صفوان الخزرجي

العودة   طريق الخلاص > الأخبار والمقالات > مكتبة طريق الخلاص > كتب ومراجع إسلامية

كتب ومراجع إسلامية حمل كتب وبحوث إلكترونية إسلامية

موقف الأستاذ جمال البنا من عقيدة أهل السنة ومسألة الردة

ملخص الرسالة موقف الأستاذ جمال البنا من عقيدة أهل السنة ومسألة الردة عرضا ونقدا من خلال كتابيه "حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام" و"جناية قبيلة حدثنا" (مادة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-01-2012 ~ 06:39 AM
نور الإسلام غير متواجد حالياً
افتراضي موقف الأستاذ جمال البنا من عقيدة أهل السنة ومسألة الردة
  مشاركة رقم 1
 
الصورة الرمزية نور الإسلام
 
مدير عام
تاريخ التسجيل : Jan 2012


ملخص الرسالة

موقف الأستاذ جمال البنا

من عقيدة أهل السنة ومسألة الردة

عرضا ونقدا

من خلال كتابيه "حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام" و"جناية قبيلة حدثنا"

(مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إنِ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:
‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:70-71].

أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ[1].

وبعد:
فهذا عرض لبحث يدور حول (موقف الأستاذ جمال البنا من عقيدة أهل السنة ومسألة الردة عرضا ونقدا) وذلك من خلال كتابيه "حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام"، "جناية قبيلة حدثنا"، مقدم لقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

وقد قسمت هذا البحث كالتالي:
تمهيد
الفصل الأول: موقف الأستاذ جمال البنا من حرية العقيدة في الفكر الإسلامي
الفصل الثاني: موقفه من أهل السنة والجماعة وعقيدتهم
الخاتمة وأهم النتائج
المصادر والمراجع
الفهرس.

أسأل الله أن أكون قد وفقت في عرض هذه القضية، ومناقشتها علمياً بما يفيد، مع مراعاة الاختصار ما أمكن لعدم اقتضاء المقام لذلك، والحمد لله رب العالمين.
التمهيد

ذاعت آراء الأستاذ جمال البنا، وانتشرت ولاقت قبولا في أوساط العلمانيين، والليبراليين، وعوام المسلمين، ذلك لأنها في غالبها آراء شاذة، ترجع أصولها لبناء العلم على الثقافة العامة والمنهج العقلي، وليس على العلم الشرعي القائم على التسليم والقبول للنصوص، مع الاجتهاد في فهمها.

وكما راجت آراء الأستاذ البنا في أوساط كثيرة، إلا أن كثيرا من آرائه الشاذة لم تدخل على أهل العلم، وعوام المسلمين ذوي الفطر السليمة، ذلك أن أمورا كثيرة مما تكلم فيها لا توافق الفطرة، كقوله أن التدخين لا يفطر في رمضان، وأن التقبيل بين الفتيان والفتيات جائز، ورفضه لعلوم المسلمين، كالتفسير والحديث وغيرها من الآراء التي تنافي الفطرة والعقل والأدلة الشرعية.

ومن هنا أردت أن أرصد بعض هذه الآراء والقضايا التي تكلم فيها، وخصوصا موقفه من قضية الردة وحرية الاعتقاد، وموقفه من عقيدة أهل الحديث والملتزمين بالسنة، وبيان حيده عن الحق والمنهج الصحيح في الاستدلال، والتقول على أهل السنة والأثر، أهل الحديث، انطلاقا من منهاجه العقلي، وعدم تأصيله للعلم الشرعي وخلطه في كثير من الأمور، مما جعله لا يستطيع توجيه الأدلة الشرعية، وعدم الإنصاف في أحكامه على أهل السنة.
الفصل الأول

موقف الأستاذ جمال البنا من حرية العقيدة في الفكر الإسلامي

أولا: قوله أن الإيمان قضية شخصية وأنه لا حد دنيوي للردة:

أخذ الأستاذ جمال البنا في عرض شواهد الحرية الفكرية والعقدية في القرآن، وهذه الآيات لا سبيل لإنكارها، ولم ينكرها أهل السنة، فحرية اختيار الدين أمر مقرر في الشريعة الإسلامية وردت في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108].

إلا أنه قد استخدم هذه الأدلة ليؤكد على أمرين:
الأول: أن الإيمان والكفر قضية شخصية لا تهم إلا صاحبها[2]، وأنه لا حد دنيوي عليها بقوله[3]، ويقول أيضا أن قضية الردة لا تستند في السنة على ما يتناسب مع وزنها[4].
والثاني: رفض حديث "من بدل دينه فاقتلوه"، وأنه ذكر أن الإمام مسلم قد رفض هذا الحديث[5].

الرد:
أولا: أن القول بأن الإيمان والكفر قضية شخصية لا تهم إلا صاحبها تنافي النقل والعقل، فإن المرء لا يعيش بمعزل عن الجماعة التي ينتمي إليها، فالإسلام لا يجبر أهل الأديان الأخرى على اعتناقه، وهذا يفسح لهم المجال لدراسته قبل الدخول فيه، فلا يتسرع في الاعتناق، لأنه لا بد أن يكون اعتناقه للعقيدة الجديدة عن يقين جازم، أما عند الدخول فيه فقد صار ملزما به وبأحكامه التي يدخل فيها حد الردة، فالمرتد بخروجه من الإسلام يثير الشك والريبة في نفوس ضعاف المسلمين، لذلك قال رسول الله: " لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة"[6]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه"[7]، فالمروق من الدين سبب في ارتباك المعتنقين له، وزلزله لهذا الكيان الإسلامي، فمن كان شاكا قبل دخوله في الإسلام فليدرسه وليتريث قبل الاعتناق، أما أن يدخله ويخرج منه، ثم يشكك فيه، فهو الممنوع، والذي من أجله وضع حد الردة حتى لا يتلاعب غير المسلمين والمنافقين بالدين، فيدخلونه ثم يخرجون منه ليشككون فيه، فحد الردة وسيلة لحماية الدين، أكثر منه عقوبة للمرتد.

وهنا نقول: أن العلم ليس الأخذ بالأحوط، وطرح الأدلة، وإنما جمع الأدلة أولا، فإن تعثر وجب الترجيح بطرح أحدهما عند تعثر الجمع.

كذلك، لا يجوز أن نقبل أن يقال أنه لا يوجد في القرآن حدا للردة، إذ أن الشريعة الإسلامية لا تعتمد على القرآن فحسب، فعدد الصلوات والركعات وكيفيات الأحكام والميراث ثابتة بالسنة دون الكتاب.

ثانيا: قوله أن الإمام مسلم قد رفض حديث "من بدل دينه فاقتلوه" لا أعلمه عن الإمام مسلم، وإن سلمنا بذلك، فإن الحديث قد روي في غالب مصنفات أهل السنة، فرواه الإمام البخاري (6922)، وابن ماجه (2535)، وأبو داود (4351)، والترمذي (1458)، والنسائي (4060)، وابن حبان (4475)، والمعجم الكبير للطبراني (10638)، وسنن الدارقطني(1013)، والسنن الصغرى للبيهقي(3165)، وغيرها من الكتب، فلا أدري لماذا يقف الأستاذ البنا عند عدم تخريج الإمام مسلم للحديث، رغم أنه قد خرجه من هو أعلى منه مرتبة كالإمام البخاري، وذكره غالب أئمة السنة، فادعاء الإنكار وتجاهل تخريج الأئمة لحديث ليس من سبل البحث العلمي والتريث في الأحكام، وإنما بل هو من التعصب المذموم.

ثانيا: قوله أن الاختلاف في الدين رحمة، والردة أمر من قدر الله:
يقول الأستاذ البنا: "وأن الاختلاف والتعددية كلها مما أراده الله ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة وذكر الردة مرارا وبشكل صريح دون أن يفرض عقوبة دنيوية عليها وأكد مرارا أنه هو الذي يفصل يوم القيامة فيما فيه يختلفون"[8]

الرد:
هذا من الجهل بالفارق بين الإرادة الكونية والشرعية، فالإرادة الشرعية هي ما تدل على ما يحبه الله ويرضاه، والله يحب الاجتماع والاعتصام بالحق، وينهي عن الفرقة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آل عمران(103- 104).

ويقول جل وعلا في أن الاختلاف ليس رحمة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 118، 119]، فأهل الاختلاف والشقاق ليسوا أهل الرحمة، وأهل الرحمة هم أصحاب الدين الصحيح، لذلك ذهب ابن أبي زمنين في تفسيره إلى أن أهل الاختلاف المذكورين في الآية هم الكفار[9]، وذكر ابن كثير عن عكرمة أن المرحومين هم أتباع الرسل[10].

كما نقول: لو كان الاختلاف رحمة، فماذا يعد الاتفاق والاجتماع الذي أمر الله جل وعلا به بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ آل عمران (103)، وقد قال الإمام ابن حزم في ذلك: "وقد غلط قوم فقالوا الاختلاف رحمة واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) قال أبو محمد وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا هذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق"[11].

كما أن العقلاء لا يتصورون أن الاختلاف والشقاق رحمة، والخلاف الذي فيه رحمة ما يتحمل فيه الدليل التأويل، ويعين على المجتهدين والعاملين رؤية الأوجه المختلفة وعدم الإلزام ابتداء بقول واحد، فمن خالف الحق باجتهاد فهو معذور له أجر واحد، وليس المراد قبول كل اختلاف.

والاحتجاج بحديث: "اختلاف أمتى رحمة" فهو من الأحاديث الموضوعة التي يردها أدلة الاعتصام وعدم التفرق.

وقال الشيخ الألباني في حكمه على الحديث: "لا أصل له"، وأشار إلى قول ابن حزم السابق ذكره، وأنه قال في هذا الحديث أنه باطل مكذوب[12].

وقد قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ النساء (82)، وهذا دليل على أن الاختلاف ليس من عند الله، فكيف يسوغ إذن جعل الاختلاف سنة متبعة ورحمة منزلة؟![13]

والله جل وعلا يحذر من الخلاف المؤدي إلا التنازع فيقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الأنفال(46)

ويقول الإمام الزركشي نقلا عن الإمام الْمُزَنِيّ أن الله قَدْ ذَمَّ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِنْ حُكْمِهِ مَا رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا هُمَا بِهِ، وَمَا حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّتَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، ثم قَالَ الإمام الزركشي أنه َلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً، لَكَانَ الِاجْتِمَاعُ عَذَابًا؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ خِلَافُ الرَّحْمَةِ[14].

ثالثا: استدلاله بقصة كاتب الوحي الذي ارتد:
وقد ذكر الأستاذ البنا أن أحد كتاب الوحي قد ارتد، ولم يقتله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من قال: "ما يدري محمد ما كتبت له"[15].

الرد:
أما قوله في حديث الرجل الذي كان يكتب للنبي، فإن أصل الحديث في صحيح البخاري من حديث أنس - رضي الله عنهم - أنه قال: "كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ، فَأَلْقَوْهُ "[16].

ولفهم الحديث وما يدور حوله لا بد من جمع الروايات المتعلقة به، وأهمها في هذا الموطن ما رواه الإمام مسلم من حديث أنس أنه قال: "كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ فَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا "[17]

والحديثان السابقان يدلان على أمرين:
الأول: أن هذا المرتد قد هرب ولحق بقومه من النصارى، وليس الأمر أنه تنصر وظل كما هو بين المسلمين.
الثاني: أنه لم يكن يشعر بالأمن مع ردته، لذلك فر هاربا، وهذا يؤيد استقرار أمر في الشريعة الإسلامية تجعله يهرب حال ردته، والتفسير لذلك هو حد الردة.

رابعا: استدلاله بقصة ارتداد عبيد الله ابن جحش:
كما ذكر قصة ارتداد عبيد الله بن جحش[18] حينما كان بالحبشة، فما أهدر دمه ولم يأمر بقتله.

الرد:
كان عبيد الله بن جحش قد أسلم، وهاجر إلى الحبشة مع زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم تنصر بها، ومات هناك، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبها للزواج[19]، وذكر ابن هشام أنه: "أَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ، حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيًّا"[20]، وقد روى الإمام أبو داود هذه القصة في سننه من حديث أم حبيبة[21].

ومن هذه الأدلة المذكورة يتبين لنا ما يلي:
أ‌- أن الدولة الإسلامية لم تكن قد قامت بعد، فالمسلمون كانوا مستضعفين يطلبون النصرة عند أهل الكتاب في الحبشة.
ب‌- أن انتقاله للنصرانية كان في ديار غير ديار الإسلام، ولم يرجع مطلقا لديار الإسلام، فلا يمكن الاحتجاج بهذه الحالة.
ت‌- أن ردته كانت للدين الذي استنصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهله، فبتنصره صار ذا قوة، بينما كان أهل الإسلام مستضعفين فارين من قومهم إلى أهل الحبشة، وكان ذلك جليا في قوله لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحبشة بعد تنصره: "فَقَّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ، أَيْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتَمِ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ"[22]
ث‌- أنه لم يكن تحت أهل الإسلام في هذا الوقت، فضلا عن أن المسلمين لم تكن لهم دوله قائمة حينئذ.

خامسا: استدلاله بقصة ارتداد اثنا عشر شخصا في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم -:
قوله أنه قد ارتد اثنا عشر شخصا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم خرجوا من المدينة إلى مكة، ومنهم الحارث بن سويد الأنصاري، فما أهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمهم.

الرد:
أقول: إنه من العجب أن يعتمد الأستاذ البنا في أدلته على مرويات التفسير التي يسخر منها في سياق، ويستدل بها في آخر، فبينما يطعن فيها بقوله: "ملأت قبيلة حدثنا التفسير بالمأثور بالإسرائيليات وفي كتب التفسير طامات وظلمات"[23]، إلا أنه يذهب فيستدل بها على صحة مذهبه.

أما عن القصة التي ذكرها فهي في كتب التفسير في تفسير آية ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ آل عمران (86) عند البغوي والطبري، وابن عطية والخازن، وأبو حيان الأندلسي في البحر المحيط في التفسير.

وقد ذكر أبو حيان الأندلسي في قصة ردة الحارث أنه قد نَدِمَ وَرَجَعَ، فإنه لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ الْمُجَدَّرَ بْنَ زِيَادٍ بِدَمٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَأَمْرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عُمَرَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفَاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَخِيهِ مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ الآية، فَرَجَعَ تَائِبًا[24] وبمثله قال السيوطي، وأبو نعيم.

وهنا نرى: أنه قد ارتد ثم هرب في غزوة أحد، ثم لحق بأهل الشرك في مكة، وأرسل يستفتي: أله توبة؟ فلما علم أن له توبة عاد مسلما. ومن المعلوم أن الهرب شأنه كما مر معنا أن يكون الهارب عالما بالحد الذي عليه، والذي من أجله يترك هذه الديار، فضلا عن أن الحارث كان قد قتل رجلا غيلة في غزوة أحد كما مر معنا، وكان الأمر أمر حرب بين أهل الإسلام والكفر، ثم كان صلح الحديبية، الذي يقضي بأن من خرج من أهل الإسلام لأهل الشرك فقد أبعده الله، فلما كان فتح مكة قتله النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمجذر بالرجل الذي قتله[25].

سادسا: استدلاله بقصة ارتداد شابين شكاهما أبوهما للنبي:
كما ذكر أن هناك شابان اعتنقا النصرانية فشكاهما أبوهما إلى الرسول قائلا: "يا رسول الله أدع ولداي يدخلون النار"، ثم قال: "فلم يقل له الرسول مثلا اقتلهما أو دعني أقتلهما"[26]

الرد:
أما الرد على قضية الشابين اللذين اعتنقا النصرانية فنقول:
أ‌- أن الأستاذ البنا دائما يحاول طمس الأدلة وراءه، بمعنى أنه لا يذكر لك الدليل حتى يمكن تتبعه، فلم يذكر مصدر هذا الحديث حتى يمكن للناقد أن يقف عليه ويحكم عليه بالصحة والضعف.

ب‌- أن الأستاذ البنا يعتقد قبل أن يستدل، ثم ينظر في كل المرويات، فما وافق عقيدته وإن كان شاذا قليلا أخذ به، وما خالف عقيدته طرحه أرضا وإن كان صحيحا كثيرا، وهذا جلي في هذه القضية، وذلك جلي أنه رغم طعنه في مرويات التفسير، إلا أنه يعتمدها حين تؤيد مذهبه.

ت‌- أن هذه الرواية هي من مرويات التفسير، يقول الإمام الطبري عن الإمام السدي في تفسير الآية: "نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت. فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم. فأتى أبوهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال: "لا إكراه في الدين" "[27]، وبمثله في تفسير ابن عطية إلا أنه قال أنه طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث من يتبعهما فلم يفعل.

ث‌- أن هناك مرويات تذكر أن هؤلاء الأبناء كانوا على النصرانية قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام سأل هذا الصحابي النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يردهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا إكراه في الدين"[28].

ج‌- أن من المرويات من قالت أن الرجل كان مسلما، وكان ابناه نصرانيان، دون ذكر خبر الردة[29].

ح‌- أن غالب المرويات تثبت أنه لم يكن قد أمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: " أبعدهُمَا الله هما أول من كفر"[30]، وهذا مثل ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية: "إنه من ذهب منا إليهم، فأبعده الله. ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجا ومخرجا[31].

خ‌- وقد وقفت على عدة روايات تحمل نفس المعنى من حيث ترك الأبناء لدى المشركين، كلها تدور حول ترك الأولاد في بلاد الكفر أثناء إجلاء بني النضير، حيث كانت المرأة التي لا يعيش لها ولد، تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فأنزل الله آية "لا إكراه في الدين"[32]، والمراد أنه كانت الأمهات تلتمس طول أعمار الأبناء بأن ينسبوا الأولاد لليهود، فلما جاء الإسلام وأجلي بنو النضير سألوا عن أبنائهم، فكان هذا هو رد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الحديث له شاهد أيضا عند الطبري في تفسيره.

د‌- أنهم قد هربوا بالشام، فلا سبيل إلى إدراكهم، ولا يجوز اتباعهم لدخولهم في سلطان دولة أخرى، وفرق بين طلب المرتد في ديار المسلمين، حيث السلطان لهم، وبين أن يكون المشرك قد تحول لسلطان آخر خارج بلاد الإسلام، وهذا ما نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقره في صلح الحديبية.

سابعا: استدلاله بقصة العرنيين:
يذكر من هذه الأحاديث حديث العرنيين، ثم يقول: "الحديث رواه البخاري ومسلم وبقية كتب الحديث وليس فيه ما ينم عن حد الردة، بل ليس في أغلب الروايات ما ينم عن ردتهم"[33]

الرد:
إن قول الأستاذ البنا أن هذا الحديث لا يوجد به ما يدل على ردتهم في كل رواياته محض افتراء، فإن غالب الروايات تدل على ردتهم، ففي صحيح البخاري بعدما انتهى الحديث نجد أبو قلابة الذي روى الحديث عن أنس يقول: "فَهَؤُلاَءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ"[34]، وذكر مثله ابن حبان وأبو داود والبغوي والشوكاني والطبري.

أما رواية مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "...فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ..."[35]

وفي سنن النسائي من حديث أنس "...فَلَمَّا صَحُّوا، قَامُوا إِلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَتَلُوهُ، وَرَجَعُوا كُفَّارًا، وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - "[36]، وأما رواية الإمام ابن ماجة من حديث أنس: "...فَفَعَلُوا. فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ..."[37]

فكل الأدلة المذكورة تفيد أن لفظ العرنيين في غالب الروايات عند غالب أهل السنن قد أثبت لفظ الردة لهم، وهذا بخلاف ما ادعاه الأستاذ البنا، لينفي أن يكون الحد قد وقع على الردة.

ثم نقول من باب الإنصاف: إن قيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قتلهم لأنهم قتلوا وأشاعوا الفتن، فصاروا كالمحاربين، فينبغي تطبيق حد الحرابة فيهم، فنقول إن هذا الحد يختلط فيه الأمرين الردة والحرابة، فلا يجوز الاستشهاد فيه بنفي حد الردة، وإنما يضم لما سبق من الأدلة، وترجح ثباته ووجوده في الشريعة.

ثامنا: تأويله لحديث "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث":
1- يذكر الأستاذ البنا حديث الردة المشهور ونصه: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزان، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة"[38]، ثم يقول: "وقد قلنا إن ظاهر "المفارق للجماعة" يفسح مجال الاحتمال، فليس هناك افتيات أو حذف للظاهر، وما جاز فيه الاحتمال بطل به الاستدلال"[39].

2- ثم تكلم على الحديث في أحد رواياته قائلا: "أما السند فإن الروايات المتكررة تنتهي إلى عكرمة عن ابن عباس، ومع أن عكرمة من أفضل رواة ابن عباس، فقد استبعده مسلم ولم يخرج له إلا حديثا واحدا في الحج مقرونا بسعيد بن جبير، وإنما تركه لطعن طائفة من العلماء فيه بأنه كذاب وبأنه كان يرى رأي الخوارج وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء"[40]، وبين أن الذهبي قد ترجم له وذكر أنه كذاب لا يحتج بحديثه.

الرد:
1- أن حصره للفظ "التارك لدينه" في مفارقة الجماعة أمر يفتح مجال الاحتمال، وليس معنى الاحتمال الشك، وإنما الاجتهاد في التأويل، والاجتهاد يستلزم جمع النصوص بعضها إلى بعض، فقد يكون مفارقة الجماعة في عقيدتهم، أو بإشهار السيف عليهم، لذلك يقول الإمام ابن حجر عن النووي أن التَّارِكُ لِدِينِهِ لفظ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ ارْتَدَّ بِأَيِّ رِدَّةٍ كَانَتْ فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ أَوْ نَفْيِ إِجْمَاعٍ كَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ[41]، إلا أن الأحاديث الأخرى توضح ذلك وتجليه، من ذلك: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث، أن يزني بعد ما أحصن، أو يقتل إنسانا فيقتل، أو يكفر بعد إسلامه فيقتل"[42]

2- أن الحديث قد ورد في روايات أخرى، مثل رواية الإمام الترمذي والتي صححه الألباني من حديث أبي أمامة: "أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَشْرَفَ يَوْمَ الدَّارِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ ارْتِدَادٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقُتِلَ بِهِ "[43]، وكأنما يشير أنه لم يصدر منه ما يوقعه في الردة ليقتل عليها.

3- وأما قوله أن مدار الحديث على عكرمة فهو خطأ، فقد ورد من طريق آخر عن قتادة عن الحسن أنه قال: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادٍ» [44]"، وطريق أخر من رواية قتادة عن أنس: "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»"[45]

4- أن قوله أن عكرمة متهم بالكذب مع كونه من الخوارج، فهو قول الذهبي، وهذا القول مردود، لأن الخوارج لا يرون الكذب، لأنه عندهم كفر مخرج من الدين.

5- كما أن أخذ تجريح الذهبي فقط وطرح توثيق الأئمة له، فقد وثَّقَهُ الحافظ المزي[46]، ويقول الإمام ابن حجر العسقلاني: أن ابن مندة قال عن عكرمة أنه عدول الأمة من نبلاء التابعين فمن بعدهم عدلوه وحدثوا عنه، واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من البلدان منهم زيادة على سبعين رجلا من خيار التابعين ورفعائهم وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه ولم يستغنوا عن حديثه وكان يتلقى حديثه بالقبول ويحتج به قرنا بعد قرن وإماما بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين اخرجوا الصحيح وميزوا ثابتة من سقيمه وخطأه من صوابه واخرجوا روايته وهم البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي فأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به على أن مسلما كان أسوأهم رأيا فيه وقد أخرج عنه مقرونا وعدله بعدما جرحه وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم أحمد بن حنبل وابن راهويه ويحيى بن معين وأبو ثور ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه فقال عكرمة عندنا إمام الدنيا تعجب من سؤالي إياه وحدثنا غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين[47].







المصدر: طريق الخلاص


  رد مع اقتباس
قديم 17-01-2012 ~ 06:40 AM
نور الإسلام غير متواجد حالياً
افتراضي
  مشاركة رقم 2
 
الصورة الرمزية نور الإسلام
 
مدير عام
تاريخ التسجيل : Jan 2012


تاسعا: رده لقصة علي بن أبي طالب في تحريق الزنادقة:
ذكر لهذا الحديث عدة روايات وتأويلات:
1- الرد اللغوي لحديث علي وابن عباس - رضي الله عنهم - الذي رواه البخاري أنه قال: "أتي علي – رضي الله عنه - بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تعذبوا بعذاب الله ). ولقتلتهم، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( من بدل دينه فاقتلوه ) "[48]، ثم يقول الأستاذ البنا عن هذه الرواية أن هناك أيضا شيء يحيك في النفس بالنسبة للمتن في رواية عكرمة، فكلمة زنادقة التي لو استقصينا تاريخة لأظهر هذا التقصي أنها لم تشتهر في أيام الخلافة الراشدة[49].

2- كذلك تحريق علي – رضي الله عنه - لهم مع نهي الرسول واستبعاد أن يجهل علي ما علمه ابن عباس[50].

3- ثم ورود الحديث على إطلاقه مما يسمح بانطباقه على من يبدل دينه إلى الإسلام أو من يبدله من مسيحية إلى يهودية أو من يهودية إلى مسيحية (وهو ما ذهب إليه بعض الأئمة) وهو يناقض ما قرره الرسول حسب ما ذكره ابن هشام في السيرة بقوله: "من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها"[51].

4- يقول: "الرواية الثانية عن بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة وقد وثق بهز جماعة كما اختلف فيه آخرون وتوقفوا في الاحتجاج به"[52]، وذكر أن مصدره ميزان الاعتدال (1/165)


5- وقال أيضا: "أن راوي الرواية الثالثة شهر بن حوشب وإن كان من الرواة المشهورين فقد اختلف فيه وقال بعضهم لا يحتج به أو تركوه، مع أن المحدثين عادة لا يردون أحاديث لمثل ما أوردناه من شبهات أو أقاويل عن الرواة، وأنهم لا يرون أن ما قيل فيهم يوقف الاحتجاج بهم، فقد يجوز لنا أن نتوقف إذا كان الأمر يتعلق بالقتل، وأي حرج في أن نقف مثل موقف مسلم من عكرمة؟!"[53]

1- الرد على رده الحديث لورود لفظ الزندقة به:
أ‌-أن الألفاظ منه ما هو أصيل، ومنه ما هو معرب، وهذه الكلمة من الكلمات الفارسية التي تم تعريبها وانتقالها للعربية، وكان تعريبها مع الفتح العربي لبلاد فارس، وتحول معناها مع التعريب إلى الخروج والمروق من الدين.

ب‌- أن ذلك ليس معناه الجزم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تكلم بالفارسية، وإنما يدل ذلك على صحة مذهب من قال بجواز الرواية بالمعنى.

ت‌- أما قوله أن لفظ الزنديق لم يشتهر في أيام الخلافة الراشدة، فهو أمر خطأ، ولا يمكن الجزم به من أوجه، فإن اختلاط العرب بالفرس وعوامل الجوار تفرض التأثير والتأثر اللغوي، فضلا عن أن الفتح الإسلامي لفارس قد بدأ في عام 11 هـ على يد خالد بن الوليد، مما يدل على أن هذا اللفظ كان من السهل انتقاله وتداوله لدى المسلمين.

ث‌- كذلك فإن ما يمكن الجزم به هو خلافه، وهو أن هذه اللفظة كانت موجودة في أول المعاجم العربية، فيقول الإمام الخليل (ت 170 هـ) في معجمه العين: "زندق: الزِّنديق... زَنْدَقَةُ الزِّنديق: ألا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية"[54]، والخليل بن أحمد الفراهيدي كان مولده عام 100هـ ووفاته عام 170 هـ، وكونه قد قام بتدوين هذا اللفظ في هذه الفترة، ومن البديهي أن يكون هذا اللفظ مستقرا قبل تدوينه، كما أن العلم دائما مستقر قبل تدوينه.

ج‌- أن بلاد فارس قد خرج منها النابغين في حمل العلم الشرعي، فكان منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم لم الحجاج النيسابوري، وأبو داود السجستاني، وأحمد بن عيسى الترمذي، والقزويني وغيرهم، فكان من اليسير روايتهم لمثل هذه الألفاظ بما يسهل معناها لديهم، دون وجود حرج شرعي في الرواية، وهذه المسألة هي التي تكلم فيها علماء الحديث في جواز الرواية بالمعنى، ولا ريب أن تأدية الحديث بلفظه أولى، وفيما يتعبد بلفظه فهو أوجب، ولكن لا حرج في الرواية بالمعنى لأن ذلك أنه من باب التوسيع في نقل العلم، فالصحابة كانوا يروون بالمعنى، وذلك جلي في اختلاف روايتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفس المعنى، دون أن ينكر أحدهم على الآخر، وهم سلف هذه الأمة الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم، وعدم الخروج عن هديهم، وهم مجمعون على ذلك.

ح‌- أن الحديث ورد في كتب أخرى من كتب السنن بلفظ الردة، مثال ذلك ما رواه الإمام أبو داود من حديث عكرمة "أَنَّ عَلِيًّا، عَلَيْهِ السَّلَام أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ..."[55]، فأخذ رواية واحدة والانطلاق منها للطعن في الحكم الشرعي ليس سبيل العدل والإنصاف والإخلاص في البحث العلمي.

2-الرد على رده الحديث لأنه من المستبعد عدم علم علي - رضي الله عنهم - به:
والرد على هذه الدعوى أنها مستغربة من أوجه:
أ‌- استبعاده أن يكون على قد علم بهذا الحكم هو من الغلو في علي - رضي الله عنهم -، وهذا فعل فرقة الشيعة المغالين في آل البيت.
ب‌- أن عليا - رضي الله عنهم - عند أهل السنة من أهل العلم والفضل، ورابع أفضل هذه الأمة، إلا أنه لم يجمع العلم، وقد أنكر الله على نبي من أنبيائه من قبل بأنه قرصته نملة فحرق واد من النمل، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قرصت نملة نبيا من لأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح "[56].
ت‌- ومما يدل على أنه لم يحز العلم أنه لم يكن ملازما للنبي في كل وقت وحين، فكان الرسول يرسله في الغزوات، فأرسله إلى فتح خيبر، واليمن، وهذا قطعا لا يسمح له أن يتلقى من النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ما يتحدث به.

3- الرد على أن نص الحديث ينطبق على كل من بدل دينه:
والرد على ذلك:
أن الخلاف في هذه المسألة لا يمت لحد الردة في الإسلام، فكون الحديث يتعدى للملل والنحل الأخرى أمر، وكونه يثبت حد الردة في الأديان الأخرى أمر أخر، فنقطة البحث هي كون هذا الحديث يستدل به على حد الردة في الإسلام أم لا، بغض النظر عن تعديه للملل والنحل الأخرى.

كذلك لا يجوز النظر للحديث منفصلا عن مخصصاته، ودون الجمع مع الأدلة الأخرى، فهناك في علم الأصول ما يسمى بالمخصص المنفصل، فليس لفظ الحديث صالح لكل دين، وإنما للدين الإسلامي فحسب الذي شهد الله له بالصحة على سائر الأديان، وأمر بالدعوة إليه، وأمر في أحاديث عدة بقتل من ارتد عنه من الأدلة الواردة في السنة النبوية.

فحينما يقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ النساء(11)، فليس المراد هنا المسلم منهم والكافر، لأن هناك مخصص منفصل ورد في السنة يمنع التوارث بين المسلم والكافر، فكذلك في الحديث الذي معنا، مخصصه منفصل، والواجب تدبر الأدلة وصفها جنبا إلى جنب، والعمل بها جميعا لقول الله جل وعلى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ النساء (82).

4- الرد على أن أحد روايات الحديث من طريق بهز بن حكيم وقد طعن فيه:
أقول: وهذه مذهب من يعتقد ثم يستدل، فإن بهز بن حكيم قد روى له الأئمة: البخاري تعليقا، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال فيه ابن حجر أنه صدوق، وقال عنه الذهبي أنه وثقه جماعة، وقال ابن عدي: "لم أر له حديثا منكرا، ولم أر أحدا من الثقات يختلف في الرواية عنه، وأما أحمد وإسحاق فاحتجا به"، ثم قال الذهبي معلقا: "قلت: ما تركه عالم قط، إنما توقفوا في الاحتجاج به"، وقال أيضا: "وقال الحاكم: ثقة، إنما أسقط من الصحيح، لأن روايته عن أبيه عن جده شاذة لا متابع له عليها. وقال أبو داود: هو حجة عندي"[57].

فمما سبق يتبين لنا أن غالب الأئمة وثقوه، ورغم أن الإمام البخاري قد قال أنهم توقفوا فيه إلا أنه قد خَرَّجَ له تعليقا، وأن من الأسباب التي طعن به فيها ما لا يقبل كلعبه بالشطرنج، فليس ذلك مما يسقط رواية الرجل. كذلك فإن روايته التي توقف العلماء فيها هي ما رواه عن أبيه، وهذه الرواية إنما وجدت مرة واحدة في المعجم الكبير للطبراني [58]، فكأنما الأستاذ البنا قد ترك كل الروايات لهذا الحديث، ثم انطلق إلى ما يوافق هواه لينطلق منه إلى الطعن في هذا الحد، وهذا ليس سبيل من ينشد الحق، ويتحراه ويطلبه، بل هو سبيل من يقرر الأفكار المسبقة بغض النظر عن حجج الآخر المخالف له.

عاشرا: نفيه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتل أحدا ردة:
ويقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بقتل أحد فيقول: "وأهم من هذا كله أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -لم يقتل حدا لا رجل ولا امرأة للردة وحدها"[59]، كما حكى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتل ابن خطل لأنه قد قتل غلامه، واستدل بما حكاه ابن إسحاق أنه قد كان له ماضيا جنائيا حيث قتل غلامه في أحد الرحلات[60].

الرد:
أ‌- النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتل أناسا للردة وحدها، وأناس للردة مع أمر آخر، فقد قتل ابن خطل وقوم عكل للردة والقتل سويا، لكنه قتل آخرون للردة وحدها.

ب‌- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتل ابن خطل، وكان مسلما ثم ارتد، فأمر بقتله في فتح مكة لأنه ارتد، وقتل غلاما له[61]، ولو كان معلقا بأستار الكعبة، وقتل قوما من عكل لردتهم وقتلهم لراعي رسول الله.

ت‌- أنه لم يكن ابن خطل فحسب ممن قتل ردة في يوم الفتح حتى يكون لذلك تأويل بقتله غلامه، فقد كان ممن أهدر دمه للحكم بكفرهم عدة أشخاص ذكرهم الإمام النسائي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: "لما كان يوم فتح مكة، أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم! وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة ابن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح"، ومن المرتدين كان مقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فقد أسلما ثم ارتدا من قبل.

ث‌- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَقَرَّ الرجل الأعمى الذي قتل أمَّ ولد له لأنها ارتدت بسبها للنبي، قال الإمام أبو داود: " أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ»، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ، وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا، فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ، وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ»"[62].

ج‌- أن الصحابة قد ساروا بهذه السنة فيمن ارتد في عصرهم، وكانوا ينسبون ذلك للنبي ويطبقونه، فقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا). فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشعير المزر، وشراب من العسل البتع، فقال: (كل مسكر حرام). فانطلقا، فجعلا يتزاوران في سفرهما، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق، فقال: ما هذا ؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربن عنقه[63]، وهذا يرد على قوله: "فإذا أصر بعض الناس على صحة وقوة حديث "من بدل دينه فاقتلوه" فيصار إلى أنه للجواز وليس للوجوب، وما يصرفه عن الوجوب ما سبق من الشواهد التي تثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل مرتدا لمجرد أنه بدل دينه، ولكنه جمع إلى ذلك إفعالا من المحاربة التي تستحق القتل "[64]، وذلك لأنه قد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته قد كانت سنته قتل المرتد، بغض النظر أنه جمع إلى ردته أفعالا من المحاربة أم لا.

ح‌- وكما ورد في تحريق علي - رضي الله عنهم - للزنادقة، ولا غضاضة في كونه قد علم بحد الردة، وجهل حكم الحرق إلا عند من يغلو فيه ويدعي له العصمة.

خ‌- أنه ورد عن عمر قبوله للحد، وإنكاره لمسألةِ مُخَالَفَةِ مَن حَولَهُ للاستتابة، فجاء في الموطأ من حديث حديث عبد الله بن عبد القاري عن أبيه أنه قال: " قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ» ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي»"[65]، فهو معترف بحد الردة، منكر لعدم الاستتابة، مع أن الرجل لم يكن له ما يوجب قتله سوى هذا الأمر.

د‌- أن حد الردة من باب حفظ الأصل الأول من الضروريات الخمس، ألا وهو الدين، من كيد الكائدين الذين يريدون التلاعب بهذا الدين، والذين كانوا يحاولون صد المؤمنين عن دينهم بقولهم: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[آل عمران: 72]

حادي عشر: قوله أن مسألة الردة صناعة فقهية سياسية:
ومن اتهاماته للعلماء أنه يقول أنها صناعة فقهية لخدمة الدولة الأموية، وبداية الدولة العباسية لإدانة الخارجين عليهم، فيقول: "عندما احتدمت العداوات السياسية والخلافات المذهبية وهددت وحدة الأمة وكيانها، عندئذ وقف الفقهاء موقف حماة القانون والنظام والسلطة، وكأن المناخ أملى عليهم أن يبتروا من المجتمع كل خارج عليه...وتوصلوا بحكم الصناعة الفقهية إلى إضافتيين: الأولى إبداع صيغة من جحد معلوما من الدين بالضرورة، بحيث تتسع للجميع، والثانية فكرة الاستتابة"[66].

قلت: فكأنما الفقهاء رجال سلطة يطلبون الدنيا، ولم يدر أن التصنيف في الردة قد سبق ذلك بكثير، فالقرآن قد أثبت الردة، والعلماء ضبطوا الردة بمسائل الكفر والإيمان مما نص عليه القرآن، وبما هو معلوم من الدين بالضرورة، والمعلوم من الدين بالضرورة ليست قاعدة فضفاضة، وإنما قاعدة منضبطة تشمل ما اشتهر من أحكام الدين في هذا الزمان والمكان، ثم تأتي مرحلة إقامة الحجة على المكلف الذي أتى ناقضا من نواقض الإسلام، ولو كان الأمر سياسيا محضا لما حصلت له استتابة.

وحد الردة يضمن حرية من يدخل في الإسلام دون هوى، فليس دخوله إلا عن قناعة أنه لن يخرج منه، ليس لمال، أو جاه، أو ليطعن فيه من الداخل ويشكك أهله ثم يخرج، فمن لم يرد هذا الدين بشروطه بعدما يعرف أنه الحق، فإنه ليس بملزم على الدخول فيه، وهذا ما قال الله جل وعلا فيه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[آل عمران: 72]، يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ﴾، فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أوّل النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدّقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدَرُ أن يرجعوا عن دينهم"[67]

كما أنه لو أن الإيمان والكفر قضية شخصية لما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أقوام بالردة لاستهزائهم بالصحابة، قال تعالى: ﴿قل أبالله وآياته...﴾، فالردة تحصل بالقول والفعل والاعتقاد والشك.

يقول الإمام النووي في التكفير بالمجمع عليه: " قَوْلُهُ: إِنَّ جَاحِدَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ يَكْفُرُ، لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلِ الصَّوَابُ فِيهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَقِبَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّهُ إِنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ يُعْلَمُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً، كَفَرَ إِنْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكْفُرْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ."[68]

فليس الأمر أمرا سياسيا، فما لم يعرفه كل المسلمين، فليس من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن المحال أن يكون كذلك وليس له مستند شرعي، ولا يدخل في ذلك ما اشتهر بين الناس من الضعيف والموضوع في الدين كالموالد وغيرها.

يقول الإمام الأنصاري في الردة: "هي قطع من يصح طلاقه الإسلام بكفر عزما أو قولا أو فعلا استهزاء أو عنادا أو اعتقادا كنفي الصانع أو نبي أو تكذيبه أو جحد مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة بلا عذر أَوْ تَرَدَّدَ فِي كُفْرٍ أَوْ إلْقَاءِ مُصْحَفٍ بقاذورة أو سجود لمخلوق فتصح ردة سكران كإسلامه ولو ارتد فجن أمهل ويجب تفصيل شهادة بردة ولو ادعى إكْرَاهًا وَقَدْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِلَفْظِ كُفْرٍ أَوْ فعله حلف أو بردته فلا تقبل وَلَوْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ مَاتَ أَبِي مرتدا فإن بين سبب ردته فنصيبه في وإلا استفصل وتجب استتابة مرتد حالا فإن أصر قتل أو أسلم صح ولو زنديقا وفرعه إن انعقد قبلها".[69]

ويقول الإمام الأنصاري في ضابط الجحود: "أو جحد مجمع عليه " إثباتا أو نفيا بقيدين زدتهما بقولي " معلوم من الدين ضرورة بلا عذر " كركعة من الصلوات الخمس وكصلاة سادسة بخلاف جحد مجمع عليه لا يعرفه إلا الخواص ولو كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع البنت وبخلاف المعذور كمن قرب عهده بالإسلام"[70]

أما قصة حاطب فتدل على قتل المرتد، وهذا فهم عمر - رضي الله عنهم - حينما قال للنبي: "دعني أضرب عنق هذا المنافق"، أما حاطب فقد قال: "إني كنت امرأ ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام"[71]، ولا شك أن حاطب - رضي الله عنهم - لم يرتكب مكفرا، وإلا لما كانت له مغفرة، ولو ارتكب مكفرة لاستحق القتل الذي أشار له عمر، فالجاسوسية مراتب.

كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقم حد الردة نفاقا على بعض من عاشوا حوله من المنافقين درءا للفتنة، وكان يقول - صلى الله عليه وسلم -: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"[72]

ثاني عشر: تأويله لقتال أبي بكر للمرتدين:
ثم يحاول الهروب من قضية قتال المرتدين، فيقول أن قتال أبي بكر للمرتدين ومانعي الزكاة إنما كان بسبب المال والسلطان: "وعلى هذا فأن أبا بكر لم يحارب المرتدين، ولكنه حورب من المرتدين، ورد عليهم ولم تكن القضية قصية إيمان وكفر، ولكن قضية مال وسلطان... فالقبائل المرتدة حاربت لرفض الزكاة وأبو بكر حارب لأخذها، وقد قالها صريحة والله لو منعوني عناقا أو عقال كانوا يدفعونه لرسول الله لحاربتهم عليه"[73]، وهذا الحد كان النصارى يطبقونه على من ارتد، وليست محاكم التفتيش عنا ببعيد، فدين الإسلام ليس مجالا للتجربة، تدخله لتجرب، بل ادرسه قبل أن تعتنقه، لأن الدين هو ما تريد أن يكون مآلك به في الآخرة هو النجاة، فكيف يدخل المرء هذا الدين ليشكك أهله لتقصيره قبل الدخول فيه؟!

ومفسدة بقاء المرتد عن الكافر الأصلي أعظم، لأنه سيطعن في الدين الذي انتقل منه، أما الكافر الأصلي فلا، وعداوته وعدم الأخذ منه معلومة بالاضطرار، وهذا جلي في هذا العصر، أن من كان تأثيرهم الأعظم هم من أحدثوا الفتن في الدين الإسلامي بردتهم.

ويقول أن الصحابة أنكروا ذلك على أبي بكر قوله لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، إلا أنه وهو في موقع رجل الدولة رفضوا الانقياد للدولة المركزية ومنعوا الزكاة، وأحدهما يكفي لحربهم[74].

الرد:
روى الإمام البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: "لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله). قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق"[75]

والحديث يدل على ما يلي:
1- أن الأمر في بدايته يدل على وقوع الردة في العرب
2- أن هذه الردة كانت بتأويل، صَاحَبَهَا عدم انقياد للدولة، بدليل اشكال هذا الأمر عند عمر - رضي الله عنهم -، ثُمَّ آل الأمر باقتناعه برأي أبي بكر - رضي الله عنهم -.
3- الحديث يدل على أنها ليست ردة سياسية، وإنما عدم انقياد لمعلوم من الدين بالضرورة، وهو مسألة الزكاة، وأنه لا فرق بين شرائع الإسلام، من حيث الصلاة والزكاة وغيرها
4- أن رد أبي بكر على عمر يدل على أن الشرائع من لوازم الإيمان، من جحدها كفر.
5- انقياد عمر لرأي أبي بكر - رضي الله عنهم -، واقتناعه بأن رأي أبي بكر هو الحق، وحصول الإجماع من الصحابة على قتالهم.

ثالث عشر: تقريره أن الصحابة تسامحوا مع المخالفين لهم في العقيدة:
1- ثم يقرر أن الصحابة قد تسامحوا مع المخالفين في العقيدة كالقدرية، فقال أن الصحابة لم يكفروا القدرية أو الجبرية، وكانوا يغسلونهم ويدفنوهم في مقابر المسلمين، ولم يكفروا من قال بخلق القرآن، أو من قال بالمنزلة بين المنزلتين، أو أن مرتكب الكبيرة كافر في النار، وأن الله لا يخلق المعصية، ولم يكفروا المرجئة، ولم يكفروا الجهمية، وقال أنه رغم مقولات الجهم والجعد، إلا أنهم حينما ماتوا غسلوهم وكفنوهم ودفنوهم بمقابر المسلمين.[76]

2- ويقول: " كان المجتمع الإسلامي كان يعيش فوضى خلاقة، تسمح لكل صاحب فكر بجانب من الحرية بحيث يمكن أن تظهر القدرية جنبا إلى جنب الجبرية والمرجئة جنبا إلى جنب الخوارج والشيعة جنبا إلى جنب السنة"[77].

الرد:
إن كلام الأستاذ البنا حول التسامح مع المخالفين كلام مجمل فضفاض، نحتاج منه أن نسأل: ما المراد من التسامح معهم، أهو ترك الحكم عليهم بأحكام الإسلام، أم الرضا بما هم عليه، أم غير ذلك؟!

إن التسامح ليس المراد منه اعتناق عقائد الآخرين، أو القبول بها، أو إرغامهم على تركها.

والذي يتقرر: أنه أداء ما أوجبه الشرع لهم من حقوق، فهذا هو التسامح الشرعي، وينبغي مراعاة عدم التقصير في جوانب أخرى.

أما إن كان المراد عذرهم وعدم الإنكار عليهم أو الحكم عليهم بما يستحقون، وإقامة الواجب الشرعي عليهم من قتال أو قتل إن قضى الشرع ذلك فيهم، فهذا غير مقبول، ذلك أن العبرة بالشرع، وليس بالأهواء، والقرآن والسنة ينفيان هذا الموقف الذي يحاول الأستاذ البنا نسبته إلى التسامح، وذلك من عدة أوجه نوجزها فيما يلي:
1- إثبات أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه سبب خيرية هذه الأمة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من النقد والإصلاح الذاتي، وتركهما يؤدي إلى فساد الأمة، فالثمرة الخبيثة تعدي الثمرة الطيبة، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران (110).

2- لعن تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ‏﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ المائدة (78 - 79)، ‏﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ البقرة (159).

3- إثبات القرآن لهجر أهل الأهواء، ومباينتهم وعدم الجلوس معهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ الفرقان (72، 73)، وقال جل وعلا: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ النساء (140).

4- تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الأهواء والأمر بالحذر منهم، فقد روى الإمام البخاري من حديث عائشة - رضي الله عنهم - أنها قالت: "تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات﴾، ثم قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»"[78].

5- أن الصحابة رضوانا لله عليهم قد فهموا أنه لا يجوز التسامح في المخالفات الصريحة لنصوص الوحي، وذلك بخلاف الاجتهاد، حتى لو كان الخلاف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فطالما أن الأمر يمس دين الله، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما يقتضيه المقام، وليس التسامح المزعوم، وإلا ضاع دين الله، فقد روى الإمام البخاري شدة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم بن حزام حينما كان يقرأ سورة الفرقان على غير ما فرأها عمر - رضي الله عنهم -،فما كان منه إلا أن أمسك به وأخذه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعرض القراءتين عليه، فأقرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - على القراءتين[79].

6- هجر الصحابة لمخالفي الكتاب والسنة، فقد روى الإمام البخاري من حديث عبد الله بن مغفل: "أنه رأى رجلا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف وقال: «إنه لا يصاد به صيد ولا ينكى به عدو، ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين» ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف، وأنت تخذف لا أكلمك كذا وكذا"[80].

7- أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر المبتدعة، وقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث على القدرية فقال: "الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ: إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ"[81].

8- أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر المخالفين، فقد روى الإمام البخاري في قصة الثلاثة الذين خلفوا من حديث كعب بن مالك أنه قال: "ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كلامي، وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي ولا يسلم علي"[82]
الخلاصة:

والخلاصة، أنه لا يجوز إطلاق القول أن السلف كانوا يتسامحون مع المخالفين، دون تفصيل لمعنى المخالفة، من كونها داخلة في أمور الاجتهاد المعتبر، أم في أمور الاجتهاد غير المعتبر لعدم تحمل الأدلة لها، والتسامح لا يكون في أمور الدين، لأنه لا يملك أحد أن يتسامح فيه لأنه ليس حكم عليه، بل هوالحكم على الجميع، ومن يفتح هذا الباب فهة يفتح باب تمييع الدين ومسخه ومن ثم هدمه، ولم يكتفوا في هذا التسامح بالفرق المنتسبة للإسلام، بل تعداها للملل والنحل الغير مسلمة من الأديان السماوية والوضعية، فصار المسلمون يتنازلون عن شريعة شريعة من شرائع الإسلام حتى يقبل الغرب ويصفهم بالتسامح، فكل شريعة طعنوا فيها نفاها هؤلاء المنتسبون للإسلام، كقتل المرتد، والحرية الدينية لأهل الأديان الأخرى، وحقوقهم في الرئاسة للدولة المسلمة، فأن يكون التسامح هو التنازل عن شرائع الإسلام أمر مرفوض، وهو مراد من لم يؤصل دينه.

الفصل الثاني

موقفه من أهل السنة والجماعة وعقيدتهم

أولا: موقفه من أحاديث الآحاد والاستدلال بها:
1- ذهب الأستاذ البنا إلى عدم الأخذ بأحاديث الآحاد، وقد ورد ذلك ضمنيا في ثنايا بيانه لما يستدل به والأخذ بالمتواتر والحكم العقلي، يقول أنه رغم أن الفقهاء قرروا أن مرتبة العلم اليقيني والضروري والقطعي هو ما جاءت به نصوص القرآن والمتواتر من الحديث والحكم العقلي، إلا أنهم عادوا فقرروا أن هناك علما بغلبة الظن أو رجحان صدق القضية كما في حديث الآحاد، ولم يمنع المحدثون من قبوله رغم وجود احتمال ضئيل لعدم الثبوت[83].

2- يقول أن الظن المذكور في القرآن يدل على الظن الباطل، واستدل ببعض الآيات منها: "وقد استخدم القرآن طن ومشتقاتها بمعنى يغلب عليه الظن بالباطل"[84]، ثم ذكر مجموعة من الآيات الدالة على ذلك.

الرد على موقفه من قضية أحاديث الآحاد:
أما موقف منكري الاستدلال بأحاديث الآحاد فهو موقف مخالف لنصوص الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة من أوجه:
1- القول بِأَن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صِدْقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول، مثل حديث عمر بين الخطاب - رضي الله عنه -: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" فإنه خبر آحاد، ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.

2- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل الآحاد بأصول العقيدة - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله - وإرساله حُجَّة مُلْزِمة، كما بعث مُعَاذاً إلى اليمن، واعتبر بَعْثَه حُجَّةً مُلْزِمَةً لأهل اليمن بقبوله.

3- إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد، أمكن أن يُقال: والأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد، لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله تعالى أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قُبل هذا القول تعطَل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رُدّ هذا القول فليردّ القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق كما بيّنا.

والحاصل: أن خبر الآحاد إذا دلت القرائن على صِدْقه أفاد العلمَ، وثبت به الأحكام العَملية والعِلمية، ولا دليل على التفريق بينهما، ومَنْ نَسَبَ إلى أحدٍ من الأئمِة التفريقَ بينهما فعليه إثباتُ ذلك بالسند الصحيح عنه. ثم بيان دليله المستَند إليه.

4- أن الله تعالى أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلاً فيما هو من أعظم مسائل العقيدة فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْقَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْكُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ النحل (43-44)

5- أن الله تعالى أمر بالتثبت من خبر الفاسق دون العدل الضابط بقوله: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا (الحجرات:6)، فهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد العدل الضابط.

6- استحالة التواتر في كل خبر بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍمِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَارَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122)، والطائفة تقع علىالواحد فما فوقه فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار الإعلام بما يفيد العلم.

7- قوله تعالى: ﴿وَلاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (الإسراء: 36)، أي: لا تتبعه ولا تعمل به ولميزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون لله تعالى بهاالصفات فلو كانت لا تفيد علماً لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهمقد قفوا ما ليس لهم به علم.

8- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُمِرَ بالتبليغ، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: "أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت"، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بالبلاغ بقوله: "بلغوا عني ولو آية"، ولا شك أن هذا البلاغ لا يكون إلا في صورة آحاد.

فكل ما قيل في حديث الآحاد محض تشغيب، فإنه ما من ممارس للشعائر إلا وقد تيقن من ثبوت الحكم بأحد طرق حصول العلم، لا فرق بين الآحاد أو المتواتر أو المشهور، ولو كان هذا الفرق موجودا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استجاب الصحابة في وسط الصلاة لخبر آحاد، فيغيروا القبلة، فالتمييز بين الاعتقاد والعمل أيضا من الشغب.

ولا يعيب ذلك أنه بعد أن ثبت لديك دليل، ثم اجتهدت فرأيت خلافه، أو رأيته منسوخا أو ضعيفا أن يكون ما كنت فيه يقينا، وإنما علم، لأنك لا تعمل وأنت مذبب في وجهتك ورأيك، فما بالك في دينك.

أما البغدادي فيفرق بين المتواتر والمشهور والآحاد على ثلاثة مراتب[85]: المتواتر: يفيد العلم الاضطراري، المشهور: يفيد العلم المكتسب النظري، الآحاد: يفيد العلم دون العمل.

ويقول الجصاص أن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد له حكم التواتر، لذا فهو يفيد العلم ويجوز تخصيص القرآن به[86]، وقد ذكر في مقام آخر وجوب قبول حديث الآحاد وأنه يفيد العلم وجواز نسخ القرآن به.[87]

فإن كان المراد التقسيم للآخبار، فلماذا لا نكتفي بالآحاد والمشهور والمتواتر، دون القول بأن هذا ظني وهذا قطعي بما يلبس على الناس ويحرف مذاهبهم؟!

ثانيا: أقواله في موقف أهل الحديث من الأسماء والصفات:
1- ثم يقول: "الغريب في الأمر أنهم ينكرون التفويض، أي الذين يقولون نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما نفوض علم معناه إلى الله تعالى، فقد قالوا هذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة والسلف بريئون منه، فقد تواترت الأقوال عن السلف بإثبات معاني الصفات وتفويضهم الكيفية إلى علم الله" [88]

2- ويقول في إنكار الرؤية: " فحملت قبيلة حدثنا العقيدة برؤية الله تعالى في الآخرة، والله تعالى يقول لا تدركه الأبصار، وحملت العقيدة الإيمان بعذاب القبر، وحددت طريقة الميزان ذي الكفتين واللسان"[89]

الرد:
1- أن إنكار السلف للتفويض أمر معقول عقلا وشرعا، إذ أن الله كلمنا بخطاب مفهوم، وبلغة مفهومة، والألفاظ قوالب المعاني، فكيف نفرغ اللفظ من معناه، فهو أمر مرفوض عقلا وشرعا.

2- أن قول السلف أن مذهب التفويض مذهب حادث هو القول الحق، فالصحابة كانوا عربا أقحاحا، وكل خطاب نزل بلغتهم لم يفرغوه من معناه، ولم يسألوا عن ذلك، وتداولت هذه المعاني والصفات بين الصحابة، حتى كانت الإماء في البيوت يعلمون هذه العقيدة كما ورد في حديث الجارية عن مسلم حينما أراد الصحابي أن يعتقها، فكان امتحانها في علو الله على عرشه، فحتى الجارية كانت تحمل الأسماء والصفات على حقيقتها، وإلا لما أقرها النبي على الباطل.

3- أن عقيدة أهل السنة في رؤية الله في الآخرة أمر ثابت بالكتاب والسنة، فحينما أراد موسى عليه السلام النظر إلى رب العالمين، لم يقل الرب أنه لا يُرَى، وإنما علقه بشرط، وهو قادر على تحقيق الشرط في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]، كما أن الأحاديث في الرؤية كثيرة، منها قول النبي حينما سأله أناس فقالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم «نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ضوء ليس فيها سحاب»، قالوا: لا، قال «وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب؟»: قالوا: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تضارون في رؤية الله عز وجل يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما"[90].

ثالثا: إنكاره على أهل الحديث مذهبهم في عذاب القبر:
1- يذهب الأستاذ البنا إلى أن أهل الحديث قد وضعوا مئات الأحاديث في عذاب القبر، وكان ذلك سببا في قهر النفوس، ثم يقول: "ومئات الأحاديث عن الغيب هي قطع من الخرافة جعلت عقلية المسلمين عقلية غبية نقلية"[91].

2- ثم يسخر من الأحاديث النبوية الواردة في عذاب القبر فيقول: "وانظر إلى براعة الإخراج، وقد صور للميت شجاعا أقرع يضربه ضربة يسمعها كل الثقلين إلا الإنسان! أو كيف يضغط القبر على شاغله ضغطة يتحول بها جنبه الأيمن إلى الأيسر والأيسر إلى الأيمن..إلخ، هذا أقرب إلى الإخراج الفني من الرواية النبوية"[92]

3- ويقول مستنكرا عليهم إدخالهم مسألة عذاب القبر في العقيدة: "وعدوا من هذا: الإيمان بعذاب القبر، فجاء في الإحياء أن الإيمان بلا إله إلا الله لا يكتمل ما لم تقترن بها شهادة الرسول، وإلزام الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة، وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر عنه بعد الموت، وأوله سؤال منكر ونكير"[93]، وذكر مثله عن شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية أنه قال: "ومن الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يكون بعد الموت فيؤمنون بفتنة القبر وبعذابه ونعيمه"[94]

الرد:
أن عذاب القبر من الأمور الغيبية التي لا تقاس بمنطق ولا ترد بالعقل، بل الواجب فيها تلقيها من النصوص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة، ففي القرآن الكريم أثبت الله تعالى العذاب لآل فرعون قبل يوم القيامة بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، فهو عذاب حاصل قبل قيام الساعة.

وفي السنة، كان النبي يتعوذ من عذاب القبر[95]، وأثبت أن هناك من يعذب في القبور: " مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"[96]

والعقل لا يرفض ذلك، فإذا كان الله جل وعلا قد عذب أقواما في الدنيا، وسيعذب أقواما في الآخرة، فما يمنع أن يعذب أناسا ممن يستحقون العذاب في البرزخ؟!




  رد مع اقتباس
قديم 17-01-2012 ~ 06:41 AM
نور الإسلام غير متواجد حالياً
افتراضي
  مشاركة رقم 3
 
الصورة الرمزية نور الإسلام
 
مدير عام
تاريخ التسجيل : Jan 2012


قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]، وقال جل وعلا: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: 34]، فهؤلاء كان لهم الخزي في الدنيا والآخرة كما ذكرنا، فما الذي يمنع وجوده في البرزخ؟!

رابعا: إنكاره على أهل الحديث مذهبهم في طاعة ولي الأمر:
يقول الأستاذ البنا في حديث طاعة الأمير أنه: "لا يمكن أن يثمر إلا شعبا ذليلا خاضعا يقبل استبداد الحاكم"[97]، ثم يعلق أن هذا مناف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما أن مثل ذلك يقطع بعدم معارضة الحاكم، ويفتح الباب للفساد والاستبداد، وتحويل الشعب لعبيد.

ثم يذهب للطعن في مذهب الإمامين أحمد والغزالي بعدم خروجهم على ولي الأمر وتجويز الثورات، فيقول أن النظام السياسي الديكتاتوري هو من فتح الباب على مصراعيه لهذه المذاهب، فكانت الحاجة لأحكام مقننة، وفي نفس الوقت فتح الباب لهذه الفرق جتى تنشغل بالقضايا النظرية، فيقول في أئمة الجور: "لكنه كان في الوقت نفسه بحاجة إلى قوانين تخرس المعارضة باسم الدين، وكان لا بد للفقهاء أن يحققوا هذا للحاكم كائنا من كان، وكان أتقى فقيه، وهو الإمام أحمد بن حنبل الذي يمثل السلف الصالح يقرر ضرورة التسليم للحاكم وإن كان ظالما، وقد لقي على يدي المأمون والمعتصم ما أشفى به على الهلاك، ومع هذا لم يقر الثورة على الحاكم"[98]

وإلى ما ذهب تكلم أيضا في الإمام الغزالي بمثله إلى أن قال: "فهل يصعب على فقهاء السلطان أن يضعوا أحاديث تقرر طاعته وتعطيها صفة الشرعية من نوع "أطع الأمير وإن عصب مالك وضرب ظهرك"، كما لم يكن عسيرة أن يقروا حد الردة لا ليطبقوه على المرتد، فهذا ترف فكري، ولكن على كل من جحد معلوما من الدين بالضرورة، فهنا يمكن أن تجد مائة تهمة تضعها تحت مفهوم المعلوم من الدين بالضرورة بما في ذلك الثورة على الحاكم"[99].

الرد:
إن القول بأن قبول جلد الظهر وغصب المال عند أهل السنة ليس تفسيره الخنوع وقبول استبداد الحاكم، وإنما أهل السنة لهم موقف تجاه ولي الأمر في ذلك، ومن ادعى أنهم يقولون بالخنوع أو أن مذهبهم يؤدي إلى ذلك فإن هذا دليل على الجهل بمذهبهم، فإن طاعة ولي الأمر عند أهل السنة مبحث رئيس مستقى من القرآن الكريم، ومصنف في كتب السنة، وكتب العقائد السلفية، وهو من أهم ما خالف به أهل السنة الفرق المبتدعة التي ترى السيف.

ومن أهم ملامح منهج السلف في التعامل مع ولي الأمر ما يلي[100]:
1- تقرير طاعة ولي الأمر.
2- أن الطاعة مقيدة بأن تكون في الطاعة دون المعصية.
3- الحرص على جماعة المسلمين.
4- تقرير مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
5- تقرير مبدأ المناصحة لولي الأمر.
6- تقرير مبدأ التصريح بالحق وإنكار المنكر عند السلطان الجائر.
7- تقرير مبدأ جمع كلمة الأمة فضلا عن المصلحة الشخصية، وهو ما تدل عليه هذه المسألة.
8- تقرير مبدأ أولوية الحفاظ على الدماء، فإن جاء من ينازع ولي الأمر أو يخرج عليه، وجب كف أذاه عن الأمة التي اجتمع شملها على هذا الإمام.
9- أنه ليس معنى ذلك عدم الحسبة عليه، وإنما عدم الخروج عليه بالسيف واللسان، لان المفاسد المترتبة على ذلك أعظم من المصالح بكثير.

فالقول بإن مذهب أهل السنة قائم على الخنوع، هو جهل بمذهبهم، وللأسف، فإن كثيرا من المنتسبين لأهل السنة يعرف مبدأ الطاعة لولي الأمر دون مبدأ الأمر بالمعروف والنصح للإمام، وضوابطه وطريقته.

أما قوله أن الإمام أحمد مذهبه الخنوع، فتفصيله كما مر أنه أعلم بالمصلحة والمفسدة، فالخروج أعظم مفسدة من الصبر على بلاء الظالمين، وأعلم الناس بالمصالح والمفاسد هم العلماء.

أما قوله بأن أهل السنة قاموا بوضع الأحاديث لمناسبة مذهبهم فهو افتراء وكذب لا دليل عليه، كما أن المذهب في طاعة ولي الأمر له شواهده في القرآن الكريم، ومبدأ تقديم المصالح على المفاسد أصل أصيل في الدين الإسلامي، فلا يمكن حصر القضية في نصوص السنة فحسب التي يحاول الأستاذ البنا نفيها لمجرد أنها تخالف ما يعتقد، فكل ما خالف ما يهواه يطرحه جانبا، ولا يجهد نفسه في البحث عن مذهب القوم، ودراسة ما أدت إليه الثورات والخروج على الحكام في تاريخ الأمة الإسلامية.

خامسا: موقفه من قضية النسخ:
1- وصفه النسخ بالسفه: ويقول في قضية النسخ لهذه الآيات: "نعلم أن الفقهاء والمفسرين قالوا: أن هذه الآيات نسخت بآية السيف، وهذا سخف وقول يرفضه من لديه ذرة من عقل، فإذا كانت قد نسخت فما الفائدة على إبقائها في المصحف، وكيف يتلوها الناس وهي منسوخة؟! إن قضية النسخ كلها قضية ضالة مضلة"[101].

2- إنكار النسخ والخلط بينه وبين البداء، يقول الأستاذ البنا: "وكل ما جاء في أسباب النزول يصغر أمام ما جاء عن النسخ الذي يرفضه العقل، لأن الله تعالى يعلم كل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو لا ينزل الآية اليوم ثم يستبين قصورها فينزل آية أخرى تنسخها، تعالى الله عن ذلك هذا شيء يرفضه الأطفال قبل الكبار"[102].

3- إنكار نسخ القرآن بالسنة،: يقول: "وأغرب من هذا وأعجب أن يجيزوا للسنة أن تنسخ القرآن بحجة أنها وحي"[103]، ويقول: "وعندما رفض الشافعي ذلك فإن الفقهاء المتأخرين أنكروا عليه هذا وأوا فيه سقطة كبيرة"[104]

4- ويستدل ببعض الأحاديث التي قال أنها تطعن في القرآن فيقول أن أهل الحديث وضعوا أحاديث تنتقض من القرآن، مثل حديث العشر رضعات التي نسخت بخمس، وما روي عن ابن عمر أنه قال: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ماظهر، ومثاله أن عائشة كانت تقرأ سورة الأحزاب مائتي آية، وغيرها من الأدلة الدالة على النسخ لآيات كانت تتلى في المصاحف قبل مصحف عثمان[105].

الرد:
أقول: إن النسخ موجود في القرآن الكريم بدلاله قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ "[البقرة: 142 - 143]، فالله نسخ التوجه لبيت المقدس، والعلة هنا للعلم بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمنى التوجه للكعبة.

ومنه: انتهاء العلة من التشريع، ومراعاة شئون العباد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [النساء: 77]"، ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: 66].

أما النسخ: فهو لغة: الرفع والإزالة ومنه: نسخت الشمس الظل أي أزالته، ونسخ الكتاب أي رفع منه إلى غيره.، واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي متقدم أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة متأخر عنه.

والمراد بقوله: (رفع الحكم): تغييره من إيجاب إلى إباحة أو من إباحة إلى تحريم..
والمراد بقوله: (أو لفظه) لفظ الدليل؛ لأن النسخ قد يكون للحكم دون اللفظ، وقد يكون للفظ دون الحكم، وقد يكون لهما جميعاً.

والمقصود بقوله: (بدليل من الكتاب والسنة) إخراج ما عداهما كالإجماع والقياس.

والمتقدم يسمى منسوخاً والمتأخر يسمى ناسخاً.

والنسخ واقع في الشرع كتاباً وسنة. قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:106].

حيث يشرع الله حكمًا مؤقتاً بوقت محدد في علم الله، ثم عند انقضائه ينسخه -سبحانه-؛ إما بحكم جديد؛ وإما إلى غير بدل، ولله الحكمة البالغة.

وقد ألف العلماء في الناسخ والمنسوخ كتباً عديدة سواء في القرآن أو في السنة، وبعضها مطبوع متداول.

أما الفرق بين النسخ والبداء: فهو أن النسخ ليس مسبوقاً بالجهل، ولا هو من لوازمه، بل علم الله سابق على النسخ، والله عالم بما يشرع من أحكام، حتى إذا انقضت المدة التي جعلها الله لذلك الحكم نسخه بما سبق في علمه أنه سيكون.

أما البداء فإنه يستلزم سبق الجهل، وهذا مناف لكمال الله -تعالى- فلا يجوز القول بما يؤدي إلى نفي كمال الله أو إثبات نقص في حقه -سبحانه وتعالى-.

والعجب من اليهود -إذ تحكي عنهم كتب الأصول - أنهم لا يقولون بالنسخ، مع أنهم-كما سبق - يقولون بالبداء.

أما البداء فهو الظهور بعد الخفاء، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، وهو محال على الله، لأن الله يعلم ما كان وما يكون، وهذا بخلاف ما تقدم من حكم في النسخ، فالنسخ منوط بحكمة ومصلحة، لأن مصالح العباد تختلف من وقت لآخر، ومن هنا تعددت النواسخ.

والبداء هو قول اليهود، وهذا جلي في إنكارهم تحويل القبلة، كما أنه قول الشيعة.

وأما منكري النسخ، فغاليا ينطلقون من الجهل بحكمته، ويظنون أنها تجدد في علم الله، وإنما النسخ له عدة حكم:
1- التدرج في التشريع بما يناسب حال العباد، كالتدرج في أحكام الجهاد
2- امتحان المؤمنين بامتثل أحكام الله مع النسخ، ومخالفة المشركين، كما في نقل القبلة
3- مراعاة مصالح العباد

سادسا: إنكاره لحادثة سحر النبي - صلى الله عليه وسلم -:
يذهب الأستاذ جمال البنا إلى أن أهل الحديث، خاصة ذوي الأسماء الضخمة حسبما يصفهم كالبخاري ومسلم، أدت للنيل من شخصية الرسول الكريم، فيقول: "استباحوا النيل من شخصيته وكرامته، فرووا حديث سحر الرسول حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وأن الذي قام بذلك يهودي، وأخبر رسول الله عما عمله فأرسل من أحضره، وعندما رفض الشيخ محمد عبدة هذا الحديث ورآه ماسا بعصمة الرسول قاموا عليه قومة رجل واحد"[106].

الرد:
لم يخالف في الإقرار بوجود السحر سوى المعتزلة، ومنهم من أنكر حقيقة السح وقال إنما هو التخييل، لكن السحر الوارد في الكتاب والسنة يشتمل على الأمرين: السحر الحقيقي، وسحر التخييل، أما السحر الحقيقي فدليله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: 102]، وأما سحر التخييل: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116].

وقد ورد تأيره في قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]، فالنفاثات هي السواحر، والاستعاذة منهن دليل على كون السحر له تأثير.

أما السحر الذي أصاب النبي فهو من النوع الثاني الذي هو سحر التخييل، ودليل ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: "سحر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يوم دعا ودعا، ثم قال: " أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: فيما ذا، قال: في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر، قال فأين هو؟ قال: في بئر ذروان " فخرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع فقال لعائشة حين رجع: «نخلها كأنه رءوس الشياطين» فقلت استخرجته؟ فقال: «لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرا» ثم دفنت البئر"[107]

والشاهد من الحديث عدة أمور:
أولا: أن سحر النبي لم يكن يتصل بعصمته في الإبلاغ بالوحي كما ذهب لذلك الشيخ محمد عبده
ثانيا: أن النبي هو من اكتشف أنه قد سحره لبيد بن الأعصم
ثالثا: أنه هو من أخبر بهذا الخبر، وهذا دليل على صدقه وعصمته، لأنه لو كان ينافيه لما أخبر به.
رابعا: أنه أخبر أنه قد شفاه الله من هذا السحر.
خامسا: أن النبي بشر كباقي البشر يعترضه ما يعترض البشر، قال تعالى: ‏﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]"، فكان يأكل ويشرب ويمرض، ولم يناف كل ذلك عصمته.

سابعا: الطعن في أئمة الدعوة السلفية من الصحابة والتابعين وتابعيهم:
1-كان ممن طعن فيهم من الصحابة معاوية - رضي الله عنهم -:

ذهب الأستاذ البنا إلى أن معاوية - رضي الله عنهم -: قد أمر بسب علي على المنابر[108]، وأنه من أدخل نظام الوراثة في الحكم وأنهه من سوء حظه أن ابنه كان آخر واحد يصلح ليكون خليفة[109]، وقال أن سَبَّ عليٍّ كان سبب تقدم بعض الرواة على البعض، فيقول: "إن هذه السنة القبيحة قدمت بعض أفراد قبيلة حدثنا مثل حريز بن عثمان (ت 163 هـ) ، رأس النواصب الحريزية، فقد جاء في تهذيب التهذيب عن إسماعيل بن عياش قال: كان حريز يسب عليا"[110].

الرد:
أ‌- أنه لم يثبت ذلك في كتب السنة المعتمدة أن معاوية رضى الله عنه قد أمر بسب علي - رضي الله عنهم -:، فكلاهما من أعلام الصحابة، فمعاوية بمثابة خال المؤمنين، وأحد الصحابة، وكاتب الوحي، وقد دعا النبي له بقوله: "اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ"[111]، فمن طعن فيه فقد طعن في ثقة النبي فيه، وائتمانه له على كتابة الوحي، وثقة الخلفاء الراشدين فيه الذين ولوه الإمارات، مما يعد دليلا على صلاحه.

ب‌- كما أن على هو أحد المبشرين بالجنة، والخليفة الرابع، وأحد آل بيت النبي، وأهل السنة قد خالفوا النواصب الذين نصبوا العداء لآل البيت، والمقام لا يتسع لذكر كافة الأدلة من كتب أهل السنة في توقير أهل البيت، ورفض طريقة النواصب، فأهل السنة هي الأمة الوسط بين غلو الروافض، وجفوة النواصب، فقد أوصى النبي بأهل بيته خيرا، فمن اعتدى عليهم فقد خالف وصية النبي فيهم بقوله: "أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي"[112].

ت‌- أن معاوية خشي الشقاق في الأمة، خاصة أن وقت خلافته كان وقت فتن، أراد أن يعصم الأمة منها، وليس كما يزعم البعض أنه أراد أن يورث الحكم لأولاده، ولا شك أنه مجتهد نلتمس له بما سبق به من صحبة وفضل في الإسلام، والواجب الكف عن ذكر ما شجر بين الصحابة، لأن ذلك مما يفرق الأمة، ويجعل القلوب تحمل على البعض منهم، وهو مخالف لما ذكره النبي من عدم الطعن فيهم بقوله: " لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد، ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه "[113]، والكف عما شجر بينهم بقوله: "إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا, وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا , وَإِذَا ذُكِرَ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا"[114]

ث‌- أن الكلام على حريز بن عثمان صحيح فيما نقله أنه ناصبي، فقد ثبت أن رتبته عند ابن حجر: ثقة ثبت رمى بالنصب، ورتبته عند الذهبي: ثقة... و هو ناصبى، إلا أن الأستاذ البنا قد حاد حيدة كبيرة في قوله أن النصب هو السبب في تقديم بعض الرواة على بعض، وهو استنتاج لا وجود له في النصوص، فالبدعة ليست مانعا مطلقا من قبول الرواية عند أهل السنة، وإلا لضاع كثير منها، لكن لا يؤخذ من المبتدع ما يوافق بدعته، لذلك يقول عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: "لَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لِحَالِ الْقَدَرِ , وَلَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِذَلِكَ الرَّأْيِ , يَعْنِي التَّشَيُّعَ, خَرِبَتِ الْكُتُبُ"، وقَوْلُهُ: خَرِبَتِ الْكُتُبُ, يَعْنِي لَذَهَبَ الْحَدِيثُ[115]، ولذلك نلاحظ عناية أهل الحديث بالرواية عن الخوارج، لأن من أصول مذهبهم تكفير مرتكب الكبيرة، فنجد الإمام البخاري وأبي داود والنسائي قد أخرجوا لعمران بن حطان، وقد وثقوه، وقال عنه قتادة أنه لم يكن يُتَهَمُ في الحديث.[116]

2-كان ممن طعن فيهم من التابعين عبد الملك بن مروان:
وكان ممن طعن فيهم من الصحابة الطعن في عبد الملك بن مروان حيث قال فيه: "وجاء عبد الملك بن مروان الذي قال: من قال لي اتق الله قطعت عنقه"[117]

الرد:
أن هذا القول فيه تجنٍ على عبد الملك بن مروان، فهو أحد التابعين والفقهاء السبعة، والذي سمع من أبي بكر وأبي سعيد وأم سلمة ومعاوية وابن عمر، وقد قال فيه الذهبي: "ذَكَرْتُهُ لِغَزَارَةِ عِلْمِهِ"، وقال عنه الشعبي: "مَا جَالَسْتُ أَحَداً إِلاَّ وَجَدْتُ لِي عَلَيْهِ الفَضْلَ إِلاَّ عَبْدُ المَلِكِ"، وقال الإمام مالك عنه: " أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيْرَ عَبْدُ المَلِكِ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا القُرْآنَ"،وقال عنه الشعبي: "خَطَبَ عَبْدُ المَلِكِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ ذُنُوْبِي عِظَامٌ، وَهِيَ صِغَارٌ فِي جَنْبِ عَفْوِكَ يَا كَرِيْمُ، فَاغْفِرْهَا لِي"، وقال الذهبي:" كَانَ مِنْ رِجَالِ الدَّهْرِ، وَدُهَاةِ الرِّجَالِ، وَكَانَ الحَجَّاجُ مِنْ ذُنُوْبِهِ"[118].

فأهل السنة لا يقدسون الرجال، ولا يطرحونهم بمجر الخبر والخبرين اللذان لا يسقطون الرجل، خاصة أهل الفضل.

والحق أني لم أقف على هذا الخبر، فإن صح فهي من الكلمات المجملة التي لا بد من بيانها في سياقها، فقد تكون هي ذلة لسان، وقد تكون ردا على البهتان، وقد تكون أشياء، وليس معناها إغلاق باب الشورى، لكن الرجل على علم.

3-الطعن في أئمة الحديث على العموم:
أ‌- يقول الأستاذ البنا أن موضوع كتابه في الرد على أهل الحديث الذين نصبوا أنفسهم لجمع الحديث، وكما يقول:"ونسبتها إلى الرسول"، ويقول أنه في الرد عليهم لأنهم من أقوى الهيئات تأثيرا على الفكر الإسلامي، وأنهم يرون أنها من الفرق الناجية لأنهم يحملون اسم الرسول ويدعون رواية حديثه[119].

ب‌- ويقول الأستاذ البنا أن منهم من ذهب إلى وضع الأسانيد لكل كلام حسن، فعن محمد بن سعيد أنه قال: لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسنادا، ونقل عن سليمان بن عمرو النخعي أنه كان يضع لكل مسألة وحديث إسنادا"[120].

ت‌- وينقل أقوال أهل السنة في كثرة الحديث، فقد قال ابن داسة أن أبا داود كتب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة ألف حديث، انتخب منها للسنن أربعة آلاف وثمانمائة حديث منها الصحيح والضعيف، وكان البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، ونقل عن أحمد بن حنبل قوله أنه صح من الحديث سبعمائة ألف حديث.

الرد:
أ‌- أن الأستاذ البنا يقلب الحقائق، حيث قام بتحويل جهد السلف وعنايتهم بجمع سنته إلى أنهم قد نصبوا أنفسهم لهذه المهمة، فهذا وإن كان، فإنهم أصحاب الشرف إن نصبوا أنفسهم لهذه المهمة، لأنهم فازوا بدعاء النبي في قوله: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"[121]، وهم من استجابوا لقوله: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"[122].

ب‌- أن حشر الوضاعين في أهل الحديث قول لا يصح، بل لا تصح نسبتهم لها، وما نشأ علم الجرح والتعديل إلا من أجل الحفاظ على الدين من هؤلاء الذين يحاولون تصحيح مذاهبهم وإدخاله في الدين من خلال الوضع.

ت‌- أن قوله أن من الأئمة من حفظ مئات الآلاف من الأحاديث بسبب الوضع مردود عليه من أوجه، منها تعدد الإسناد الواحد لكل متن، ومنها أنهم كانوا يعلمون الصحيح والضعيف للعلم بالمذاهب المختلفة، وهو أمر مشروع كما قال حذيفة - رضي الله عنهم -: " كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"[123].

ث‌- أن قوله أن سليمان بن عمرو النخعي كان ممن يضعون الحديث صواب، وهو من قال في: "قال أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث. وقال أحمد بن أبي مريم، عن يحيى: معروف بوضع الحديث. وقال عباس، عن يحيى، قال: سمعت أبا داود النخعي يقول: سمعت خصيفا وخصافا ومخصفا قال: يحيى كان أكذب الناس. وقال البخاري: متروك، رماه قتيبة وإسحاق بالكذب."[124]، إلا أن هذا الاسم قد يلبس على عوام الناس وبعض طلبة العلم، فإن لقب النخعي مشترك بين هذا الوضاع وبين الإمام الفقيه المشهور إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو الكوفي النخعي، وهو من صغار التابعين، وروى له: (البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه)، فهذا الخلط هو ما يربك القارئ، ولا يجوز هذا القول في هذا المقام، والاستدلال بسليمان النخعي على أنه من أهل الحديث لأنه ليس منهم.

ج‌- أننا هذا الاستدلال بسليمان النخعي يحتمل أحد احتمالين: الأول أنه لا يدري الفارق بين سليمان النخعي وإبراهيم النخعي، والثاني أنه يتعمد إخفاء الأمر لغرض في نفسه هو التشغيب والتهويش، وعند إحسان الظن فإننا نقول أنه يجهل الفارق بينهما، وهذه ذلة ناتجة عن التسرع في إصدار الأحكام على المخالف.

4- طعنه في المفسرين من أهل الحديث:
أ‌- يقول الأستاذ البنا: "مما جاءت به قبيلة حدثنا أسباب للنزول تضحك الثكلى، وعمد هؤلاء إلى سورة من أجمل سور القرآن وأشدها تأثيرا وتعبيرا عن إحدى الفترات النفسية التي تعتور الأنبياء والمفكرين، وأضفى الله تعالى على نبيه فيها من كرمه ورعايته ما يعيد إليه الأمل هي سورة الضحى، فجعلوا سببها وجود جرو تحت سرير النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الحافظ ابن حجر: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح"[125]

والذي أراه، أنه يستخدم الطعن في أهل الحديث، لأنهم بمثابة أهل الغربة، لينطلق إلى عدم التقيد بما كتبه أهل الإسلام، ليطلق لنفسه العنان في التأويل العقلي لآرائه.

ب‌- ويقول أيضا: "وادعوا أن رسول الله تلى بعد "واللات والعزى" تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى"[126].

الرد:
أ‌- رغم أن الأستاذ البنا قد ذكر كتاب الأستاذ أبو شهبة الذي رصد الإسرائيليات والموضوعات في كتب السنة، فإنه لم يلتفت أن الأستاذ أبو شهبة قد وضح هذه القضية، وبَيَّنَ أنها من المراسيل ثم رد عليها مدافعا عن المحدثين بأمور[127]:
1- هذه الرواية مرسلة، وجمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني: فلا يؤمَن أن يكون كذابا.

الاحتجاج بالمرسل إنما هو في الفرعيات التي يكفي فيها الظن، أما الاحتجاج به على إثبات شيء يصادم العقيدة وينافي دليل العصمة فغير مسلم.

2- هذا التأويل الذي ارتضاه ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع متأوله فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالتسلط عليه بالمحاكاة، كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات، وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذي نطق في أثناء سكوت الرسول، فكيف لا يسمع ما حكاه الشيطان؟ وإذا سمعها، فكيف لا يبادر إلى إنكارها؟ والبيان في مثل هذا واجب على الفور، وإذا لم يسمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا، فكيف يسكتون؟ وإذا لم يسمعوا فهل بلغ من تسلط الشيطان أن يحول بينهم وبين السماع؟.

3- وأما بطلان القصة من جهة العقل والنظر: فقد قام الدليل وأجمعت الأمة على عصمته، عليه الصلاة والسلام من مثل ما روي إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهة العرب وهو كفر.

أما الرد على المسألة الثانية، وهي رواية الغرانيق، فإنه لا يجوز نسبتها لأهل الحديث، ففارق بين أهل الحديث الحقيقيين أصحاب العقيدة النقية، والمحافظين على أقوال خير البرية، وبين من حاول الانتساب إليهم حينما رأي انتصارهم على المبتدعة، فحاول طلب الحديث، وهو ليس أهلا له، فهؤلاء هم الوضاعون والكذابون، والمتروكون، فلا تجوز نسبتهم لأهل الحديث، فإن أهل الحديث كانت مهمتهم الحفاظ على سنة النبي ضد أعداء المنهج الصحيح، فلما ظهر الوضع في الحديث من أجل تأييد المذهب، قال لهم أهل الحديث: "سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ "[128]، ومن أجل الذب عن الدين ظهر علم المصطلح، وعلم الجرح والتعديل، من أجل ضبط مسألة التلقي والقبول لسنة رسول الله. وبخصوص القصة، فالأدلة على بطلانها قد بسطها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في كتابه: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، والذي قام بنشره المكتب الإسلامي.

5-كان ممن طعن فيهم أئمة الدعوة الوهابية:
وقد رمى أيضا أئمة الدعوة الوهابية بالتكفير ودعوة أتباعهم إليه، فقد قال طَاعِنَا فيهم أنهم يرمون مخالفيهم بالكفر، ويلزمون أتبعهم بالتكفير: "حقق العقيدة تحقيقا دقيقا، ونقب عن أسرارها وخوافيها، بحيث توصل إلى أن هناك أمور تؤخذ ببساطة في حين أنها تتضمن شركا أكبر وشركا أصغر، والأول يخرج صاحبه من الملة، والثاني يجعل إيمانه على حرف، وهي تفرض على كل واحد، الفلاح في حقله، والعامل أمام آلته، والموظف على مكتبه العلم بها والإيمان بها، وأن ينبذ من يخالفها بالكفر، وإن لم يفعل يصبح هو نفسه كافرا"[129]

الرد:
رغم أن الأستاذ البنا قد أثبت أن أئمة الدعوة الوهابية قد حققوا العقيدة تحقيقا دقيقا، إلا أنه قد رماهم في خاتمة قوله بأنهم دعاة للتكفير، وهو قول منشؤه من الغلاة الذين يصل غلوهم إلى الخروج من الدين، كغلاة الصوفية والشيعة، الذين يقعون في الشرك الأكبر بالغلو في الصالحين.

أما أئمة الدعوة الوهابية فهم محاربون للتكفير ما لم تنطبق شروطه وتنتفي موانعه، والنصوص في ذلك كثيره عن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأبنائه، ففي كتاب التوحيد لا نجده يذكر مسألة إلا بدليلها، مع تفريقه بين الشرك الأكبر والأصغر، إذ ليس كل شرك سببا للخلود في النار، وكذلك في رسالته نواقض الإسلام، وكشف الشبهات وغيرها من الرسائل.

وحينما سئل أبناء الشيخ رحمهم الله عمن لم تشمله دائرة إمامتهم أجابوا: "الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدا دان بدين الإسلام، لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى."[130]. ، ويقول حفيد الإمام الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "نحن لا نكفر بالمعاصي كما توهمه مطيعو العدو وإنما نكفر المشركين الذين كفرهم الله في كتابه المبين أو الراضين أعمالهم المظاهرين لهم علينا والمكفرينا بأمرنا ونهينا لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ونقاتلهم عليه وعلى سائر أفعال المعروف المتروكة."[131]، فليس أدل على مذهبهم من هذه النقول، فلا ينبغي التشغيب على دعوتهم دون تثبت، أو تلقف للأقوال دون تمحيص لها ولفهم صحيح الدين.

فمن ادعى أن أئمة الدعوة الوهابية قد صدر منهم غلو في التكفير فليأت بنص واحد عنهم، وليس عمن ينتسب إليهم، يثبت فيه غلوهم في مسائل التكفير، ومخالفتهم للنصوص الشرعية الواردة فيها وفي ضوابطها.

ثامنا: طعنه في أهل الحديث بأنهم دعاة للنمطية والماضوية والتخلف:
ويذهب إلى أن أهل الحديث هم من جنوا على المسلم العادي بجعله ينظر للماضي دون الحاضر، فيقول: "قبيلة حدثنا هي التي فرضت الشخصية النمطية للمسلم بصورة تجعلها الأسوأ، وأنها تجعله الذي ينظر دائما إلى الوراء..إلى الماضي، ولا ينظر إلى الأمام.. إلى المستقبل"، ثم يقول طاعنا في أهل الحديث أنها: "جعلت الطابع الرئيسي للمسلم النمطي السلبية والماضوية، ومعنى هذا أنها حكمت عليه بالإعدام الأدبي والمهني والاجتماعي لفقده كل المقومات التي يمكن بها أن يساهم في حياة العصر".[132]

الرد:
القول بأن أهل السنة يميلون للسلبية، والماضوية هي فرية معاصرة نوعا ما، واشتهر تداولها في هذا العصر، خاصة على يد العلمانيين والليبراليين، خاصة بعد أن ساهم بعض المنتسبين في تثبيت دعائم هذه الفرية، وذلك حينما اهتموا بدراسة العلوم الشرعية دون العلوم الدنيوية، ولم يدركوا أن الحياة لا تصلح إلا بالجناحين: الديني والدنيوي، وأن خير سلاح في هذا العصر هو العلم، والله جل وعلا أمر بإعداد القوة في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]، كما أمر الله بالتفكر في الكون واكتشافه، ولا يكون ذلك إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: 8].

وهنا توجيه للأستاذ البنا: ألا وهو التفريق بين سلوك بعض المنتسبين لأهل السنة، وبين من ينتسبون للسنة، فلا يجوز جعل أقوال المرء وأفعاله أصلا عاما في المذهب، وإنما يتم هنا التبعيض في الحكم، وليس التعميم، فكان ينبغي أن يقول: "بعض من ينتسبون لأهل السنة كذا"، فالإنصاف يقتصي منه ذلك، كما يقتضي أن يرجع بعض المنتسبين لأهل السنة عن مثل هذا الفهم، وعلى أئمة الدعوة السلفية بيان كيفية المنهج الصحيح للنهوض بالأمة، لا الاكتفاء بالمسائل العلمية فحسب، وهذا الإسهام منهم سيكون له كبير الأثر في دفع الأمة للأمام في العلم الديني والدنيوي.

تاسعا: سخريته من الملتزمين بالسنة قولا وعملا:
ثم يقول: أنه يجعله يسير منكسرا حتى لا يتهم بالخيلاء، أو ينظر للنساء، ويبدأ يومه بالأذكار، ويدخل للخلاء بيده اليسرى ليقضي حاجته، ويصلي الضحى، ويتلو دعاء الخروج، ثم دعاء الركوب، وأنه يهرع لصلاة الظهر بمجرد سماع الأذان ولو أمامه طابور طويل، ثم يقضي النفل ويعود متكاسلا للناس، ويفضل أن يأكل بيديه دون الشوكة والسكين، ويبدأ الطعام بدعاء ويختتمه بدعاء[133].

الرد:
أن هذا الكلام فيه خلط شديد بين السنن الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، كالنظر لعورات النساء، وآداب قضاء الحاجة، وصلاة الضحى، والأذكار، وبين الممارسات الخاطئة لبعض المتدينين الذين يفهمون التدين بصورة خاطئة، كالمشي بانكسار دون قوة، وكمن يعطل الواجبات كمصالح الناس الحاضرة على وقت الصلاة المستحب، وغير ذلك من الممارسات، فكان الواجب عليه أن يفصل بين هذه الأمور، لا أن يضعها في إطار واحد لأنهما لا يستويان، وهو يعني أنه إما أنه يجهل هذه السنن، وإما أنه لا يأخذ بها لورودها في بعض أحاديث الآحاد، فأحلاهما مر.

فليحذر من يسخر من السنن أن تصيبه فتنة أو عذاب أليم، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقول الله جل وعلا في المنافقين الذين سخروا من الصحابة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66]، فهذه الأقوال التي يقولها الأستاذ البنا تنطبق عليها هذه الآيات، فليحذر الأستاذ البنا من مخالفة أوامر النبي، والسخرية من الشعائر، فإن الوصول إلى هذه المرحلة تجعل المرء على شفا حفرة، نسأل الله أن ينقذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يحسن خاتمتنا، والحمد لله رب العالمين.

الخاتمة وأهم النتائج

1- أن الأستاذ جمال البنا ليس من المشتغلين بالبحث العلمي، وذلك جلي في دراساته السطحية وتلقف الشبهات دون تمحيص لها.
2- أنه من الواضح طلبه للعلم على كتب الشبهات والثقافة فحسب، دون الرجوع إلى أقوال أهل السنة وتأصيلهم لكل الشبهات التي رد عليها.
3- التسرع في إصدار الأحكام دون تثبت من القائلين لها، أو ثبوتها، من ذلك عدم وقوفه على قضية الردة بتفاصيلها في كتب أهل السنة، وموقف السلف من قضايا الاعتقاد.
4- أنه يدخل في أهل الحديث من ليس منهم، كالوضاعين والكذابين، مما يجعله يسيء في الحكم عليهم، ويأتي بأحكام غير منصفة.
5- عدم الضبط العلمي الذي لوحظ في عدم تمييزه بين أعلام أهل السنة وغيرهم حال تشابه الأسماء، ومثاله سليمان النخعي الكذاب، وإبراهيم النخعي الفقيه.
6- عدم فهمه لمنهج السلف، وخلطه بين سلوك أتباع المذهب، والمذهب ذاته.
7- رميه أئمة الدعوة الوهابية بالغلو في التكفير
8- رميه أهل السنة بنصب العداء لآل البيت، وأن بدعة النصب كانت سببا في قبول خبر الراوي.
9- جهله بالفارق بين رواية المبتدع وبين قبول بدعته، فقد ادعى أن أهل السنة يزكون النواصب لبدعتهم قبولهم رواية بعض النواصب.
10- تحامله الشديد على السلف في عقيدتهم، ومنهجهم.
11- رفضه لأخبار الآحاد، وسخريته من كل ما ورد بها من أخبار.
12- ملازمته للسخرية من الملتزمين بالسنة في غالب أقواله، فلا تفوت مناسبة إلا ويذكرهم تعريضا أو تصريحا.

المصادر والمراجع

الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة، الناشر: مكتبة السنة، الطبعة: الرابعة
الانتصار لأصحاب الحديث، أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي، تحقيق محمد بن حسين بن حسن الجيزاني، مكتبة أضواء المنار – السعودية، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1996م
البحر المحيط في أصول الفقه، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، دار الكتبي الطبعة الأولى، 1414هـ - 1994م
تهذيب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة الطبعة الأولى، 1326هـ
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي، تحقيق د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى، 1400 – 1980.
تفسير القرآن العزيز، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي، تحقيق أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة، الطبعة الأولى، 1423هـ - 2002م.
تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420هـ - 1999م
التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، دار طيبة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1404هـ/ 1984م.
جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000 م
الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ.
الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ - 1964م
جناية قبيلة حدثنا، جمال البنا، دار الفكر الإسلامي، القاهرة.
حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام، جمال البنا، دار الفكر الإسلامي، القاهرة.
الدر المنثور، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، دار الفكر – بيروت
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني، دار المعارف، الرياض - الممكلة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ / 1992 م.
السيرة النبوية لابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، 1375هـ - 1955 م
العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري، تحقيق د/مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال
روضة الطالبين وعمدة المفتين، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان، الطبعة: الثالثة، 1412هـ / 1991م،
فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة - بيروت، 1379، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي، دار الفكر للطباعة والنشر، 1414هـ/1994م
الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي الأسفراييني، أبو منصور،دار الآفاق الجديدة – بيروت، الطبعة الثانية، 1977
الفصول في الأصول، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية، 1414هـ - 1994م
معجم اللغة العربية المعاصرة، د /أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1429 هـ - 2008 م.
الموضوعات، جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، ضبط وتقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، جـ 1، 2: 1386 هـ - 1966 م، جـ 3: 1388 هـ - 1968 م
ميزان الاعتدال في نقد الرجال، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1382 هـ - 1963 م.
نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، مطبعة سفير بالرياض، الطبعة الأولى، 1422هـ.
المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[1] - رواه الإمام الترمذي في سننه ( 1105) وصححه الألباني.

[2]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(6

[3]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(7، 24)

[4]- انظر حرية الفكر (24)

[5]- انظر جناية قبيلة حدثنا(103-104

[6]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(6878)

[7]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (6922)

[8]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(17

[9]-تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (2/ 313)

[10]-تفسير ابن كثير (4/ 361)

[11]-الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (5/ 64)

[12]-انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 141)

[13]- انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 142)

[14]- انظر البحر المحيط في أصول الفقه (6/ 527)

[15]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (22-23)

[16]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (3617)

[17]- صحيح مسلم (2781)

[18]-كان زوجا لأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان

[19]-انظر تفسير القرطبي (14/ 165)

[20]-سيرة ابن هشام ت السقا (1/ 223)

[21]-رواه الإمام أبو داود في سننه برقم 2107، وصححه الألباني

[22]-سيرة ابن هشام (1/ 223)

[23]- جناية قبيلة حدثنا(95)

[24]-انظر البحر المحيط في التفسير (3/ 251)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور (2/ 257)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (2/ 643)

[25]-انظر جامع المسانيد والسنن (7/ 310)، أسد الغابة (5/ 59)

[26]-حرية الفكر (23)

[27]- انظر تفسير الطبري = جامع البيان (5/ 410)، تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 343)

[28]- انظر تفسير الطبري = جامع البيان (5/ 407)

[29]- انظر تفسير الطبري = جامع البيان (5/ 409)

[30]-الدر المنثور في التفسير بالمأثور (2/ 21)

[31]-رواه الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك برقم (1784)

[32]-رواه الإمام أبو داود برقم 2682، وصححه الألباني، تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر( 5/ 408)

[33]- حرية الفكر(25)

[34]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح( 233)

[35]-مسلم(1671)

[36]- رواه الإمام النسائي(4029) في سننه وصححه الألباني

[37]- رواه الإمام ابن ماجه (2578) في سننه، وصححه الألباني

[38]- رواه الإمام مسلم من حديث عبدالله بن مسعود برقم(1676)

[39]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(27)

[40]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(30)

[41]-فتح الباري لابن حجر (12/ 202)

[42]- رواه الإمام النسائي من حديث عثمان بن عفان برقم 4069، وصححه الألباني، رواه الإمام النسائي من حديث عثمان بن عفان برقم 4057، وصححه الألباني

[43]-سنن الترمذي(2158)، وصححه الألباني

[44]-أخرجه النسائي في سننه برقم (4063)، وقال الألباني صحيح لغيره

[45]- أخرجه النسائي في سننه برقم (4064)، وقال الألباني صحيح

[46]-تهذيب الكمال في أسماء الرجال (20/ 270-271)

[47]-تهذيب التهذيب (7/ 272)

[48]-رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبدالله بن عباس برقم (6922)

[49]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(31)

[50]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(31)

[51]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(31)

[52]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(30)

[53]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(30)

[54]-العين (5/ 255)

[55]-رواه الإمام النسائي(4028) في سننه، وصححه الألباني

[56]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (3019)

[57]- ميزان الاعتدال (1/ 353)

[58]-المعجم الكبير للطبراني (19/ 419)

[59]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(36)

[60]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(37)

[61]-انظر صحيح البخاري = الجامع الصحيح (3044)

[62]-رواه الإمام أبو داود (4361) في سننه، وصححه الألباني

[63]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(4344)

[64]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(39)

[65]-أخرجه الإمام مالك برقم(15)

[66]-ص حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (49-50)

[67]-تفسير الطبري = جامع البيان (6/ 507)

[68]-روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 65)

[69]-فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (2/ 188)

[70]-فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (2/ 188)

[71]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (3005)

[72]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (4907)

[73]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(41-42)

[74]- انظر حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(42)

[75]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (6924)، مسلم (20)، الترمذي (2607)، أبو داود (1556)، النسائي (3980)

[76]-ص حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (45-46)

[77]- جناية قبيلة حدثنا(25)

[78]- صحيح البخاري = الجامع الصحيح (4547)

[79]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (5041)

[80]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(5479)

[81]-رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث ابن عمر برقم (4691)، وحسنه الألباني

[82]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(4677)

[83]- جناية قبيلة حدثنا(44)

[84]- جناية قبيلة حدثنا(45)

[85]-الفرق بين الفرق (313)

[86]-الفصول في الأصول (1/ 174)

[87]-الفصول في الأصول (2/ 360)

[88]- جناية قبيلة حدثنا(82-83)

[89]- جناية قبيلة حدثنا(85)

[90]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(4581)

[91]- جناية قبيلة حدثنا(106)

[92]- جناية قبيلة حدثنا(32)

[93]- جناية قبيلة حدثنا(84)

[94]- جناية قبيلة حدثنا(84)

[95]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(832)

[96]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(218)

[97]- جناية قبيلة حدثنا(105-106)

[98]- جناية قبيلة حدثنا(30)

[99]- جناية قبيلة حدثنا(30)

[100]-ينظر في ذلك إلى كتاب السنة للإمام أحمد، والسنة للخلال، والسنة لابن أبي عاصم، ومعاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة للشيخ عبد السلام البرجس.

[101]- حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام(18)

[102]-جناية قبيلة حدثنا(89)

[103]- جناية قبيلة حدثنا(90)

[104]- جناية قبيلة حدثنا(90)

[105]-انظر جناية قبيلة حدثنا(90-91)

[106]- جناية قبيلة حدثنا (99).

[107]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح (3268)

[108]- جناية قبيلة حدثنا(38)

[109]- جناية قبيلة حدثنا(40)

[110]- جناية قبيلة حدثنا(38)

[111]-رواه الإمام الترمذي في سننه برقم 3842، وصححه الألباني

[112]- صحيح مسلم (2408)

[113]- صحيح البخاري = الجامع الصحيح(3673)

[114]- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 143)

[115]- الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي((129)

[116]-انظر ميزان الاعتدال (3/ 236)

[117]-جناية قبيلة حدثنا (42)

[118]-سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 246-249)

[119]-جناية قبيلة حدثنا (3)

[120]- جناية قبيلة حدثنا (64)

[121]-رواه الإمام أبو داود في سننه برقم (3660)، وصححه الألباني

[122]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(3461)

[123]-صحيح البخاري = الجامع الصحيح(3606)

[124]- ميزان الاعتدال (2/ 216)

[125]-جناية قبيلة حدثنا(88)

[126]- جناية قبيلة حدثنا(99)

[127]- الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (317-322)

[128]- صحيح مسلم (1/ 15)

[129]- جناية قبيلة حدثنا (75-76)

[130]- الدرر السنية في الأجوبة النجدية (9/ 252)

[131]- التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: 30)

[132]-انظر جناية قبيلة حدثنا(101-102)

[133]- انظر جناية قبيلة حدثنا(101-102)





  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
موقف المؤمن من الفتن نور الإسلام هدي الإسلام 0 31-10-2013 11:37 AM
الكتبة المجهولون .. الأستاذ معاذ عليان مع الشيخ إيهاب والأستاذ أحمد حسن نور الإسلام هدي الإسلام 0 06-06-2013 06:35 PM
موقف أهل السنة والجماعة من آل البيت مزون الطيب هدي الإسلام 0 02-02-2012 03:13 PM
شبه نسبة المكر إلى الله | الأستاذ عبد الرحيم الشريف مزون الطيب هدي الإسلام 0 30-01-2012 05:33 PM
شبهة ضياع القرآن بقتل أصحابه في حروب الردة مزون الطيب هدي الإسلام 0 26-01-2012 05:41 PM


الساعة الآن 08:21 PM
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22