ألفاظ قرآنية غير لائقة بزعمهم

د. منقذ السقار

 

ألفاظ قرآنية غير لائقة بزعمهم
   قالــوا: القرآن يستخدم كلمات لا تليق وتخدش الحياء، مثل كلمة (النكاح) أو (الغائط) أو (الفرج)، ومفهوم كلمة النكاح عندهم (الجماع)، وأما (الغائط) فرأوه اسماً صريحاً لما يخرج في الخلاء، وكذلك الحال في (الفرج) الذي اعتبروه لفظاً صريحاً في الدلالة على محل الجماع.
   والجـواب: لعل من نافلة القول أن نقرر أن الباحث في كتب أهل الأديان اليوم لن يجد كتاباً مثل القرآن في عنايته بالآداب وانتقائه لأجود الكلمات والألفاظ، لأنه كتاب الرب الحكيم العليم، تعالى عن كل نقيصة ومثلبة.
   لكن الجماع والتبول والتبرز عمليات حيوية لا يخلو عن التطرق إليها كتاب يتناول توجيه المناشط الإنسانية ، بيد أن عظمة القرآن عرضت ما يتعلق بهذه المعاني في قالب أدبي رصين لا مثيل له، فذكرها بطريق الاستعارة والكناية استعلاءً وترفعاً عن اللفظ الصريح المستقبح.


   ومن ذلك أنه تبارك وتعالى عبر بالمماسة والملامسة عن الجماع، كما في قوله تعالى: ? وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ? (المجادلة: 3-4)، ومثله قوله: ? وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ? (البقرة: 237)، وقوله: ? أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ? (النساء: 43).
   وفي مواضع أخرى استعاضت الآيات عن ذكر الجماع بألفاظ عامة كالرفث والإفضاء والمباشرة والاعتزال، ومن ذلك قوله عز وجل: ? أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ? (البقرة: 187)، قال ابن عباس: “الرفث، الجماعُ، ولكن الله كريم يَكني” (453)، وأصل الرفث كما قال أبو عبيدة هو: “اللغا من الكلام، وأنشد:
               ورب أسراب حجيج كظم              عن اللغا ورفث التكلم”(454)
   وأما التكنية عن الجماع بالإفضاء، ففي قوله تعالى: ? وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ? (النساء: 21)، وفي آية أخرى كنَّى الله تعالى عنه بالمباشرة؛ لما فيه من التقاء البشرتين ? فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ ? (البقرة: 187).
   وأما لفظة (النكاح) فهي في لغة العرب بمعنى الاختلاط والتضام، كما تستعمل العرب (النكاح) بمعنيين مجازيين: أولهما: للدلالة على عقد النكاح. والثاني: هو الجماع.
   قال الفيومي: ” تناكحَتِ الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها، وعلى هذا فيكون ( النِّكَاحُ ) مجازاً في العقد والوطء جميعاً، لأنه مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنه حقيقة، لا فيهما، ولا في أحدهما، ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو ( نَكَحَ ) في بني فلان ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو ( نَكَحَ ) زوجته، وذلك من علامات المجاز”(455).  
   وحين استخدم القرآن هذه اللفظة (النكاح) أراد المعنى المجازي الأول (عقد النكاح) ، ولم يرد (الجماع)، وهذا يتبين لمن تأمل الآيات القرآنية، كمثل قوله تعالى: ? وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ? (النور: 32)، فالمعنى: زوجوهم، ومثله في قوله: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً? (الأحزاب: 49)، فالآية صريحة في طلاق الزوجة بعد العقد عليها وقبل الدخول فيها ، فقوله: ? نَكَحْتُمُ ? أي عقدتم.
   ومثله قوله ?: «تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»(456) أي تخطب المرأة ويطلب الزواج منها لهذه الأمور.
   وكذلك كنّى القرآن عن محل الجماع بالحرث والتغشــي، فأما الحرث ففي قوله تعالى: ? نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ? (البقرة: 223) ، والتغشي في قوله: ? فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ? (الأعراف: 189).
   وكذلك كنَّى القرآن عن مقدمات الجماع بالمراودة، كما في قوله تعالى: ?وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ? (يوسف: 23)، فهو كناية عما تطلب المرأة من الرجل وما يطلبه الرجل من المرأة.
   وبمثل هذا الأدب كنى القرآن عن محل الجماع بـ (الفرج)، في قوله: ? وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ? (الأنبياء: 91)، وهو لفظ كناية، وليس بلفظ صريح، كما توهم الجهلة من أعاجم العربية، فالفرج عند العرب يراد به أصلاً فرج القميص، أي شقه، ومنه قوله تعالى: ? مَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ? (ق: 26)، والتعبير به عن موضع العفة من ألطف الكنايات وأحسنها.
   قال الجرجاني: “فرج بالسكون، والفرجة الشق بين الشيئين، والفرج ما بين الرجلين .. وقال بعضهم أصله الشق، وكني به عن السوأة، وكثر حتى صار كالصريح”(457).
   وحين تحدث القرآن عن التبول والتغوط لم يصرح بهما، بل ذكر لازمهما، وهو الطعام والشراب، فقال عن المسيح وأمه: ? مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ? (المائدة: 75).
   وأما لفظة (الغائط) فهي أيضاً من ألفاظ الكناية، وهي صورة أخرى من صور الأدب القرآني، لأن الغائط في لغة العرب ليس اسماً للعذرة التي تخرج من الإنسان، بل هو المكان المنخفض من الأرض، ولما كانوا يقضون حوائجهم فيها؛ فقد استعملوه للدلالة على العذرة، لكراهية العرب للتصريح باسمها.
   قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
         فكم من غائط من دون سلمى          قليل الأنس ليس به كتيع
   ومراده كثرة الوديان التي تفصله عن سلمى.
   وفي مقابل هذا الأدب القرآني الجمِّ؛ فإننا نذكر المرددين لهذه الشبهة ببعض ما في كتبهم مما تستقبح ذكره الطباع: فقد ورد ذكر (الخرء) في سفر حزقيال حين زعموا أن الله قال لنبيه حزقيال: “وتأكل كعكاً من الشعير، على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم” (حزقيال 4/12).
   ووردت المضاجعة صريحة في كتبهم في مواضع لا تحصى لكثرتها، بل ورد ذكر تفاصيل فاضحة عن العلاقة الجنسية، ومنه قول التوراة: “وزنتا بمصـر في صباهما زنتا. هناك دغدغت ثديّهما ، وهناك تزغزغت ترائب عذرتهما” (حزقيال 23/3)، ومثله في قولها: “حبيبي لي، بين ثديي يبيت” (نشيد 1/15)، وأمثال هذا كثير، يطول المقام بتتبعه.
   وهكذا فإن أدب العبارة القرآنية لا يبارى ولا يجارى، لأنه كتاب الله وكلامه، وما وقع فيه الآخرون من اتهام القرآن بذكر القبيح؛ إنما كان لعدم فهم هذه الألفاظ ، فقد فاتهم أنها ألفاظ كناية تستخدمها العرب لتوري بها عن الصريح المستقبح ، فلما غلب استعمالها على ما أطلقت عليه كناية؛ ظنها الجاهلون بلغة العرب من ألفاظ الفحش والقباحة ومما لا يليق.
***

التعليقات مغلقة الان.

التعليقات مغلقة.