دينار يكشف سيرة ملك إنجلترا الذي أسلم وطمس بابا روما سيرته

كتب – السيد حامد 

رغم جهوده في تطوير إنجلترا والخروج بها من ظلام عصور البرابرة, إلى نور الحضارة, وتوحيدها عبر سلسلة من المعارك الحربية والدبلوماسية من مجرد مجموعة من الممالك الصغيرة المتناحرة إلى أمة إنجليزية واحدة, إلا أن الغموض أسدل أستارا كثيفة على سيرة الملك الإنجليزي أوفا offa؛ والذي امتد حكمه من 757 م وحتى 796 م.

وأوفا وحده دون سائر الملوك الإنجليز قد اختفت وثائق عصره, حتى من تناولوه بالدراسة مروا عليه مرور الكرام, فيما أهمل آخرون الإشارة إليه تماما, وكأن هناك أيدي خافية تجاهد لتطمس تاريخه, وبالفعل تم لها الأمر كما تشتهي حتى حدثت المفاجأة. 

في عام 1841, عثر أحد الباحثين الغربيين على دينار ذهبي, منقوش عليه اسم أوفا, ويحمل في الوقت ذاته عبارة التوحيد: لا إله إلا الله..محمد رسول الله. وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول مبررات تلك العبارات, والعودة من جديد ودراسة عهده.  

وقد أثار الغموض المضروب على تاريخ “أوفا” , المؤرخ المصري مصطفي الكناني ؛ أستاذ تاريخ العصور الوسطي في جامعة أسيوط , فقضي ثلاث سنوات من عمره, يبحث وينقب , سافر خلالها إلى بريطانيا , وراسل كبار علماء التاريخ , وقلب في الأوراق والحوليات التاريخية القديمة , ليخرج لنا , بعد جهد عظيم , عام 1986 , كتابا قيما يتناول سيرة الملك “أوفا” , ويثبت بالأدلة والوثائق كيف دخل الإسلام , ولماذا أصدر ديناره الإسلامي , وكيف حاربه بابا روما , وسعيه لمحو آثاره , ودفنه في مكان صغير على نهر يشتهر بفيضاناته , حتى تنساه الأجيال المتعاقبة.  

تولي “أوفا” عرش مملكة مرسيا Mercia عام 757 م , فسعي إلى توحيد كل الممالك المجاورة , في اتحاد كونفيدرالى , تحت رايته , ليخلق منها أمة واحدة , وبعد جهود عسكرية ودبلوماسية , نجح في توحيد كل الممالك الإنجلوساكسونية تحت زعامته, ولأول مرة في التاريخ اتحدت تلك الممالك, لتبلغ في عصره مكانة سامية, تمتعت فيها بالثروة والأمن والأمان بفضل مشروعاته الاقتصادية والعمرانية وتشريعاته العادلة, فاستحق عن جدارة لقبي “ملك  انجلترا” و”ملك كل بلاد الانجليز”.

ورغم عظم مكانة أوفا في التاريخ الإنجليزي, فأن جميع وثائق عصره دون غيره من الملوك الإنجليز قد اختفت, والسبب, كما ذكرنا أنفا, اعتناقه للإسلام.   

كيف عرف أوفا الإسلام؟

يقول “الكناني” في كتابه أن أوروبا وانجلترا ارتبطتا بعلاقات تجارية مع الشرق منذ العهد الروماني , وكان البريطانيون يستوردون من مصر وبلاد الشرق عامة البردي ودهان البلسم والقرفة والزنجبيل والعطور والبخور , ومع انتشار الإسلام في محيط البحر الأبيض المتوسط, ودخول أسبانيا تحت راية دين التوحيد , ازدهرت العلاقات التجارية بين الجانبين , وتبادل الملوك الهدايا والمراسلات , مثلما تم بين الخليفة العباسي هارون الرشيد وشارلمان (742 – 814)؛ ملك الفرنجة , وكان الأخير هو المنافس القوي للملك “أوفا “, الذي سعي إلى إنعاش اقتصاد بلاده بإقامة علاقات تجارية مع الإمبراطورية الإسلامية.  

عرفت موانئ أوروبا وإنجلترا اذن التجار المسلمين , وهؤلاء لم يكونوا مجرد تجار, بل كانوا دعاة إسلاميين في نفس الوقت, يعلمون كثيرا من أمور الشريعة , فضلا عما اتسموا به من حسن خلق وسلوك قويم واستقامة وأمانة , لذا كانوا بحق خير مثال للمسلم القويم , فأعطوا المجتمعات التي تاجروا معها صورة مشرقة عن الإسلام والمسلمين وسماحتهم. 

وربما كان هناك اتصال بين بعض كبار تجار المسلمين والملك “أوفا”, ناقشوا خلالها مفهوم عبارات التوحيد المنقوشة على الدينار الإسلامي, والذي كان يعد العملة الرسمية والمعترف بها من جميع ممالك ذلك العصر, فكان أن اقتنع أوفا بالإسلام, فأسلم وجهه لفاطر السماوات والأرض.  

دينار “أوفا” الإسلامي  

قام أوفا بصك دينار, عام 157 هجريا,  حمل على وجهيه عبارات التوحيد, وهو ما أوقع المؤرخين في حيرة شديدة, حول أسباب ومبررات صك أوفا لهذا الدينار الإسلامي. 

ويؤكد “الكناني” أن عملات بداية عصر “أوفا” حملت علامة الصليب المسيحية, فيما اختفت من عملات أواخر عصره مما يرجح اعتناقه الإسلام. أما العملات الذهبية التي أصدرها, فهي تتمثل في ذلك الدينار الذهبي الذي نقشت عليه عبارات التوحيد الإسلامية فضلا عن نقش اسم الملك أوفا باللاتينية offa Rex. 

ورغم أن عصر “أوفا” يمثل بداية العملات المتداولة في إنجلترا, إلا أن دوائر المعارف العالمية والمعاجم والمراجع المتخصصة أهملت الإشارة إلى دينار “أوفا”, رغم أن غالبيتها تناولت عملات الفترة المبكرة من عصره!!. 

ومن الغريب أيضا أن المؤرخين المحدثين تغاضوا عن الإشارة إلى عبارات التوحيد على ذلك الدينار, وإذا أشاروا إليها مروا عليها مرور الكرام!  

محاربة البابا للملك المسلم  

أثار اعتناق أوفا للإسلام بابا روما , فسعي البابا أدريان الأول لمحاربته , قبل أن تخرج إنجلترا من حظيرة المسيحية وتدخل تحت دين التوحيد , فأصدر “أوفا” عدة قرارات تتلخص في سلب اختصاصات رجال الكنيسة , ونفي اثنان منهما إلى خارج انجلترا , فسعي البابا إلى التحالف مع مملكة “كنت” Kant , وحرضها على مهاجمة “أوفا” , ولكنه عاجلهم وهزمهم هزيمة ساحقة في بداية 785 م , وضم كنت لأملاكه حتى وفاته في عام 796 م.   

لم يكتف البابا بمحاولاته العدائية , فقد حرض “ايثلبرهت” Aethelberht, ملك “ايست انجليا”, لمحاربة “أوفا” , ووعده بأحدي الحسنيين, أما النصر أو الحصول على الشهادة والخلد في الآخرة مع القديسين والشهداء. 

وتقابل الطرفان في موقعة حاسمة , انتهت بانتصار “أوفا” , وأسر ملك أيست إنجليا في مايو 794 م , وقتله “أوفا” بيده , رغم ما كان يشتهر به من خلق حسن, وسلوك طيب.

واعتبرت الكنيسة الرومانية الملك القتيل “قديسا شهيدا” , وأمرت بدفنه في كائدارئية هيرفورد Hereford دون أن تقدم حيثيات القدسية التي أسبغتها عليه!!. وذلك تشجيعا لغيره من الملوك على محاربة أوفا المسلم والذي يهدد الكاثوليكية في الجزيرة البريطانية.  كما شجع البابا سكان “ويلز” على مهاجمة أوفا , وهو ما دفع الأخير إلى إنشاء أكبر عمل معماري في تاريخ بريطانيا القديم, امتد لمسافة 241 كيلومترا, ويبلغ ارتفاعه سبعة أمتار, وذلك لوقف تسلسل أتباع الكنيسة إلى مملكته, والقيام بدعاية مضادة لمعتقداته, والتسفيه من آرائه. 

وأرسلت البابوية أيضا في عام 786 م بعثة مسيحية على رأسها مجموعة من كبار رجال الدين المشهورين بالتبشير, مما يدل على خطورة الأوضاع المتردية التي وصلت إليها المسيحية في إنجلترا, ربما بسبب إسلام الكثير من النصارى, فكان لابد من إعادة تجديد وتثبيت الإيمان في نفوس الإنجليز. 

وفاة مفاجئة وقبر غامض 

في يوم الجمعة 29 يوليو 796 م/ 17 جماد أول 180 هجريا, وفي قمة مجده, توفي الملك أوفا , دون أن تشير كافة المصادر والمراجع إلى كيفية أو أسباب الوفاة.. أيضا ودون غيره من ملوك الإنجليز لم تشر إلى مكان دفنه, والذي كان من المفروض أن يكون- أن لم يكن قد اعتنق الإسلام- داخل كائدرائية أو كنيسة العاصمة الكبرى. 

سكتت أغلب المراجع عن تحديد مكان دفن موحد إنجلترا العظيم , حتى ذكر المؤرخ الإنجليزي روجر أوف وندفور Roger of wendover , والمتوفى سنة 1237 , بأن أوفا عندما مات  تم نقله إلى بلدة صغيرة , حيث تم دفنه في مصلي صغير داخل مبني متداع, على حافة نهر أويس Ouse المشهور بتياراته وفيضاناته الجارفة, على أمل أن تجرف الفيضانات المبني بما فيه فيزول كل أثر للملك أوفا وعقيدته, فتنساه الأجيال المتعاقبة على مر السنين. 

وبالفعل أصيبت المقبرة بالتصدع, وغارت في أعماق النهر بفعل فيضاناته المدمرة. على أن روجر, والذي كان صديقا للملك حنا (جون) ملك انجلترا (1199 – 1216) وصاحب العهد العظيم الماجنا كارتا megna carta, أشار إلى “حنا” قام بمحاولات لاكتشاف مكان مقبرة أوفا , وإخراج الجثة.

والسبب وراء ذلك يعود إلى إعجابه بشخصية الملك “أوفا” , ولعله قد أحيط بالكثير من أسرار حياته وموقفه من الإسلام , فحاول استخراج جثته , وتكريمه , وخشت البابوية مع عمل “حنا “, وأن ينقلب إعجابه إلى أن يترسم خطاه ويعتنق الإسلام , فطلبت الكنيسة منه بالكف عن البحث عن مقبرة “أوفا” , وإلا ناله الحرمان من الجنة .

  استهان حنا بتهديدات البابا , وأقسم على طرد كافة رجال الدين الكاثوليك من انجلترا , فكان رد البابا بإصدار قرار بحرمانه في 1208 م , فكانت ردود حنا عنيفة , إذ أصدر قرارات بمصادرة أملاك الكنيسة والأديرة , وحبس كبار رجال الدين , وأرسل سفارة إلى الخلفية الموحدي – ملك المغرب وأسبانيا – يعرض عليه الدخول هو وشعبه في الإسلام , وإلحاق انجلترا بدولة الموحدين.  

وشاءت الأقدار إلا تكلل تلك الخطوة بالنجاح , إذ حالت هزيمة الخليفة الموحدي محمد الناصر لدين الله ( 1199-1213) غير متوقعة في موقعة العقاب (17 يوليو 1212) أمام الأسبان, ثم موته كمدا وحزنا العام التالي , حالت دون تنفيذ بنود الاتفاق بين ملك الأندلس والملك الإنجليزي.. ذلك الاتفاق الذي لو تم لتغيرت خريطة بريطانيا والعالم.

فبعد هزيمة المسلمين في “العقاب” هادن “حنا” البابا , وظل يتحين الفرصة للانتقام , لكن مشروعه مات للأبد مع وفاته المفاجئة في عام 1216 , وبرحيله ماتت المحاولة الثانية في انجلترا لاعتناق ملك انجليزي الإسلام.  

أما مؤرخه روجر, ورغم منصبه الكنسي, فقد خُلع من منصبه , وسعت الكنيسة لتبني سدودا تحول دون معرفة تاريخ “أوفا” العظيم , ومحاولاته لنشر الإسلام على أرجاء الجزيرة البريطانية , ويأبي الله إلا أن يتم نوره , ويكشف دينار أوفا الإسلامي؛ والمحفوظ حاليا في المتحف البريطاني, عن اعتناقه للإسلام , وتبعث سيرته من جديد يتعلمها كل من يؤمن بدين التوحيد. 

التعليقات مغلقة الان.