف عن الطور الأول من جميع النواحي ! .
هنا نتساءل ؛ إن كان زعم النسيان صحيحا ، فمن أين أتى رسول الله محمد عليه وآله الصلاة والسلام بهذه الموسوعة العلمية والمعرفية العظيمة والرائعة ، وهي القرآن الكريم ، بالاضافة الى موسوعته الحديثية المشتملة على أفصح وأروع وأنبل الكلام والخطب والمقالات في شتى المجالات والمحاور بعد الكتاب الحكيم بطبيعة الحال ! ؟
تقول المفكرة والمستشرقة الايطالية المعروفة < لورا فيشيا فاغليري > عن حياة رسول الله محمد – ص – قبل الاسلام وموضعه في قومه ، وكأنها في قولها ترد ردا بالغا على المشككين والشبهاتيين والمفترين ؛ [ وحاول أقوى أعداء الاسلام ، وقد أعماهم الحقد ، أن يرموا نبي الله ببعض التهم المفتراة . لقد نسوا إن محمدا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الاجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانتاه وطهارة حياته ] . ينظر كتاب ( دفاع عن الاسلام ) لمؤلفته الدكتورة لورا فيشيا فاغليري ، ترجمة منير البعلبكي ، ص 37 .
2-/ شبهة نسيانه لعدد ركعات الصلاة ! :
لقد تطرق بعض علماء المسلمين في الماضي والحاضر الى هذه القضية وهي ؛ هل يجوز النسيان لرسول الله ونبيه محمد عليه وآله الصلاة والسلام ، أو الأنبياء بشكل عام ! ؟
إن المتفق عليه أن الأنبياء كلهم عليهم السلام كانوا معصومين من الخطإ والنسيان في تبليغ الوحي الإلهي ، وفي إيصال الأحكام والتعاليم الموحى بها اليهم من الله سبحانه الى الناس ، وفي إقامة الشعائر والعبادات .
أما في الجانب البشري المحض من حياتهم قد يكون جواز بعض الخطإ ، أو النسيان ممكنا ، لأنهم في هذه الحال بشر كسائر البشر ، بالرغم ما كانوا يتمتعون به من الخصائص من الحالات كصفاء النفس والروح وقوة الذاكرة والعقل والفكر والتفكير وغيرها . وهذا الممكن من الخطإ والنسيان في الحياة البشرية للأنبياء هو قليل جدا ، وذلك بسبب ما كانوا عليه من مقام عظيم ورفيع وإستثنائي . لذا فالأصل في الاسلام هو تنزيه الأنبياء كلهم .
أما الرواية المروية عن أبي هريرة حول سهو نبي الله محمد – ص – ونسيانه لعدد ركعات إحدى الصلوات فهي لا تصح من عدة وجوه هي ؛
1-/ كما قلنا أعلاه ، إن الأنبياء معصومين من الخطإ والسهو والنسيان في تبليغ الشرائع والتعاليم الربانية ، وفي إقامة الأحكام والعبادات والشعائر الدينية للناس . لهذا فالصلاة هي أهم أصل وركن في الاسلام بعد الشهادتين إذن ، فنبي الله محمد – ص – هنا لاينسى ولايسهو ولايخطيء ، بل إنه معصوم عن ذلك .
2-/ إن الراوي للرواية هو أبي هريرة في عام خيبر ، أي في السنة السابعة للهجرة . أما ذو اليدين الصحابي وإسمه الخِرْباق قد قُتِلَ في معركة بدر . وكانت معركة بدر في السنة الثانية للهجرة إذن ، أين كان أبو هريرة عندما قُتِلَ ذو اليدين ، وكيف أخذ عنه ، مع أن ذو اليدين قد سبقه الى الاسلام بخمسة أعوام ! ؟ . على هذا الأساس تعتبر هذه الرواية من مختلقات أهل الوضع ولا يصح الاستناد بها أصلا ! .
3-/ إن في الرواية المذكورة إضطرابا واضحا وتناقضا كبيرا حول السهو والنسيان المزعوم لرسول الله محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام . إذ تقول رواية إن الصلاة المروية المزعومة كانت صلاة الظهر . في حين تقول رواية أخرى إنها كانت صلاة العصر ! .
مضافا الى ذلك تقول رواية بأن الرسول صلّى ركعتين ثم سلّمَ ، وأخرى تقول بأنه صلّى ثلاث ركعات ثم سلّ . واضح كل الوضوح إن هذه الرواية تعاني الإضطراب والتناقض الكبيرين . وأيّ رواية إحتملت كل هذا الخِلاف والاختلاف والتناقض والاضطراب لايصح الاستناد عليها ، أو الوثوق بصحتها ! .
4-/ إن الله سبحانه وتعالى قد عهد عبده ورسوله محمدا – ص – بأنه سيقرأه فلا ينسى كما في قوله تعالى { سنقرؤك فلا تنسى } .
5-/ إن الأخبار والأحاديث الصحاح قد تواترت من أن رسول الله محمدا كان في أواخر عمره الشريف ، بل قبيل وفاته أيضا كان يتمتع بكامل قواه الذهنية والعقلية والفكرية والنفسية والروحية على صعيد إقامة العبادات والفرائض والامامة ، أو على صعيد إلقاء الخطب والأحاديث للمسلمين ! .
3-/ شبهة عدم تحديد ليلة القدر ! ؛
لقد ذكر القرآن الكريم ، أو الرسول الصادق الأمين محمد عليه وآله الصلاة والسلام بعض التعاليم والأحكام بصورة مفصلة ، وبعضها الآخر مجملا ، وبعض منها إحتوت على الخطوط العريضة لها ، وكل ذلك لِحِكَمٍ وغايات ومصالح ومقاصد كبيرة وعظيمة الشأن والأبعاد . ومن إحدى الأحكام الذي لم يحدده الاسلام بالكامل هو ليلة القدر ، مع ان الرسول قد حدد غالبية ليلة القدر ، والحكمة فيها كي تحصل المثابرة والجد والعمل الاجتهادي في إلتماسها ومتابعتها ، لأنه لو تم تعيين ليلة القدر بالتمام والكمال لاقتصر عليها ولأجمل الأجر وآختصر الثواب . علاوة لتم إختصار التأمل والتفكير في الكون البديع الرائع بأقل الاختصار . ومن أحد ميزات وحِكَمِ الاجتهاد في ليلة القدر – كما ذكرقبل قليل – هو التفكير في الكون والتأمل فيه وما فيه وما يحويه من خلق ومخلوقات لاتعد ولاتحصى ، وكذا ما يحويه من تغير وتنوع وآختلاف في الأجناس والأنواع والألوان ! .
وقد تحدث رسول الله محمد عليه وآله الصلاة والسلام عن ليلة القدر في العديد من الأحاديث المتفق عليها ، منها ؛
1-/ { تَحَرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان } . ينظر كتاب ( صحيح البخاري بشرح فتح الباري ) ، ج 4 ، ص 305 . وقوله عليه السلام { في الوتر من العشر الأواخر } ، أي في الليالي الفردية من العشر الأواخر المتبقية من شهر رمضان .
2-/ { إلتمسوها في العشر الأواخر من رمضان } . ينظر نفس المصدر والمؤلف والمجلد ، ص 306
3-/ { أرى رؤياكم في العشر الأواخر ، فآطلبوها من الوتر فيها } . ينظر كتاب ( صحيح مسلم بشرح النووي ) ج 4 ، ص 1824 .

أما الامام الشافعي – رضوان الله عليه – يرى إن أقوى الروايات لِلَيْلَة القدر إنها في إحدى وعشرين ، وليلة ثلاث وعشرين وهي الليلة التي مات فيها شهيدا الامام علي – رضوان الله عليه –

التعليقات مغلقة الان.

التعليقات مغلقة.